و(الحيض): دم جبلة يخرج في وقت مخصوص من أقصى الرحم، والأصل فيه آية: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ) [البقرة:٢٢٢] وخبر الصحيحين: "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم".
(وأقل) زمن (الحيض) -تقطع أو اتصل- أربع وعشرون ساعة، وهي قدر (يوم وليلة) متصلًا بأن تكون لو أدخلت فرجها نحو قطنه .. لتلوثت، وذلك باستقراء الشافعي
[ ١٦٢ ]
فيه وفيما بعده، إذ لا ضابط لشيء من ذلك لغةً، ولا شرعًا، فرجع فيه إلى المتعارف بالاستقراء، فما نقص عن ذلك يقينًا .. فليس بحيض، بخلاف ما بلغه ولو بالشك -كما قاله (م ر) - في العدد، ولو مفرقًا في خمسة عشر يومًا بلياليهن، ولو أصفر أو أكدر؛ إذ كل منهما أذىً، فشملته الآية وإن لم يتقدمه قوي وخالف العادة.
(وأكثره) زمنًا (خمسة عشر يومًا بلياليها) إن بلغ مجموعه منها قدر يوم وليلة وإن لم يتصل، وهو مع نقاء تخلله حيض إن لم يجاوز مع النقاء خمسة عشر يومًا؛ لأنه حينئذٍ يشبه الفترة بين دفعات الدم، فسحب عليه حكم الحيض.
أمَّا الذي لم يبلغ أقله أو جاوز أكثره .. فاستحاضة، وكذا ما أتى قبل تسع سنين أو قبل أقل الطهر.
(وغالبه: ست أو سبع).
(و) أول إمكان (وقته) ووقت إنزال صبي وصبية (تسع سنين) قمرية ولو ببلاد باردة تقريبًا، فيتسامح قبل تمامها بما لا يسع أقل حيض وطهر، ولا آخر لسنه.
(وأقل) زمن (طهر) فاصل (بين) زمني (الحيضتين) لا بين حيض ونفاس؛ إذ يجوز أن يكون أقل من ذلك قال (ع ش): (بل يجوز أن لا يكون بينهما طهر أصلًا). (خمسة عشر يومًا بلياليها)؛ لأنه أقل ما ثبت وجوده، ولا حد لأكثره إجماعًا؛ إذ قد لا تحيض المرأة أصلًا، ولو اطردت عادة امرأة، أو أكثر بمخالفة شئ من ذلك .. لم تتبع؛ لأن بحث الأولين أتم، وحمل دمها على الفساد أولى من خرق العادة المستمرة، وإنما خرقوها فيمن رأت الدم بعد سن اليأس، حيث حكموا بأنه حيض؛ لأن الاستقراء هنا أتم منه هناك؛ لعدم الخلاف فيه عندنا، بخلافه ثم.
(ويحرم به) أي: الحيض (ما يحرم بالجنابة)؛ لأنه أغلظ، بل يزيد بأنه يحرم به الطهر بنية التعبد في غير نحو نسك وعيد.
(ومرور المسجد) أي: فيه (إن خافت تلويثه) ولو احتمالًا؛ احتياطًا له، ومثلها كل ذي خبث يخشى منه تلويثه، فإن أمنته .. كره؛ لغلظ حدثها، وبه فارقت الجنب، وذا الخبث. قال (م ر): (ومحل كراهة عبورها إذا لم تكن لها حاجة إلى العبور).
[ ١٦٣ ]
(والصوم) إجماعًا (والطلاق فيه) لزوجة موطوءة ولو في الدبر، أو في طهر وطئها فيه إن أمكن حبلها إن لم تبذل له مالًا في مقابلة؛ لتضررها بطول مدة التربص؛ إذ ما بقي منه لا يحسب من العدة، ومن ثم لو كانت حاملا بلاحق بالمطلق ولو احتمالًا .. لم يحرم.
(والاستمتاع بما بين السرة والركبة) بوطء مطلقًا أو بغيره بلا حائل؛ لآية: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة:٢٢٢]، وخبر: "لك ما فوف الإزار"، كناية عن حل ما بينهما بحائل بغير وطء، وحل غيره مطلقًا، وقيل: إنما يحرم الوطء؛ لخبر: "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" لكنه معارض للخبر الأول، فقدم الأول؛ لما فيه من الاحتياط.
وعبر بالاستمتاع كـ"الروضة"، وجرى عليه (حج) في غالب كتبه، فشمل النظر واللمس بلا حائل، لكنه يختص بالشهوة. وعبر في "التحقيق" وغيره بالمباشرة المختصة باللمس بلا حائل بشهوة، وبغيرها دون النظر ولو بشهوة. قال الكردي: والأول أوجه.
ومحل جواز مباشرة ما ذكر ما لم يعلم من عادته أنه إذا باشر .. وطئ؛ لقلة تقواه وقوة شبقه، وإلا .. حرم.
ويجوز تمتع الزوجة بما بين سرته وركبته وإن كانت هي المستمتعة عند (م ر)، ويستمر تحريم ما ذكر إلى أن تغتسل أو تتيمم.
نعم؛ الصوم والطلاق والطهر يحل بالانقطاع، ويستحب لمن وطئ في أول الدم أن يتصدق بدينار أو قدره ولو على فقير واحد، وبنصفه أو قدره لمن وطئ في آخره زوجًا كان أو غيره، وهو من الكبائر، وكذا يندب لمن ارتكب كبيرة التصدق بدينار، ولمن ارتكب صغيرة التصدق بنصفه.
(ويجب عليها) أي: الحائض (قضاء الصوم) بأمر جديد؛ لأن منعها من الصوم عزيمة، والمنع والوجوب لا يجتمعان (دون الصلاة) إجماعًا فيهما؛ لخبر عائشة: "كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"؛ للمشقة في قضائها، لأنها تكثر، ولم يبن أمرها على التأخير ولو بعذر، بخلاف الصوم، بل يكره قضاؤها عند (م ر)، ويحرم ولا يصح عند (حج).
* * *
[ ١٦٤ ]