(ولا ينجَّس غبار السرجين) أو ما هو بمقدار الذر منه (أعضاءه) وثيابه (الرطبة) ولا ما وقع فيه؛ لمشقة الاحتراز عن جميع ذلك.
ويعفى أيضًا عن منفذ غير آدمي إذا وقع في مائع، بل قال جمع: المنفذ ليس قيدًا، بل مثله ما على نحو رجله وفمه، وعما يحمله نحو الذباب، وعن ونيمه وإن رؤي، وعن بعر محلوب ورجله المتنجسة إذا وقعا في اللبن حال حلبه، وعما يبقى على نحو الكرش بعد المبالغة في تنقيتها، وعما على اللحم من الدم إذا طرح في ماء طبخه وإن غيره كثيرًا، وعن فم صبي ومجنون حيث لا عين للنجاسة، وكذا إن بقيت قليلًا إذا التقم أخلاف أمه، وعن جرة ما يجتر، وآنية الخزف المعمولة بالنجاسة، وعن دود الفاكهة والخل واللحم الميت فيه، وعن بعر فأرة عمَّ الابتلاء به، وعن ضرع تلوث بنجس من بولها أو مبركها، وعما يلصق ببدنها وأصاب اللبن حال الحلب، وعن روث ما نشؤه من الماء، وعن ذرق طير وما بفمه أو رجله إذا نزل في الماء، وعما تلقيه بقر الدياسة، وما يماسه العسل من الكوارة من الروث، وعن رماد نجس أصاب ما وضع في ناره؛ للتسخين، أو لنحو شي، وغير ذلك، ولا حصر لذلك.
بل الضابط: أن ما يشق الاحتراز عنه غالبًا .. يعفى عنه -ولو غير منصوص عليه- بثلاثة شروط: أن لا يكون من مغلظ، ولا بفعله، وأن لا يغير غالبًا.
ومن غير الغالب قد يعفى عن المغلظ كما لا يدركه الطرف -كما مر- وعما غير وحصل بفعله، كما مر في الدم على اللحم إذا وضع في ماء طبخه.
وبقي من المعفوات أمور تذكر في شروط الصلاة، لكن ما هناك نجسٌ وينجس، ويعفى عنه في نحو الصلاة في ثوب وبدن ومكان، وما هنا نجس لا ينجّس المائعات وإن كان لا تجوز معه نحو الصلاة.
* * *
(فصل: وإذا كان الماء قلتين) ولو احتمالًا، وإن تيقنت قلته قبل، بأن جمع شيئًا
[ ٨٠ ]
فشيئًا فبلغ قلتين لا ببول أو مائع، بل من خالص الماء ولو متنجسًا أو مستعملًا أو متغيرًا (.. فلا ينجس بوقوع النجاسة فيه)؛ لخبر القلتين المتقدم (إلا إن تغير) من تلك النجاسة الواقعة فيه يقينًا (طعمه، أو لونه، أو ريحه، ولو تغيرًا يسيرًا) ولو بمعفو عنه، ولو بمجاور أو مخالط لم يستغن الماء عنه؛ لغلظ النجاسة.
ولذا يفرض النجس المتصل به الموافق له في الصفات، كبول منقطع الرائحة، بأشدها، كلون حبر وريح مسك وطعم خل، فإن غير بأي صفة منها .. ضر، وإلا .. فلا.
ولو خالط النجس ماء ثم وقع في ماء .. قدر النجس فقط، أو خالط مائعًا .. فرضنا الكل عند (حج)؛ لأنه كله لا يمكن طهره، أما إذا بلغهما بنجس أو مائع .. فنجس وإن استهلك فيه، وإنما جعل للمستهلك كالماء في إباحة التطهير به لا في دفعه الاستعمال والتنجيس عن نفسه، إذا كثر به؛ لغلظ النجاسة، ولأن الأول من باب الرفع، والثاني من باب الدفع، وهو أقوى غالبًا من الرفع؛ إذ الماء القليل يرفع الحدث والخبث، ولا يدفع الاستعمال والتنجيس عن نفسه.
