(تسن) الخطبة (على منبر) ولو بمكة، خلافًا لمن قال: يخطب بباب الكعبة؛ للاتباع، ويسن وضعه يمين المحراب، أي: يمين المصلي فيه، وكان منبره ﵊ ثلاث درج غير المسماة بالمستراح.
نعم؛ إن طال .. وقف على السابعة.
(فإن لم يتيسر) المنبر (.. فعلى مرتفع)؛ لأنه أبلغ في الإعلام، فإنِ فقد .. استند إلى نحو خشبة.
(وأن يسلم) الخطيب (عند دخوله) المسجد على أهل كل صف، لكنه على من عند دخوله (و) من (عند طلوعه) المنبر آكد، ولا تندب له التحية إن قصد المنبر من حال دخوله، وإلا .. ندبت.
(و) أن يسلم أيضًا (إذا أقبل عليهم) بعد صعوده الدرجة التي تلي المستراح؛ لأنه استدبرهم في صعوده، فكأنه فارقهم.
قال (ب ج): (ويؤحذ منه: أنَّ من فارق غيره ثم عاد إليه سن له السلام عليه وإن قصرت المسافة جدًا) اهـ قاله (ع ش).
وكون ما ذكر مفارقة فيه نظر، وأمَّا سنه .. فلا يبعد أنه خصوصية للخطيب؛ إذ من استدبر غيره في مكان واحد .. لا يعد مفارقًا له، وفي المرات كلها يلزم المأمومين الرد عليه على الكفاية.
[ ٣٩٥ ]
وإنما ندب له استقبالهم مع أن فيه استدبار القبلة؛ لأنه اللائق بالخطاب، وأبلغ في قبول الوعظ.
ومن ثم كره خلافه إلا لمن بالمسجد الحرام؛ لأنه من ضرورة الاستدارة المندوبة في الصلاة.
(وأن يجلس) على المستراح (حالة الأذان)؛ ليستريح من تعب الصعود.
(وأن يقبل عليهم) بوجهه، ويرفع صوته زيادة على الواجب، ولا يعبث؛ للاتباع، وأن يؤذن بين يديه، ويسن اتخاذ المؤذن إلا لعذر وبفراغ الأذان يشرع في الخطبة، وهذا الأذان هو الذي كان في زمنه ﷺ، وأبي بكر وعمر ﵄، ثم لما كثر الناس في زمن عثمان ﵁ .. أمر بالأذان الأوّل.
قال الشافعي: وتركه أحب إليَّ.
وفي "التحفة"، و"النهاية": إن قراءة المرقي آية (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) [الأحزاب:٥٦] ثم الحديث، بدعة حسنة؛ إذ فيه ترغيب للصلاة عليه ﷺ، وتحذير من الكلام، وكان صلى الله عليه وسسلم يأتي بالخبر المذكور في خطبه، وهو صحيح.
(وأن تكون) الخطبة (بليغة) اي: في غاية من الفصاحة، ورصانة السبك، وجزالة اللفظ؛ لأنه أوقع في القلوب، ومن لازم البلاغة رعاية ما يقتضيه الحال، ويحسن تضمينها آيات وأحاديث مناسبة؛ إذ الحق أن التضمين والاقتباس جائز منهما ولو في الشعر وإن غير نظمها، ولا محذور أن يراد بالقرآن غيره كـ (ادخلوها بسلام آمنين) لمن استأذنه في الدخول.
نعم؛ إن كان في ذلك مجون .. حرم، بل ربما يكون كفرًا.
(و) أن تكون (مفهومة)؛ لأن الغريب الوحشي لا ينتفع به أكثر الناس.
قال علي كرم الله وجهه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!).
(قصيرة) بالنسبة للصلاة؛ لخبر مسلم: "أطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة"،
[ ٣٩٦ ]
فتكون متوسطة، ولا يعارضه خبره: "إن صلاته ﷺ كانت قصدًا"؛ لأن الطول والقصر من الأمور النسبية.
فعلم: أنَّ سَنَّ قراءة (ق) في الأولى لاينافي كونها قصيرة.
