واقتصروا على تقييده بالسهو للغالب، وإلا .. فيكون أيضًا للعمد، كما يأتي.
(يسن) متأكدًا (سجدتان للسهو) أي: للخلل الواقع في الصلاة غير الجنازة، وفي سجدة تلاوة وشكر، ولا مانع من جبر الشيء بأكثر منه، فإنه عهد، كما في ترك كلمة من نحو القنوت، وفي إفساد يوم بجماع؛ وذلك للأحاديث الآتية ولم يجب؛ لأنه لم ينب عن واجب، بحلاف جبرانات الحج.
وإنما تسن (بأحد أسباب ثلاثة)، بل خمسة:
ترك بعض، ونقل قولي غير مبطل، وزيادة فعل يبطل عمده فقط، والشك في ترك بعض، وإيقاع فعل مع التردد في زيادته.
فإن سجد لغير ذلك .. بطلت صلاة غير الجاهل المعذور بنحو قرب عهد بالإسلام، كما في "التحفة"، لكن في "الفتح": ولو مخالطًا لنا.
ويمكن شمول الأول للأخيرين بأن يراد به ترك المأمور به الشامل للأبعاض يقينًا أو شكًا، وللتحفظ.
وجعلها في "المنهاج" شيئين: ترك مأمور به الشامل للأبعاض والتحفظ، أو فعل منهي عنه ولو احتمالًا.
فيشمل: ما يبطل عمده كنقل الفعلي، وما لا يبطل عمده كنقل القولي، كالفاتحة، والقيام إلى ركعة مع الشك، أهي رابعة أم خامسة؟
فهي منهي عنها احتمالًا؛ لاحتمال أنها خامسة، وبفرض أنها رابعة يسجد؛ لترك التحفظ المأمور به، فلم يخرج عنهما.
(الأول: ترك كلمة) أو حرف (من التشهد الأول) ولو عمدًا.
والمراد به: اللفظ الواجب في التشهد الأخير دون ما يسن فيه، فلا سجود بتركه؛ وذلك لما صح (أنه ﷺ تركه ناسيًا، وسجد قبل أن يسلم).
وقيس بالنسيان العمد، بل خلله أكثر، ولو صلى التسبيح أو راتبه نحو الظهر أربعًا وترك التشهد الأول .. سجد إن قلنا: إنه سنة حينئذ.
[ ٢٩١ ]
قال (سم): وهو المعتمد، بخلاف ما لو صلى أربعًا نفلًا مطلقًا بقصد أن يتشهد تشهدين او أطلق، فاقتصر على الأخير كما في "التحفة"، لكن خالفه (م ر) في صورة القصد.
(أو) ترك كلمة أو حرف ولو عمدًا من (القنوت) الراتب، وذلك (في الصبح، أو) في (وتر نصف رمضان الأخير)؛ قياسًا على ترك التشهد الأول دون قنوت النازلة؛ لأنه عارض، وترك كله أولى بالسجود.
لايقال: (كلمات القنوت لا تتعين، فلِمَ كان ترك بعضه كترك كله؟) لأن عدم تعينها إذا لم يشرع فيه.
وفارق بدله بأنه لا حد له.
(أو) ترك (الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول) والمراد الواجب منها بعد التشهد الأخير، لأنها ذكر يجب الإتيان به في الأخير، فيسجد؛ لتركه في الأول كالتشهد الأول.
(أو) ترك الصلاة على النبي ﷺ، أو على آله في (القنوت) أي: بعده؛ قياسًاعلى ما قبلها.
(أو) ترك (الصلاة على الآل في التشهد الأخير)؛ قياسًا على ذلك أيضًا.
وصورة السجود لتركها: أن يتيقن ترك إمامه لها بعد أن سلم إمامه وقبل أن يسلم هو، أو بعد أن سلم وهو ناسيًا وقصر الفصل، فيعود ويسجد؛ لترك إمامه لها.
أمَّا لتركه هو لها .. فلا يعود للإتيان بها؛ إذ لا يعود لسنة غير السجود للسهو، ولا ليسجد للسهو لتركه لها؛ إذ لو صح عوده للسجود لتركها .. كان متمكنًا منها، وما هو متمكن منه لا يسجد لتركه.
تنبيه: جعل المصنف الأبعاض: ستة، وفي "التحرير": أنها ثمانية بزيادة القيام للقنوت، والصلاة على النبي ﷺ وعلى الآل، والجلوس للتشهد، والصلاة على النبي بعده وعلى الآل في الأخير.
وبعضهم عد القيام والجلوس لكل من الستة، فصارت اثني عشر.