وخرج بـ (وقوعها فيه) تغيره برائحةِ نحو جيفة بقربه، وما لو وجد به وصف لا يكون إلا لنجس من غير أن يعلم وقوع نجس فيه .. فلا ينجس.
(فإن زال) يقينًا (تغيره) الحسي أو التقديري (بنفسه) لنحو مكث، أو هبوب ريح (أو بماء) ولو نجسًا أو مستعملًا (.. طهر)؛ لزوال علة التنجيس، وهو التغيير وإن قل بعد، أو عاد تغييره، وقد خلا عن نجس جامد، ولم يقل أهل الخبرة: إنه من تلك النجاسة، وإلا .. فنجس، كما في "ب ج" عن "الايعاب".
(أو) زال (بمسك أو كدورة تراب) ونحوهما (.. فلا) يطهر؛ للشك في أن النجاسة زالت أو استترت.
نعم؛ لا ينجس ما أصابه للشك، ولو زال تغير المسك ولا تغير به من النجاسة .. طهر، ولو وقع نجس في ماء متغير بما لا يضر .. قدر زوال تغيره وفرض النجس، ولو تغير بعض الماء الكثير بنجس .. فالمتغير نجس، وكذا غير المتغير إن لم يبلغ قلتين، وإلا .. فطاهر.
وأعلم: أنه يعتبر في عدم تأثر الماء بالنجس قوة الترادِّ بأن يكون في محل واحد مطلقًا، أو في محال بينها اتصال، بحيث لو حرك محل منها تحريكًا عنيفًا .. تحرك
[ ٨١ ]
ما بجنبه ولو تحركًا غير عنيف، فلو لم يتحرك وفي أحدهما نجس وكل دون القلتين .. تنجس الكل.
(و) الماء (الجاري) وهو: ما اندفع في منخفض أو مستو، وإلا .. فهو راكد (كالراكد) في جميع أحكامه السابقة، لكن العبرة في الراكد بمجموع الماء، وفي الجاري بالجرية نفسها؛ إذ الجريات وإن تواصلت حسًا .. فهي متفاصلة حكمًا؛ إذ كل جرية طالبة لما أمامها، هاربة مما وراءها، فإن كانت الجرية قلتين بأن بلغهما أبعادها الثلاثة .. فلا تنجس بوقوع النجاسة فيها إلا بالتغير، وإلا .. فبالملاقاة، فلو وقع فيه نجس وجرى بجريه .. فموضع الجرية الأولى نجس به إن قل، وللآتية بعدها حكم غسالة النجاسة وإن لم يجر بجريه، فكل جرية تمر عليه وهي دون القلتين نجسة وإن امتد النهر فراسخ حتى يجتمع منه قلتان بمحل.
وبه يلغز بأن لنا ماء بلغ آلافًا من القلال، وهو نجس من غير تغير.
(والقلتان: خمس مئة رطل بالبغدادي تقريبًا) لا تحديدًا (فلا يضر نقصان رطلين) فأقل (ويضر نقصان أكثر) منهما كما في "الروضة"، وفي "التحقيق": (لا يضر نقص لا يظهر بنقصه تفاوت في التغيير) قال بعضهم: (وقد اختبر فوجد رطلين).
و(قدرهما بالمساحة) بكسر الميم؛ أي: الذرع (في المربع ذراع وربع) بذراع اليد المعتدلة (طولًا وعرضًا وعمقًا)؛ إذ كل من الطول والعرض والعمق خمسة أرباع ذراع، فاضرب خمسة الطول في خمسة العرض .. يكون الحاصل خمسة وعشرين، اضربها في خمسة العمق .. يكون الحاصل مئة وخمسة وعشرين، وكل ربع يسع أربعة، فتضرب في المئة والخمسة والعشرين تبلغ خمس مئة.
(وفي المدور كالبئر: ذراعان عمقًا) بذراع النجار -بالنون- وقيل: بالتاء، وهو: ذراع وربع بيد معتدلة، (وذراع) يد (عرضًا) وهو ما بين حائطي البئر من سائر الجوانب.
(وتحرم الطهارة) وغيرها من الاستعمالات إلا الشرب (بالماء المسبل للشرب)
[ ٨٢ ]