(وتسقط الكفارة) هنا (بطروء الجنون والموت في أثناء النهار) الذي جامع فيه وإن تعدى بهما؛ لأنه بان بطروء ذلك أنه لم يكن في صوم، وبانتقاله لبلد أهله معيدون ومطلعهم مختلف وإن عاد لبلده؛ إذ الساقط لا يعود.
ولو جامع في بلده يوم العيد، فانتقل لبلد أهله صيام .. فلا كفارة أيضًا.
(لا بالمرض والسفر) والإغماء والردة؛ إذ الأولان لا ينافيان الصوم، فيتحقق هتك حرمته، وطرو الردة لا يبيح الفطر، فلم يؤثر فيما وجب من الكفارة.
(ولا بالإعسار) بل إذا عجز عن الخصال الثلاثة .. استقرت في ذمته، فإذا قدر على خصلة .. فعلها، ولا أثر للقدرة على بعض خصلة إلا في الإطعام، ولو بعض مدّ، والباقي إذا أيسر.
(ولكل يوم يفسده) بالجماع السابق (كفارة) ولا تتداخل وإن لم يكفر عما قبل الأخير؛ إذ كل يوم عبادة مستقلة بنفسها لا ارتباط لها بما بعدها، بدليل تخلل منافي الصوم من نحو أكل بين الأيام من غير إفساد لما قبله.
فعلم: أن على المفسد خمسة أشياء: الإثم، والقضاء، والكفارة، والتعزير إن لم يتب، والإمساك.
* * *
(فصل) في الفدية الواجية بدلًا عن الصوم.
وأنها تارة تجامع الصوم، وتارة تنفرد عنه، وفيمن تجب عليه.
(ويجب) [مع القضاء] الفدية، وهي (مد من غالب قوت البلد) في غالب السنة كالفطرة.
والمراد بـ (البلد): المحل الذي هو فيه عند أوّل مخاطبته بالقضاء.
(ويصرف إلى) واحدٍ لا أكثر من (الفقراء أو المساكين) دون غيرهما من مستحقي الزكاة؛ لأنّ المسكين ذكر في الآية، والفقير أسوأ حالًا منه.
وله الصرف أمدادٍ لواحد، لا مدّ لاثنين، ومد وبعض آخر لواحد؛ لأن كل مدًّ فدية
[ ٥٧٥ ]
تامة، وبه فارق ما مرَّ في كفارة الجماع، وقد وجب صرف الفدية لواحد، فلا ينقص عنها.
وفي "التحفة": (وإنما جاز صرف فديتين لواحد كزكاتين، ويجوز بل يجب صرف صاع الفطرة لاثنين وعشرين ثلاثة من كل صنف، والعامل؛ لأنه زكاة مستقلة، وهي بالنص يجب صرفها لهؤلاء؛ إذ تعلق الأطماع بها أشد. وإنما صرف جزاء الصيد لمتعددين؛ لأنه قد يجب التعدد فيها ابتداء بأن أتلف جمع صيدًا، وأيضًا فهو مخير، وهو يتسامح فيه ما لا يتسامح في المرتب، وأيضًا فإنّ فيه جمع المساكين، كآية الزكاة، بخلاف الآية هنا) اهـ
ويجب المد (لكل يوم) لما مرَّ: أنَّ كل يوم عبادة مستقلة.
وتجب الفدية بثلاث طرق:
الأولى: فوات نفس الصوم، فحينئذٍ (يخرج) بعد مؤن تجهيزه لكل يوم مد (من تركه من مات وعليه صوم) واجب (من رمضان أو غيره) كنذر وكفارة (و) قد (تمكن من القضاء) ولم يقض (أو تعدى بفطره) وإن لم يتمكن من القضاء، ويأثم بالتعدي والتأخير بعد التمكن، وكذا كل عبادة وجب قضاؤها، فأخره مع التمكن حتى مات وإن ظنَّ السلامة، فيعصي من آخر زمن التمكن كالحج.