[ ٢٩٢ ]
قال الشرقاوي: (وزيد ثمانية: الصلاةعلى الصحب، والسلام على النبي، وعلى الآل والصحب، والقيام لكلٍ، فهذه عشرون) اهـ
ولو اقتدى شافعي بحنفي في صبح .. قنت إن أمكنه أن يلحقه في السجدة الأولى، ويسجد للسهو؛ لترك إمامه له، وكذا لو اقتدى به في إحدى الخمس؛ لأنه لا يصلي على النبي في التشهد الأول؛ لأنه عنده منهي عنه يقتضي الإتيان به السجود، بخلاف ما لو اقتدى مصلي الصبح بمصلي سنتها؛ لتحمل الإمام عنه القنوت، والإمام لا قنوت عليه، فلم يتطرق خلل إلى صلاته، وهذا في ترك البعض المعين يقينًا.
فلو شك في ترك بعض مبهم .. فلا يسجد، أو معين، كالقيام للصلاة على الآل .. سجد، وهذا هو السبب الثاني، لكن أدرجه المصنف في الأول.
وسميت هذه أبعاضًا؛ تشبيها ًلها بالبعض حقيقة، وهو الركن؛ بناء على أن الصلاة حقيقة فيها فقط، ولا تجبر باقي السنن، فإن سجد لشيء منها .. بطلت صلاته على ما مر، ولنا قول قديم: أنها تجبر كلها بالسجود.
(الثاني) من الأسباب (فعل ما لا يبطل سهوه) الصلاة (ويبطلـ) ـها (عمده، كالكلام القليل ناسيًا، أو الأكل القليل ناسيًا، أو زيادة ركن فعلي ناسيا ًكالركوع) وكذا زيادة ركعة فأكثر ناسيًا، وكالناسي: جاهل معذور بنحو قرب عهد بإسلام، أو بخفاء المبطل؛ لكونه مما يخفى على أكثر العوام كالتنحنح، وعود إلى التشهد الأول بعد قيامه عنه، وتطويل ركن قصير بغير مشروع، وجلوسه لتشهد تركه إمامه ونحو ذلك، فلا تبطل به صلاة الجاهل مطلقًا، ويسجد للسهو إن لم يكن مأمومًا؛ وذلك لما روى الشيخان: (أنه ﷺ صلى الظهر خمسًا، وسجد للسهو بعد السلام)، ولما مر من حديث ذي اليدين، ومعاوية بن الحكم.
واستثنى من ذلك: ما لو حول المتنفل دابته عن القبلة سهوًا وردّها فورًا .. فلا يسجد عند (حج)، مع أن عمده مبطل، لكن خفف عنه؛ لمشقة السفر مع عدم تقصيره.
وما لو سها فسجد للسهو، ثم سها قبل سلامه .. فإنه لا يسجد للسهو؛ إذ سجود السهو يجبر ما قبله وما فيه وما بعده، لا نفسه، كأن ظن سهوًا فسجد، فبان أن لا سهو، فيسجد ثانيًا؛ لسهوه بالسجود.
[ ٢٩٣ ]
(ولا يسجد لما) أي: لفعل (لا يبطل سهوه ولا عمده، كالالتفات) الواحد (والخطوة والحطوتين) وإن تواليا، والثلاث غير متوالية عمدًا أو سهوًا؛ لأنه ﷺ فعل ذلك ولم يسجد، وأمر به ولم يأمر بالسجود له كما مر في شروط الصلاة (إلا إن قرأ) الفاتحة أو السورة (في غير محل القراءة) كالركوع وجلس التشهد.
(أو تشهد) التشهد الأول، أو الآخر (في غير محله) كالقيام والجلوس بين السجدتين.
(أو صلى على النبي ﷺ في غير محله) كالركوع (.. فيسجد لذلك) وإن لم يبطل عمده .. فهو مستثنى من قاعدة: ما لا يبطل عمده .. لا سجود لسهوه (سواء فعله سهوًا أو عمدًا)؛ لتركه التحفظ المأمور به في جميع الصلاة فرضًا ونفلًا، أمرًا مؤكدًا كتأكيد التشهد الأول، فهو وإن لم يكن بعضًا حقيقة يشبه البعض.
وعليه: فيسجد لترك البعض وشبهه.
نعم؛ لو قرأ السورة قبل الفاتحة، أو صلى على النبي ﷺ قبل التشهد .. لم يسجد؛ لأن كلاّ ًفي محله في الجملة، ونقل بعض ما ذكر كنقل كله.
