من حيث ما تميزت به من اشتراط أمور لصحتها، وأخرى للزومها، وكيفية لأدائها، وتوابع لذلك.
وهي بإسكان الميم وتثليثها، والضم أفصح، وبالسكون فقط: اسم للأسبوع.
وسميت بذلك؛ لاجتماع الناس لها، أو لاجتماع آدم بحواء فيه، أو لأن الله جمع خلق آدم فيه، ويسمى في الجاهلية: يوم العروبة.
وهي فرض عين.
وروي أن يومها سيد الأيام وأعظمها.
وصحح ابن حبان خبر: "لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة".
وفي خبر مسلم: "إنه خير يوم طلعت عليه الشمس".
وفي الخبر: "يعتق الله فيه ست مئة ألف عتيق من النار، من مات فيه .. كتب له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر".
وهي من خواص هذه الأمة، وأفضل أيام الأسبوع، بل عند أحمد إنه أفضل من يوم عرفة، وفضَّل كثير من أصحابه ليلته على ليلة القدر.
والجديد: أن صلاتها مستقلة لا ظهر مقصورة؛ لأنه لا يغني عنها، ولقول عمر: (إنها تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ).
وهي: ركعتان، وهي كغيرها في الأركان والشروط والآداب.
ولكن إنما (تجب الجمعة على كل مكلف) أي: بالغ عاقل، وكذا متعد بمزيل عقله، وإن لم يكن مكلفًا .. فتلزمه كغيرها لزوم انعقاد سبب؛ إذ لا تصح منه فيقضيها عند إفاقته فورًا (حرٍّ، ذكرٍ، مقيم) بمحل الجمعة، أو بمحل يسمع النداء منه (بلا مرض، ونحوه مما تقدم) في أعذار الجمعة والجماعة.
فدخل في (مكلف حر إلخ) الأخير؛ إذ المعتمد أن المعتمد أن الإجارة غير عذر في
[ ٣٨١ ]
الجمعة، بخلاف جماعة غيرها إن طال زمنها على زمن الانفراد، ويفرق بأن الجماعة صفة تابعة وتتكرر، فاشترط لاغتفارها أن لا يطول زمنها على زمن الانفراد وإلا .. اكتفي لتفريغ الذمة بالصلاة فرادى، بخلاف الجمعة فلم تسقط وإن طال زمنها على زمن الانفراد، والكلام في الصحيحة.
أمَّا الفاسدة .. فتجب فيها الجماعة ما لم يضع يده على ما يتلف أو يفسد عمله فيه بحضوره الجمعة أو الجماعة، وإلا .. فلا تجب وإن أثم؛ وذلك للخبر الصحيح: "الجمعة حق واجب على كلّ مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض".
فلا جمعة على غير مكلف ومن أُلحق به كصبي ومجنون ومغمىً عليه، ولا على من فيه رق وإن قل، ولا على غير ذكر من امرأة أو خنثى، ولا على مسافر ولو سفرًا قصيرًا، ولا على من له عذر من أعذار الجمعة السابقة مما يمكن إتيانه هنا، كمرض يشق معه الحضور كمشقة المشي في المطر أو الوحل.
نعم؛ تسن لمريض أطاقها، ولعجوز مبتذلة، ولسيد قن أن يأذن له في حضورها، ويجب أمر الصبي بها كغيرها من مأمورات الشرع.
ومن العذر: إبرار قسم من حلف عليه أنه لا يخرج من بيته مثلًا خوفًا عليه، ومن حلف أنه لا يصلي خلف زيد فولي إمامة الجمعة، وقيل: يصلي خلفه ولا يحنث؛ لأنه مكره شرعًا، ولو اجتمع في الحبس أربعون .. لزمهم إقامتها فيه عند (م ر).
(وتجب) الجمعة على أعمى وجد قائدًا ولو بأجرة فاضلة عما يعتبر في الفطرة، وإلا .. فلا وإن أحسن المشي بالعصا أو قرب منزله، ولم يخش ضررًا عند (حج)، وعلى زمن وجد مركبًا لا يشق عليه ركوبه، و(على المريض، ونحوه) ممن عذر بمرخص في ترك الجماعة (إن حضر) محل إقامتها، أو قريبًا منه مما لا يبقى معه مشقة في الحضور (وقت إقامتها) ولا يجوز له الانصراف إن لم يصل الظهر قبل حضوره؛ لزوال المشقة بحضوره، لكن لو انصرف .. لا يجب عليه العود.
نعم؛ إن كان هناك مشقة في عدم انصرافه لا تحتمل عادة، كمن به إسهال ظن انقطاعه، فحضر ثم عاد .. فله الانصراف وإن أحرم بها، حيث علم أنه إن استمر فيها .. جرى جوفه، بل يجب، وكذا إن زاد ضرره بتطويل الإمام.
[ ٣٨٢ ]
(أو حضر في الوقت) أي: بعد الزوال (ولم يشق عليه الانتظار) بأن لم يزد ضرره بالانتظار، فلا يجوز له الانصراف؛ لأن المانع: مشقة الحضور وقد حضر، أمَّا إذا حضر قبل الوقت .. فله الانصراف وإن لم يتضرر بالانتظار، ولمن لا تلزمه الانصراف مطلقًا ما لم يحرم بها.
