وكالثوب كل ما يشتغل به قلبه، كآدمي يستقبله.
(والتلثم) للرجل، (والتنقب) لغيره؛ للنهي عن الأول، والقياس عليه في الثاني.
(وعند غلبة النوم) والغضب؛ لفوات الخشوع.
وإنما لم تقتض الكراهة فيما ذكر الفساد كالكراهة للزمان؛ لأن لشارع جعل للصلاة أوقاتًا مخصوصة لا تصح في غيرها، ولم يجعل لها مكانًا مخصوصًا، فكان الخلل في الزمان أشد منه في الأمكنه، فالنهي فيها ليس راجعًا لذات العبادة، ولا للازمها، فلم يقتض الفساد، بل ولا يمنع أصل الثواب، كما في "فتاوى م ر"، وبقي من المكروه أمور، منها:
الإقعاء، كما مر، والصلاة خلف أقلف، وموسوس، وولد زنا، وافتراش السبع في السجود، والإسراع بأن يقتصر على أقل الواجب وغيرها.
* * *
(فصل: يستحب) لكل أحد (أن يصلي) ويسجد لنحو تلاوة (إلى شاخص) من نحو عمود أو جدار وإن لم يقصد الاستتار به، لكن يشترط عدم الصارف، فإن عَسُرَ عليه .. فإلى نحو عصا، وهي أولى، أو متاع يجمعه.
ولا بد من كون طول جميع ما ذكر: (قدر ثلثي ذراع) بذراع الآدمي المعتدل هنا وفيما يأتي فأكثر وإن لم يكن له عرض و(بينه) أي: وبين أصابع قدميه عند (م ر)، وعقبيهما عند (حج) في القائم، وبين أليتي الجالس (وبينه) أي: الشاخص (ثلاثة أذرع فما دون، فإن لم يجد) بأن عسر، أو تعذر عليه ما مر (.. بسط مصلى) كسجادة -بفتح السين، وكسرُها لحن- (أو خطَّ خطًا) قبالته طولًا -وهو أولى- أو عرضًا، والارتفاع معتبر في الجميع كما في "المنهج"، وفي الثلاثة الأول كما في "التحفة"، وظاهرِ هذا المتن، والقربُ بثلاثة أذرع في الجميع، لكن العبرة في الخط والمصلى بأعلاهما، فإن بعد أعلاهما أكثر من ثلاثة أذرع .. لم يكف.
[ ٢٨٨ ]
ولو صلى على نحو فروة طولها ثلثا ذراع .. حرم المرور على الفروة فقط.
ولو طال المصلى أو الخط بأن كان بينه وبين أعلاه أكثر من ثلاثة أذرع .. لم يعتبر.
(ويندب) للمصلي وغيره ممن ليس في صلاة (دفع المار) بينه وبين سترته (حينئذٍ) أي: حين استتاره بمعتبر مما مر، حيث لم يخش ذهاب خشوعه، ولم يقصر بنحو وقوفه بطريق.
(ويحرم المرور) بينه وبين سترته المعتبرة (حينئذٍ) أي: حين إذ استتر بسترة معتبرة، وإن لم يجد المار طريقًا إلا لضرورة كخوف محذور عليه أو على غيره.
بل اعتمد الإسنوي ما نقله الإمام عن الأئمة: أن له المرورَ حيث لا طريق غير ما بين المصلي وسترته.
أمَّا سن الاستتار بترتيبه السابق؛ فللاتباع في الإسطوانة والعصا مع أخبار كثيرة، منها: خبر أبي داوود: "إذا صلى أحدكم .. فليجعل أمام وجهه شيئًا، فإن لم يجد .. فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا .. فليخط خطًا، ثم لا يضره ما مر أمامه" أي: في إكمال صلاته، وقاسوا المصلى بالخط وقدموه عليه؛ لأنه أظهر في المراد.
