استخارة وإحرام) وحاجة وخروج من المنزل وعند القتل؛ لتأخر اسبابها عنها، والمتأخر ضعيف؛ لأحتمال وقوعه وعدمه.
(و) يحرم على مريد الجمعة -ولو كان في بيته، وإن لم تلزمه وحال مانع اقتداءٍ حينئذٍ- (الصلاة) مطلقًا إجماعًا (إذا صعد الخطيب) المنبر، وجلس عليه ولو بمكة، وإن لم يشرع في الخطبة، ولا سمعها المصلي ولو حال الدعاءِ للسلطان، ولا تنعقد وإن تضيقت عليه؛ لإعراضه عن الخطيب بالكلية، بخلاف الكلام؛ إذ من شأن المصلي الإعراض عما سوى صلاته، ومن ثم استظهروا أن الطواف ليس كذلك، وكذا سجدة تلاوة وشكر عند (حج).
ووجب تخفيف الصلاة التي شرع فيها قبل صعود الخطيب وجلوسه، أما بعد ذلك .. فتحرم ولا تنعقد (إلا التحية ركعتين) لداخل مسجد (.. فتسن) حينئذٍ (إن لم يخش فوت التكبير للإحرام) بالجمعة؛ لخبر: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام يخطب .. فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما" أي: لا يطولهما عرفًا كما في "التحفة"، و"النهاية"، أو يقتصر على الواجب، كما قاله غيرهما، ولو لم يكن صلى راتبة الجمعة القبلية، فالأولى نية التحية معها؛ ليثاب عليها باتفاق (حج)، و(م ر).
وخرج بالركعتين الزيادة عليهما، وبداخل مسجد الماكث فيه، والداخل غير مسجد، فتمتنع الصلاة فيما ذكر مطلقًا.
وبقوله: (إن لم يخش .. إلخ) ما لو خشي فواتها، فلا تسن له بل تكره، كالقعود حينئذٍ، بل يستمر قائمًا إلى أن يحرم الإمام، فيحرم معه، ولو صلاها في هذه الحاله .. استحب أن يزيد الخطيب في الخطبة بقد ما يكملها.
* * *
(فصل) في الأذان والإقامة وهما من خصوصياتنا، والأصل فيهما -قبل الإجماع المسبوق برواية عبد الله بن زيد المشهورة ليلة تشاورا فيما يجمع الناس- آية (إذَا نُودِىَ للِصَّلَوةِ) [الجمعة:٩] وهما معلومان من الدين بالضرورة، يكفر جاحدهما، وشرعا في السنة الأولى من الهجرة.
[ ١٨٢ ]
(يستحب) للذكر (الأذان) وهو لغة: الإعلام، وشرعًا: ذكر مخصوص، مطلوبٌ للمكتوبة أصالة، فلا يرد أنه يؤذن للأولى من المتواليتين فقط؛ لأن وقوع الثانية تابعة -حقيقة في الجمع، أو صورة في الفوائت، أو الحاضرة والفائتة- صيرها كجزء من الأولى، ودخل بأصالة المعادةُ فيؤذن لها، على خلاف فيها.
(والإقامة) مصدر: أقام، وشرعًا: الذكر الآتي؛ لأنه يقيم للصلاة، وهي مجمع عليها (للمكتوبة) كالأذان، وإنما اختلفوا في كيفة مشروعيتهما، فقيل: فرضا كفاية؛ لأنهما من الشعائر الظاهرة، وفي تركهما تهاون بالدين، وعليه: فيقاتل أهل بلد تركوهما.
والأصح أنهما سنة كفاية للجماعة -كالتسمية على الأكل وعند الجماع، والتضحية من أهل بيت، وابتداء سلام، وتشميت عاطس، وما يفعل بالميت من المندوب- وسنة عين لمنفرد كما في أكله ونحوه.
ولا بد في أذان الإعلام من كونه، بحيث يسمعه جميع أهل البلد لو أصغوا إليه، ففي بلد صغير يكفي في محل واحد، وفي كبيرة في محال وإن لم يصلوا إلا في محل واحد، كيوم الجمعة.
