ذنب كنظر بشهوة، وللوقوف بعرفة، ولسعي، وأذان وإقامة، ولغسل، وللمعيان إذا أصاب بالعين وغيرها.
وينوي به في جميع ذلك رفع الحدث، أو فرض الوضوء، أو غيرهما من النيات المعتبرة في الوضوء، كما مر.
ولا يصح بنية السبب كنويت الوضوء؛ لقراءة القرآن عن قصد التعليق بها أو لا، بخلاف ما إذا لم يقصده إلا بعد ذكره الوضوء مثلًا؛ لصحة النية حينئذ، فلا يبطلها ما وقع بعد إلا في الوضوء للغسل، فيصح أن ينوي به سنة الغسل.
وإدامة الوضوء سنةٌ، ولها فوائد، منها: سعة الرزق، ومحبة الحفظة، والتحصن، والحفظ من المعاصي.
* * *
(فصل: يستحب لقاضي الحاجة بولًا أو غائطًا) ولو بمحل غير معد.
(أن يلبس نعليه، ويستر رأسه) ولو بكمه؛ للاتباع (ويأخذ أحجار الاستنجاء) وإن أراد الاستنجاء بالماء، إذ يسن الجمع بينهما؛ وذلك للأمر بذلك، وحذرًا من انتشار النجاسة، ويندب إعداد الماء أيضًا.
(ويقدم يساره) أو بدلها (عند الدخول) ولو بغير معد؛ إذ يصير مستقذرًا بإرادة قضائها فيه كالخلاء الجديد، وما له دهليز طويل يقدمها عند أوله وعند وصوله لمحل قضائها، وكالخلاء نحو سوق وصاغة، ولا يحرم دخولها إلا إن علم بمعصية فيها حين دخوله، ولم يحتج لدخولها.
(ويمناه عند الخروج) فاليسرى للمستقذر، واليمنى لما فيه تكرمة، وكذا ما لا تكرمه فيه عند (حج)، ولو انتقل من شريف إلى أشرف، أو من مستقذر إلى أقذر منه .. قدم اليمنى للأشرف واليسار للأقذر، أو من شريف أو خسيس لمثله .. تخير، والمحل الواحد لا تتفاوت بقاعه.
وقال السيد عمر البصري: (يقدم اليمنى للشريف، واليسرى للقذر؛ نظرًا لمطلق
[ ١١٩ ]
الشرف والخسة، تساويًا في الشرف والخسة أم تفاوتًا) ولو جعل نحو مسجد محل معصية .. قدم فيه اليمنى عند (سم)، ونازعه الكردي بقول "الإيعاب": (وكالخلاء الحمام والسوق وإن كان محل عبادة كالمسعى).
(وكذا يفعل في الصحراء) فيقدم يساره لمكان قضاء حاجته، ويمناه عند انصرافه.
(و) يندب أيضًا: أن (لا يحمل) معظمًا كقرآن، والحرمة فيه مع الحدث زائدة على الكراهة وكما علم عدم تبديله من التوراة، وكما كتب فيه (ذكر الله تعالى) أو اسم معظم ولو مشتركًا، كالرحيم إن قصد به المعظم، ومحمد ﷺ، وسائر أسماء الأنبياء والملائكة، وفي إلحاق صلحاء الأمة بهم خلاف، وحمله المعظم المذكور مكروه وإن غيبه، بل اختار الأذرعي حرمة إدخال المصحف الخلاء.
(ويعتمد) ولو قائمًا عند (حج) (على يساره) ويضع أطراف أصابع اليمنى بالأرض، ويرفع باقيها؛ لأن ذلك أسهل لخروج الخارج؛ إذ المعدة في الشق الأيسر، والمثانة لها ميل إليه، ولأنه المناسب في الاستقدار.
(ويبعد) إن سهل إلى أن لا يسمع لخارجه صوت، ولا يشم له ريح إن كان ثم غيره، بل يسن تغييب شخصه، فإن لم يبعد .. سن لهم الإبعاد عنه.
(ويستتر) عن الأعين بما طوله ثلثا ذراع في القاعد، وإلى السرة في القائم، وقد قرب منه ثلاثة أذرع فأقل، ولا بد هنا من كونه عريضًا يمنع رؤية عورته، بخلاف الساتر للقبلة في الصلاة، وكذا في قضاء الحاجة عند (حج).
