خروج الباقين من الصلاة، حيث لم يكن الباقون أربعين.
وبه يلغز بأن شخصًا بطلت صلاته في المسجد، فبطلت صلاة جماعة في بيوتهم بعد سلامهم، أو وجب إتمام المقصورة بعد السجود فيتمونها ظهرًا، ويسجدون للسهو أيضًا آخر صلاتهم؛ لوقوع الأول في غير محله.
فائدة: نقل الشيخ علي الأجهوري المالكي عن أهل العلم: أن صلاة بسجود سهو خير من سبعين صلاة بلا سجود سهو؛ لأنها إذا كانت بغير سجود سهو .. احتملت القبول وعدمه، ومع السهو يرغم بها أنف الشيطان، وما يرغم أنفه .. يرجى بها رضى الرحمن، ففضلت بتلك الصفة.
وحكي أن رجل شكى للنبي ﷺ وسوسة الشيطان، فقال: "إن الشيطان لا يدخل بيتًا ليس فيه شيء، فذلك من محض الإيمان".
وقال النخعي: كل صلاة لا وسوسة فيها لا تقبل؛ لأن اليهود والنصارى لا وسوسة لهم.
وقال علي كرم الله وجهه: الفرق بين صلاتنا وصلاة أهل الكتاب: وسوسة الشيطان؛ لأنه فرغ من عمل الكفار، لأنهم وافقوه.
* * *
(فصل: يسن سجود التلاوة)؛ إجماعًا، ولخبر مسلم: "إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد .. اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويلتاه؛ أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار".
ولخبر الشيخين عن ابن عمر: (أنه ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا موضعًا لمكان جبهته)، وفي رواية لمسلم: (في غير صلاة) ولم تجب؛ لأنه ﷺ تركها في سجدة "والنجم" متفق عليه.
وإنما يسن (للقارئ والمستمع) أي: قاصد السماع (والسامع) قصده أم لا، لا لمن لم يسمع، وإنما يسجد المذكورون؛ لقراءة مشروعة.
بأن لا تكون محرمة ولا مكروهة لذاتها، كقراءة جنب مسلم بقصدها ولو مع نحو
[ ٣٠٤ ]
الذكر، وكقراءة في نحو ركوع، وشملت المشروعة بقراءة صبي وكافر ولو جنبين.
وقراءة محرمة ومكروهة لا لذاتها، كقراءة امرأة برفع صوتها بحضرة أجانب، وقراءة في نحو حمام؛ إذ حرمة الأول، وكراهة الثاني عارضة، لا ذاتية.
وأن تكون مقصودة، لا كقراءة نائم وطير معلم وغير مميز.
وأن تكون القراءة لجميع آية السجدة، فلو قرأها إلا حرفًا .. حرم السجود، ومن قارئ واحد وفي زمان واحد عرفًا.
وأن تكون في غير صلاة جنازة، فهذه ستة شروط عامة.
فإن كان القارئ مصليًا .. اشترط أن لا يكون مأمومًا مطلقًا، وأن لا يقصد بقراءته السجود على ما يأتي.
وشرط السامع مع ما مر: أن يسمع جميع آية السجدة، وعدم حرمة أو كراهية استماعه لذاته، فلا يسجد مصل لسماع قراءة غير نفسه إن لم يكن مأمومًا، وإلا .. فلا يسجد لغير قراءة إمامه؛ لكراهة استماعه لغيره.
فإذا علمت ذلك .. فيسن لكل من الثلاثة المذكورين أن يسجد لكل قراءة ولو من جني أو ملك (إلا لقراءة النائم والجنب والسكران) ونحوهم ممن اختل في قراءته، أو سماعه شرط، مما مر.
(ويتأكد) السجود (للمستمع) أكثر منه للسامع ولهما (إن سجد القارئ)؛ لما قيل: أنَّ سجودهما يتوقف على سجوده، ولهما الاقتداء به، وأن يقتدي من سجد للتلاوة بمصل في سجدته، فإذا سجد .. فارقه، أو بمن في ثانية سجود للسهو.
وهي: أربع عشرة سجدة: ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان، ومحالها معروفة ففي (الأعراف): آخرها، وفي (الرعد): (والآصَال): وفي (النحل): (يُؤمَرُون) وقيل (يَسْتَكبِرُون)، وفي (الإسراء): (خُشُوعًا)، وفي (مريم): (بُكِيًّا) وفي (الحج) الأولى عقب (ما يَشَاء) والثانية: عقب (تفلِحُون) ونفى هذه أبو حنيفة، وفي (الفرقان): (نفورًا)، وفي (النمل): (العظيم)، وقيل: يعلنون، وفي (السجدة): عقب (لا يَسْتكبرُون)، وفي (ص): (وأناب)، وقيل: مآب، وفي (فصلت): (يسئمون)، وقيل: تعبدون، وفي (النجم): آخرها كـ"إقرأ"، وفي (الإنشقاق): (لا يسجدون)، وقيل: آخرها.
[ ٣٠٥ ]
والأفضل: أن يسجد عند المحل الثاني، ليجزيه على القولين، ولا يكرر السجود؛ لأنه يأتي بسجدة لم تشرع.