وفي أذان غير الإعلام للجماعة أن يُسمِع ولو واحدًا منهم، وللمنفرد أن يسمع نفسه كما يأتي وإنما يسن الأذان للمكتوبة بقيدين:
الأول: (إن لم يصلها) بحاضرة أو (بفائته) أو مجموعة، وكذا بمعادة على ما مر.
والثاني: كونه (للرجل) أي: الذكر (ولو) صبيًا، و(منفردًا) بعمران، أو غيره (ولو سمع الأذان) من غيره ولم يرد الصلاة معهم.
(و) يسن أيضًا (لجماعة ثانية) مع رفع الصوت به وإن كرهت، أو كانت بالبيت ولو جار مسجد؛ للخبر الصحيح: "إذا كنت في باديتك، أو غنمك فأذنت للصلاة .. فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة".
نعم؛ لا يسن رفع الصوت به في محل وقعت به جماعة، أو صلوا منفردين وإن لم ينصرفوا، (ولفائتة)؛ لإن بلالًا أذن للصبح لما فاتته ﷺ، لما نام وهو وأصحابه حتى طلعت الشمس.
[ ١٨٣ ]
(فإن اجتمع) عليه (فوائت) وأراد قضاءها متوالية، أو والى بين حاضرة وفائتة (أو جمع تقديمًا أو تأخيرًا) ووالى بينهما ( أذن للأولى وحدها)؛ لثبوت ذلك يوم الخندق وإن كان بسند فيه انقطاع، لكنه اعتضد بما مر من الأذان للفائته، وأقام للكل؛ لما صح من جمعه ﷺ بمزدلفة بأذان وإقامتين.
(وتستحب الإقامة وحدها للمرأة) لنفسها وللنساء، لا للرجال والخناثى، وللخنثى لنفسه، على ما في "التحفة" لا للرجال، ولا لمثله؛ لأنها لاستنهاض الحاضرين، فلا رفع فيها يخشى منه الفتنة، لا الأذان؛ لما فيه من الرفع الذي يخشى منه الفتنة؛ ومن التشبه بالرجال، ومن ثم حرم عليهما رفع صوتهما به إن كان ثم أجنبي، لو أذن لهن رجل لم يصل بهن .. صح؛ لعدم المحذور المتقدم، كما قال (سم) في "شرح الغاية"، وإنما لم يحرم غناؤها ولا سماعه لأجنبي حيث لا فتنه؛ لأن تمكينها منه ليس فيه حمل الناس على مؤد لفتنة، بخلاف تمكينها من الأذان؛ لأنه يسن الإصغاء للمؤذن والنظر إليه، وكل منهما إليها مفتن، ولأنه لا تشبه فيه؛ إذ هو من وضع النساء، بخلاف الأذان فمختص بالذكر، فحرم عليها التشبه به فيه.
وقضية هذا حرمته عليها وإن لم يسمعه أجنبي؛ إذ التشبه علة للحرمة مستقلة، وخوف الفتنة علة أخرى، قال في "التحفة": (إلا أن يقال: لا يحصل التشبه إلا حينئذٍ، ويؤيده أنها لو أذنت للناس بقدر ما يسمعن .. لم يكره) اهـ
لكن نازعه (سم) و(ع ش)، وغيرهما بأنها إذا قصدت الأذان الشرعي .. حرم، واعتمده (م ر)، وهل قراءتها القرآن بحضرة الأجانب كأذانها؟ قال في "المغني": نعم، وفي "النهاية": لا.
تنبيه: يسنان أيضًا خلف مسافر، وفي أذني مولود، والأذان وحده في أذن مهموم، مصروع، وغضبان، ومن ساء خلقه ولو بهيمة، وعند مزدحم جيش وحريق، وتغول الغيلان.
(و) يستحب (أن يقال في الصلاة المسنونة جماعة) وفعلت جماعة (غير) المنذورة و(الجنازة)، بل كصلاة عيد، وكسوف، واستسقاء، ووتر رمضان، وكذا جنازة لم يكن معها أحد، أو زادوا بذلك: (الصلاة جامعة) برفعهما أو نصبهما، أو رفع أحدهما
[ ١٨٤ ]
ونصب الآخر، أو الصلاة الصلاة، أو حي، أوهلموا إلى الصلاة، أو الصلاة رحمكم الله، أو التراويح -مثلًا- أثابكم الله، وتندب إجابة ذلك بلا حول ولا قوة إلا بالله.
