(تجب الكفارة) الآتية مع القضاء، وكذا التعزير في غير من جاء مستفتيًا تائبًا، وهذا مستثنى من: أنَّ ما فيه حد أو كفارة لا تعزير فيه.
(على من) أي: واطئ بشبهة أو نكاح أو زنًا (أفسد) حقيقة أو حكمًا كأن طلع الفجر وهو مجامع فاستدام (صوم يوم) تام (من رمضان) يقينًا على نفسه (بالجماع) وحده الذي يأثم به؛ لأجل الصوم وحده، وهو: صوم رمضان، ولا شبهة (ولو) كان
[ ٥٦٩ ]
الجماع (في دبر) رجل أو امرأة، ولو ميتًا (أو بهيمة)؛ لما صح من أمر المجامع في نهار رمضان بالإعتاق.
فإن لم يجد .. فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع .. فإطعام ستين مسكينًا.
(لا على المرأة) الموطوءة، ولا الرجل الموطوء وإن فسد صومهما بالجماع، بأن أولج فيه مع نوم الموطوء، ثم استدامه بعد الاستيقاظ، وإلا .. فيفطر بدخول رأس الذكر قبل تمام الحشفة.
والجماع إنما يتحقق بدخول جميع الحشفة؛ لأنه لم يؤمر بها في الخبر إلا الرجل المجامع مع الحاجة إلى البيان، ولأنها غرم مالي يتعلق بالجماع، فيختص بالرجل الواطئ كالمهر.
ولو علت على رجل .. فلا كفارة عليها؛ إذ لا كفارة على المرأة ولا على الرجل، لعدم الفعل منه.
فإن لم ينزل .. لم يفسد صومه، وإلا .. فسد بالإنزال، كالإنزال بمباشرة.
(ولا على من) أي: واطئ لم يفسد صومه، كأن (جامع ناسيًا) للصوم أو جاهلًا بالحرمة لنحو قرب عهده بالإسلام (أو مكرهًا)؛ إذ صومهم لا يبطل بذلك؛ لعذرهم، بل لا كفارة عليهم وإن قلنا: إن ذلك مفسد؛ لانتفاء الإثم.
ولو علم تحريم الجماع وجهل الكفارة به .. وجبت قطعًا.
(ولا على من أفسد) بجماعه غير صوم، أو صوم غيره كمسافر مفطر جامع صائمة فأفسد صومها؛ إذ لو أفسدت صومها بالجماع .. لم تلزمها كفارة، فالأولى أن لا يلزم غيرها إذا أفسده.
ولا على من أفسد بجماعه (صوم غير رمضان) كقضائه؛ لورود النص في رمضان، وهو مختص بفضائل لا يشاركه فيها غيره، فلا يقاس عليه غيره.
ولا على من أفسد صوم يوم منه ظنًا، كمنجم صامه بتنجيمه وجامع فيه، إلا إن علم بعد أنه منه.
ولا على من أفسد صوم بعض يوم كأن جن فيه بعد الجماع، بخلاف من سافر بعده.
[ ٥٧٠ ]
(ولا على من أفطر بغير جماع) كاستمناء وإن جامع بعده؛ لأن الجماع أغلظ، فلا يقاس عليه غيره.
ولا على من أفطر بجماع وغيره، كأن وقع جماعه وأكله معًا؛ لوجود المقتضي والمانع، فقدم المانع.
لكن كون الأكل مانعًا من الكفارة فيه نظر، فالأولى التعليل بأن إسناد الفساد إلى الجماع ليس أولى من إسناده إلى الأكل.
(ولا على) من لم يأثم بجماعه، كـ (المسافر والمريض) إذا جامعا بنية الترخص.
ولا على من أثم به لا من حيث الصوم وحده كمريض ومسافر وطئا حليلتهما.
(و) كذا (إن زنيا)، قال في الشرح: (فإثمهما ليس لأجل الصوم وحده، بل له مع عدم نية الترخص في الأولى، أي: أنهما علة واحدة مركبة منهما، أو لأجل الزنا في الثانية، أي: إن نوى الترخص، وإلا .. فلهما، ولأن الإفطار لهما مباح، فيصير شبهة في درء الكفارة) اهـ
وفيه أن علة الإثم في الأولى عدم نية الترخص لا الصوم، كما قاله (ب ج).
أمَّا إذا كان الصوم علة تامة في الحرمة سواء وجدت مع حرمته حرمة أخرى أم لا، كمقيم أفطر بالزنا .. فتجب عليه الكفارة وإن أثم لأجل الصوم والزنا؛ لأن كلًا منهما علة على حدتها في الأثم.
