(اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت) أي: لا لغيرك (خشع لك سمعي وبصري) قدم السمع على البصر؛ لأنه أفضل، والمراد بهما محلهما؛ ليناسب ما بعده (ومخي وعظمي وعصبي، ومااستقلت به قدمي) مفرد مؤنث، والمراد جملته، فهو من عطف العام على الخاص (لله رب العالمين) تأكيدٌ لقوله: لك؛ وذلك للاتباع، والإتيان بـ"اللهم .. إلخ" مع ثلاث من التسبيح أفضل من مجرد أكمل التسبيح، وبمثله يقال في السجود، ويسن فيه كالسجود زيادة: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، سبوح قدوس، رب الملائكة والروح".
وتكره القراءة في غير القيام؛ للنهي عنها، ما لم يقصد بها الذكر وحده.
* * *
(فصل: ويسن) لكل مصل (إذا رفع رأسه) أي: عند ابتداء رفع رأسه (للاعتدال أن يقول) مع رفع يديه: (سمع الله لمن حمده) على ما مر (فإذا استوى قائمًا .. قال: ربنا لك الحمد) أو: ربنا ولك الحمد، أو: اللهم ربنا لك أو: ولك الحمد، أو: الحمد لربنا، وأفضلها الأول، ويندب أن يزيد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وإن يزيد (ملء) بالرفع صفة للحمد، وبالنصب حالًا منه، والأحسن من ضميره المستتر في الخبر (السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد) أي: بعدهما، كالكرسي والعرش وغيرهما مما يعلمه الله تعالى، وذلك بتقدير كون الحمد جسمًا، ويسن هذا حتى للإمام مطلقًا، كما في "التحفة"، وفي "الإيعاب": (يقتصر إمام غير محصورين على ربنا لك الحمد).
(ويزيد المنفرد وإمام محصورين رضوا) بشروطهم السابقة ولو في اعتدال يقنتان فيه، كما في (ب ج) عن (ح ل)، لكن في "التحفة" وغيرها: أنه لا يزيد على (من
[ ٢٢٨ ]
شيء بعد) في ذلك (أهل) أي: يا أهل، أو أنت أهل (الثناء) أي: المدح (والمجد) أي: العظمة والكرم (أحق ما قال العبد) أي: قول العبد، أو ما قاله، وأحق مبتدأ، وقوله: (وكلنا لك عبد) اعتراض، وخبر (أحق) قوله: (لامانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد) بفتح الجيم أي: صاحب الغنى والمال، أو الحسب والنسب (منك الجد) أي: عندك جده، وإنما ينفعه عندك رضاك ورحمتك.
(و) يسن لإمام ومنفرد ومأموم لم يسمع قنوت إمامه (القنوت في اعتدال ثانية الصبح) وركعة وتر نصف رمضان الثاني بعد ذكر الاعتدال على ما مر؛ للخبر الصحيح عن أنس: "ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا". ونقل البيهقي العمل بمقتضاه عن الخلفاء الأربعة، وصح عن أكثر الطرق فعله للنازلة بعد الركوع، فقسنا عليه هذا.
وجاء بسند حسن فعل أبي بكر وعمر وعثمان له بعد الركوع، ولخبر الحسن: (علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر أي قنوته وهي اللهم اهدني) .. إلخ.
فلو قنت شافعي في غير ما ذكر .. كره وسجد للسهو، ولا يوافق المأموم الإمام لو فعله، بل ينتظر في السجود إن أطاله، ولو قنت قبل الركوع .. لم يجزه في الأصح، ولا تبطل الصلاة به في الأصح، ويحصل أصل سنته بآية فيها دعاء إن قصده وحده؛ لكراهة القراءة في غير القيام، وبدعاء ولو بدنيوي وغير مأثور.
ويشترط في بدله كونه دعاء، قال (م ر): وثناء، كـ (اللهم اغفر لي يا غفور).