(وشرط) صحة (الأذان) -كالإقامة- دخول (الوقت) في الواقع وإن لم يظن دخوله؛ لأنهما للصلاة، ولا معنى لهما قبل طلبها، وفيه لبس قبله، ولهذا حرم قبله، فإن أمنه .. لم يحرم؛ لأنه ذكر.
نعم؛ إن نوى به الأذان .. حرم؛ لأنه حينئذٍ تلبس بعبادة فاسدة، ويبقى جوازه ما بقي الوقت، لكن تنتهي مشروعيته بفعل الصلاة بالنسبة لمن صلاها (إلا) أذان (الصبح .. فيجوز بعد نصف الليل) كالدفع من مزدلفة، ولأن العرب تقول حينئذٍ: أنعم صباحًا؛ لخبر: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم".
والأفضل لكل محل جماعة مؤذنان واحد يؤذن قبل الفجر والأفضل كونه من السحر وإن جاز من نصف الليل والآخر بعده لما مر (وإلا) الأذان (الأول يوم الجمعة) .. فيجوز قبل الزوال على ما نسب لـ"الرونق" قياسًا على الصبح، وفرق بينهما؛ بأن الناس قبل الفجر مشغولون بالنوم، فندب تقديمه؛ ليتهيؤا لإدراك فضيلة أول الوقت، ولا شاغل لهم يوم الجمعة يمنعهم من التهيؤ لأول وقتها.
ولا تقدم الإقامة على وقتها، وهو عند إرادة الدخول في الصلاة، فإن قدمت .. اعتد بها حيث لم يطل فصل بينهما.
نعم؛ طوله لتسوية الصفوف لا يضر كما في "التحفة"، ولو أقيمت بدون أذان .. اعتد بها، فإن اقتصر على أحدهما .. فالأذان أولى.
(و) شرطه أيضًا -كالإقامة- (الترتيب)؛ للاتباع، ولأن تركه يوهم اللعب ويخل بالإعلام، فإن أخل بالترتيب ولو ناسيًا .. لم يصح، ويبني على المنتظم منه، والاستئناف أولى (والموالاة) بين كلماتها؛ إذ تركها يخل بالإعلام، فلو تركها في أحدهما ولو ناسيا .. بطل.
نعم؛ لا يضر يسير سكوت، أو كلام ولو عمدًا وقصد به قطعه؛ إذ لا تشترط فيهما النية، بل عدم الصارف -ولا يسير جنون أو إغماء أو نوم؛ لعدم الإخلال، لكن يسن
[ ١٨٥ ]
الاستئناف حينئذٍ، ولو عطس في أحدهما .. حمد الله بقلبه. وسن له تأخير رد السلام وتشميت العاطس إلى فراغه منه وإن طال الفصل، فإن لم يؤخره .. فخلاف السنة كالتكلم لمصلحة، وقد يجب لضرورة كإنذارمن محذور.
(وكونه) كالإقامة (من واحد)؛ إذ صدوره من اثنين يورث لبسًا في الجملة، وهذا كالنسك فلا يبنى أحد فيه على فعل غيره وإن مات؛ لأنه لو أحصر .. لا يبني على فعل نفسه، فعدم بناء غيره على فعله أولى.
(و) كونهما (بالعربية إن كان ثم من يحسنها) وإلا صح بغيرها كأذكار الصلاة.
نعم؛ إن أذََّن لنفسه بغيرها وهو لا يحسنها .. صح وإن كان ثم من يحسنها.
(وإسماع بعض الجماعة) بالفعل ولو واحدًا أو أنثى والباقين بالقوة، والأكمل إسماع جميعهم، فلا يجزىء الإسرار بشيء منهما إلا لترجيع.
(وإسماع نفسه) بحيث يسمع جميعه حيث لا مانع من نحو صم (إن كان منفردًا)؛ لأن الغرض منهما حينئذٍ الذكر، لا الإعلام، والأكمل رفع صوته بهما، لكنه في الإقامة أخفض.
(وشرط المؤذن) كالمقيم إن نصبه الإمام: كونه مكلفًا أمينًا عارفًا بالوقت، أو معه أمين يخبره به؛ لأن ذلك ولاية، فاعتبر فيه شروطها، وإلا .. حرم نصبه، ولا تصح توليته، ولايستحق عليها شيئًا وإن صح أذانه.