(و) مر أن الكفارة (لا) تجب (على) غير آثم، ومنه (من ظن أنه) أي: الزمن الذي جامع فيه (ليل) بأن غلط، فظن بقاء الليل أو شك فيه (فتبين نهارًا) وكذا لو ظن دخول الليل أو شك فيه، فجامع، فبان أنه جامع في النهار، أو أكل ناسيًا وظن أنه أفطر به، فوطئ عالمًا عامدًا، أو كان صبيًا؛ لعدم الإثم في غير الشك في دخول الليل، ولسقوط الكفارة بالشبهة.
ولو رأى هلال رمضان .. لزمه صومه وإن لم تقبل شهادته، فإن جامع فيه .. لزمته الكفارة.
ويلحق به: من أخبره من اعتقد صدقه؛ لما مر أنه يلزمه الصوم بذلك.
(وهي) أي: الكفارة هنا، وكذا في الظهار والقتل إلا أنه لا إطعام فيه.
[ ٥٧١ ]
(عتق رقبة) كاملة الرق، خالية عن شائبة عوض، لا تستحق العتق بغير جهة الكفارة.
(مؤمنة) ولو تبعًا لأصل أو سابٍ أو دار؛ حملًا للمطلق هنا، والظهار على المقيد في آية القتل.
(سليمة من العيوب التي تخل بالعمل) إخلالًا بيَّنًا وإِن لم تسلم عما يُثبت الرد في المبيع ويمنع الإجزاء في الغرة؛ إذ المقصود استقلاله بكفاية نفسه.
فيجزئ مقطوع أصابع رجلين، ومقطوع خنصر أو بنصر من يد واحدة، أو أناملها العليا من غير الإبهام، وأعرج يتابع المشي، وأعور لم تضغف سليمته ضعفًا بيَّنًا، ومقطوع أذنين وأنف، وأجذم وممسوح، وفاقد أسنان وضعيف بطش، ومن لا يحسن صنعة وفاسق، ونحو آبق علمت أو بانت حياته.
وخرج بـ (كاملة الرق): مستولدة ومكاتب كتابة صحيحة.
أمَّا المبعض .. فإن أعتق بعض عبدين عن كفارة وكان موسرًا ولو بأحدهما أو باقي أحدهما له، أو حر .. صح؛ لحصول الاستقلال المقصود ولو في أحدهما، ويصير في السراية كأنه باشر عتق الجميع.
ويجزئ المدبر والمعلق عتقه بصفة إذا نجَّزَ عتقه، أو علقه بصفة تسبق الأولى، وإلاَّ .. عتق عنها لا عن الكفارة.
وبـ (خالية) إلخ: ما لو أعتق بعوض عن كفارته على القن أو أجنبي .. فلم يجزئ عن الكفارة؛ لعدم تجرد العتق لها، ومن ثم استحق العوض على الملتمس.
وبـ (لاتستحق العتق إلخ): الأصل والفرع، فلا يجزئان عن كفارة؛ لاستحقاق عتقهما بملكه لهما.
وبـ (سليمة إلخ): نحو مجنون ومريض لا يرجى برؤه، ومقطوع خنصر وبنصر من يد أو إبهام أو سبابة أو الوسطى، أو أنملتين من أحدهما، أو أنملة من الإبهام، والشلل كالقطع.
تنبيه: الإعتاق بمال كطلاق به، فيكون معاوضة فيها شوب تعليق من المالك، وشوب جعالة من الملتمس، فيجب فورًا الجواب، وإلاَّ .. عتق على المالك مجانًا.
[ ٥٧٢ ]
ولو قال لغيره: أعتق أم ولدك على ألف، ولم يقل: عني، سواء قال: عنك، أم أطلق، فأعتق فورًا .. نفذ عتقه، ولزم الملتمس العوض؛ لأنه افتداء من جهته، كاختلاع أجنبي.
فإن قال: عني فأعتقها عنه .. فتعتق، ولا عوض؛ لاستحالته.
بخلاف: طلق زوجتك عني؛ فإنه يتخيل انتقال شيء إليه.
وكذا لو قال: أعتق عبدك على ألف، ولم يقل: عني، سواء قال: عنك، أم أطلق، فأعتق فورًا .. نفذ العتق، فيستحق المالك الألف في الأصح؛ لأنه افتداء كأم الولد.
ولو قال: أعتقه عني على كذا، أو أطعم ستين مسكينًا ستين مدًا عني بكذا، ففعل فورًا .. نفذ عن الطالب، وأجزاءه عن كفارته إن نواها به؛ لتضمن ذلك للبيع، فكأنه قال: بعنيه بكذا، وأعتقه عني، فقال: بعتكه وأعتقته عنك، وعليه المسمى إن ملكه، وإلاَّ .. فبدله كالخلع، فإن قال: مجانًا .. لم يلزمه شيء؛ لأنه هبة بخلاف ما لو سكت عن العوض.
