(وتجب النية) بالقلب، وتسن باللسان (فينوي) المزكي (هذه زكاة مالي) ولو بدون الفرض؛ لأنها لا تكون إلا فرضًا كرمضان.
والأفضل: نية الفرضية معها (ونحو ذلك) كهذا صدقة مالي، أو صدقة المال المفروضة أو الواجبة، بخلاف صدقة مالي؛ لأنها قد تكون نافلة، وبخلاف فرض مالي؛ لأنه قد يكون غير زكاة، ككفارة.
ولا يجب تعيين المال المخرج عنه الزكاة في النية، فلو كان عنده خمس من الإبل، وأربعون شاة، فأخرج شاة أنثى ناويًا بها الزكاة ولم يعين .. أجزأه وإن ردد فقال: عن الإبل أو الغنم.
فلو تلف أحدهما .. جعلها عن الباقي، ولو عين .. لم تقع عن غيره.
فإن قال: عن كذا إلا إن كان تالفًا .. فعن غيره، فبان تالفًا .. وقع عن غيره، فإن تعدد الغير .. جعله عما شاء منه.
ويأتي ذلك في مئتي درهم حاضرة، ومئتين غائبة عن المجلس أو عن البلد، وجوزنا النقل.
ومن شك في زكاة في ذمته، فأخرج عنها إن كانت، وإلا .. فمعجلة عن زكاة تجارته مثلًا .. أجزأه عما في ذمته إن لم يبن الحال، واغتفر تردده في النية؛ للضرورة.
[ ٥١٨ ]
ولو أخرج أكثر مما عليه بنية الفرض والنفل بلا تعيين .. لم يجزئه، أو بنية الفرض فقط .. صح، ووقع الزائد تطوعًا.
ولو شك في نية الزكاة بعد دفعها .. لم يضر عند (ح ف)، فارقًا بينها وبين الصلاة بأن الصلاة عبادة بدنية وهذه مالية.
وللولي أن يفوضها للسفيه، بل قال (سم): تكفي نيته وإن لم يفوضها الولي إليه، كما وافق عليه (م ر).
وتكفي النية عند عزل المال عن الزكاة وبعده، وعند دفعها للإمام أو الوكيل.
والأفضل: أن ينويا عند تفريقها أيضًا، بل تجب إن دفعها الوكيل من ماله بإذن المالك.
وله أن يوكل فيها أهلًا لها لا صبي مميز وقن.
ولو أفرز قدرها بنيتها .. لم يتعين إلا بقبض المستحق لها بإذن المالك عند (حج).
قال: (وإنما تعينت المعينة للأضحية؛ إذ لا حق للفقراء ثَمَّ في غيرها، وهنا حق المستحقين شائع في المال؛ لأنهم شركاء بقدرها، فلم ينقطع حقهم إلا بقبض معتبر.
وبه يرد جزم بعضهم: أنه لو أفرز قدرها بنيتها .. كفى أخذ المستحقين لها من غير أن يدفع إليهم المالك.
ومما يرده قولهم: لو قال لآخر: اقبض ديني من فلان، وهو لك زكاة .. لم يكف حتى ينوي هو بعد قبضه، ثم يأذن له في أخذها.
ويوجه بأن للمالك بعد النية، والعزل: أن يعطي ويحرم من يشاء) اهـ
وخالفه (م ر)، فقال: (ولو نوى الزكاة مع الإفراز، فأخذها صبي أو كافر ودفعها لمستحقها، أو أخذها المستحق، ثم علم المالك .. أجزأه) اهـ
ويؤخذ منه أنه لو أعطاه زكاة ليعطيه لزيد، فأعطاها لمستحق آخر .. أجزأته.
لكن اعترضه الرشيدي بقوله: (انظر هذا مع ما مر له أنه لا بد من تعيين المدفوع إليه لهما، أي: الصبي والكافر) اهـ
ولو قال: تصدق بهذا، ثم قبل تفرقته نوى به الزكاة .. أجزأ عنها.
[ ٥١٩ ]
وأفتى بعضهم: بأن التوكيل المطلق في إخراجها يستلزم التوكيل في نيتها.
واستوجه في "التحفة": أنه لا بد معه من نية المالك، أو تفويضها للوكيل.
ولو دفعها للإمام أو الوكيل بلا نية .. لم تجزه وإن نوى الإمام أو الوكيل.
ولو امتنع من أدائها .. أخذها الإمام منه قهرًا، فإن نوى بها الزكاة .. أجزأه، وإلا .. وجبت النية على الإمام، فإن نوى، وإلا .. ضمن.
واعلم: أن للزكاة وقت وجوب، ووقت جواز، فإذا حال الحول على المال الزكوي .. وجبت الزكاة وإن لم يتمكن المالك من أدائها؛ إذ التمكن شرط للضمان، لا للوجوب.