ويسنثنى أيضأ: ما لو قنت في موضع لا يشرع فيه بنيته، كقبل الركوع، أو في اعتدال ولو أخيرًا لغير نازلة في غير صبح، ووتر النصف الأخير من رمضان.
وما لو فرقهم في الخوف أربع فرق أو فرقتين، وصلى بكلٍ ركعة في الأولى، وبفرقة ركعة وبالأخرى ثلاثًا في الثانية .. فيسجد الإمام وغير الفرقة الأولى للسهو؛ للمخالفة بالانتظار في غير محله، وتكرير الفاتحة كما في "الإمداد"، وتكرير التشهد كما في فتاوى (حج)، فيسجد لجميع ذلك وإن كان عمده لا يبطل، وقضية كلام المصنف أنه لا يسجد لغير ما ذكره، وفيه خلاف.
حاصله: أن الركن يسجد لنقله مطلقًا، وكذا البعض إن كان تشهدًا، فإن كان قنوتًا .. سجد لنقله بنيته، والهيئة يسجد لنقل السورة منها مطلقًا، وغيرها لا يسجد نقله عند (م ر) مطلقًا، ويسجد له عند (حج) إن نوى به أنه ذِكرُ ذلك المنقولِ عنه، كأن قال: سبحان ربي العظيم في القيام أو السجود بنية أنه ذكر الركوع.
فلا يسجد لنقل التسبيح عند (م ر)، ولا لنقل الصلاة على الآل إلى التشهد الأول، ولا بالبسملة أول التشهد، ويسجد له عند (حج) بشرطه المتقدم.
[ ٢٩٤ ]
نعم؛ نقل السلام عمدًا مبطل، وكذا تكبيرة الإحرام بأن كبر أثناء صلاته بقصد الإحرام؛ لتضمنه إبطال الصلاة.
تنبيه: ما مر من الأفعال المنهي عنها أربعة أقسام: قسم يبطل عمده وسهوه وجهله، كالكلام الكثير، وقسم يبطل عمده وجهله دون سهوه، كزيادة ركن فعلي، وقسم يبطل عمده دون سهوه وجهله، كالتنحنح ونحوه من المبطل الخفي، وقسم لا يبطل مطلقًا، كالحركتين.
(ولو نسي) الإمام أو المنفرد (التشهد الأول) وقعوده أو أحدهما (فذكره بعد انتصابه) أي: وصوله لحد يجزئ في القيام بأن لا يكون أقرب إلى أقل الركوع (.. لم يعد) إليه؛ لحرمته حينئذٍ، لأخبار صحيحة فيه، ولتلبسه بفرض وهو القيام، أو بدله، كأن شرع من يصلي قاعدًا في القراءة.
(فإن عاد عالمًا بتحريمه عامدًا .. بطلت) صلاته؛ لزيادته فعلًا يخل بهيئتها بلا عذر، بخلاف قطع القولي لنفل كالفاتحة للتعوذ، فغير محرم وإن كره، وبخلاف زيادة فعل لا يخل بهيئتها كجلوس قبل السجود، وبخلاف زيادته لعذر كما يأتي.
(أو) عاد (ناسيًا) للصلاة، أو حرمة عوده، واستشكل عوده للتشهد مع نسيانه الصلاة، وأجيب بأن المراد عوده لمحله.
(أو جاهلًا) بتحريم العود ولو مخالطًا لنا؛ لخفائه (.. فلا) تبطل صلاته؛ لعذره فيهما، ولخبر: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" في الأول، يلزمه القيام فورًا عند تذكره وعلمه (ويسجد للسهو)؛ لأنه يبطل عمده.
أما المأموم فإذا انتصب إمامه ولو بعد جلوسه للاستراحة، فتخلف عامدًا عالمًا -زيادة على قدر أقل جلسة الاستراحة عند (م ر) وعلى أكثرها عند (حج) - ولم ينو المفارقة .. بطلت صلاته وإن لم يأت بشيء من التشهد.
ولو قام الإمام عنه ثم عاد .. لم تجز موافقته -لأنه إما عامد وصلاته باطلة، أو ساه وهو لا تجوز موافقته- بل يقوم المأموم إن لم يكن قد قام فورًا، وينتظره قائمًا؛ حملًا لعوده
[ ٢٩٥ ]
على السهو أو الجهل، أو يفارقه وهي هنا، وفيما إذا قام الإمام لخامسة أولى؛ للخلاف في جواز انتظاره حينئذٍ.
