(فصل: أعذار الجمعة والجماعة) المرخصة لتركهما حتى تنتفي الكراهة على القول بسنيتها، والحرمة على القول بأنها فرض عين أو كفاية، وفي الجمعة فلا رخصة في تركها تمنع الإثم، أو الكراهة إلا لعذر عام، نحو:
(المطر) والثلج والبرد ليلًا أو نهارًا (إن بلَّ) كل منهما (ثوبه) ولو لبعد منزله، أو كان نحو البرد كبارًا يؤذي (ولم يجد كنًا) يمشي فيه؛ للاتباع، أو خاص (و) ذلك نحو (المرض الذي يشق) معه الحضور (كمشقته) مع المطر وإن لم يبلغ حدًا يسقط القيام في الفرض، وهي التي تذهب الخشوع، كما في "الإيعاب" وغيره، لكن التي تذهب الخشوع تسقط القيام في الصلاة، فينافي قولهم: (وإن لم تسقط القيام في الفرض) ثم رأيت الرشيدي أشار لذلك، بخلاف اليسير، وحمى خفيفة فليس بعذر.
(وتمريض من لا متعهد له) ولو غير قريب ونحوه، أو له متعهد، لكنه مشغول بشراء نحو أدوية له؛ إذ دفع ضرر الآدمي من المهمات.
(وإشراف القريب) له (على الموت) وإن لم يأنس به (أو) كونه (يأنس به) ولو أجنبيًا له متعهد (ومثله الزوجة والصهر) وهو كل قريب لها (والمملوك والصديق والأستاذ والمعتق والعتيق)؛ لتضرره، أو شغل قلبه السالب لخشوعه بغيبته عنه.
(والخوف) بغير حق (على) معصوم من (نفسه أو عرضه أو ماله) أو اختصاصه وإن قلاَّ، بل وإن كانا لغيره وإن لم يلزمه الدفع عنهما.
ومن ذلك: خوفه على نحو خبز في تنور ولا متعهد له غيره وإن علم حال وضعه أنه لا ينضج إلا بعد فوات الجمعة مثلًا ما لم يقصد به اسقاطها، وكذا كل عذر تعاطاه بقصد ذلك فيأثم به، ولا تسقط عنه.
لكن في "النهاية" كـ"التحفة": لو خشي تلفه .. سقطت عنه؛ للنهي عن إضاعة المال.
[ ٣٣١ ]
وكخوفه على ما ذكر خوفه من نحو جراد على نحو زرع، وفوت نحو ضائع لو اشتغل عنه بالجماعة.
(و) خوف (ملازمة) أو حبس (غريمه) الذي له عليه دين (وهو معسر) عنه، وقد تَعسَّر إثبات إعساره، بخلاف الموسر بما عليه، والمعسر القادر على الإثبات.
نعم؛ إن كان الحاكم لا يثبت إعساره إلا بعد حبسه .. فعذر.
(ورجاء عفو) ذي (عقوبة عليه) ولو على بعد أو بمال، سواء كانت العقوبة قودًا أم حدًا أم تعزيرًا، فيعذر زمن تغيبه، لا مطلقًا، بل مدة يسكن فيها عادة غضب المستحق، بخلاف ما لا يرجو العفو عنه ذلك، كحدود الله كحد زنا وشرب خمر إذا ثبت عند الإمام؛ إذ لا يصح العفو عن ذلك، وكما عُلم بقرائن الأحوال أن المستحق لا يعفو عنه.
(ومدافعة الحدث) بول أو ريح أو غائط، وكل خارج من الباطن كدم، وفي كل مشوّش للخشوع.
وإنما يكون عذرًا (مع سعة الوقت) بحيث لو تفرغ عنه .. أدرك الصلاة كلها في الوقت، وإلا .. حرم إن لم يخش ضررًا يبيح التيمم، أو سبقه.
(وفقد لبس لائق) به بحيث تختل مروءته بخروجه بدونه، وكذا فقد مركوب كذلك.
وهل لو كان بمحل الجماعة من لا تليق به مجالسته أو يتأذى به كذلك، أم لا؟ فيه ينظر دقيق، ورجحوا أنه غير عذر.