وشرطه مطلقًا كالمقيم:
(الإسلام، والتميز، والذكورة) فلا يصحان من كافر؛ لأن في إتيانه بهما نوع استهزاء، ولأنهما مقدمتان للصلاة -التي هو ليس من أهلها- ولا من نحو صبي غير مميز، كسكران ومجنون وامرأة على ما مر.
(ويكره) فيهما التطريب والتلحين والتفخيم والتشادق و(التمطيط) أي: التمديد، قال الشيخ عز الدين: يحرم التلحين إن غير المعنى، أو أوهم محذورًا، بل كثير منه كفر [من العالم العامد]، كمد همزة أكبر أو أشهد، وباء أكبر، لأنه يصير به جمع كبر وهو طبل له وجه واحد، والوقف على إله والابتداء بإلا الله، ومد ألف الله، والصلاة والفلاح زيادةً
[ ١٨٦ ]
على ما تكلمت به العرب، وكقلب ألف الله هاء، أو عدم النطق بهاء الصلاة؛ لأنه يصير دعاء إلى النار، وعلى كل حال فقد عم الجهل في جميع أهل وظائف الدين، وتساهل بها غالب المسلمين.
(والكلام) اليسير (فيه) وفي الإقامة، حيث لا مصلحة ولا ضرورة كما مر.
(وترك إجابته) كالإقامة خروجًا من خلاف موجبها؛ للحديث الآتي، بل قيل: إن الكلام فيه يورث سوء الخاتمة.
(و) يكره (أن يؤذن) أو يقيم (قاعدًا أو راكبًا) لتركه القيام المأمور به (إلا المسافر الراكب) .. فلا يكرهان له؛ لحاجته إلى الركوب، لكن الأولى أن لا يقيم إلا بعد نزوله، ولا يكره له فيهما ترك الاستقبال ولا المشي؛ لاحتمالهما في صلاة النفل للمسافر، ففي أذانه أولى.
(وفاسقًا أو صبيًا)؛ لأنهما غير مؤمنين على الوقت، ولا يقبل خبرهما فيه وإن ظن صدقهما وحصل به أصل السنة، ومن ثم لا يكرهان لكل منهما لنفسه، وكونه أعمى أيضًا ليس معه من يعرفه الوقت.
(وجنبًا ومحدثًا)؛ لخبر: "كرهت أن أذكر الله على غير طهر"، وقضيته كراهة كل ذكر على غير طهر، وليس كذلك؛ ولذا استدل في "شرح المنهج" بخبر الترمذي: "لا يؤذن إلا متوضىء" (إلا إذا أحدث أثناء الأذان .. فيتمه) ندبًا؛ لئلا يوهم التلاعب، فإن تطهر بنى إن قصر الفصل، وإلاَّ .. استأنف، وهما من جنب أشد كراهة من المحدث، والإقامة من كل أغلظ من الإذان؛ لقربها من الصلاة.
(و) يكره (التوجه لغير القبلة) لكل منهما إن قدر على الإستقبال؛ لتركه الاستقبال المنقول سلفًا وخلفًا، لكنه يجزىء؛ لأنه لا يخل بالإعلام. قال الأطفيحي: (قال "م ر": "وعلم من سن التوجه حال الأذان أنه لا يدور على ما يؤذن عليه من منارة أو غيرها" اهـ
ونقل (سم) عن (م ر): "أنه لا يدور، فإن دار كفى إن سمع آخره من سمع أوله وإلا .. فلا" اهـ
[ ١٨٧ ]
والراجح: كراهة الدوران مطلقًا كبرت البلد أو صغرت، وإذا لم يسمع من بالجانب الآخر .. سن أن يؤذن فيه) اهـ شيخنا (ع ش)
لكن كتب (ب ج) على "شرح المنهج" ما نصه: (قوله: "وتوجه لقبلة" أي: إن لم يحتج لغيرها، وإلا كمنارة وسط البلد .. فيدور حولها) اهـ
زاد غيره: (وكذا لو كانت منارة البلد لغير جهة القبلة .. فيستقبل البلد وإن استدبر القبلة). واعتمد هذا، بل جزم به جل المحشين، وعليه عمل أهل مصر وغيرها من غالب البلدان.