فإذا تمكن .. وجب أداؤها فورًا، بأن حضر المال، أو قدر عليه، وحضر المستحق، وخلا المالك من مهم ديني ودنيوي، وزال حجر فلس، وجفف ثمر ونقي حب ومعدن.
فإن أخر الأداء بعد التمكن .. أثم، وضمن إن تلف المال قدر الزكاة.
نعم؛ إن لم يشترط ضرر المستحقين الحاضرين .. ندب التأخير؛ لانتظار نحو قريب أو جار أو أفضل.
فإن اشتد ضررهم .. حرم، ويضمن بالتأخير مطلقًا.
والأظهر: أن صرفها للإمام أفضل؛ لأنه أعرف بالمستحقين، وأقدر على التفرقة والاستيعاب، وقبضه مبرئ يقينًا إلا إن كان جائرًا في الزكاة، فالأفضل أن يفرقها المالك أو وكيله مطلقًا.
لكن في "المجموع": أن دفع زكاة المال الظاهر إليه ولو جائزًا أفضل.
ولو طلبها عن مال ظاهر .. وجب دفعها إليه اتفاقًا.
(ويجوز) لمالك لا ولي؛ لما مر في تعجيل الفطرة (تعجيلها قبل) تمام (الحول) وبعد انعقاده، بأن توجد شروط التجارة المارة فيها، ويملك النصاب في غيرها؛ لما صح: (أنه ﷺ رخص فيه للعباس قبل الحول)، ولأن لوجوبها سببين: الحول والنصاب، وما له سببان .. يجوز تقديمه على أحدهما، كتقديم كفارة اليمين على الحنث.
[ ٥٢٠ ]
وخرج بـ (بعد انعقاد حوله): التعجيل لأكثر من عام، فلا يصح فيه؛ لعدم انعقاد حوله، فإن عجل لعامين .. أجزأه عن الأول.
وقال (حج): إن ميز واجب كل عام.
ويجوز التعجيل في الفطرة أول رمضان كما مر، ولنابت بعد وجوبها فيه ولو قبل جفاف وتنقية؛ لإمكان معرفتها تخمينًا، ثم إن بان نقص .. كملها، أو زيادة .. فهي تبرع.
(وشرط إجزاء المعجل) في جميع ما مر (أن يبقى المالك أهلًا للوجوب) عليه وبقاء المال (إلى آخر الحول) أو جفاف ثمر وتنقية حب أو دخول شوَّال.
فلو مات أو افتقر أو تلف المال أو خرج عن ملكه وليس مال تجارة .. لم يقع المعجل زكاة، ولا يضر تلف المعجل.
ويشترط أيضًا: أن لا يتغير الواجب، وإلا كأن عجل بنت مخاض عن خمس وعشرين، فبلغت بالتوالد ستًا وثلاثين في الحول .. لم تجز وإن صارت بنت لبون، بل يستردها ويعطيها أو غيرها.
ولو نوى بها الزكاة وهي باقية بيد المستحق، ومضى بعد النية زمن يمكن فيه القبض .. أجزأت.
قال الكردي: إن كانت المعجلة باقية، وإلا .. أجزأت وإن لم تكن بنت لبون.
(وأن يكون القابض في آخر الحول) أي: وقت الوجوب (مستحقًا).
فلو مات أو استغنى بغير المعجل كزكاة أخرى، وكذا إن غاب المال أو الآخذ عن بلد الوجوب عند (حج) .. لم يجزئ المعجل؛ لعدم أهليته عند الوجوب، واعتمد (م ر): أنه لا يضر غيبتهما.
قال الشرقاوي: قرر شيخنا (ح ف): أنه لا يضر غيبة الدافع عن محل الوجوب في زكاة الفطر.
ولو مات المدفوع له مثلًا .. لزم المالك الدفع ثانيًا.
ولو بان القابض غير مستحق يوم القبض .. استرد منه وإن كان آخر الحول مستحقًا، ولا يضر الشك في ذلك.
[ ٥٢١ ]
(وإذا لم يجزئه) المعجل؛ لفوات شرط مما مر (.. استرد) من القابض (إن علم القابض) عند قبضه أو بعده وقبل خروجه عن ملكه (أنها) أي: العين المعجلة (زكاة معجلة) ولو بقول المالك.
أمَّا قبل المانع .. فلا يسترد مطلقًا كمتبرع بتعجيل دين مؤجل وإن شرط أن له ذلك، والقبض مع ذك صحيح إن علم بفساد الشرط؛ لتبرعه بالدفع.
أمَّا لو لم يعلم القابض التعجيل .. فلا استرداد.