ولو جلس الإمام يتشهد فشك المأموم أهي ثالثة أو رابعة؟ وجب قيامه فورًا؛ إذ المشكوك كالمعدوم، وينتظره قائمًا أو يفارقه وهو أولى، وقيل تجوز موافقته مع الشك ويأتي بعد سلام إمامه بركعة.
ولو انتصب المأموم وجلس إمامه للتشهد فإن كان ناسيًا لم يعتد بفعله (ويجب) عليه (العود لمتابعة إمامه) إن لم ينو المفارقة وتذكر قبل قيام الإمام، وإلا لم يجب.
وحيث وجب ولم يعد .. بطلت صلاته إن علم وتعمد، أو عامدًا سن له العود، كما إذا ركع قبل إمامه عمدًا؛ لأن له قصدًا صحيحًا بانتقاله من واجب لواجب .. فاعتد بفعله وخير بينهما، بخلاف الساهي لوقوع فعله بلا روية، فكأنه لم يفعل شيئًا فتلزمه المتابعة، كما لو لم يقم ليعظم أجره، والعامد كالمفوت على نفسه تلك الفضيلة فلم يلزمه لعود.
وإنما خير من ركع سهوًا وإمامه قائم، أو سجد الثاني سهوًا وإمامه جالس؛ لعدم فحش المخالفة، ولم يسن له العود لعذره، بخلاف المتعمد فيهما .. فلا عذر له فندب له العود، كذا في "التحفة".
(وإن تذكر) غير المأموم ترك التشهد الأول (قبل انتصابه) بمعناه السابق (.. عاد) له ندبًا وإن خشي تشويش المأمومين كما في "الإيعاب" لأنه لم يتلبس بفرض، ويسجد للسهو إن صار إلى القيام أقرب منه إلى القعود؛ لأن ذلك يبطل مع تعمده وعِلمِ تحريمه، بخلاف ما إذا كان أقرب إلى القعود، أو سواء لعدم بطلان تعمده بقيده الآتي.
وفي: "المجموع" أنه لا يسجد لذلك مطلقًا، وعلى الأول فالسجود للنهوض مع العود، أما المأموم فمر آنفًا أنه يعود لمتابعة إمامه وجوبًا أو ندبًا.
(ولو تركه) أي: ترك غير المأموم التشهد الأول (عامدًا) هذا قسيم قوله أولًا: (ولو نسي التشهد إلخ) (فعاد) له عامدًا عالمًا (.. بطلت) صلاته بتعمده ذلك (إن كان) وقتَ العود (إلى القيام أقرب) منه إلى القعود؛ لزيادته ما غير نظمها، بخلاف ما لو عاد وهو إلى القعود أقرب، أوعلى السواء.
وفي "المجموع": (ويحل هذا التفصيل إن قصد بالنهوض ترك التشهد، ثم بدا له
[ ٢٩٦ ]
العود إليه فعاد؛ لأن نهوضه حينئذٍ جائز.
اما لو زاد هذا النهوض عمدًا لا لمعنى .. فتبطل صلاته؛ لا خلاله بنظمها بمجرد خروجه عن اسم القعود) اهـ بل قال (سم): تبطل بمجرد الشروع في النهوض؛ إذ الشروع في المبطل مبطل) اهـ
وقد يقال: المبطل الخروج عن اسم القعود لا ما قبله من النهوض والقنوت كالتشهد فيما مر (و) منه أنه (لو نسي) غير المأموم (القنوت فذكره بعد وضع جبهته) للسجود (.. لم يرجع) بل إن عاد بعد وضع الأعضاء السبعة بشروطها عامدًا عالمًا .. بطلت صلاته لتلبسه بفرض ثم قطعهِ لسنة.
أو بعد وضع الجبهة وقبل وضع بقية الأعضاء .. كره للخلاف في البطلان بذلك حينئذٍ (أو قبله) أي: قبل وضع الجبهة وإن وضع غيرها (.. عاد) ندبًا؛ لعدم تلبسه بفرض (ويسجد للسهو إن بلغ حد الراكع)؛ لزيادته ما يبطل عمدُه، فان لم يبلغه .. لم يسجد وياتي هنا نظير ما مر في التشهد عن "المجموع" في الهوي بقصد ترك القنوت، وبلا معنى، وما يترتب على كلًّ، وكذا الجاهل والناسي يأتي فيهما ما مر ثمّ، ويجري في المأموم هنا جميع ما مر ثمَّ.
نعم؛ للمأموم هنا التخلف للقنوت ما لم يسبق بركنين فعليين؛ لأنه لم يحدث فعلًا لم يفعله الإمام بل أدام ما كان فيه، نظير ما إذا جلس الإمام للاستراحة على ما فيه، بل وإن لم نقل بذلك؛ لأن استواءهما في الاعتدال أصلي وفي جلسة الاستراحة عارض.
