(من جحد) وهو مكلف (وجوب) الصلاة (المكتوبة) أو ركنًا مجمعًا عليه منها أو فيه خلاف واه، كذا في "التحفة"، وفيه نظر؛ إذ لا يكفر بارتكاب المجمع عليه إلا إن علم من الدين بالضرورة، وما فيه خلاف .. ليس معلومًا من الدين بالضرورة.
(.. كفر) إجماعًا وإن فعلها، ككل معلوم من الدين بالضرورة؛ إذ الإيمان التصديق بما علم من الدين بالضرورة، وعدم التصديق بذلك ضده، وهو الكفر.
أمَّا غير المكلف .. فمرفوع عنه كل حرج، فلا معصية ولا كفر له.
(أو تركها) أي: المكتوبة (كسلًا) أو تهاونًا مع اعتقاد وجوبها (أو) ترك (الوضوء) لها ونحوه من واجباتها المعلومة من الدين بالضرورة (أو) ترك (الجمعة) إن وجبت عليه إجماعًا، لا أهل القرى؛ لخلاف أبي حنيفة في وجوبها عليهم (و) إن (صلى الظهر) كما في "التحقيق" وغيره، وهو المعتمد.
وأفتى الغزالي، وأقره الرافعي وابن الرفعة وصاحب الإرشاد: أنه إذا قال: أصلي الظهر .. لا يقتل، أي: وإن كان مرتكبًا كبيرة بتركها.
قال في "الفتح": ويقويه أن أبا حنيفة وصاحبيه قالوا: تجزئه الظهر، إلا أن يقال: إنه واه.
(.. فهو مسلم) وإن عصى بتركها؛ لما في الحديث: "إن الله إن شاء .. عفا عنه، وإن شاء .. عذبه"، والكافر لا يدخل في ذلك تحت المشيئة.
[ ٤٤٠ ]
وأمَّا خبر مسلم: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" .. فمحمول على جحدها، أو على التغليظ.
(و) مع كونه مسلمًا (يجب) على الإمام أو نائبه دون غيرهما (قتله) ولو بصلاة واحدة، لكن بشرط إخراجها عن وقت الضرورة.
فلا يقتله بترك الظهر حتى تغرب الشمس، ولا بترك المغرب حتى يطلع الفجر.
ويقتله في الصبح بطلوع الشمس، وفي العشاء بطلوع الفجر، لا يقال لا يقتل بالحاضرة؛ لأنه لم يخرجها عن وقتها، ولا بالفائتة؛ لأنه لا قتل بالقضاء وإن وجب فورًا؛ لأنا نقول: بأن يقتل بالحاضرة إذا أمره بها الإمام أو نائبه دون غيرهما في الوقت، بحيث يبقى منه ما يسع الصلاة والطهارة.
وقيل: ما يسع ركعة، وتوعده بالقتل على إخراجها، فامتنع حتى خرج وقتها؛ لأنه حينئذٍ معاند للشرع عنادًا يقتضي مثله القتل، فهو ليس لحاضرة فقط، ولا لفائتة فقط، بل لمجموع الأمرين: الأمر، والإخراج مع التصميم.
وخرج بـ (كسلًا): ما لو تركها لعذر ولو فاسدًا، كأن قال: صليت، وإن ظن كذبه.
وقال (ب ج): وإن قطع بكذبه؛ لاحتمال طروء حال عليه .. تجوز له الصلاة بالإيماء، لكن يجب أمره بها، وكأن فقد الطهورين، وكذا كل من تلزمه الإعادة؛ للخلاف في وجوبها عليه، وكذا كل ما اختلف فيه خلافًا غير واهٍ، وإن لم يقلده؛ لأن خلاف العلماء شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
وإنما يقتل (بالسيف) ويمتنع بغيره؛ لخبر: "وإذا قتلتم .. فأحسنوا القتلة".
(بعد الاستتابة) وجوبًا -على ما في "الروضة"- كالمرتد، أو ندبا -كما في "التحقيق"- بمعنى أن القتل يجوز بغيرها، وإن وجبت لا لقتله بل من حيث الأمر بالمعروف.
وفرقوا بأن المرتد في النار، فوجبت استتابتة، بخلاف هذا، فهو مسلم مصيره إلى الجنة، فإذا استتيب .. قتل.
(إن لم يتب) فإن تاب .. وجب قبول توبته، وصار معصومًا؛ لأنه بالتوبة خرج عن المعاندة المقتضية لقتله.
[ ٤٤١ ]
واستشكل قبول توبته، وهو حد، والحدود لا تسقط بالتوبة، وأجيب بأجوبة:
منها: أن التوبة هنا تفيد تدارك الفائت، بخلافها في نحو الزنا والسرقة، وتوبته هنا بعوده لفعل الصلاة.
وقضيته: أنه لو قال: تبت وسأصلي بعد، ولم يذكر عذرًا للتأخير .. أنه غير تائب.
ويؤيده قولهم: أنه يستتاب فورًا، فإن تاب فورًا، وإلا .. قتل؛ لأن الإمهال يؤدي إلى تأخير صلوات.
وقيل: يمهل بعد الاستتابة حالًا ثلاثة أيام، ولو قتله إنسان قبل أمر الإمام له بها .. ضمنه، أو بعده وبعد إخراجها عن وقتها بغير أمر الإمام .. أثم، ولا ضمان ولو قبل الاستتابة إن لم يكن مثله وقلنا: الاستتابة مندوبة، وإلاَّ .. ضمنه.
وخرج بـ (المكتوبة): المنذورة المؤقتة، فلا يقتل بتركها؛ لأنها ليست كالمكتوبة.
قال في "الشرح": (ولا يقتل بفائتة بعذر، وكذا بغير عذر، وقال: أصليها؛ لتوبته بخلاف ما إذا لم يقل ذلك) اهـ
ومحل قتله بها: إن فاتته بعد أمر الإمام له بإيقاعها في وقتها .. فامتنع فلا قتل بفائتة إلا مع ذلك، كما مر.
* * *
[ ٤٤٢ ]