(وسن ترتيله) أي: التأني فيه بأن يأتي بكلماته مبينة، وإدراج الإقامة؛ للأمر بهما، ولأنه للغائبين فالترتيل فيه أبلغ، وهي للحاضرين فالإدراج فيها أشبه، ولذا كانت أخفض منه صوتًا.
(والترجيع) ولو في أذان غير الصلاة؛ لثبوته في خبر مسلم، وهو ذكر الشهادتين مرتين بحيث يسمع نفسه، فإن أذن لجمع .. سن أن يسمع من بقربه؛ ليتدبرها ويخلص فيهما؛ إذ هما المقصودتان، وليتذكر خفاءهما أول الإسلام، ثم ظهورهما الذي أنعم الله به، وسمي بذلك؛ لأنه رجع إلى خفص الصوت بعد رفعه بالتكبير، أو لأنه رجع للشهادتين بعد ذكرهما.
والأشهر: أنه اسم للأول، وفي "الروضة" أنه اسم للثاني، ولو جهر بالأولين .. أسر بالأخيرين.
(والتثويب) من ثاب إذا رجع (بالصبح) في أذانيه (أداءً، وقضاءً) وهو أنه يقول: الصلاة خير من النوم؛ لما صح أنه ﷺ علمه لأبي محذورة وخص بالصبح؛ لما بالنائم من الكسل، وسمي بذلك؛ لأنه لما دعا إلى الصلاة والفلاح باللفظ الصريح .. عاد إلى الدعاء إليهما بالكناية، وهي أبلغ منه.
(والالتفات) فيهما ولو لنفسه، قال الشرقاوي: (لأنه قد يسمعه من لا يعلم به وقد يريد الصلاة معه، فمظنة فائدة الالتفات قائمة، فإن كان بمحل يقطع بعدم إتيان غيره له فيه .. لم يلتفت، ويسن الالتفات في الأذان لتغول الغيلان؛ لأنه أبلغ في الإعلام وأدفع لشرهم، ولذا يسن رفع الصوت فيه، بخلاف الأذان في أذن المولود؛ لعدم فائدتهما) اهـ
[ ١٨٨ ]
ولا يلتفت بصدره بل (برأسه وحده يمينه) مرة (في) مرتي (حي على الصلاة، ويساره) مرة (في) مرتي (حي على الفلاح)؛ لما في الصحيحين: أن بلالًا كان يفعل ذلك في الأذان وقيس به الإقامة، واختص به الحيعلتان؛ لأنه خطاب آدمي كسلام الصلاة، ولا يلتفت في الخطبة ولا في التثويب، كما قاله ابن العجيل.
(ووضع) طرفي أنملتي (أصبَعيه) وطرفي المسبحتين أولى (في صماخي أذنيه)؛ لما صح من فعل بلال ذلك بحضرته ﷺ، فإن كان بإحدى السبابتين علة .. جعل أصبعًا أخرى، أو بإحدى يديه .. جعل السليمة فقط (في الأذان دون الإقامة)؛ لأن علته كونه أجمع للصوت الطلوب رفعه فيه أكثر، ويستدل به الأصم والبعيد وذلك مفقود فيها، ولذا لا يسن لمن يؤذن لنفسه بخفض الصوت، كذا قالوه، وقد يقال: نحو الأصم، كما يستدل به في الأذان يستدل به في الإقامة.
(وكون المؤذن) والمقيم (ثقة) أي عدل شهادة عارفًا بالمواقيت ولو بأجرة؛ ليقبل خبره بالوقت، وليؤمن نظره إلى العورات، ومن ذرية مؤذنيه ﷺ، فمن ذريته، فمن ذرية أصحابه، (ومتطوعًا)؛ لخبر: "من أذن سبع سنين محتسبًا .. كتب الله له براءة من النار" (وصيتًا) أي: عالي الصوت؛ لأنه أبلغ في الإعلام، ولخبر: "ألقه على بلال، فإنه أندى صوتًا منك". (وعلى مرتفع) كمنارة أوسطح؛ لأنه حينئذٍ أبلغ في الإعلام، فإن لم يكونا .. فعلى باب المسجد، ولا يسن المرتفع للإقامة إلا لحاجة ككبر المسجد. (وبقرب المسجد)؛ لأنه دعاء للجماعة، وهي فيه أفضل.