وإذا اختلفا في موجب استرداد، كشرط المزكي له لمانع يعرض، وعدم استحقاقه عند القبض أو الوجوب .. صدق القابض ووريثه بيمينه؛ لأن الأصل عدمه، ولاتفاقهما على ملك القابض له، والأصل بقاؤه.
وفيما لو اختلفا في علم القابض التعجيل .. يحلف على نفي علمه به.
وإذا ثبت الاسترداد والمعجل باق في ملك القابض .. استرد، وإلا .. فبدله من مثل أو قيمة، ولا يجب هنا المثل صورة مطلقًا.
والعبرة بقيمة وقت قبض، لا وقت تلف؛ لأن ما زاد حصل في ملك القابض، فلا يضمنه.
ويسترد ذلك بزيادة متصلة كسمن وتعلم صنعة، لا بزيادة منفصلة كثمرة وولد، ولا بأرش نقص صفة، وهو ما لا يفرد بعقد كمرض، وسقوط جزء كيد إن حدثت المنفصلة ونقص الصفة قبل سبب الرد؛ لحدوثهما في ملك القابض، كما لو رجع الواهب في هبته، فوجد الموهوب ناقصًا.
والرجوع إنما يرفع العقد من حينه، لا من أصله، ولذا لو تبين القابض غير مستحق عند القبض .. رجع عليه بها وبأرش النقص مطلقًا؛ لتبين عدم ملكه له.
أمَّا لو حدثا بعد سبب الرجوع أو معه .. فيستردهما إن علم قابض التعجيل قبل تصرفه في المقبوض.
وأمَّا نقص العين، وهو ما يفرد بعقد، كتلف إحدى الشاتين .. فيضمن بدله قطعًا، ولا شيء للقابض إذا أنفق على المقبوض، ثم رجع فيه الدافع؛ لأنه إنما أنفق على نية أن لا يرجع؛ قياسًا على مشتر شراء فاسدًا أنفق، كذا في (ب ج) عن (ع ش) وهو ظاهر، وإن نقل الكردي عن "الإيعاب": أنه يرجع.
[ ٥٢٢ ]
والزكاة تتعلق بالمال الذي تجب في عينه تعلق الشركة بقدرها؛ لأنها تجب بصفة المال جودة ورداءة، وتؤخذ من عينه قهرًا عند الامتناع.
وإنما جاز الإخراج من غيره؛ رفقًا بالمالك.
فإن باع ما الواجب فيه من جنس المال المزكى كأربعين شاة .. بطل في قدرها شائعًا، وهو جزء من كل شاة، فيرد شاة من الأربعين للمستحقين، ويصح، ولـ (سم) إشكال فيه بينته في "الأصل".
ولو عزل قدر الزكاة بنيتها ثم باع الباقي .. صح على خلاف فيه، ولمشتر جهل .. الخيار، وأجرى ذلك: (سم) في الثمر.
فيصح البيع إذا أفرز قدر الزكاة بنيتها في الجميع، وغير الثمر مثله كنقد؛ إذ لا خصوصية لشيء منها، وإن كان الواجب من غير جنس المال كشاة في خمس من الإبل ملك المستحقون بقدر قيمتها من الإبل، فلو باع الخمس من الإبل قبل إخراج الشاة بطل في الجميع؛ للجهل بقيمة الشاة وحصتها من الإبل.
أمَّا ما تعلقت الزكاة بقيمة كمال التجارة .. فيصح بيع جميعه؛ لأن القيمة لا تفوت بالبيع. نعم؛ إن باعه بمحاباة .. بطل فيما قيمته قدر الزكاة من المحاباة. ولو رهن المال الزكوي فتم حوله، وله مال آخر .. أخذت زكاته من الآخر، وإلا .. فمن المرهون، ولا يلزم الراهن بدل الزكاة إذا أيسر، ليكون رهنًا مكانه، ولا خيار للمرتهن.
ومن له دين حلَّ، وقدر على استيفائه .. لزمه إخراج زكاته حتى للأحوال الماضية إلى أن ينقص عن النصاب، وليس عنده ما يكمله.
كما تجب في ضال ومجحود ومغصوب ومرهون وغائب، وما اشتراه وتم حوله قبل قبضه أو حبس عنه بأسر، ونحوه لملك النصاب وتمام الحول.
لكن لا يجب الإخراج إلا عند عود الضال والمغصوب، وأن يسهل الوصول إلى الغائب، فيخرجها حينئذٍ عن جميع الأحوال الماضية بشرطه المتقدم.
والغائب يجب الإخراج عنه في بلد المال.
قال الكردي: فإن كان سائرًا .. لم يجب الإخراج حتى يصل لمالكه أو وكيله، فإن كان أحدهما سائرًا معه .. صرف إلى فقراء أقرب البلاد إليه.
* * *
[ ٥٢٣ ]