قال الكردي: (واعتمد في "التحفة" في مسألة القنوت لزوم العود إليه مطلقًا؛ أي: وإن نوى المفارقة أو لحقه الإمام إلى السجود، فإن علم أو تذكر وهو في الاعتدال أو السجود الأول .. عاد للاعتدال، أو وقد رفع رأسه من السجدة الأولى .. وافقة وأتى بركعة بعد سلام إمامه.
وفرق بين القنوت والتشهد بأن فحش المخالفة من القنوت إلى السجود أكثر منه من التشهد إلى القيام.
[ ٢٩٧ ]
وكلام "المجموع" و"التحقيق" و"الجواهر" و"الأنوار" يؤيد كلام (م ر)؛ اي: من أنه لا يجب العود إلا إذا لم ينو المفارقة، ولم يلحقه الإمام إلى السجود) اهـ بتوضيح
(الثالث) من أسباب سجود السهو: (إيقاع ركن فعلي مع التردد) حال فعله (فيه) أي: في زيادته، بخلاف تردده في زيادته بعد فعله، كأن شك في تشهد أخير صلى أربعًا أم خمسًا .. فلا يسجد لذلك التردد؛ لقولهم: لو شك في ترك مأمور به .. سجد، أو في فعل منهي عنه .. فلا؛ لأن ّالأصل أن المشكوك كالمعدوم، نعم؛ استثنوا الشك في الركن بعد السلام كما يأتي (فلو شك) أي: تردد ولو مع رجحان أحد الطرفين (في) ترك شيء معين نحو (ركوع أو سجود أو ركعة .. أتى به)؛ إذ الأصل عدم فعله، ولا يرجع فيه لظنه ولا لقول غيره أو فعله وإن كثروا ما لم يبلغوا عدد التواتر، وإلا .. وجب الأخذ بقولهم وكذا بفعلهم عند (حج)؛ لأنه في الحقيقة إنما أخذ بما حصل له من اليقين بخبرهم، والعملُ بخلافه تلاعب.
ورجوعه ﷺ في خبر ذي اليدين إلى الصلاة يحتمل أن المخبرين فيه بلغوا حد التواتر فأخذ بقولهم، أو أنه تذكر (و) إذا أتى بالمشكوك (سجد) للسهو لخبر مسلم: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أصلى ثلاثًا أو أربعًا .. فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتيم قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا .. شفعن له صلاته" أي: ردتها للأربع وانجبر خلل الزيادة، "وإن كان صلى إتمامًا لأربع .. كانتا ترغيمًا للشيطان" فالسجود حينئذٍ للزيادة إن كانت، وإلا .. فللتردد المضعف للنية المحوج للجبر، ولذلك يسجد (وإن زال الشك قبل السلام)؛ لتردده في زيادته حال فعله وهو مضعف للنية (إلا إذا زال الشك قبل أن يأتي بما يحتمل الزيادة)؛ فلا يسجد؛ إذ ما أتى به واجب بكل تقدير، فلا يؤثر التردد فيه (فلو شك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا و) لم يستمر شكه، فإن (زال الشك في غير الأخيرة) ولو في نهوضه إليها وإن كان للقيام أقرب؛ لأن النهوض ليس منها ( لم يسجد)؛ لأن ما فعله قبل التذكر واجب بكل تقدير.
[ ٢٩٨ ]
وقضيته أن النهوض إلى الأخيرة بتقدير كونها خامسة واجب وليس كذلك (أو) زال (فيها) أي: الأخيرة وهو لا يَصْدُقُ أنه فيها إلا عند الانتصاب (.. سجد)؛ لتردده حال انتصابه -الذي هو جزء منها- في زيادتها وأفهم كلامه أن نهوضه إليها لا يحتمل الزيادة، فلا يسجد للتردد الزائل فيه.
أما زيادته باحتمال أن الأخيرة خامسة فواضحة.
وأما أنه هل يقتضي السجود فرجح (م ر) و(حج) تبعًا للإسنوي أنه يقتضيه إن صار إلى القيام اقرب، وخالفه ابن العماد وتبعه كثيرون كـ"الأسنى" و"الإمداد" وغيرهما بأن صيرورته لما ذكر لا يقتضي السجود، وليس بشيء؛ بل القياس أنه بمجرد خروجه عن اسم الجلوس يسجد.
