(باب) كيفية (صلاة المسافر)
من حيث القصر والجمع، ويتبعه الجمع في المطر، فاندفع الإعتراض بأن الترجمة ناقصة على أن المعيب أن يترجم لشيء، ويذكر أنقص منه، أمَّا ذكر الزائد كما هنا .. فلا.
والأصل في القصر: آية (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ) [النساء:١٠١].
وهي وإن كانت مقيدة بالخوف فقد صح جوازه في الأمن، كما في خبر يعلي ابن منية.
والإتمام جائز؛ لخبر عائشة: أنها قالت: يا رسول الله؛ قصرت وأتممت وصمت وأفطرت، فقال: "أحسنت".
وأمَّا خبر: "فرضت الصلاة ركعتين" أي: في السفر .. فمعناه لمن أراد الاقتصار عليهما؛ جمعًا بين الأدلة.
(يجوز للمسافر سفرًا طويلًا) أي: مرحلتين فأكثر بأن يقصد ذلك وإن لم يبلغه (مباحًا) أي: جائزًا في ظنه، فيشمل الواجب والمندوب والمباح والمكروه، كأن يسافر وحده سيما بالليل؛ لخبر أحمد (كره ﷺ الوحدة في السفر، ولعن راكب الفلاة وحده) أي: إن ظن ضررًا، وقال: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب".
نعم؛ من أنس بالله كأنس غيره بالرفقة .. لا تكره له، كما لو دعت حاجة للوحدة.
(قصر الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين) ولو صلاة صبي ومعادة، لا صبح ومغرب إجماعًا.
[ ٣٦٦ ]
(أداءً) ولو بأن سافر وقد بقي من الوقت قدر ركعة، أي: شرع فيها، وأدرك من قدر الوقت ركعة كما في "الفتح"، واعتمده في "المغنى" وغيره.
(وقضاءً) عما فات، وقضى في سفر قصر يقينًا وإن تخلل بينهما إقامة طويلة.
(لا فائتة الحضر، و) لا (المشكوك) في (أنها فائتة حضر أو سفر) ولا فائتة سفر لا يجوز فيه القصر؛ وإن قضاها في سفر يجوز فيه القصر؛ لأنها ثبتت في ذمته تامة.
والأصل: الإتمام في المشكوك.
وخرج بـ (الطويل): القصير، وبـ (المباح): الحرام، فلا يجوز في الحرام قصر ولا غيره مِن رخص السفر، ولا شيء من رخص الطويل في القصير.
(والسفر الطويل يومان) أو ليلتان (معتدلان) أو يوم وليلة وإن لم يعتدلا، أي: أربعة وعشرون ساعة ذهابًا فقط تحديدًا ولو ظنًا (يسير الأثقال) أي: الحيوانات المثقلة بالأحمال ودبيب الأقدام مع اعتبار الحط والترحال والنزول المعتاد لنحو استراحة وصلاة وأكل وشرب على العادة.
قال الشرقاوي: قدر ذلك (ع ش) باثنين وعشرين ساعة ونصف -وفيه نظر- وهو أربعة أبرد، وبالفراسخ ستة عشر فرسخًا، وبالأميال الهاشمية -أي: العباسية- ثمانية وأربعون ميلًا.
والميل: ستة آلاف ذراع؛ وذلك: لما صح أن ابني عمر وعباس ﵃ كانا يقصران ويفطران في أربعة أبرد، ولا يعرف لهما مخالف، ومثله لا يكون إلا عن توقيف، بل جاء ذلك في حديث مرفوع صححه ابن خزيمة عن ابن عباس ﵄.
ومسافة البحر كالبر، فلو قطعها في أحدهما في لحظة .. ترخص أي: وصل فيها مقصدًا لا ينتهي سفره بوصوله، لكن لو نوى إقامة نحو يومين فيه وحينئذٍ فيترخص فيه.
ولو شك في طول سفره .. اجتهد، وأخذ باجتهاده؛ لأن القصر وإن كان رخصة لا يصار إليها إلا بيقين، فالظن الناشئ عن اجتهاد أقامه الفقهاء مقام اليقين.
فائدة: الرخص المتعلقة بالسفر الطويل: القصر والجمع والفطر في رمضان ومسح الخف ثلاثًا.
[ ٣٦٧ ]
والمتعلقة بالسفر الطويل والقصير: أكل الميتة -وليس مختصًا بالسفر- والنفل على الراحلة وماشيًا والتيمم وإسقاط الفرض به -ولا يختص ذلك بالسفر أيضًا- واستصحاب الوديعة معه فيه إذا لم يجد مالكها، ولا وكيله، ولا حاكم أمين وعدم القضاء في استصحاب إحدى زوجتيه لغير من صحبها مدة السفر.
(والإتمام) للصلاة (أفضل) من القصر حيث جاز في السفر (إلا في) ما إذا قصد ما أمده (ثلاث مراحل) وإن لم يبلغها؛ خروجًا من خلاف بعض أقوال الحنفية: إنها لا تقصر إلا في ذلك، بل حقق الكردي: أن المعتمد عندهم: أن الثلاث بقدر يومين عندنا، وحينئذٍ فالقصر في اليومين أفضل؛ رعاية لما اعتمده من أن الصلاة، غير المغرب فرضت ركعتين، فزيدت صلاة الحضر، وبقيت صلاة السفر كذلك.
(و) إلا (لمن وجد في نفسه كراهة القصر) لا رغبة عن السنة؛ لأنه كفر، بل لإيثاره الأصل، وهو الإتمام، فالأَوْلى له القصر، وكذا من شك في جوازه؛ لظن تخيله بشبهة، كتقيده بالخوف في الآية، فيؤمر به؛ قهرًا لنفسه، أو كان ممن يقتدى به بحضرة الناس، فتعاطي الرخصة له أفضل؛ لئلا يشق على غيره.
ولملاّح معه أهله الإتمام أفضل له؛ للخلاف في جوازه له، وقد يجب، كأن يضيق الوقت عن الإتمام.
* * *