وما اقتضاه المتن من جعل العصا في رتبة الجدار، والخط في رتبة المصلى .. تبع فيه الإسنوي، والمعتمد ماقدمته، ويكفي في أصل السنة مقابلته لجزء منها وإن قل.
والأفضل: جعل السترة بحيث تحاذي أحد حاجبيه الأيمن أو الأيسر وهو الأولى عند المدابغي، قال: لأن الشيطان يأتي من جهته.
وقال (ع ش): الأيمن أولى؛ لشرفه، ولأن الشيطان إذا رأى السترة .. لا يأتي بالكلية، وهذا لا يتأتى في الجدار والمصلى، إلا أنه يمكن في الجدار بأن يفصل طرفه أو شيء من وسطه، كما هو مشاهد. وإنما سن جعلها يمينه أو يساره؛ لكراهة الصمد إليها، للنهي عنه، لكن لو صمد إليها .. لم تخرج عن كونها سترة معتبرة، ولو لم يمكن إلا الصمد إليها .. فلا كراهة.
وأمَّا سن الدفع .. فللخبر الصحيح: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه .. فليدفعه، فإن أبى .. فليقاتله، فإنما هوشيطان".
ويؤخذ منه أنه يلزمه تحري الأسهل فالأسهل في الدفع، كما في الصائل، وليحذر من دفعه بثلاث حركات متوالية؛ فإنها مبطلة.
[ ٢٨٩ ]
وأمَّا حرمة المرور .. فلخبر: "لو يعلم المار بين يدي المصلي -أي: المستتر كما أفاده الحديث السابق- ماذا عليه من الإثم .. لكان أن يقف أربعين- أي: سنة كما في رواية- خير له من أن يمر بين يديه".
والخبر الدال على عدم الحرمة ضعيف، ولو رآه مستترًا بالأدون، فشك في تقصيره بالاستتار به .. حرم المرور.
وكل صف سترة لمن بعده عند (حج).
تنبيه: العبرة في الدفع باعتقاد المصلي، وفي حرمة المرور باعتقاد المار.
ولم يجب الدفع، وإن كان من باب النهي عن المنكر؛ للاختلاف في تحريم المرور، ولأن الإنكار إنما يجب حيث لا خوف فوت مصلحة أو وقوع في مفسدة، وهنا يؤدي إلى فوات الخشوع، قاله (م ر).
لكن قال (حج): (علة الدفع مركبة من: عدم تقصير المصلي، وحرمة المرور، فلذا لايدفع المراهق؛ لعدم الحرمة عليه) اهـ
ولو تعارض الرداء والسترة .. قدمت إن كان مستور العاتقين، وإلا .. سترهما وإن فاتت، أو الخشوع والسترة، أو الصف الأول .. قدم الخشوع عليهما، أو الصف الأول والسترة .. قدِّم.
ويحرم المرور مع السترة في جميع الأحوال (إلا إذا صلى في قارعة الطريق) أو درب ضيق، أو باب مسجد، أو نحو ذلك (وإلا لفرجة) تركت (في الصف المتقدم) أو سعة بحيث لو دخلها .. لوسعته معهم بلا مشقة، أو استتر بما يشتغل به قلبه كامرأة ورجل استقبله، أو لم تستجمع سترته الشروط المتقدمة .. فلا يحرم المرور ولو في محل سجوده، لكنه خلاف الأولى، ويحرم حينئذٍ الدفع.
ولو صلى بلا سترة فوضعها غيره بين يديه ولو بلا إذنه .. اعتد بها، زاد في "الفتح": إن نوى الاستتار بها.
ويجوز المنع من الوقوف في حريم المصلي أو القارىء، وهو قدر ما يسجد فيه.
وحيث منعنا المرور بين يدي المصلي، فهل يجوز مد نحو اليد فيه حال عدم سجوده؟ قال في "القلائد": نعم، ونقل (ب ج) عن (ع ش) المنع.
* * *
[ ٢٩٠ ]