(فصل: وأقل الكفن) الواجب (ثوب) يحل له لبسه في حياته، ويليق به؛ لحصول الستر به، فلا يجوز تكفينه بغير ثياب إن وجدت، وإلا .. وجب جلد فحشيش فطين، وما نقص عن تمام البدن من هذه .. تمم مما بعده.
قال (ب ج): (ويقدم الحرير على الجلد وما بعده، بل يحرم تكفينه في غير لائق به ولو من الثياب) اهـ
ولا بما ليس له لبسه حيًا، كحرير ومزعفر لرجل وخنثى إن وجد غيرهما، ويقدم حرير على نجس عين اتفاقًا، وعلى متنجس بما لا يعفى عنه عند (م ر).
ويكفي -بالنسبة لحق الله تعالى- ثوب (ساتر للعورة) فقط، فلا يكفي مهلهل، ولا يجب زائد على ما يستر العورة المختلفة بالذكورة والأنوثة دون الرق والحرية؛ لزوال الرق بالموت على الأصح وإن بقيت آثاره كتغسيله لأمته.
أمَّا بالنسبة لحق الميت .. فيجب ثوب يعم جميع بدنه إلا رأس محرم، ووجه محرمة وإن كفن من مال غيره؛ تكريمًا له، وسترًا لما يعرض له من التغيير.
وللميت اسقاط الزائد على ستر العورة عند (حج)، بخلاف ساتر العورة؛ لأنه حق الله، وللغرماء المنع من الثاني والثالث، وللورثة المنع من الزيادة على الثلاثة، لا من الثلاثة؛ إذ كل من كفن من ماله ولا دين عليه مستغرق لماله يجب له ثلاثة وإن لم يخلف سواها.
ومن كفن من مال غيره .. لم يجب له إلا واحد يعم جميع بدنه ولو عالمًا وليًا.
(ويسن للرجل) أي: الذكر إن لم يكفن من ماله، أو كان عليه دين مستغرق لتركته برضى دائنه، وإلا .. وجبت، كما مر (ثلاث لفائف) يعم كل منها جميع البدن إلا رأس محرم، ووجه محرمة، وكون كل واسعًا طولًا وعرضًا؛ اتباعًا لما فعل به ﷺ، ويحرم كونها لا تفضي عليه إلا بمشقة.
(وللمرأة) أي: الأنثى ولو صغيرة، وللخنثى (خمسة: إزار) على ما بين سرتها وركبتها أولًا (ثم قميص) يجعل فوق الإزار.
وإطلاقهم يقتضي أنه كقميص الحي، بل صرح به الشرقاوي وغيره، فما اعتيد في
[ ٤٥٤ ]
جهتنا من جعله إلى نصف الساق، وبلا أكمام .. منكر شديد التحريم.
(ثم) بعد القميص (خمار) واسع، كخمار الحي يغطى به الرأس.
(ثم) بعد ما ذكر (لفافتان) يلف فيهما؛ لخبر: (أنه ﷺ كفن ابنته زينب في خمسة) كما ذكر، وكالمرأة الخنثى؛ احتياطًا.
ولو قال بعض الورثة: لا نكفنه إلا في ثلاثة .. أجيب كما مر، وكذا لو كان في الورثة محجور عليه .. فليس للميت ولو امرأة إلا ثلاثة، فليتنبه له، فإن العمل في الأنثى على خلافه، ومن كفن في ثلاث .. فهي لفائف ولو لامرأة.
(والبياض) أفضل من غيره، بل لو قيل بوجوبه الآن؛ لما في غيره من الإزراء .. لم يبعد، ولو أوصى بغيره .. لم تصح؛ لأنه مكروه، ولا تصح الوصية به.
(والمغسول) أفضل من الجديد؛ لأنه آيل للبِلى والصديد، والحي أولى بالجديد.
والمراد بإحسان الكفن في خبر مسلم: بياضه ونظافته وسبوغته، لا ارتفاعه؛ لكراهة المغالاة فيه؛ لنهي عنه.
نعم؛ إن كان في الورثة نحو صغير .. حرمت، وهذا ما في "شرحي الإرشاد" و"النهاية" وغيرها.
ورده في "التحفة" بأن المذهب نقلًا ودليلًا أولوية الجديد، ومن ثم كفن فيه ﷺ.
(و) الثوب (القطن أفضل) من غيره؛ لأنه ﷺ كفن منه، ويعتبر حال الميت، فإن كان موسرًا .. فمن جياد الثياب بلا مغالاة كما مر، أو متوسطًا .. فمن أوسطها، أو مقلًا .. فمن خشنها، وفي "الأصل" هنا زيادة بسط.
(وبُخِّرَ) ندبًا كفن غير محرم، وندب كونه ثلاثًا، و(بعود) وأن يكون العود غير مطيب بمسك، ثم بعد تبخيره تبسط أحسن اللفائف وأوسعها إن تفاوتت.
ولو تعارض الحسن والسعة .. قدم السعة، ثم تبسط الثانية، وهي التي تلي الأولى سعة وحسنًا فوق الأولى، والثالثة فوق الثانية، كما يفعل الحي أحسن ثيابه من أعلى، ثم ما يليه، ويذر على كل واحدة قبل وضع الأخرى حنوط؛ لأنه يدفع سرعة بلائهن، والحنوط -بفتح الحاء- نوع من الطيب يختص بالميت، يشتمل على صندل وذريرة وكافور، وقيل: طيب خلط للميت.
[ ٤٥٥ ]
و(الكافور): الجزء الأعظم من الطيب؛ لتأكده، ولأن المراد زيادته على ما يجعل في أصل الحنوط، وندب الإكثار منه.