ويكره الخروج من المسجد بعد الأذان بغير صلاة.
(وجمع كل تكبيرتين بنفس)؛ لخفتهما، وإفراد كل من باقي كلماته بصوت، ويسن في الإقامة جمع كل كلمتين بصوت، وتبقى الأخيرة فتفرد بصوت.
(وبفتح الراء في الأولى) من التكبيرتين (في قوله: الله أكبر الله أكبر) قال ابن هشام في "مغنيه": (قال جماعة منهم المبرد: حركة راء أكبر فتحة، وإنه وصل بنية الوقف،
[ ١٨٩ ]
ثم اختلفوا فقيل: هي حركة الساكنين، وقيل: حركة الهمز نقلت، وهذا كله خروج عن الظاهر لغير داع، والصواب: أن حركة الراء ضمة إعراب) اهـ
والحاصل: أن الوقف أولى؛ لأنه المروي، ثم الرفع وأن الرفع أولى من الفتح؛ لأنه حركته الأصلية الإعرابية، فالإتيان به أولى من اجتلاب حركة أخرى؛ لالتقاء الساكنين، وإن كان جائزًا، (ويسكن) الراء (في) التكبيرة (الثانية) ندبًا.
(و) يسن (قول: ألا صلوا في الرحال) أو في رحالكم أو بيوتكم مرتين، كما في "سنن أبي داوود" (في الليلة الممطرة) واليوم المطير وإن لم يكن ريح (أو ذات الريح) أو ذي الريح (أو) ذات (الظلمة) وفي كل ما هو من أعذار الجماعة؛ للأمر به، ويقول ذلك (بعد الأذان أو) بعد (الحيعلتين) والأول أولى، وجرى الشربيني على أن ذلك يجزي عن الحيعلتين.
(و) يسن (الأذان للصبح مرتين) ولو من واحد، والأفضل كونه من اثنين كما مر ليتميز الأول من الثاني، فإن اقتصر على أحدهما .. فالأولى الثاني (ويثوب فيهما).
(و) يسن لكل مؤذن ومقيم (ترك رد السلام) الذي سلم به غيره (عليه)؛ إذ لا يليق الكلام في أثنائهما، ويسن الرد بعدهما وإن طال الفصل، وكذا تشميت العاطس (وترك المشي فيه) وفيها؛ لأنه يخل بالإعلام ويجزيان وإن بعد كما مر ويستثنى المسافر، فلا بأس بأذانه ماشيًا وراكبًا، والأولى أن لا يؤذن إلا بعد نزوله.
(وأن يقول السامع) ولو نحو جنب إن فسر اللفظ على ما في "التحفة"، وكذا إن لم يفسره على ما في "الإمداد"، و"النهاية" (مثل ما يقول المؤذن والمقيم) وإن كرها، أو حرما لا لذاتهما، وإلاَّ .. لم يجب كما في أذان المرأة؛ لخبر: "إذا سمعتم المؤذن .. فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ"، وقيس به المقيم، ولما صح: "أن من فعل ذلك دخل الجنة"، وذلك بأن يجيب كل كلمة عقب فراغه منها، أو يسكت حتى يفرغ كل أو بعض الأذان والإقامة، ويجيب قبل أن يطول الفصل عرفًا، فأن قارنه من غير تقدم .. أجزأه عند (م ر).
[ ١٩٠ ]
قال الكردي: (وقد يقال: إن غفران الذنب ودخول الجنة اللذين في خبر مسلم، يتوقفان على الإجابة عقب كل كلمة؛ إذ الذي فيه: "إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله " الحديث) اهـ
وأخذ من قوله في الحديث: "فقولوا مثل ما يقول" أنه يجيب الترجيع وإن لم يسمعه؛ لإنه لم يقل مثل ما تسمعون، وفي "فتاوى م ر" أنه لا يجيب غير أذان وإقامة الصلاة، ونحوه لـ (سم) في "حاشية التحفة"، لكن في "القلائد": أنه يجيبه.