ولو شك في ترك بعض معين .. سجد، أو في إرتكاب منهي عنه .. فلا كما مر أو هل سجد للسهو أو لا .. سجد، أو هل سجد سجدة أو سجدتين .. سجد أخرى؛ عملًا بالأصل من أن المشكوك كالمعدوم غالبًا (و) من غير الغالب (لا يضر الشك بعد السلام) الذي لا عود بعده إلى الصلاة (في ترك ركن) وإلا لعسر وشق، ولأن الظاهر مضيها على الصحة (إلا النية وتكبيرة الإحرام) فيؤثر الشك في كل منهما بعد السلام؛ لشكه في أصل الانعقاد، فتلزمه الإعادة ما لم يتذكر أنه أتى بهما ولو بعد طول الزمان.
ومن الشك في النية ما لو شك هل نوى فرضًا أو نفلًا، لا الشك في نية القدوة في غير جمعه ومعادة ومجموعة مطر.
وإنما لم يضر الشك في النية بعد فراغ الصوم؛ لمشقة الإعادة فيه، ولأنه اغتفر فيه ما لم يغتفر فيها هنا.
أما الشك قبل السلام .. فقد علم مما مر (و) إلا الشك في (الطهارة) بأن تيقن الحدث، ثم شك بعد السلام هل تطهر أو لا؟ فلا تصح كما لو شك فيها قبل لدخول في الصلاة؛ لأن الشك في أصل الطهارة، والأصل عدمها.
ومثلها الشك في أصل غيرها من الشروط كالسترة، بخلاف ما لو تيقن الطهارة وشك في رافعها .. فلا يضر؛ إذ الأصل بقاؤها وقد صرحوا بأنه يجوز دخول الصلاة بطهر مشكوك فيه، كأن تيقن الطهر وشك في رافعه (ويسجد المأموم لسهو) وعمد (إمامه
[ ٢٩٩ ]
المتطهر و) إمام (إمامه) أيضًا إذا سجد وإن لم يعلم أنه سها، أو كان السهو قبل الاقتداء به؛ لتطرق الخلل إلى صلاته، ولذا يسجد إذا علمه (وإن تركه الإمام) بأن لم يسجد (أو) انقطعت قدوته به لمفارقته له، أو بطلان صلاة الإمام كأن (أحدث قبل تمامها) وبعد وقوع السهو منه.
وقضية التعليل بتطرق الخلل: أنه لو اقتدى به بعد سجوده للسهو .. لم يسجد المسبوق آخر صلاته وإن سجد إمامه؛ إذ لم يبق خلل يتطرق لصلاة الماموم، بخلاف المسبوق المقتدي به قبله، يسجد آخر صلاته وان سجد إمامه؛ لأن سجوده يجبر خلل صلاته، لا ما تطرق لصلاة المأموم.
أما المحدث فلا يلحقه سهوه إمامه؛ إذ لا قدوة في الحقيقة وإن كانت الصلاة خلفه جماعة؛ لأن ذلك بالنسبة لحصول الثواب بقصده لها، من غير حيلة له في الاطلاع على حدث الإمام، لا لوجود رابطة بينهما ليترتب عليه أحكامها.
وعند سجود الإمام المتطهر يلزم المأموم متابعته وإن جهل سهوه موافقًا أو مسبوقًا، فإن تخلف عامدًا عالمًا بقصد عدم السجود .. بطلت صلاته بمجرد سجود الإمام، بل وإن لم يتلبس به أوْ لا بقصد ذلك .. فتبطل بتخلفه بركنين كأن هوى للسجدة الثانية.
فإن تخلف لعذر كزحمة .. لم تبطل، فإن زال عذره والإمام في السجدة الثانية .. سجد فورًا حتمًا، أو بعدها فإن كان موافقًا .. سجد؛ لأنه يستقر عليه بسجود الإمام، أو مسبوقًا .. فات لأنه لمحض المتابعة وقد فاتت.
ويسن آخر صلاته (إلا إذا علم المأموم خطأ إمامه) في سجوده، ويتصور كأن يكتب له أنه سجد لترك السورة مثلًا، أو أشار له بذلك، أو تكلم به وعذر (.. فلا يتابعه) فيه، حتى لو علم غلطه وهو ساجد معه .. عاد للجلوس، ثم إن شاء فارقه وسجد، أو انتظر سلامه ثم يسجد؛ لأنه يلحقه سهوه بذلك السجود.
