ويجب التيمم بحضرته، وتصح منه مع الحرمة؛ لأنها لأمر خارج.
ومثله ما جهل حاله، سواء دلت قرينة على أنه مسبل للشرب، كالخوابي الموضوعة بالطرق، أم لا كالصهاريج، ويحرم حمل شيء منه إلى غير محله إلا لضرورة، كأن توقع المار بها عطشًا، فيجوز أن يحمل منه قدر حاجته، فإن استغنى عن شيء منه .. وجب رده.
* * *
(فصل) في الاجتهاد وهو كالتحري: بذل المجهود في تحصيل المقصود:
(إذا اشتبه) ولو بقول ثقة (عليه) أي: على أهل للعبادة ولو صبيًا مميزًا بالنسبة للعبادة، أما بالنسبة للملك .. فيشترط التكليف (طاهر) أي: طهور من ماء أو تراب أو غيرهما (بمتنجس) أو مستعمل (.. اجتهد) وإن قل الطهور وجوبًا مضيقًا إن ضاق الوقت ولم يجد غير المشتبهين، ولم يبلغا بالخلط قلتين، ولم يفعل الكيفية الآتية التي قيل بوجوبها وجوازًا فيما عدا ذلك.
(وتطهر بما ظن طهارته) بالاجتهاد بعلامة تدل على ذلك، كاضطراب وتغير وأثر نحو كلب، وله أيضًا استعماله في نحو شرب، فلو هجم وتطهر بأحد المشتبهين .. لم يصح؛ لأن مبنى العبادة على نفس الأمر، والاستناد إلى أصل أو ظن المكلف ولا ظن له، وأما أصل طهارته .. فأعرضوا عنه في هذا الباب.
ولجواز الاجتهاد شروط:
أحدهما: أن يكون لكل من المشتبهين أصل في التطهير -أي: عدم استحالته عن خلقته الأصلية، كالمتنجس بلا تغير، والمستعمل- أو في الحل.
فلو اشتبه ماءٌ ببول .. لم يجتهد فيهما؛ إذ لا أصل في البول في تطهير ولا حل، بل يتلف أحدهما ويتيمم، أو ما بنحو ماء ورد .. اجتهد لنحو الشرب لا للطهر؛ إذ لا أصل لماء الورد فيه، وإذا اجتهد لنحو شرب .. جاز له التطهير بما ظنه الماء عند (م ر)؛ إذ يغتفر في الشيء تبعًا ما لا يغتفر فيه مقصودًا.
وله أن يتطهر بكل من الماء، وماء الورد مرة، ويغتفر التردد في النية؛ للضرورة.
ولا يجوز في الماء الطهور والمستعمل؛ إذ لا ضرورة مع إمكان الاجتهاد، والأفضل
[ ٨٣ ]
أن يضع بعضًا من أحد المشتبهين من الطهور والمستعمل أو ماء الورد في أحد كفيه، وبعضًا من الآخر في الكف الأخرى، ويغسل بهما وجهه من غير خلط، وينوي -ثم يعكس، ثم يتمم- وضوءه بأحدهما، ثم بالآخر، ويتأتى له حينئذ الجزم بالنية، وقيل: تجب هذه الكيفية؛ لأن طهره حينئذٍ بطهور يقينًا مع جزمه بالنية، وقال في "التحفة": (وهو وجية معنى، وظاهر كلامهم ندبه) اهـ
نعم؛ لو اجتهد وتحير ولم يجد غيرهما .. تعينت هذه الكيفية.
الثاني: أن يكون للعلامة فيه مجال، كاضطراب أحد المشتبهين أو نقصه، بخلاف ما لا مجال لها فيه، كأن اختلطت مَحْرَمُه بنسوة أجنبيات، فلا اجتهاد.
ثالثها: تعدد المشتبه ابتداءً ودوامًا، فلا اجتهاد في واحد ابتداءً أو انتهاءً، كأن تلف أحد المشتبهين، فلا يجتهد في الباقي، وكذا لو تنجس أحد كميه -مثلًا- والتبس بالآخر ما لم يفصل أحدهما، ولو اشتبه نجس في أرض واسعة .. صلى فيها إلى أن يبقى قدره أو ضيقة غسل جميعها.
الرابع: العلم بنجاسة أحد المشتبهين ولو بخبر عدل.
الخامس: الحصر، فلو اشتبه إناء بول -مثلًا- بأوان طاهرة غير محصورة .. فلا اجتهاد، بل يأخذ منها إلى أن يبقى واحد، كما في "الإمداد" و"الفتح" هنا، وكذا في "التحفة" و"النهاية" في النكاح، وقال (ب ج): (وهذا شرط لوجوب الاجتهاد؛ لأنه يجوز حينئذٍ).
السادس: اتساع الوقت للاجتهاد والطهارة والصلاة في الوقت، فلو ضاق الوقت عن ذلك .. تيمم عند (حج)، وأعاد.
ويشترط للعمل بالاجتهاد: ظهور العلامة (ولو) لـ (أعمى)؛ لأنه لم يفقد من الحواس الظاهرة إلا البصر، ويمكن إدراك العلامة بغيره كشم وذوق وحس، وإنما امتنع اجتهاده في القبلة؛ لأن أدلتها بصرية غالبًا، فإن لم تظهر له .. قلد عارفًا ولو أعمى، فإن لم يجده أو اختلف مقلدوه .. تيمم -كبصير تحير بعد إتلاف الماءين أو أحدهما- ولا قضاء.
وتجب إعادة الاجتهاد لكل طهر ولو مجددًا وإن لم يكفه؛ لوجوب استعمال الناقص.
[ ٨٤ ]