(ولا يسجد المصلي لغير قراءة نفسه) من مصل وغيره، وإلا .. بطلت صلاته إن علم وتعمد، ولا لقراءة نفسه قبل الدخول في الصلاة وإن قصر الفصل.
(إلا المأموم .. فيسجد) لقراءة إمامه فقط (إن سجد إمامه) وإن لم يسمع قراءته.
(وإلا) بأن سجد لغير قراءة إمامه، أو لقراءة إمامه ولم يسجد الإمام، أو سجد الإمام وتخلف عنه وإن لم يسمع قراءته (.. بطلت صلاته) إن علم وتعمد ولم ينو المفارقة في الثالثة؛ لفحش المخالفة مع انتقاله من واجب إلى سنة، بخلاف القيام عن التشهد الأول وأمامه فيه، فإنه انتقل من واجب لواجب، فلم يضر.
وفي "التحفة": (وكره لمأموم قراءة آية سجدة؛ لعدم تمكنه من السجود، ويؤخذ منه: أن المأموم في صبح الجمعة إذا لم يسمع قراءة الإمام .. لا يسن له قراءة سورتها، وقراءته لما عدا آيتها يخل بسنة الموالاة) اهـ
ولو سجد لسجود إمامه وقراءة نفسه .. استقرب بعضهم البطلان؛ تقديمًا للمبطل.
ومثله ما لو سجد لقراءته وقراءة غيره.
ولو لم يعلم بسجود إمامه إلا بعد أن رفع رأسه منه .. انتظره، أو قبله سجد وإن ظن أنه لا يدركه فيه، فإن رفع قبل سجوده .. لزمه الرفع معه، ولا يسجد إلا إن نوى المفارقة.
ويسن للإمام تأخير السجود في السرية إلى السلام؛ لئلا يشوش على المامومين وإن طال الفصل كما في "الإمداد".
وقال (م ر): إن قصر الفصل، وإلا .. سجد فورًا.
(ويتكرر السجود) ندبًا (بتكرر القراءة) لآية فيها سجدة (ولو في مجلس وركعة)؛ لتجدد سببه مع توفيه حكم الأول، فإن لم يسجد للقراءة الأولى .. كفاه سجدة للجميع إن نوى الكل، أو أطلق، وإلا .. فلِمَا نواه، وهذا إن لم يطل فصل بين القراءة الأولى والسجود، وإلا .. لم ينو ما طال فيه الفصل، فإن نواه .. لم تنعقد.
ويجوز تعددها بتعدد قراءة الآية، فيأتي بالثانية عقب الأولى، وهكذا من غير قيام في الصلاة، وإلا .. بطلت؛ لزيادته صورة ركن.
[ ٣٠٦ ]
ويسن لمن قرأ أو سمع قراءة آية سجدة أن يسجد (إلا إذا قرأها في وقت الكراهة، أو في الصلاة بقصد السجود) في وقت الكراهة، أو في الصلاة فقط (.. فلا يسجد) بل يحرم حينئذٍ؛ لعدم مشروعيته، ولأنه مراغمة للشرع (فإن فعل) ذلك في الصلاة (.. بطلت صلاته) إن تعمد وعلم عدم مشروعيته؛ لأنه زاد فيها ما هو من جنس بعض أركانها تعديًا.
أمَا لو قرأها بقصد السجود وغيره من مندوبات القراءة، أو الصلاة .. فلا بطلان ولا كراهة؛ لمشروعيته حينئذٍ.
وأفهم المتن: أنه لو قرأها في غير وقت كراهة، وغير صلاة بقصد سجود فقط .. يسجد، وهو ظاهر "التحفة"، ونقله في "النهاية" عن النووي، و"الأنوار"، ولم يتعقبهما، وفي "الإمداد"، و"الإيعاب": عدم الصحة، ونقل عن شيخ الإسلام وغيره لعدم مشروعية القراءة حينئذٍ.
ولا فرق في حرمة القراءة بقصد السجود فقط في الصلاة عند (حج) بين: "ألم تنزيل"، وغيرها في صبح الجمعة وغيره، واستثنى (م ر): "ألم تنزيل" في صبح الجمعة.
ولا بد في سجدة التلاوة، ولو خارج الصلاة وسجدة الشكر من شروط الصلاة من طهر، وستر، واستقبال، ودخول الوقت -وهو هنا قراءة آخر الآية- أو وقت نحو هجوم النعمة وغيرها.
ولا بد هنا أيضًا من عدم الفصل بين قراءة الآية والسجود ما لم ينذرها، وإلا .. وجب قضاؤها، وعدم الإعراض عنها، وغير ذلك من شروطها المتقدمة، ومن ترك موانعها، ككلام كثير أو فعل كثير توالى وغير ذلك.
والسجود المذكور كسجود الصلاة في واجب ومندوب؛ لأنها ملحقة بها.
وأركانها خارج الصلاة: نية سجود التلاوة أو الشكر وإن لم يعين سببها، وندب تلفظ بها.
وتكبيرة تحرم كالصلاة، وندب رفع يديه معها لا القيام، بل هو مباح.
وسجود، وسن فيه سجد وجهي للذي خلقه إلخ، واللهم اكتب لي بها عندك
[ ٣٠٧ ]