وما يتبع ذلك.
والاستسقاء لغة: طلب السقيا. وشرعًا: طلب سقيا العباد كلًا أو بعضًا من الله تعالى عند الحاجة إليها.
ولو قال باب الاستسقاء .. لكان أعم، فيشمل الاستسقاء بالصلاة وغيرها، والأصل فيه الاتباع، والإجماع.
نعم؛ النوع الثالث بدعة عند الحنفية، وهو مردود بالأخبار الصحيحة.
وقدم الكسوف عليها؛ لأنها أفضل منها.
(وسن) مؤكدًا لكل أحد (الاستسقاء) بأنواعه الثلاث عند الاحتياج للماء أو زيادته ولو للغير ما لم يكن ذا بدعة أو ضلالة.
وأدنى الثلاثة كونه (بالدعاء) فرادى أو مجتمعين في أي وقت من غير صلاة.
وأوسطها بالدعاء (خلف الصلوات) ولو نفلًا (وفي خطبة الجمعة) ونحوها كعقب درس وأذان؛ لأنه في ذلك أقرب إلى الإجابة.
(و) ثالثها وهو (الأفضل): الاستسقاء بخطبتين وركعتين على الكيفية الآتية؛ لثبوتها في الصحيحين وغيرهما.
ويكرر الاستسقاء بأنواعه الثلاثة، أو بعضها حتى يسقوا؛ لخبر: "إن الله يحب الملحين في الدعاء".
فإن أرادوا التكرير بالصلاة والخطبة .. خرج بهم من الغد صيامًا، فإن شق ورأى التأخير أيامًا .. صام بهم ثلاثًا، وخرج بهم في الرابع صيامًا، وهكذا.
فإن سقوا قبل الصلاة .. أتموا صيام الأيام إن لم تتم، واجتمعوا لشكر ودعاء، وخطب بهم، وصلوا صلاة الاستسقاء.
وفرق في "التحفة" بين هذا، وما لو وقع الانجلاء بعد اجتماعهم.
ووجهه: أن القصد بالصلاة ثم دفع التخويف المقصود بالكسوف، كما دلت عليه
[ ٤٣٤ ]
الأحاديث، وقد زال، وهنا تجديد الشكر على هذه النعمة الظاهرة، ولم يفت.
أو بعدها .. لم يجتمعوا لشكر ولا دعاء.
ويسن -كما في "التحفة" و"النهاية"- أو يجب -كما في "فتاوى (م ر) "-، حيث اقتضت المصلحة ذلك (أن يأمر الإمام) أو نائبه العام، كالقاضي والوزير أو ذو شوكة بمحل انحصرت قوته فيه (الناس) مريد الحضور وغيره (بالبر) من نحو صدقة وعتق وتوبة وخروج من المظالم.
(و) يأمر المطيقين منهم بموالاة (صوم ثلاثة أيام) قبل يوم الخروج الآتي؛ لأن الصوم معين على الرياضة والخشوع، وبأمره يصير واجبًا، فيجب فيه تبييت النية، والتعيين كما قاله الشرقاوي.
ولو لم يبيت ونوى نهارًا .. كفاه عن المأمور به، ووقع نفلًا مطلقًا.
فتبييت النية إنما هو لدفع الإثم، وإذا لم ينو نهارًا .. لم يجب عليه الإمساك، ولا يجب قضاؤه، ويكفي صوم هذه الأيام المأمور بها عن نذر أو قضاء أو كفارة.
ولا يجوز فطره عند (م ر) في السفر؛ لأنه لا يقضي، ولا يجب على الآمر وإن قلنا: المتكلم يدخل في عموم كلامه؛ لبعد أن يوجب الإنسان على نفسه شيئًا بغير صيغة التزام.
وإذا سقوا قبل تمام الأيام المأمور بها .. وجب إتمامها.
ولو أمر الإمام بالصيام في النصف الأخير من شعبان، أو أمر الصبيان بالصوم .. وجب، ولو أمر من هو في ولايته، ثم خرج عنها .. لم يسقط، ولو أمر بصدقة .. وجب أقل متمول، والمخاطب به من يخاطب بزكاة الفطر، فإن عين قدرًا على كل إنسان أو بعض الناس .. لزمه ما عينه إن كان غنيًا، فإن كان بقدر زكاة الفطر .. لزم من تلزمه، وإن كان زائدًا عليها .. وجب إن كان غني زكاة، أي: بأن فضل عما يكفيه للعمر الغالب، وإلا .. وجب أقل متمول، وإذا أمر بحرام على المأمور وإن لم يكن حرامًا عند الآمر .. لم تجب طاعته فيه، أو بمباح للمأمور كالتسعير، أو بمندوب لا مصلحة عامة فيه، كصلاة راتبة .. وجب ظاهرًا فقط، أو بمندوب فيه مصلحة عامة كالصيام للاستسقاء .. وجب ظاهرًا وباطنًا، أو بواجب .. تأكد وجوبه، وفي "الأصل" بسط هنا.
[ ٤٣٥ ]
(ويخرجون) بعد صوم الثلاثة حيث لا عذر (في) اليوم (الرابع صيامًا) فيه كالثلاثة قبله؛ إذ الصائم لا ترد دعوته، ونظم من لا يرد دعاؤهم بعضهم بقوله (البسيط):
وسبعة لا يرد الله دعوتهم مظلومُ والدُ ذو صوم وذو مرض
ودعوةٌ لأخ بالغيب، ثم نبي لأمة ثم ذو حج بذاك قضي
(إلى الصحراء) ولو في مكة والمدينة وايلياء؛ لأنهم يخرجون بالصبيان والبهائم، والمسجد ينزه عنهم.
