(باب) كيفية (صلاة الخوف)
وما يذكر معها من اللباس من حيث إنها يحتمل فيها ما لا يحتمل في غيرها، كتطويل الاعتدال في صلاة عسفان، وفحش المخالفة في صلاة ذات الرقاع للفرقة الثانية، واقتداء المفترض بالمتنقل في صلاة بطن نخل، وكثرة الأفعال، وترك القبلة في صلاة شدة الخوف.
وهي جائزة عندنا حضرًا وسفرًا، ووردت على ستة عشر نوعًا، اختار الشافعي ﵁ منها أربعة:
الأول: صلاة عُسْفان، وهي: والعدو في جهة القبلة، والمسلمون كثير بحيث يقاوم العدو كل فرقة منا ولا ساتر، فيصلي الإمام بهم ويسجد بصف أول، ويحرس ثان، فإذا قاموا .. سجد من حرس ولحقه، وسجد معه بعد تقدمه، وتأخر الأول ندبًا بلا كثرة أفعال في الثانية، وحرس الصف الآخر، فإذا جلس للتشهد .. سجدوا، وتشهد وسلم بالجميع، وجاز عكسه، ولو حرس فيهما فرقة صف .. جاز.
الثاني: صلاة بطن نخل، وهي: والعدو في غير القبلة أو فيها وثم ساتر، فيصلي مرتين كل مرة بفرقة، والأخرى تحرس، فتقع الثانية له نفلًا، وهي سنة هنا.
الثالث: صلاة ذات الرقاع، وهي: والعدو كذلك، فتقف فرقة في وجه العدو، ويصلي الثنائية بفرقة ركعة، ثم عند قيامه للثانية تفارقه، وتتم وتقف في وجه العدو، وتجيء الحارسة فيصلي بها الثانية، ثم تقوم وتأتي بثانيتها وتلحقه ويسلم بها، ويقرأ في انتظاره قائمًا، ويتشهد في انتظاره جالسًا، ويصلي الثلاثية بفرقة ركعتين، وبفرقة ركعة، وهو بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة أفضل من عكسه، وينتظر في تشهده، أو في قيام الثالثة وهو أفضل، والرباعية بكل فرقة ركعتين، ويجوز بكل ركعة وهذه أفضل مما قبلها.
ويسن في الجميع حمل سلاح لا يمنع صحة الصلاة، ولا يؤذي، فإن خيف من تركه .. وجب حمله.
[ ٤٠٩ ]
الرابع: صلاة شدة الخوف، وهو ما ذكره بقوله:
(إذا التحم القتال المباح) ولو مع غير كافر، أو اشتد الخوف بأن لم يأمنوا هجوم العدو (أو هرب هربًا مباحًا من حبس) بغير حق (أو عدو) مسلم أو كافر زاد على ضعفينا (أو) نحو (سبع) كحية وسيل إذا لم يجد عنه معدلًا (أو ذب) ظالمًا (عن) نحو (ماله) أو حريمه، أو مال أو حريم غيره .. ففي جميع ذلك لا يجوز له إخراج الصلاة عن وقتها، بل يصلي بالممكن من الأنواع المذكورة بشروطها، ولا إعادة عليه.
لكن صلاة شدة الخوف لا يصليها إلا إن ضاق الوقت عند (م ر)، وهي: أن يصليها كيف أمكن راجلًا أو راكبًا ولو في الأثناء إن احتاج إليه.
و(عذر) فيها (في ترك القبلة) عند العجز عن الاستقبال بسبب العدو ونحوه؛ لآية: (فَإن خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) [البقرة:٢٣٩] الآية.
قال ابن عمر: (مستقبلي القبلة وغير مستقبليها).
ويجوز، بل يسن اقتداء بعضهم ببعض حيث لم يكن الحزم في الإنفراد وإن اختلفت جهتهم كالمصلين حول الكعبة وإن بعدوا عن بعضهم في غير مسجد أكثر من ثلاث مئة ذراع؛ للضرورة.
أمَّا الإنحراف بسبب غير العدو كجماح دابة وطال .. فتبطل صلاته.
(و) فيما يحتاج إليه من (كثرة الأفعال) المتوالية، كضربات وطعنات وركض مع التوالي.
(و) في (الركوب) ابتداء، أو في الأثناء حيث احتيج إليه، ولو أمن وهو راكب .. نزل فورًا وجوبًا، وبنى إن لم يأت بمناف كاستدبار القبلة.
(و) في (الإيماء بالركوع والسجود)؛ للعجز عنهما، للضرورة، ويجب كونه للسجود (أخفض) كما مر. ويعذر في حمل سلاح عليه نجس لا يعفى عنه إذا احتاج إليه وإن لم يضطر إليه، ويقضي على الأظهر.
(ولا يعذر في الصياح) أو النطق بدونه؛ لعدم الحاجة إليه، بل الساكت أهيب، وفرض الاحتياج إليه لنحو تنبيه أو لزجر نحو خيل، أو ليعرف أنه فلان الشجاع، نادر.
[ ٤١٠ ]
أمَّا العاصي بقتاله كباغ، أو بنحو هربه .. فلا يجوز له شيء من ذلك.
ولا يصليها طالب عدو خاف فوته لو صلاها متمكنا؛ لأن الرخصة إنما وردت في خوف فوت ما هو حاصل وهي لا تتجاوز محلها، وهذا محصل إلا أن يخشى كرهم، أو كمينًا، أو انقطاعًا عن الرفقة، وخاف محذورًا .. فله ذلك؛ لأنه خائف.
ولو أخذ له مال وهو في الصلاة .. جاز له صلاة شدة الخوف في طلبه إن خاف ضياعه عند (م ر).
وله وطئ نجس لا يعفى عنه مع القضاء، ولا يجوز عند (حج)؛ لأنه غير خائف، بل طالب، ويجوز قطعها عنده؛ ليتبعه، وكذا الخلاف في نظائر ذلك.
ولا تجوز اتفاقًا منهما، لخائف فوت الوقوف لو لم يصل صلاة شدة الخوف، بل يجب إخراج الصلاة عن وقتها، وإن كثرت وإدراك الوقوف.
ومثل الحج العمرة المنذورة في وقت معين عند (م ر).
* * *