وإن كان بطيء قراءة .. فلا يلزمه إلا ما أدركه هنا، بخلاف ما مر في الموافق؛ لأن ما هنا رخصة، فناسبها رعاية حالة لا غير، وهو بركوعه معه أو قبل ارتفاعه عن أقله مدرك للركعة بشرطه الآتي؛ لأنه لم يدرك غير ما قرأه، فتحمل الإمام عنه بقيتها، كما لو أدركه راكعًا، أو ركع الإمام عقب تحرمه، فإن لم يركع مع إمامه، بل تخلف لإتمام الفاتحة، وفاته الركوع معه .. لم يحرم وإن علم وتعمد، لكن يكره، وتفوته الركعة.
وإذا سجد إمامه .. تبعه وجوبًا إن لم ينو المفارقة، وما ذكره من التفصيل في المشتغل بسنة .. هو الأصح في "المنهاج".
والثاني: يركع وتسقط عنه البقية، ونقله في "التحفة" عن المعظم.
والثالث: يتخلف لإتمام (الفاتحة)، ويعذر إلى ثلاثة أركان طويلة، ومال إليه في "شرحي الإرشاد".
وخرج بقوله: (وأما المسبوق إذا ركع الإمام في فاتحته): المسبوق الذي لم يدرك شيئًا من القيام مع الإمام، كأن كبر فركع الإمام، فيتابعه قولًا واحدًا.
* * *
(فصل: ومن أدرك الإمام المتطهر راكعًا) ركوعًا محسوبًا له، أو قريبا من الركوع بحيث لا يمكنه قراءة جميع الفاتحة (واطمأن معه) في الركوع يقينًا (قبل ارتفاعه عن أقل الركوع) السابق (.. أدرك الركعة) أي: ما فاته من قيامها وقراءتها، أي: ثواب ذلك وإن قصر بتأخير تحرمه لغير عذر حتى ركع إمامه وإن فارقه ولو حالًا؛ وذلك لما صح من خبر: "من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الإمام صلبه .. فقد أدركها".
وبه علم أنه لا يسن الخروج من خلاف من قال بعدم إدراكها به؛ لمخالفته لسنة صحيحة، وقد يجب إن ضاق الوقت، أو كانت ثانية جمعة.
(وإن أدركه) وهو غير متطهر، أو (في ركوع) غير محسوب نحو (زائد) -ولم يعلمه المأموم- أو في أصلي، ولم يطمئن معه، أو اطمأن بعد ارتفاع الإمام عن أقله، أو شك في الاطمئنان قبل ذلك، سواء غلب على ظنه شيء، أم لا.
(أو) أدركه (في) الركوع (الثاني من) صلاة (الخسوفين) وإن كان المأموم في غير
[ ٣٥٦ ]
خسوف، كما مر (.. لم يدركها)؛ لعدم أهلية نحو المحدث للتحمل، ولأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع رخصة لا يصار إليها إلا بيقين. وقال (سم): يكفي الاعتقاد الجازم بإدراك الركوع، ولا يسع الناس إلا هذا، ولأن الركوع الثاني وقيامه من كل ركعة من صلاة الكسوف تابع للركوع الأول وقيامه، فهو في حكم الاعتدال، ولذا يسن فيه: سمع الله لمن حمده.
وأمَّا إدراك الركوع الزائد .. فإن قرأ المأموم (فاتحته) .. أدرك الركعة ما لم يعلم ذلك وإن نسي.
وإذا أتى الشاك في الطمأنينة بعد سلام إمامه بركعة .. سجد للسهو، للشك في زيادة الركعة المذكورة.
ويشترط في المسبوق الذي أدرك الإمام راكعًا: أن يكبر للإحرام في القيام أو بدله، ثم يكبر للهوي.
ومثله من يسجد للتلاوة خارج الصلاة، أو للشكر؛ لأنه تعارض في حقه قرينتا الافتتاح والهوي؛ لاختلافهما، وحينئذٍ لا يحتاج لنية الإحرام في الأولى؛ إذ لا تعارض.
وحاصله: أن في ذلك ثمان صور:
الأولى: أن يأتي بتكبيرتين: واحده للإحرام، والأخرى للانتقال.
الثانية: أن يكبر واحدة، وينوي بها التحرم فقط، فيصح في هاتين الصورتين.
والست الباقية: أن يقتصر على تكبيرة وينوي بها الإحرام والركوع، أو لم ينو شيئًا، أو ينوي بها الركوع فقط، أو ينوي أحدهما مبهمًا، أو يشك أنوى بها التحرم وحده أو لا؟ أو يتم تكبيرة الإحرام وهو إلى الركوع أقرب منه إلى القيام، فلا تنعقد في جميع ذلك.
ولو كبر ثنتين وأطلق في الأولى وقصد بالأخرى الانتقال .. صحت على المعتمد قاله المدابغي.
وقضيته: أنه إذا أطلق في الأولى أن الإحرام ينعقد موقوفًا على الثانية إن كبرها .. صحت، وإلا .. فلا، وهذا مما لا نظير له، على أن في معارضة تكبير الركوع لتكبير الإحرام في الأولى -مع أنها لا يدخل وقتها، ولا تطلب إلا بعد تمام تكبير التحرم- غاية الإشكال.
تتمات: إذا خرج الإمام من صلاته بحدث أو غيره .. انقطعت قدوة المأموم به،
[ ٣٥٧ ]
ولا تنقطع بنية الإمام قطعها؛ لعدم توقفها منه على نية إلا في نحو الجمعة. وحيث بقيت القدوة الصورية مع انقطاع حقيقتها، كأن ظهر شيء من عورته مع بقائه في صورة الصلاة .. وجبت نية المفارقة فورًا.
وهل المخل بالفورية هنا قدر سبحان الله، كالشك في أصل النية أو قدر جلسة الاستراحة؟ على الخلاف أنه أقلها أو أكثرها، ولعل الأول أقرب.
ويجوز للمأموم قطع القدوة بنية المفارقة مع الكراهة المفوته لفضيلة الجماعة، حيث لا عذر يرخص في ترك الجماعة ابتداءً، وإلا .. فلا كراهة.
نعم؛ إن ترتب عليه تعطيل الجماعة .. امتنع.
وتجوز نية القدوة أثناء الصلاة، فلو نواها منفردًا .. جاز مع الكراهة، وتبعه حتى لو نواها قائمًا قبل قراءة (الفاتحة) بمن في الركوع .. تبعه فيه، وسقطت عنه (الفاتحة).
وللإمام أن يقتدي بآخر بعد تأخره عنه في المكان، ويعرض عن الإمامة، فيصير المأمومون مقتدين بمن اقتدى به تبعًا له، عند (حج)؛ لأنه استخلاف، وهو لا يحتاج المأمون فيه لنية اقتداء بالثاني، كما يأتي.
وما أدركه المأموم مع الإمام مما يحسب له أول صلاته، وما يفعله بعد سلامه آخرها؛ للخبر المتفق عليه: "فما أدركتم .. فصلوا، وما فاتكم .. فأتموا"، والائتمام يستلزم سبق ابتداء، فيعيد في ثانية الصبح القنوت، وفي ثانية المغرب التشهد، وفعلهما مع الإمام إنما كان للمتابعة.
* * *