قال الأذرعي: وحسن أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال، فقد يقتضي الحال الإسهاب، كالحث على الجهاد إذا قرب العدو أو صال، وكالنهي عن محرم عم فيهم.
(وأن يعتمد) حال خطبته (على نحو عصًا) أو سيف أو قوس (بيساره)؛ للاتباع، وإشارة إلى أن هذا الدين قام بالسلاح (ويمناه بالمنبر) إن لم يكن به نحو عاج، او نحو ذرق طير؛ لاشتراط الطهارة فيها كالصلاة.
فإن لم يشغلها بذلك .. وضع اليمنى على اليسرى، أو أرسلهما إن أمن العبث، ولو شغل اليمنى بحرف المنبر وأرسل اليسرى .. فلا بأس.
ويسن التيامن في المنبر الواسع، وإن يختم الخطبة الثانية بقوله: أستغفر الله لي ولكم.
(و) أن (يبادر بالنزول) إذا فرغ من الخطبة؛ ليبلغ المحراب مع فراغ المؤذن من الإقامة؛ مبالغة في تحقيق الموالاة بين الخطبة والصلاة ما أمكن.
(ويكره) ما ابتدعه جهلة الخطباء، ومنه:
(التفاته) في الخطبة الثانية، والإشارة بيده أو غيرها، لكن استثنى في "الإيعاب" الإشارة بالسبابة للحاجة، كتنبيههم؛ لخبر مسلم بذلك.
(ودق درج المنبر) في صعوده برجله أو نحو سيف، والدعاء إذا انتهى إلى المستراح قبل جلوسه عليه، والوقوف في كل مرقاة وقفة خفيفة يدعو فيها.
وساعة الإجابة إنما هي من جلوسه إلى فراغ الصلاة على الأصح من خمسين قولًا.
والمبالغة في الإسراع في الثانية، وخفض الصوت فيها.
(ويقرأ) ندبًا (في) الركعة (الأولى: "الجمعة" وفي التانية: "المنافقون"، أو في الأولى: "سبح الأعلى" وفي الثانية "الغاشية") للاتباع فيهما، رواه مسلم، لكن الأوليان أفضل.
[ ٣٩٧ ]
ولو ترك ما ندب في الأولى .. قرأه مع ما ندب في الثانية فيها وإن ادى لتطويلها على الأولى.
ولو قرأ ما ندب في الثانية في الأولى .. عكس في الثانية؛ لئلا تخلو صلاته عنهما.
وفي "التحفة": لو اقتدى في الثانية، فسمع قراءة الإمام (المنافقين) فيها .. فالظاهر: أنه يقرأ (المنافقين) في الثانية أيضًا، واعترضه (سم) بأن سماعه كقراءته، فكأنه قرأ (المنافقين) في الأولى، فيقرأ (الجمعة) في ثانيته؛ لئلا تخلو صلاته عنهما.
ثم قال: لو أدرك الإمام في ركوع الثانية .. فالوجه: أنه يقرأ (المنافقين) في ثانيته؛ لأن الإمام تحمل عنه السورة كالفاتحة.
ويسن كون قراءته فيهما (جهرًا) ولو مسبوقًا قام ليأتي بثانيته؛ للاتباع.
تتمة: ورد: "أن من قرأ (الفاتحة) و(الإخلاص) و(المعوذتين) سبعًا سبعًا عقب سلامه من الجمعة قبل أن يثني رجله، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعطي من الأجر بعدد من آمن بالله ورسوله" وفي رواية لابن السني بإسقاط (الفاتحة) بَعُدَ من السوء إلى الجمعة الأخرى، وفي رواية زيادة: "وقبل أن يتكلم حفظ له دينه ودنياه وأهله وولده".
قال الغزالي: (وقل: اللهم ياغني يا حميد، يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود، أغنني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، وبطاعتك عن معصيتك).
قال الشرقاوي: (من واظب عليه أربع مرات مع ما تقدم .. أغناه الله، ورزقه من حيث لا يحتسب، وغفر له ما تقدم وما تأخر، وحفظ له دينه ودنياه وأهله وولده).
* * *