بخلاف المؤقت المعلوم الطرفين لا إثم فيه بالتأخير عن زمن إمكانه أدائه.
وأفهم قوله: (من تركه): أنه ليس لأجنبي إخراجها؛ لأنها بدل عن بدني، بخلاف الحج، وكذا إطعام الأنواع الآتية.
ومرَّ أنه لا يجوز إخراج الفطرة بلا إذن، ومثلها الكفارة.
وخرج بـ (الأجنبي): الوارث، فله إمساك التركة وإخراجها من ماله كالدين، بل مثل الوارث قريب غير وارث؛ لأن له الصوم عنه، فالإطعام أولى.
والجديد: تحتم الإطعام عن الميت ومنع الصوم؛ لأنه عبادة بدنية، وهي لا تدخلها النيابة، وأولوا الأحاديث بالصيام على بدله، وهو الإطعام.
والقديم: إمَّا أن يطعم -كما مر- (أو يصوم عنه قريبه) البالغ وإن لم يكن وارثًا ولا عصبة ولا ولي مال، كسفيه ولو بغير إذن الميت (أو) يصوم عنه (من) أي: أجنبي
[ ٥٧٦ ]
بالغ (أذن له) أي: أذن القريب المذكور، سواء (الوارث) وغيره (أو الميت) للأجنبي في الصيام عنه بأجرة أو دونها؛ للأخبار الصحيحة، كخبر: "من مات وعليه صيام .. فليصم عنه وليه وغيره".
ولو تعدد الأقارب .. قسم بينهم، وخير من خصه شيء من الأقارب بين الإطعام والصوم بنفسه، أو بالإذن فيه لغيره.
ولو صام أحد الأقارب بغير إذن الباقين .. صح، ولو لم تكن تركة سن الإطعام أو الصوم.
واعلم: أن التركة مرهونة بما عليه من صوم أو كفارة حتى يفعل عنه، وقلَّ أن يخلو أحد عن كفارة اليمين.
أمَّا الأجنبي الذي لم يأذن له الميت ولا القريب .. فلا يصح منه صوم عن الميت، ولا إطعام.
وإنما صحت حجة الإسلام عن الميت من الأجنبي وإن لم يستطع ولا أذن فيها له هو ولا قريبه؛ لأن الصوم لا يقبل النيابة في الحياة، بخلاف الحج، ولأن للصوم بدلًا، وهو الإطعام، ولا بدل للحج، فلذا ضيق في الصوم.
وخرج بقوله: (تمكن) من لم يتمكن وقد أفطر بعذر، فلا فدية عليه كما مر.
ولو مات وعليه صلاة أو إعتكاف .. فلا قضاء عنه ولا فدية.
ولا يصح الصوم عن حيَّ ولو هرمًا اتفاقًا، وحكى القفال عن بعض أصحابنا: أنه يطعم عن كل صلاة، أي: مدًا، كما في "التهذيب".
وحكى عن القديم: أنه يجب على الولي أن يصلي عنه ما فاته، واعتمده جمع من محققي المتأخرين، وفعل به السبكي عن بعض أقاربه.
وعن البويطي أنَّ الشافعي قال في الاعتكاف: يعتكف عنه وليه.
فائدة: قال في "شرح السنة" للمحب الطبري: إنه يصل للميت ثواب عبادة تفعل عنه واجبة أو مندوبة، ونقله في "شرح المنهج" عن جماعات من الأصحاب.
قال (ب ج): (كأن صلى أو صام، وقال: اللهم أوصل ثواب ذلك إليه) وهو ضعيف. اهـ
والضعف ظاهر إن أريد الثواب نفسه، فإن أريد مثله .. فلا ينبغي أن يختلف فيه.