نعم؛ إن كان بمحل مسقف، أو يمكن تسقيفه .. كفى الستر هنا بنحو جدار وإن بعد؛ إذ القصد هنا عدم رؤيته، بخلاف القبلة؛ لقصد تعظيمها وهو لا يحصل بذلك، ولو كان ثم من يحرم نظره لعورته ولم يظن غضه عنها .. وجب الستر ما لم يضطر، ولو تعارض الستر والإبعاد .. وجب الستر، أو الستر والاستقبال .. وجب الستر إن وجب.
(ولا يبول) ولا يتغوط (في ماء راكد) لم يستبحر؛ للنهي عنه (و) لا في (قليل جار) كالراكد، فإن فعل .. كره، وفي "المجموع": يحرم إن كان ينجسه؛ إذ فيه إتلاف عليه وعلى غيره، وإمكان طهره بالمكاثرة لا يدفع الإثم؛ إذ لا يحصل إلا بمشقة وقد لا يتيسر، وقد يوقع من لا يعلمه في استعماله فينجسه.
[ ١٢٠ ]
ويكره قضاء الحاجة ليلًا في الماء، كالاغتسال فيه ليلًا لما قيل: إنه مأوى الجن، والكلام في مباح، ومملوك له لم يتعين الطهر به، وإلا .. حرم ذلك فيه مطلقًا، لكن قال (ق ل) بجوازه في مستبحر بحيث لا تعافه نفس ألبتة ولو لغيره أو مسبلًا.
ويحرم الاستنجاء بجدار الغير، ويكره البول قرب الماء.
(ولا في جحر) وهو الثقب المستدير، وأراد به ما يشمل السرب، وهو المستطيل؛ للنهي عنه، ولأنه مأوى الجن، وقد يكون فيه حيوان فيؤذيه، أو يتأذى هو منه، فإن غلب على ظنه كونه فيه .. حرم، والكلام في غير معد -كما يأتي- ولا يكفي الإعداد بالقصد.
(ولا في طريق) مسلوك، وقيل: يحرم التغوط؛ لصحة النهي فيه.
نعم؛ المملوك للغير، والمسبل يحرمان فيه، ولا في مستحم لا منفذ له؛ لأنه يجلب الوسواس.
(ولا تحت شجرة مثمرة) أي شأنها ذلك ولو في غير وقت الثمر، ما لم يظن مجيء ما يطهر المحل قبل حصولها (يؤكل ثمرها) أو ينتفع به.
(ولا يتكلم) حال خروج الخارج ولو بغير ذكر؛ لنهي عنه، وكذا في حال غير خروجه مادام في المعد وإن دخله لغير قضاء الحاجة عند جمع، وإذا عطس .. حمد الله بقلبه فقط، كالمجامع والمؤذن، ويثاب عليه من حيث ما في قلبه من معنى الحمد الدال على تعظيم المولى.
(إلا لضرورة) كالتنبيه على ما يخشى من محذور .. فيجب، بل اختار الأذرعي: تحريم القراءة عليه.
(ولا يستنجي) في غير معد (بالماء في موضعه)؛ لئلا يصيبه الرشاش، وسن لمستنج بحجر أن يبادر به؛ لئلا يجف، بل قد تجب إذا وجبت الطهارة به؛ ولا ماء يكفيه لها مع الاستنجاء (ويستبرىء من البول) ندبًا، وقيل: وجوبًا إن ظن عوده بنحو تنحنح ونتر ذكر بلطف إلى أن يظن أنه لم يبق بمجرى الذكر ما يخاف خروجه، ويختلف باختلاف الناس، ولا يتقيد بسبعين خطوة، ولم يجب وإن كان ظاهر حديث: "تنزهوا من البول"؛ لأن الظاهر عدم عوده، ولأنه يمكنه إذا أحس به تلقيه بنحو حجر، ويجوز تجفيف بوله بيده عند (م ر).
[ ١٢١ ]
(ويقول) ندبًا (عند) إرادة (دخوله) للخلاء ولو لغير قضاء حاجة (باسم الله) أي: أتحصن (اللهم إني أعوذ بك من الخبث) -بضم الخاء والباء، وسكونها- جمع خبيث (والخبائث) جمع خبيثة.
(وعند خروجه) من بابه أو انصرافه إن لم يكن له باب: (غفرانك) أي: اغفر غفرانك، أو أسألك غفرانك (الحمد الله الذي أذهب عني الأذى، وعافاني)؛ للاتباع.