وفي "التحفة": إلا في المساجد الثلاثة على ما قاله جمع؛ لاتباع السلف والخلف.
والصبيان والبهائم توقف بباب المسجد، وإلا إن قلوا .. فالمسجد أفضل لهم (بثياب البذلة) -بكسر الموحدة، وسكون المعجمة- أي: ثياب الخدمة؛ لأنه اللائق بالحال من إظهار المسكنة، ولا يصحبون طيبًا (متخشعين) في مشيهم وجلوسهم، مع حضور القلب وامتلائه بالهيبة والخوف من الله تعالى.
(و) يخرجون (بالمشايخ والصبيان) ولو غير مميزين؛ لأن دعاءهم أقرب إلى الإجابة، وبالمجانين الذين لا يخاف منهم عند (حج) (والبهائم)؛ لأن الجميع طالبون فضله تعالى؛ ولخبر: "لولا شباب خشع، وبهائم رتع، وشيوخ ركع، وأطفال رضع .. لصب عليكم العذاب صبًا".
ويكره إخراج الكفار ولو ذميين معنا أو منفردين؛ لأنهم ربما كانوا سبب القحط، فإن خرجوا .. أمروا بالتميز عنا، ولا ينفردون بيوم كما في "التحفة" و"شرحي الإرشاد".
وفي "الايعاب": ينبغي أن يحرص الإمام على أن يكون خروجهم في غير يوم خروجنا.
وفي "شرحي الزبد والبهجة" لـ (م ر): ولا يمنعون في يومنا ولا غيره.
ويسن كون خروجهم (بعد غسل وتنظيف) بالماء والسواك وقطع الروائح الكريهة؛ لئلا يتأذى بعضهم ببعض، وخروج في طريق، ورجوع بأخرى.
(ويصلون) الاستسقاء (ركعتين كالعيد) أي: كصلاته، فيكبر في أوّل الأولى
[ ٤٣٦ ]
سبعًا، وأول الثانية خمسًا يقينًا، ويأتي بجميع ما مرَّ ثم، ويجوز إن يصليها بأكثر من ركعتين بإحرام واحد إن نوى ذلك عند (حج).
وتخالف العيد في: جواز الزيادة على الركعتين، وفي عدم تقييدها بوقت، بل تجوز ولو في الليل، ووقت الكراهة.
نعم؛ الأكمل صلاتها في وقت العيد، وفي المناداة لها والصوم قبلها.
(ويخطب خطبتين) كخطبتي العيد فيما مر فيهما، لكن يجوز هنا خطبتان (أو واحدة) على ما مر في الكسوف وكونها قبل الصلاة (وبعدها أفضل)؛ لأنه الأكثر من فعله ﷺ، بخلاف خطبة العيد والكسوف لم ترد قبل صلاتهما.
(و) في أنه إذا خطب هنا (استغفر الله تعالى بدل التكبير) قبل الخطبة الأولى تسعًا، وقبل الثانية سبعًا يقينًا؛ لأنه اللائق، ولآية (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) [نوح:١٠] ويسن الإكثار من قراءتها إلى (أَنْهَارًا).
ومن الاستغفار، والأولى كون صيغته: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.
وقيل: يكبر كالعيد (ويدعو) في الخطبتين (جهرًا) والأولى كونه بدعاء رسول الله ﷺ.
ومنه دعاء الكرب، وهو: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات وورب الأرض ورب العرش الكريم.
ومنه: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.
ويسن الإكثار من: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ومن الأدعية الواردة في ذلك ومنها: اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا مُريعًا -بضم أوله- غدقًا مجللًا سحًا طبقًا دائمًا، اللهم اسقنا الغيث والرحمة ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكو إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وادرّ لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا.
[ ٤٣٧ ]
(و) تخالف الخطبة هنا خطبة العيد أيضًا في أنه إذا خطب هنا (استقبل القبلة) بالدعاء (بعد) مضي (ثلث الخطبة الثانية) كما هو الأفضل إلى فراغ الدعاء فإن استقبل في الأولى .. جاز ولم يستقبل في الثانية، وإلا .. كره.
(وحوَّل الإمام والناس) حال جلوسهم (ثيابهم) أي: أرديتهم (حينئذٍ) أي: حين استقباله القبلة، بأن يجعل ما كان على كل جانب من الأيمن والأيسر والأعلى والأسفل على الآخر، وهذا في المربع.
أمَّا المثلث والمدور والبالغ الطول .. فليس فيه إلا تحويل ما على أحد الجانبين على الآخر.
وحكمته: التفاؤل بتغيير الحال إلى الرخاء.
(وبالغ فيها) أي: الثانية حال استقباله (في الدعاء سرًا وجهرًا) فإذا أسرَّ .. دعوا سرًا، وإذا جهر .. أمَّنُوا على دعائه، ويجعلون ظهور أكفهم في الدعاء إلى السماء ككل دعاء لرفع بلاء واقع أو متوقع.
(ثم) بعد فراغه من الدعاء (استقبل الناس) وحثهم على الطاعة، وصلى وسلم على النبي ﷺ، وختم بأستغفر الله لي ولكم، وترك كلٌّ رداءه محولًا حتى ينزع ثيابه، ويستشفع كلٌّ بخالص عمله، وبأهل الخير سيما أقاربه ﷺ.
* * *