(وغلبة النوم) والنعاس بأن يعجز عن دفعهما؛ لمشقة الانتظار حينئذٍ.
(و) من العذر العام (شدة الريح) والريح الباردة، وظلمة شديدة (بالليل) أو بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس دون النهار.
نعم؛ لو تأذى بالشديدة فيه كتأذيه بالوحل .. فعذر، كالسموم بالنهار.
(و) من الخاص (شدة الجوع والعطش) بحضرة مأكول أو مشروب يشتاقه، أو قرب حضوره، أو بعد مع اتساع الوقت؛ للأخبار.
ومنها: "لا صلاة بحضرة طعام"، وحينئذٍ يكسر شهوته ولا يشبع إلا في نحو لبن،
[ ٣٣٢ ]
فيأتي عليه إن لم تبق نفسه متعلقة به، وإلا .. شبع الشبع الشرعي: ثلث للطعام وثلث للماء وثلث للنفس.
(و) من العام شدة (البرد) ليلًا ونهارًا وإن ألفه (و) شدة (الوحل) -بفتح الحاء- بأن لم يأمن معه التلويث أو الزلق، وكثرة ثلج أو برد بالأرض بحيث يشق المشي عليهما، كمشقة الوحل .. فعذر ليلًا ونهارًا.
نعم؛ تلويث أسفل نحو الخف ليس بعذر.
(و) شدة (الحر ظهرًا) عند (حج)، وعند (م ر) مطلقًا وإن وجد ظلًا.
نعم؛ السموم عذر ليلًا ونهارًا.
(و) من الخاص (سفر الرفقة) قبل الجماعة لمريد سفر مباح وإن قصر، بحيث لو تخلف .. لاستوحش.
(وأكل منتن) كبصل وثوم، وكذا فجل في حق من يتجشأ به (نيء) - بكسر النون، وبالمد والهمز- أو مطبوخ بقي له ريح يؤذي للنهي عن دخول المساجد لمن أكل ذلك.
وألحق بأكل ذلك كل كريهٍ من بدنه أو مماسه، كذي صنان وقصاب، ومن ثم منع نحو أجذم وأبرص من مخالطة الناس.
وإنما يكون كل مما عذرًا (إن لم تمكنه) أي: تسهل عليه (إزالته) وإلا .. فليس بعذر وإن أكله لعذر.
نعم؛ إن أكله بقصد إسقاط نحو الجمعة .. وجب عليه إزالته، فإن لم تمكن .. وجب عليه الحضور، واعتزال الناس.
قال الشرقاوي: وأكل ذي ريح كريه لمن بالمسجد أو يريد دخوله ولم تسهل إزالته مكروه، وكذا لغيره إن وجد غيره يقوم مقامه في نحو التأدم به، ولم تتق نفسه إليه، ولم يزله قبل الاجتماع.
(و) من العام (تقطير) الماء من نحو (سقوف الأسواق) التي في طريقه إلى محل الجماعة، ولا طريق له سواه وإن لم تبل ثوبه؛ لغلبة النجاسة والقذارة فيها.
ومن الأعذار أيضًا: نحو زلزلة، وسمن مفرط، وسعي في استرداد مال يرجو حصوله، وعمىً لمن لم يجد قائدًا ولو بأجرة وجدها وإن أحسن المشي بالعصا؛ إذ قد
[ ٣٣٣ ]
يحدث في طريق ما لم يعلمه ويتأذى به، واشتغال بتجهيز ميت، ووجود من يؤذيه في طريقه، وليالي زفاف في مغرب وعشاء، وتطويل إمام على المشروع، وتركه سنة مقصودة، وسرعة قراءته والمأموم بطيئها.
وهذه الأعذار تمنع الإثم أو الكراهة لمن لم تتأت له الجماعة في بيته، ولا تحصل فضيلة الجماعة.
نعم؛ من كان ملازمًا لها قبل العذر وقاصدًا أنه لولا العذر لخرج إليها .. فيحصل له أجر يحاكي أجر الفاعل لها.
أمَّا من تأتت له الجماعة في بيته .. فلا يسقط عنه الطلب وإن قام الشعار بغيره.
* * *