فالمعتمد: أنه إن قال: عن كفارتي، أو عني، وعليه عتق، ولم يقصد المعتق العتق عن نفسه .. تلزمه قيمته، كما لو قال: اقض ديني، وإلا .. فلا.
(فإن لم يجد) رقبة كاملة وقت الأداء بأن يعسر عليه فيه تحصيلها؛ لكونه يحتاجها، أو ثمنها؛ لكفايته أو كفاية لممونه مدة العمر الغالب مطعمًا وملبسًا ومسكنًا وأثاثًا، أو لدينه ولو مؤجلًا، أو لخدمة له أو لممونه لمنصب ونحوه، بحيث تحصل له مشقة لا تحتمل عادة بعتقه لا فوات رفاهية، ويأتي في نحو كتب الفقيه، وحلي المرأة وآلة المحترف، ما مر في قسم الصدقات.
ولا يجب بيع أرض لا تفضل غلتها عن كفايته، ولا صرف مال تجارة لا يفضل ربحه عنها فيها، ومثل ذلك الماشية ونحوها، ولا شراء الرقبة بزيادة على ثمن مثلها وإن قلت، لكن يمنع ذلك إجزاء الصوم، فيصبر إلى وجودها بثمن مثلها، كغيبة ماله ولو فوق مسافة قصر ولا نظر لتضررهما بفوات التمتع مدة الصبر في الظهار؛ لأنه المتسبب في ذلك وإن جاز العدول بذلك إلى الصوم في دم التمتع؛ لأن هذا أغلظ.
ولا يجب بيع مسكن أو عبد ألفهما وإن وجد بثمن العبد مثلًا عبدًا يخدمه وعبدًا يعتقه، إن لحقه بذلك مشقة لا تحتمل عادة.
[ ٥٧٣ ]
نعم؛ إن كفاه بعض المسكن وحصل بباقيه رقبة .. لزمه.
واحتياجه لأمة للوطء كاحتياجه القن للخدمة.
(.. صام شهرين متتابعين) إن لم يتكلف العتق، وهما هلالان.
فإن انكسر الأول .. تمم ثلاثين من الثالث، فإن فسد صوم يوم أو لم يصمه ولو بعذر كمرض وإن أوجبه .. استأنفهما.
نعم؛ لا يضر الفطر بحيض أو نفاس أو جنون أو إغماء مستغرق؛ لمنافاتها له مع كونها اضطرارية.
نعم؛ إن اعتادت انقطاع الحيض شهرين، وشرعت في وقت يتخلله الحيض .. استأنفتهما.
ويجب في الصوم التبييت، وكونه بنية الكفارة وإن لم يعينها ولم ينو تتابعًا.
فلو صام أربعة أشهر وعليه كفارتا قتل وظهار، ولم يعين .. أجزأته عنهما.
(فإن لم يقدر) بأن عسر عليه صومهما، أو تتابعه لنحو هرم أو مرض يدوم شهرين غالبًا، أو خاف زيادة مرضه به، أو معه شهوة للوطء، أو غير ذلك مما يحصل به مشقة لا تحتمل عادة (.. أطعم) - أي: ملك- أي: دفع لهم ولو بلا لفظ تمليك (ستين مسكينًا) أو فقيرًا من أهل الزكاة.
ولو كفر عن المجامع غيره بإذنه .. جاز له صرف ذلك له ولممونه؛ إذ المكفر غيره، ولعلها واقعة المجامع في الحديث المتقدم.
(كل واحد) منهم (مدًا) يجزئ فطرة، ويكفي أن يضع الستين بين أيدي ستين، ويقول: ملكتكم ذلك، أو خذوه، ونوى به الكفارة وإن لم يقل بالسوية.
ولهم التفاوت في قسمتها في الأولى؛ لأنهم بالقبول ملكوه، بخلافه في الثانية فلم يملكوه إلا بالأخذ، فلا يجزئ إلا لمن أخذ منه مدًا لا دونه.
ولو صرف الستين إلى مئة وعشرين بالسوية .. حسب له ثلاثون مدًا، فيصرف ثلاثين أخرى لستين منهم بالسوية، ويسترد الباقي من الباقين إن علموا أنها كفارة، وإلا .. فلا.
ويجوز أن يدفع لمسكين مدين من كفارتين، وأن يعطي رجلًا مدًا ويشتريه منه، ثم يصرفه لآخر ويشتريه منه، وهكذا إلى الستين، لكنه مكروه؛ لشبهه بالعائد في صدقته.
[ ٥٧٤ ]