ولو فعل إمامه زائدًا كأن قام لخامسة .. لم تجز متابعته ولو لمسبوق وشاك في فعل ركعة، ولا نظر لاحتمال أنه ترك ركنًا؛ لأن الفرض أنه علم أو ظن الحال، والأفضل هنا مفارقته، فإن لم يعلم أو يظن ذلك .. تابعه ولو شاكًا في ذلك، وتحسب له كما سيأتي (ولا يسجد المأموم لسهو نفسه خلف إمامه المتطهر)؛ لأنه يتحمله عنه كما يتحمل عنه نحو السورة ودعاء القنوت، ويتحمل عن المسبوق الفاتحة وقيامها والتشهد الأول.
[ ٣٠٠ ]
أما المحدث وذا الخبث الخفي .. فلا يتحمل عنه شيئًا، وإنما اثيب على الجماعة خلفهما لوجود صورتها؛ إذ يغتفر في الفضائل ما لا يغتفر في غيرها كالتحمل المستدعي بقوة الرابطة.
وخرج بـ (خلف إمامه): ما لو سها بعد القدوة، أما قبلها .. فلا يتحمله عنه، وإنما لحقه سهو إمامه ولو قبل القدوة؛ لأنه عهد تعدي الخلل من صلاة الإمام إلى صلاة المأموم كأن كان الإمام أميا، فيتطرق بطلان صلاته إلى صلاة المأموم دون عكسه (ولو ظن) المأموم، (سلام إمامه فسلم فبان خلافه) أي: خلاف ما ظنه (.. أعاد السلام معه) أو بعده وهو أولى؛ لامتناع تقدمه على سلامه (ولا سجود) لسلامه الأول وإن أبطل عمده؛ لأنه سهو حال القدوة كما لو نسي نحو الركوع؛ فإنه يأتي بركعة بعد سلام إمامه، ولا يسجد سواء تذكر قبل سلامه أو بعده، بخلاف ما لو سلم المسبوق بعد سلام إمامه سهوًا فيسجد؛ لأنه سهو بعد انقطاع القدوة، وكذا مع سلامه عند (م ر)؛ لضعف القدوة حينئذٍ كما قال (ولو تذكر المأموم في) جلوس (تشهده ترك ركن) فإن كان النية أو تكبير التحرم .. تبين عدم انعقادها أو (غير النية والتكبير) للتحرم، فإن كان سجدة من الأخيرة .. سجدها أو غيرها (.. صلى ركعة بعد سلام إمامه)؛ لفواتها بفوات الركن كما علم من الترتيب، ولا يجوز له إن يقوم لها، كما لا يجوز للمسبوق أن يقوم لما بقي عليه إلا بعد سلام إمامه (ولا يسجد) للسهو؛ لإتيانه بالركعة بعد سلام إمامه؛ لوقوع السهو حال قدوته (أو شك في ذلك) أي في تركه غير النية والتكبير وسجدة من الأخيرة (.. أتى بركعة بعد سلام إمامه وسجد) للسهو؛ لإتيانه بالركعة مترددًا في زيادتها بعد انقضاء القدوة (وإذا سجد إمامه) للسهو (.. لزمه متابعته) إن لم يعلم خطأه (فإن كان مسبوقًا .. سجد) وجوبًا (معه)؛ للمتابعة (إن سجد، ويستحب أن يعيده) أي: سجود السهو (آخر صلاته)؛ لأنه محل سجود السهو الذي لحقه بتطرق النقص إليه من صلاة إمامه.
ولو اقتصر إمامه على سجدة .. سجد سجدتين، لكن لا يفعل الثانية إلا بعد سلام
[ ٣٠١ ]
إمامه؛ لاحتمال سهوه وتداركه للثانية قبل سلامه.
ولو تركه اعتقادًا لعدم طلبه .. أتى به المأموم بعد سلام إمامه (وسجود السهو وإن كثر) السهو من نوع أو أكثر (سجدتان) يجلس بينهما؛ لاقتصاره ﷺ عليهما في خبر ذي اليدين مع أنه سلم وتكلم.
ويجبر كل ما أتى به على الأوجه ما لم يخصه ببعضه، وكيفيتهما (كسجود الصلاة) في واجبات ومندوبات كما مر، وقيل: يقول: سبحان من لا ينام ولا يسهو، هذا إن سهى؛ لأنه اللائق بالحال، فإن تعمده .. فاللائق به الاستغفار.
وقضية تشبيه سجود السهو بسجود الصلاة أنه لا يجب له نية، وهو قياس عدم وجوب نية سجدة التلاوة.
والوجه الفرق بينهما؛ إذ سجدة التلاوة سببها القراءة المطلوبة في الصلاة، فشملتها نيتها ابتداءً من هذه الحيثية وإن لم تشملها من حيث قيامها مقام سجدة الصلاة.