وخرج بسامع المؤذن نفس المؤذن، ويجيب مؤذنين مرتبين سمعهم ولو بعد صلاته، والأول آكد، قال غير واحد: إلا أذاني الفجر فسواء، ولو سمع بعض الأذان .. أجاب حتى فيما لم يسمعه أيضًا؛ تبعًا لما سمعه، ولو ترك المؤذن الترجيع .. أتى به السامع؛ تبعًا لإجابته فيما عداه كما في "حاشية التحفة" لـ (سم)، ولو كان المؤذن يغير معنى بعض كلماته .. فيظهر أنه لا تسن إجابته؛ لأنه بعض أذان وهو لا يسن، فكذا إجابته، لكن نقل (سم) عن "العباب"، و"شرحه": سن إجابته، ثم قال: وقد يتوقف فيه، بل في إجزائه فليتأمل.
(إلا في الحيعلتين) وفي ألا صلوا في رحالكم (فيقول) في إجابتها (عقب كل: لا حول) أي: عن المعصية (ولا قوة) على الطاعة (إلا بالله، ويكرر ذلك أربعًا في الأذان بعد الحيعلتين) ومرتين في: ألا صلوا في رحالكم والإقامة؛ لخبر الصحيح: "أن من قال ذلك مخلصًا من قلبه .. دخل الجنة"، ويسن أن يجيب كلًا من الحيعلة بلفظة أيضًا، ثم يحوقل ويزيد مع حي على الفلاح: اللهم اجعلنا من المفلحين.
(وإلا في التثويب، فيقول) في إجابته مرتين: (صدقت وبررت) -بكسر الراء، وحكي فتحها- أي: صرت ذا بر؛ لخبر فيه، وبالحق نطقت؛ لأنه مناسب، وقيل: يقول: صدق رسول الله ﷺ الصلاة خير من النوم، كما في "الأذكار"، فينبغي الجمع بينه وبين ما قبله.
(وإلا في) كلمة (الإقامة) فيقول: (أقامها وأدامها) ما دامت السماوات
[ ١٩١ ]
والأرض، وجعلني من صالحي أهلها مرتين، ولو ثنى الإقامة .. لم يجبه في الزائد، كما في "الإمداد"، وتردد فيه (م ر).
(و) يسن (أن يقطع القراءة) ونحو الذكر، كتدريس وإن كان واجبًا؛ لأنه لا يفوت، بخلاف الإجابة؛ (للإجابة، وأن يجيب بعد) انقضاء ما لا تطلب معه الإجابة نحو (الجماع والخلاء والصلاة ما لم يطل الفصل) كما في "التحفة"، و"النهاية"، بل وأن طال كما في "الإمداد"، فإن أجاب فيما ذكر .. كرهت، إلا مصليًا أجاب بحيعلة أو تثويب أو صدقت أو قد قامت الصلاة .. فتبطل؛ لأنه كلام آدمي، بخلاف الإجابة بغير ذلك ولو بـ (صدق رسول الله ﷺ) و(أقامها الله).
(و) تسن (الصلاة) والسلام (على النبي ﷺ) من المؤذن والمقيم والسامع (بعده) وبعدها، وكذا قبل الإقامة، ولا يسن بعدهما بعد لا إله إلا الله أن يقول: محمد رسول الله، قال في المغني: (وجهلة المؤذنين تقول قبل الإقامة: استغفر الله العظيم، وهو من البدع).
(ثم يقول) عقب ما ذكر: (اللهم رب هذه الدعوة) وهي الأذان، أو هو والإقامة (التامة) أي: السالمة من تطرق نقص؛ لاشتمالها على جميع شرائع الإسلام (والصلاة القائمة) أي: التي ستقام (آت محمدًا الوسيلة) وهي أعلى درجة في الجنة لا تكون إلا له ﷺ بالوعد الصادق، وحكمةُ طلبها له الإشارة إلى أنها من فضل الله عليه، ولينال السائل لها له ﷺ الشفاعة منه. (والفضيلة) عطف عام على خاص؛ لشمولها الوسيلة وغيرها (وابعثه مقامًا محمودًا) أي: حال كونه في مقام محمود، وفي رواية صحيحة أيضًا: "المقام المحمود" (الذي وعدته) به بقولك: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) [الإسراء:٧٩] وهو هنا اتفاقًا، وعلى الأشهر في الآية مقام الشفاعة العظمى في فصل القضاء، يحمده فيه الأولون والآخرون.