[ ٥٧٧ ]
نعم؛ الصدقة يصل نفس ثوابها للمتصدّق عنه إجماعًا، وكأنه هو المتصدّق، ويثاب المتصدق ثواب البر لا على الصدقة، وكذا يصله ما دعا له به إن قبله الله تعالى.
وأمَّا ثواب الدعاء .. فهو للداعي.
(ويجب المد) إن لم يتكلف الصوم بلا قضاء لكل يوم (أيضًا على من لا يقدر على الصوم) الواجب من رمضان وغيره بأن عجز عنه؛ لضعف (لهرم) أو زمانة (أو) لأجل (مرض لا يرجى برؤه)؛ بأن لحقه مشقة لا تحتمل عادة بالصوم.
قال الكردي: أي: تبيح التيمم؛ لأن ذلك جاء عن جمع من الصحابة ولا مخالف لهم، ولآية (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) [البقرة:١٨٤]؛ إذ المراد لا يطيقونه، أو يطيقونه في الشباب، ويعجزون عنه في الكبر.
وقرأ ابن عباس وعائشة: (وعلى الذين يطوقونه)، أي: يكلفونه فلا يطيقونه، والقراءة الشاذة حجة، والأكثرون أنها منسوخة.
والفدية -هنا- واجبة ابتداء لا بدلًا عن الصوم.
ومن ثم لو نذر صومًا .. لم يصح.
ولو قدر على الصوم قبل إخراج الفدية .. لم يلزمه، بخلاف المعضوب لو قدر على الحج بعد الإنابة؛ لأنه مخاطب بالحج، وإنما جازت له الإنابة؛ للضرورة، وقد بان عدمها.
وهنا مخاطب بالمد ابتداءً، وإذا عجز عنه .. لم يثبت في ذمته، كالفطرة عند (حج).
أمَّا من تكلف الصوم .. فلا فدية عليه؛ لأن محل مخاطبته بالمد ابتداءً إن لم يرد الصوم، وإلا .. خوطب به.
وأمَّا من يرجو البرء .. فواجبه الصوم عند برئه.
ومثله: من لا يطيقه إلا في الأيام القصيرة أو الباردة، فيصوم فيها.
ولو أخر نحو الهرم الفدية عن السنة الأولى .. لم يجب شيء للتأخير؛ لأنّ وجوبها على التراخي، كما في (ب ج) عن "الإيعاب".
الطريق الثاني: يجب المد أيضًا بفوات فضيلة الوقت.
[ ٥٧٨ ]
(و) من ثم وجب (على) الحرة والأمة بعد عتقها (الحامل والمرضعة) غير المتحيرة ولو مستأجرة أو متطوّعة، أو كانتا مريضتين أو مسافرتين (إذا أفطرتا خوفًا على الولد) فقط أن تجهض أو يقلَّ اللبن، فيتضرر بمبيح تيمم وإن لم تتعين بأن تعددت المراضع؛ لآية السابقة، لقول ابن عباس: إنها منسوخة إلا في حقهما.
ولو امتنعت من الفطر .. فللمستأجر الخيار، والفدية على الأخيرة.
وفارقت كون دم التمتع على المستأجر بأن فعل تلك من تمام المنفعة الواجبة عليها، وفعل هذا من تمام الحج الواجب على المستأجر، وأيضًا فالعبادة هنا لها، وثَمَّ للمستأجر.
وأمَّا المتحيرة .. فلا فدية عليها إن أفطرت ستة عشر فأقل، وإلا .. وجب لما زاد.
فلو أفطرت كل رمضان .. لزمها مع القضاء فدية أربعة عشر يومًا.
والفطر فيما ذكر جائز، بل يجب إن خيف تضرر الولد بمبيح تيمم.
ومحله كما في "الشرح": في المستأجرة والمتطوعة إذا لم توجد مرضعة مفطرة أو صائمة لا يضرها الإرضاع.
لكن الإجارة للإرضاع إجارة عين، ولا يجوز فيها إبدال المستوفى منه.