وأما سجود السهو فليس سببه مطلوبًا فيها بل سببه منهي عنه، فلم تشمله نية الصلاة ابتداء فوجبت نيته على إمام ومنفرد دون مأموم؛ لأن أفعاله تنصرف لمحض المتابعة بلا نية، وهذا ما اعتمده (حج) واعتمد (م ر) وجوب النية في كل من سجدة التلاوة وسجود السهو.
وتبطل الصلاة بالتلفظ بالنية فيهما على الأوجه؛ إذ لا ضرور إليها.
فرع: لو سجد واحدة ثم أعرض عن الثانية .. لم يضر، فلو سجد الثانية قبل طول فصل .. ضمت للأولى، أو بعده فيسجد سجدتين؛ لسقوط حكم الأولى بالإعرض مع طول الفصل قاله (سم).
(ومحل سجود السهو) لزيادة أو نقص أو لهما (بين التشهد) وما يتبعه من الصلاة على النبي ﷺ وعلى آله والدعاء بعدهما (والسلام) لكن لو أتى بالصلاة على الآل وما بعدها من المندوب بعده .. حصل أصل السنة، أما الواجب كالتشهد .. فتبطل بسجوده قبله ولو مأمومًا سجد إمامه قبل إكماله عند (م ر)، ولا يجوز بعد السلام إلا على قول قديم جرى عليه الماوردي، وابن الرفعة وغيرهما، ومع ضعفه يجوز تقليده.
قال ابن العربي: وثبت سجوده ﷺ للسهو؛ للشك في عدد
[ ٣٠٢ ]
الركعات، وللقيام من الركعتين ولم يتشهد، ولسلامه من ركعتين ومن ثلاث، ولشك في ركعة خامسة.
وأخذ من قوله: (بين تشهده وسلامة): أنه لو أعاد نحو التشهد .. بطلت صلاته، وليس كذلك، بل عدم تخلل شيء بينهما مندوب لا واجب.
ولو اقتدى بمن يراه بعد السلام، وتوجه على المأموم السجود .. سجد بعد سلام إمامه وقبل سلامه، ولا ينوي متابعته؛ لفراقه له بسلامه.
(ويفوت) السجود (بالسلام عامدًا) بأن كان ذاكرًا للسهو عالمًا بأن محله قبل السلام؛ لفوات محله، فلا يعود له وإن قرب الفصل؛ لعدم عذره.
(وكذا) يفوت بالسلام (ناسيًا إن طال الفصل) عرفًا بين السلام والترك للسجود بأن مضى قدر ركعتين خفيفتين؛ لتعذر البناء بالطول كالمشي على نجاسة وفعل أو كلام كثير، بخلاف استدبار القبلة فسومح فيه؛ لسقوط الاستقبال في نحو نفل السفر، وبخلاف كلام قليل كما مر وكذا يفوت بعدم إرادته عند تذكر تركه وإن أراده بعد؛ لإعراضه عنه.
(فإن) سلم ناسيًا ولم يعرض عنه، و(قصر) الفصل بين السلام والترك (.. عاد) أي: ندب له العود (إلى السجود) بلا إحرام إن لم يطرأ مناف للصلاة بعد السلام، كخروج وقت جمعة؛ للاتباع.
(و) إذا عاد إليه، بأن وضع جبهته بالأرض بنية العود، كما قاله (حج)، وكذا إن نواه وإن لم يشرع فيه كما في "النهاية" (صار عائدًا إلى الصلاة) أي: بان أنه لم يخرج منها؛ لاستحالة حقيقة الخروج منها ثم العود إليها، وأن سلامه وقع لغوًا؛ لعذره بكونه لم يأت به إلا ناسيًا ما عليه من السهو، فيحتاج لسلام ثان.
وتبطل بطرو مناف كحدث بعد العود، وتصير الجمعة ظهرًا إن خرج وقتها بعد العود، ويحرم العود إن ضاق الوقت بحيث يخرج بعضها، وما ذكر من العود يؤيد القول بالبناء على ما مضى بكل مناف للصلاة عارض بغير اختياره، كما هو مذهب الحنفية.
تنبيه: قد يتعدد سجود السهو صورة في صور منها: المسبوق، وخليفة الساهي، ومن ظن سهوًا فسجد فبان عدمه .. فيسجد، وما لو سها إمام الجمعة أو المقصورة فسجدوا، ثم خرج الوقت قبل سلامه، أو بطلت صلاة بعضهم بعد السجود ولو بعد
[ ٣٠٣ ]