(فصل: وشروط وجوب زكاة الماشية) خمسة، زيادة على الشروط العامة المتقدمة كونها نعمًا، فلا زكاة في غيرها كخيل، وكونها نصابًا، فلا زكاة فيما دونه.
والثالث: (مضي حول كامل متوال في ملكه)؛ لخبر: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول"؛ لأنه وإن قلنا بضعفه اعتضد بآثار صحيحة، بل أجمع عليه التابعون والفقهاء، وهو شرط لوجوب كل زكاة إلا الحبوب والثمار والمعدن والركاز وزكاة الفطر والنتاج والربح بشرطهما.
(إلا النتاج) من نصاب قبل تمام حوله ولو بلحظة (.. فيتبع) أي: النتاج (الأمهات في الحول) إن كان من جنس الأمهات، وملكه بملكها، وبلغت به نصابًا أخر، أو ماتت الأمهات وهو نصاب، أو بعض الأمهات والباقي مع النتاج نصاب.
كأن ملك مئة وعشرين شاة، ونتجت واحدة منهن قبل تمام الحول والأمهات باقية، فيجب شاتان، أو نتجت واحده من تسع وثلاثين من البقر في الحول، فتجب مسنة، أو ملك أربعين شاة، فنتجت أربعون، ثم ماتت الأمهات في الحول وجب شاة من النتاج، أو نتج منها عشرون ثم مات عشرون من الأمهات، فتجب شاة كبيرة بالقسط من القيمة.
أمَّا ما نتج من دون النصاب وإن بلغ به نصابًا أو نتج مع آخر الحول أو بعده، أو كان من غير جنس الأمهات، كأن نتجت بقرة بعيرًا، أو لم يتحد سبب ملكهما، كأن ملك النصاب بإرث والنتاج بشراء .. فليس له في جميع ذلك حكم النصاب.
وكذا إن لم يبلغ به نصابًا أخر في نحو مئة من الغنم، نتجت منها عشرون .. فلا أثر له، بل تجب شاة واحدة.
وهل هي حينئذٍ زكاة للأمهات مع النتاج أو لها فقط؟ تردد فيه بعضهم.
ولو ادعى المالك النتاج بعد الحول .. صدق.
وإنما لم يشترط في النتاج الحول؛ لأنه لأجل حصول النماء، والنتاج نماء عظيم.
وخرج بقوله: (مضي حول .. إلخ) ما لو مات المالك أو باعه أثناءه .. فينقطع حوله، فيستأنفه من انتقل إليه من وارث أو غيره من وقت انتقاله.
نعم؛ السائمة لا يستأنفه فيها إلا من وقت إسامتها مع قصده لها.
[ ٤٨٨ ]
وعرض التجارة لا ينعقد حوله حتى يتصرف فيه نحو الوارث إن أبدله بعرض آخر قاصدًا للتجارة فيه.
ولو زال ملكه عنه في الحول فعاد إليه ولو بإقالة أو ردَّ بعيب أو بهبة أو بادل بمثله مبادلة صحيحة في غير نحو قرض نقد .. استأنف؛ لأنه ملك جديد، فاحتاج لحول، ويكره له ذلك إن قصد الفرار من الزكاة فقط، وقيل: يحرم، وقيل: يأثم على قصده، لا فعله.
وفي "الإحياء": أنه لا تبرأ به ذمته من الزكاة باطنًا، وإن هذا من الفقه المضر وشمل ذلك بيع بعض النقد ببعض، ولذا قال ابن سريج: بشروا الصيارفة أن لا زكاة عليهم.
أمَّا لو أقرض نصاب نقد في الحول .. فلا ينقطع؛ لأن الملك لم يزل بالكلية، لثبوت بدله في ذمة المقترض والدَّين فيه الزكاة، وكذا لو ردَّ المبيع وهو مال تجارة وقد باعه بعرض تجارة .. فلا يستأنف له حولًا.
(و) الرابع: (أن تكون) الماشية (سائمة) أي: راعية في كل الحول (في كلأ مباح) أو مملوك قيمته يسيرة، لا يعد مثله كلفة في مقابلة نمائها، وذلك للتقييد بالسوم في الأحاديث في الإبل والغنم، وألحق بهما البقر.
وإنما اختصت السائمة بالزكاة؛ لتوفر مؤنتها بالرعي في الكلأ المذكور.
(و) لا بد من (أن يكون السوم من المالك) المكلف العالم بملكه لها، أو من نائبه ولو حاكمًا.
(فلا زكاة) في معلوفة ولا في سائمة في كلأ مملوك وإن قلت قيمته، كما في "الأسنى"، و"شروح الإرشاد"، و"العباب".
وفي "النهاية": (لو رعت ما اشتراه أو وهب له .. فسائمة؛ لأن قيمة الكلأ تافهة، وإن جزه وقربه لها .. فمعلوفة، ما لم يكن من الحرم) اهـ
وقال في "التحفة": إن عد ذلك العرف تافهًا في مقابلة نمائها .. فسائمة وإلا فلا، واعتمده في "شرح المنهج"، وغيره، وكذا فصل فيما لو استأجر من يرعاها.
ولو سرحها نهارًا وألقى لها شيئًا من العلف .. فسائمة، قاله (م ر).
قال (سم): وسكوتهم عن الماء مشعر بأنه لا أثر له.
[ ٤٨٩ ]
ولا زكاة أيضًا (فيما) أي: في سائمة اعتلفت، أو (سامت بنفسها، أو) علفها، أو (أسامها غير المالك) كالغاصب والمشتري شراء فاسدًا، لعدم السوم، أو إسامة المالك أو نائبه، ولا في سائمة علفها المالك بنية قطع السوم وإن قل، أو قدرًا لا تعيش بدونه بلا ضرر بيّن، كيومين ونصف ولو مفرقة، بخلاف ما دونها؛ لقلة المؤنة فيه بالنسبة لنماء الماشية.
ولا أثر لمجرد قصد العلف، ولا للاعتلاف من مال حربي.
(و) الخامس: (أن لا تكون عاملة) لمالكها أو بأجرة أو لغاصب (في حرث ونحوه) كحمل ونضح ولو محرمًا، وإلا .. فلا زكاة فيها وإن أسيمت، سواء أخذ في مقابلة عملها أجرة، أم لا؛ لأنها معدة لاستعمال مباح، فأشبهت ثياب البدن.
وصح: خبر "ليس في البقر العوامل شيء" وقيس بها غيرها، بل في رواية: "ليس في العوامل شيء" وزمن كونها عاملة، يقاس بزمن علفها فيما مر.
تنبيه: يندب أخذ زكاة السائمة عند ورودها ماء؛ لأنه أقرب إلى الضبط، فلا يكلفهم الساعي ردها إلى البلد، كما لا يجب عليه تتبع المراعي، فإن لم ترده كوقت الربيع .. فعند بيوت أهلها، ويصدق مخرجها في عددها إن كان ثقة، وللساعي عدها، وإلا .. فتعدّ وجوبًا، والأسهل عند مضيق تمر به واحدة واحدة وبيد كل من الساعي والمالك أو نائبهما قضيب يعد به.
* * *
[ ٤٩٠ ]