(و) كما تجب على أهل محل إقامتها تجب أيضًا (على) غيرهم من (من بلغه) نداء الجمعة، بحيث يعلم أن ما سمعه نداؤها وإن لم تبن له كلماته، وبحيث يكون معتدل السمع؛ لخبر: "الجمعة على من سمع النداء"، وهو ضعيف، ولكن له شاهد جيد، وهو خبر: "من سمع النداء، فلم يأته .. فلا صلاة له إلا من عذر"، أي: تجب على مقيم بمحل بحيث يبلغه ولو بالقوة، وهو واقف بطرف محلته الذي يلي (نداء) شخص (صيت) أي: عالي الصوت عرفًا، يؤذن كعادته في علو الصوت، وهو واقف بمستو ولو تقديرًا (من طرف موضع الجمعة) الذي يلي السامع (مع سكون الريح) ولو تقديرًا؛ لأنها تارة تعين على السمع، وتارة تمنعه.
(والصوتِ)؛ لأنه يمنع وصول النداء.
وتجب أيضًا على مسافر من محلها إلى المحل المذكور، وعلى العاصي بسفره.
وأفهم قولنا: بمستو ولو تقديرًا: أنه لو علت قرية وسمعوا النداء، ولو استوت .. لم يسمعوا، أو انخفضت .. فلم يسمعوا، ولو استوت .. لسمعوا .. وجبت في الثانية دون الأولى؛ لتقدير الاستواء.
ولمن حضر صلاة عيد يومُه يوم جمعة الانصراف بعده قبل دخول وقتها، وعدم العود إليها وإن سمعوا النداء؛ تخفيفًا عليهم، فإن لم يحضروا العيد .. لزمتهم.
وهذا في محل لا يبلغ أهله أربعين كاملين، وإلا .. فتجب عليهم ببلدهم وإن لم تكن مصرًا، ويحرم ذهابهم لها لبلدة أخرى.
و(لا) تجب (على مسافر سفرًا مباحًا طويلًا أو قصيرًا) إن فارق محل إقامته قبل الفجر.
(ويحرم على من لزمته) وإن لم تنعقد به، كمقيم غير متوطن (السفر بعد الفجر)
[ ٣٨٣ ]
ولو قصيرًا أو طاعةً؛ لأنها منسوبة إلى اليوم وإن كان وقتها بالزوال، ولذا دخل غسلها بالفجر، ولزم بعيد الدار السعي قبل وقتها من الفجر؛ ليدركها.
(إلا مع إمكانها) بأن يغلب على ظنه إدراكها (في طريقه)، أو مقصده؛ لحصول المقصود، وحينئذٍ فلا يحرم وإن تعطلت بلده عن الجمعة بأن كان تمام الأربعين فيها؛ لأنه تعطيل لحاجة .. فلا يضر، بخلاف ما لو عطل أربعون بلدهم عن الجمعة؛ لأنه لغير حاجة، ولو تبين خلاف ظنه أنه يدركها .. فلا إثم، لكن لو أمكنه العود وإدراكها .. وجب.
(أو توحش بتخلفه عن الرفقة) وإن لم يخف ضررًا.
وفي "التحفة" كـ"النهاية": أن مجرد الوحشة ليس بعذر.
ولو احتاج للسفر؛ لإدراك عرفة أو مال .. جاز ولو بعد الزوال، بل يجب لإنقاذ حيوان.
ويكره السفر ليلة الجمعة؛ لما روي بسند واهٍ: "من سافر ليلة الجمعة .. دعا عليه ملكاه".
(وتسن الجماعة في ظهر المعذورين) الذين ببلد الجمعة؛ لعموم الأدلة الطالبة للجماعة (ويخفونها) كأذانها ندبًا (إن خفي العذر)؛ لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام، ولذا كره إظهارها، بخلاف من هم خارج البلد أو فيها وقد ظهر عذرهم، فيظهرونها ندبًا.
ولو زال العذر أثناء الظهر قبل فوات الجمعة .. أجزأتهم.
ويسن لهم الجمعة (ومن صحت ظهره) ممن لا تلزمه الجمعة، كالصبي (.. صحت جمعته) إجماعًا؛ لأنها أكمل في المعنى وإن كانت أقصر صورة، فإذا اجزأت الكاملين الذين لا عذر لهم .. فأصحاب الأعذار أولى.
قال (ق ل): قوله: صحت جمعته، أي: أجزأته عن ظهره؛ لأنها تسقط الظهر عن غير أهل الأعذار، فأهل الأعذار بالأولى.
والفرق بين الإجزاء والصحة أن الإجزاء يستلزم اسقاط القضاء، بخلاف الصحة.
(ومن وجبت عليه) الجمعة وإن لم تنعقد به (.. لا يصح إحرامه بالظهر قبل سلام الإمام) من الجمعة يقينًا ولو بعد رفع رأسه من ركوع الثانية؛ للزومها له ما أمكن، كما
[ ٣٨٤ ]