ثم يوضع الميت فوق الأخيرة برفق مستلقيًا على قفاه، وتجعل يداه على صدره ويمناه على يسراه، أو يرسلان لجنبه، ويضع عليه حتى رأسه ولحيته حنوطًا وكافورًا، ويشد إلياه بخرقه كالحفاظ بعد دس قطن بينهما عليه حنوط، حتى يصل لحلقة دبره، ويبالغ في شده؛ ليمنع الخارج، ويكره دسه داخل الحلقة، أو يحرم.
ويجعل قطنًا على كل من المنافذ الأصلية والطارئة ومواضع السجود السبعة؛ إكرامًا لها، ثم تلف عليه اللفائف بأن يثني كل منها من طرف شقه الأيسر على الأيمن، ثم من طرف الأيمن على الأيسر، كما يفعل الحي بالقباء، ويجعل الفاضل عند رأسه أكثر، ثم تشد الفائف بشداد عليها؛ لئلا تنتشر عند الحمل إلا في محرم .. فتشد بلا عقد، فإذا وضع في قبره .. حل الشداد؛ لزوال مقتضيه، وكراهة بقاء معقود معه في قبره.
ولا يلبس محرم محيطًا، ولا أنثى محرمة قفازين، ولا تشد أكفان ذكر ولا يغطى رأسه، ولا وجه امرأة.
فروع:
الأول: يحرم كتابة معظم، كقرآن أو ذكر على الكفن؛ صيانة له عن التنجيس.
الثاني: اتخاذ الكفن مكروه إلا من حل أو أثر صالح، وللوارث إبداله؛ لأنه ينتقل إليه كما يجوز له نزع ثياب الشهيد الملطخة بدم الشهادة، وتكفينه في غيرها وإن كان فيها أثر العبادة.
نعم؛ إن عينه لتكفينه امتنع إبداله.
أما القبر .. فيستحب اتخاذه، ولا يصير أحق به ما دام حيًا كما قاله (سم).
الثالث: محل تجهيز الميت تركته التي لم يتعلق بعينها حق، لا ثلثها فقط، ويقدم من طلب تجهيزه منها من الورثة على من طلبه من ماله، ويراعى فيها حاله سعة وضيقًا وإن كان عليه دين، إلا زوجة وخادمها .. فعلى زوج غني عليه نفقتهما وإن كان لها تركة، ومثلها بائن حامل ورجعية مطلقًا.
وخرج بالزوج ابنه، فلا يلزمه تجهيز زوجة أبيه وإن لزمه نفقتها في حياتها، وبالغني الفقير وهو من لا تلزمه الفطرة كما في (ع ش) أو من ليس عنده فاضل عما يترك
[ ٤٥٦ ]
للمفلس، أو من لا تلزمه إلا نفقة المعسرين كما في "التحفة" وبـ (عليه نفقتهما) صغيرة وناشزة، فمؤن تجهيزهما في تركتهما، فبيت المال، فمياسير المسلمين، وفي الأصل هنا ما ينبغي مراجعته.
واعلم: أن حمل الجنازة من وظيفة الرجال، ولا دناءة فيه، ويحرم حملها بهيئة مزرية، كفي قفة أو يخاف منها سقوطها، والحمل بين العمودين أفضل من التربيع إن أريد الاقتصار على أحدهما.
وكيفية الأول: أن يحمله ثلاثة، يضع أحدهم الخشبتين المقدمتين على عاتقيه، وياخذ اثنان بالمؤخرتين (والأفضل أن يحمل الجنازة) عند عجز المتقدم عن حمل المقدمتين كما ذكر (خمسة) بأن يعينه اثنان، فيضع كل واحد منهما إحدى المقدمتين على عاتقه، والثلاثة الباقون على ما ذكرناه، واحد يحمل المقدمتين، واثنان يحملان المؤخرتين، فحاملوها بلا عجز ثلاثة وبه خمسة، فإن عجزوا .. فسبعة فتسعة فأكثر بحسب الحاجة.
والتربيع: أن يحمله أربعة، كل واحد بعمود، فإن عجزوا .. فستة فثمانية أو أكثر، أشفاعًا بحسب الحاجة، ويكره الاقتصار على واحد، أو اثنين إلا في الطفل.
والجمع بين الكيفيتين: بأن يحمل تارة بالكيفية الأولى، وتارة بالثانية أفضل من الاقتصار على أحداهما (و) ويندب لكل مشيع قادر (المشي)؛ للاتباع.
ويكره الركوب لغير عذر في ذهابه معها ولو لذي منصب دون رجوعه، وكونه ولو لراكب (قدامها)؛ للاتباع ولأنهم شفعاء، وحقهم التقدم، وخبر: "امشوا خلف الجنائز" الذي أخذ به الحنفية .. ضعيفٌ (و) كونه (بقريها) بحيث لو التفت .. رآها رؤية كاملة، فإن بعد عنها وعد مشيعًا لها .. حصلت الفضيلة وإن لم يرها لكثرة المشيّعين، أو لمنعطف، وإلا فلا (والإسراع بها) بين المشي المعتاد والخبب إن لم يضره، وإلا تأنّى، ويندب ستر المرأة بشيء كالخيمة ولو من حرير عند (م ر) حتى يجوز تحلية المرأة بالحلي إن رضي الورثة الكاملون، وأن يكون رأس الميت أول النعش ولو لغير القبلة (ويكره اللغط فيها) أي: يكره رفع الصوت حال السير بها، وحال غسله وتكفينه ووضعه في القبر ولو بذكر، لكن قال ابن زياد: إن أدى سكوتهم إلى نحو غيبة .. كان أولى؛ ليشتغلوا به عنها.
[ ٤٥٧ ]