[ ١٩٢ ]
وقال اللَّقَّاني: (الحق أن الشفاعة أول المقام المحمود).
(و) يسن (الدعاء عقبه وبينه وبين الإقامة)؛ لأنه بينهما لا يرد، كما في خبر الترمذي، وأن يقول بعد أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك، اغفر لي، وبعد أذان الصبح: اللهم هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك وأصوات دعاتك، اغفر لي.
قال الكردي: (وروى مسلم: "من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا وبالإسلام دينًا .. غفر له ذنبه".
وفي روايه للبيهقي زيادة: "وبالقرآن إمامًا وبالكعبة قبلة، وبعد الشهادتين والمتقدمتين: اللهم اكتب شهادتي هذه في عليين، وأشهد عليها ملائكتك المقربين، وأنبياءك المرسلين وعبادك الصالحين، واختم عليها بآمين، واجعل لي عندك عهدًا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد .. بدرت إليه بطاقة من تحت العرش فيها أمانة من النار"، وتردد في "الإيعاب" هل يقول ذلك بعد الشهادتين أو بعد الدعاء بعد الأذان؟ ورجح الثاني) اهـ
وفي "الأذكار" و"شرح البداية" للفاكهي: ويقول بعد قوله: وأشهد أن محمدًا رسول الله: وأنا أشهد أن محمدًا رسول الله، رضيت بالله ربًا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا.
(والأذان) وحده (أفضل من الإمامة) عند (م ر)، بل ومنها مع الإقامة عند الزيادي، وعند (حج): الأذان مع الإقامة أفضل من الإمامة؛ لما ورد في فضل الأذان، ومنه: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة"، وخبر: "الأئمة ضمناء، والمؤذنون أمناء"، والأمانة أعلى من الضمان، وخبر: "المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس"، ورجح الرافعي أن الإمامة أفضل منه مطلقًا؛ لأنها فرض كفاية، وهو سنة، ولقيامه ﷺ والخلفاء بعده بها دونه.
(ويسن) للمتأهل لهما (الجمع بينهما) ولو لجماعة واحدة؛ لحديث حسن فيه، والنهي عن ذلك لم يثبت.
[ ١٩٣ ]
(وشرط المقيم: الإسلام والتمييز) وغيرهما كما مر.
(ويستحب أن تكون الإقامة في غير موضع الأذان، وبصوت أخفض من الأذان)؛ لحضور المصلين، (والالتفات في الحيعلة) فيها كالأذان، لا وضع أصبعيه في صماخيه فيها، ويسن لكل محل جماعةٍ مؤذنان؛ للاتباع ويزاد فيهما بقدر الحاجة، ويرتبون في أذانهم إن اتسع الوقت، وإلا .. تفرقوا في أقطار المسجد الكبير وأذنوا من غير مراعاة ترتيب، واجتمعوا عليه في مسجد صغير، ويقفون عليه كلمة كلمة إن لم يحصل اختلاط واضطراب، وإلا .. أذن بعضهم بالقرعة، ويندب أن يقيم المؤذن دون غيره؛ لخبر: "من أذن فهو مقيم" (فإن أذن جماعة .. فيقيم الراتب) وإن تأخر أذانه، (ثم) إن لم يكن راتب، أوكانوا كلهم راتبين .. فليقم (الأول)؛ لتقدمه، فإن أقام غيره .. اعتد به، لكنه خلاف الأولى، (ثم يقرع إن أذنوا معًا) وتشاحوا؛ لعدم المرجح، ولا يقيم في المحل الواحد إلا واحد، كما عليه السلف.
(و) وقت (الإقامة بنظر الإمام والأذان بنظر المؤذن)؛ لخبر: "المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة" فإن أقام من غير استئذانه .. اعتد بها في الأصح.
تنبه: يجوز الاستنابة في الأذان والإمامة ونحوهما من الوظائف، بشرط كون المناب أهلًا ومثل المنيب، فإن أناب غير أهلٍ كصبي وفاسق .. لم تصح إنابته، بل ويأثم المنيب، فإن تكرر منه ذلك .. انعزل، ولا يستحق شيئًا مما رصد لتلك الوظيفة.
* * *
[ ١٩٤ ]