وحكمة ذلك: تسهيل الطعام، وتسهيل خروجه مع عدم قيامه بشكر ذلك كما ينبغي، ويكرر غفرانك مرتين أو ثلاثًا، ويزيد بعده ( ربنا وإليك المصير، الحمد الله الذي أذاقني لذته، وأبقى في قوته، ودفع عني أذاه).
(ولا يستقبل) عين (القبلة) ببول (ولا يستدبرها) بغائط في غير معد؛ فانه خلاف الأولى إن استتر بساتر، وهو للجالس قدر: ثلثي ذراع فأكثر، وقد قرب منه ثلاثة أذرع فأقل ولو بإرخاء ذيله وإن لم يكن له عرض عند (حج).
(ويحرم) الاستقبال والاستدبار (إن لم يكن بينه وبينها ساتر، أو) كان، لكنه (بعد عنه أكثر من ثلاثة أذرع) بذراع آدمي معتدل (أو) لم يبعد عنه ما ذكر، لكنه (كان أقل من ثلثي ذراع) وإن كان في مسقف؛ تعظيمًا للكعبة (إلا في المواضع المعدة لذلك) .. فمباح الاستقبال والاستدبار مطلقًا، لكنهما خلاف الأفضل إن أمكن الميل عن القبلة بلا مشقة، وفيه ما بينته في "الأصل" هنا، وفي مكروهات الصلاة، وهذا التفصيل جمع به الشافعي ﵀ بين الأحاديث المتعارضة.
ولو استقبلها وحول ذكره عنها وبال .. جاز، ولو اشتبهت القبلة ولا ساتر .. وجب الاجتهاد، وإلا .. ندب، ويأتي هنا جميع ما يأتي قبيل الصلاة المحرمة.
ومنه: حرمة التقليد لمن يمكنه الاجتهاد، ووجوب تعلم أدلة القبلة، وهذا كله حيث لم يغلبه الخارج أو يضره كتمه، وإلا .. جاز.
(ومن آدابه: أن لا يستقبل الشمس ولا القمر) ليلًا بلا ساتر ولو سحابًا؛ لأنهما من
[ ١٢٢ ]
آيات الله الباهرة، فيكره ذلك، بخلاف استدبارهما؛ إذ الاستقبال أفحش.
قال الزيادي: (المراد: عند طلوعهما وغروبهما؛ إذ لا يمكنان في غيرهما إلا إن نام على قفاه).
(ولا يرفع ثوبه) إلا شيئًا فشيئًا (حتى يدنو من الأرض) فينهي حينئذ رفعه؛ محافظة على الستر، فإن خشي تنجسه .. كشفه بقدر الحاجة.
(ولا يبول) ولا يتغوط مائعًا (في مكان صلب)؛ لئلا يترشش، ومن ثم لو دقه بنحو حجر أو جعل فوقه ترابًا .. زالت الكراهة.
(ولا ينظر) بلا حاجة (إلى السماء، ولا إلى فرجه، ولا إلى ما يخرج منه، ولا يعبث) ولا يأكل ولا يشرب ولا يطيل الجلوس ولا يلتفت يمينًا او شمالًا ولا يستاك؛ إذ كل ذلك لا يليق بحالته.
(وأن يسبل ثوبه) عند فراغه شيئًا فشيئًا (قبل انتصابه)؛ لما مر.
(ويحرم البول) ونحوه (في المسجد ولو في إناء)؛ إذ لا يصلح له، كما في خبر مسلم، بخلاف نحو الفصد؛ لأنه اخف، ولذا عفي عن نحو الدم، لا البول (وعلى القبر) المحترم، وبين قبور نبشت؛ لاختلاطه بأجزاء الموتى، وبقرب قبر نبي، وعلى ما يحرم الاستنجاء به، ومحل نسك ضيق كالمشعر الحرام والصفا لا واسع، كمنى.
(ويكره عند القبر) المحترم، وتشتد عند قبر صالح، وقرب جدار مسجد، وبين بياض تخلل بين المزارع؛ لأنه مأوى الجن (وقائمًا)؛ للنهي عنه (إلا لعذر) كفقد محل يصلح للجلوس (وفي متحدث الناس).
نعم؛ إن كان اجتماعهم على معصية كغيبة .. فلا كراهة
(فإذا عطس .. حمد الله) تعالى (بقلبه) ولا يحرك لسانه.
* * *
[ ١٢٣ ]