وفي "التحفة": جواز الفطر لمن تبرعت أو استؤجرت وإن لم تتعين، وهو منقول المذهب، كما قال الكردي.
ولا تعدد الفدية بتعدد الأولاد؛ لأنها بدل الصوم وهو غير متعدد، بخلاف العقيقة فإنها فداء عن كل واحد.
ولو أفطرت المريضة أو المسافرة بنية الترخص لأجل السفر لا للولد .. لم يلزمهما فدية، وكذا إن أطلقتا أو أفطرتا للسفر والولد.
وأطلق "الأسني": وجوب الفدية عليهما، و"الإيعاب": عدمها.
وخرج بقوله: (على الولد): ما لو خافتا على أنفسهما ولو مع الولد .. فلا فدية عليهما، كالزمن المرجو البرء.
ولا تلزمها الفدية وحدها، بل (مع القضاء) وفارق لزومها لهما -كغيرهما ممن ارتفق بفطره شخصان- عدمه على عاص بفطره بغير جماع، بأن فطرهما ارتفق به شخصان، فجاز أن يجب به أمران كالجماع لمَّا كان من شأنه أن يحصل به مقصود الواطئ
[ ٥٧٩ ]
والموطوء .. أوجب القضاء والكفارة العظمى.
وأيضًا فالفدية مما استأثر الله بعلم حكمته، وليست منوطة بالإثم؛ إذ الردة في رمضان لا كفارة فيها مع أنها أفحش من الجماع.
(و) كذا يجب القضاء والمد (على من أفطر لإنقاذ حيوان) محترم (مشرف على الهلاك) أو تلف عضو، أو منفعة بغرق أو صائل أو غيرهما، ولم يمكنه تخليصه إلا بالفطر كالحامل والمرضع بجامع أنَّ في كلٍّ إفطارًا لآجل الغير.
ويأتي في المتحيرة والمريض والمسافر المنقذين ما مر فيهم في الإرضاع والحمل.
وأفهم: تقييده الفدية بإنقاذ الحيوان لزومها فيه وإن كان للمنقذ، وعدم لزومها في غيره، واعتمده (م ر).
واعتمد (حج): أنَّ الحيوان المحترم تجب الفدية بالفطر لإنقاذه؛ لأنه إن كان آدميًا حرًا أو غير آدمي وهو له .. ارتفق به شخصان، أو رقيقًا أو حيوانًا آخر لغيره .. ارتفق به ثلاثة.
وإن كان غير حيوان، فإن كان لغيره .. فالفدية لارتفاق المنقذ بالفطر ومالكه بتخليصه له، وإن كان له .. فلا فدية.
الطريق الثالث: تأخير القضاء.
(و) حينئذٍ تجب الفدية لكل يوم (على من أخر القضاء) أي: قضاء رمضان، أو شيء منه سواء فاته بعذر أو بغيره (إلى رمضان آخر بغير عذر) بأن أمكنه القضاء في تلك السنة بخلوه فيها عن سفر ومرض قدر ما عليه من القضاء؛ لخبر ضعيف فيه.
لكن وافقه إفتاء ستة من الصحابة به، ولا مخالف لهم، ولتعدية بالتأخير.
وإنما جاز تأخير قضاء الصلاة إلى ما بعد صلاة أخرى؛ لأنَّ تأخير الصوم إلى رمضان آخر تأخير إلى زمن لا يقبله، بخلاف قضاء الصلاة فيصح كل وقت.
أمَّا تأخيره بعذر كسفر وإرضاع ونسيان وجهل حرمة التأخير ولو مخالطًا لنا .. فلا فدية فيه؛ لأن تأخير الأداء جائز به، فالقضاء أولى وإن استمر سنين.
نعم؛ مرَّ حرمة التأخير لما أفطره بغير عذر ولو في نحو السفر، وإذا حرم .. كان بغير عذر، فتجب الفدية، واعتمده الخطيب.
[ ٥٨٠ ]