(وأفضله: اللهم اهدني) أي: دلني دلالة موصلة إلى المقصود (فيمن) أي: مع من (هديت وعافني) من محن الدنيا والآخرة (فيمن) أي: مع من (عافيت) من ذلك (وتولني) أي: قربني إليك، أو انصرني في جميع أحوالي (فيمن توليت) أي: مع من قربته أو نصرته؛ أو مع من قربته ونصرته؛ بناءً على جواز استعمال المشترك في معنييه (وبارك لي فيما أعطيت) أي: أعطني إياه (وقني شر ما قضيت) أي: القضاء، أو
[ ٢٢٩ ]
المقضي، فـ (ما) على الأول: مصدرية، وعلى الثاني: موصلة.
والمراد وقني ما يترتب على القضاء، أو المقضي من الشر الذي هو كسبي، كالتضجر من القضاء مطلقًا، أو من المقضي الذي ليس بمنهي عنه كالفقر.
أمَّا (القضاء)، وهو: الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء، والمقضي الذي تعلقت إرادة الله به .. فلا يمكن أن يقيه منه؛ إذ لابد من وقوعه.
قال بعض العارفين: اللهم لا نسألك دفع ماتريد، ولكن نسألك التأييد فيما تريد.
ويجب الرضا بالقضاء مطلقًا؛ لأنه حسن بكل حال.
وأمَّا المقضي: فإن كان واجبًا أو مندوبًا .. وجب الرضا به، أو مباحًا .. أبيح، أو حرامًا أو مكروهًا .. حرم الرضا به، وإن كان من ملائمات النفوس أو منافراتها كالصحة والسقم .. سن الرضا به.
(فإنك تقضي) أي: تحكم على جميع الخلق (ولا يقضى) أي: ولا يقضي أحد منهم (عليك، وإنه) زيادة الواو فيه كالفاء في (فإنك) أخذت من ورودهما في قنوت الوتر (لا يذل) بفتح الياء، وفي رواية بضمها وفتح الدال (من واليت) أي: واليته (ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا) أي: تزايد خيرك وبرك، وهي كلمة تعظيم مختصة به تعالى، ولا يستعمل منها غير الماضي (وتعاليت) كالتفسير لما قبله (فلك الحمد على ما قضيت) أي: على قضائك، فالحمد عليه ثناء بجميل، أو على مقضيك، ومنه جميل، كالعافية والخصب والطاعة، والحمد عليه ظاهر؛ لأنه ثناء بجميل، ومنه غير جميل، كالآلام والمعاصي، والحمد إنما يكون على جميل.
ويجاب بأن جميع مقضياته تعالى بالنظر إليه جميلة وحسنة قطعًا، وإنما يوصف بعضها بالقبح وبكونه شرًا ومعصية عند إضافته للعبد، ويصح الحمد على المؤلم نفسه بالنظر إلى ترتب الثواب عليه (أستغفرك وأتوب إليك) وهذا كله وارد من روايات متعددة.
قال المدابغي: (ولو ترك: فلك الحمد .. إلخ لا يسجد للسهو؛ لسقوطه في أكثر الروايات).
(ويأتي الإمام) فيه (بلفظ الجمع)؛ لصحة الخبر بذلك، ولا يأتي في المنفرد،
[ ٢٣٠ ]
فتعين حمله على الإمام؛ للنهي عن تخصيص نفسه بالدعاء في خبر الترمذي، وهو "لا يؤم عبد قومًا، فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل .. فقد خانهم".
وفي "التحفة": وقضيته: أن سائر الدعاء كذلك، ويتعين حمله على ما لم يرد عن ﷺ وهو إمام بلفظ الإفراد، وهو كثير، بل قال ابن القيم: إنَّ أدعيته كلها -أي: غير القنوت- وردت كذلك، ويتجه أنه إن اخترع دعوة .. كره الإفراد، وإلا .. اتبع الوارد، وبه يرتفع الخلاف.
(ويسن الصلاة على النبي ﷺ)؛ لصحتها في قنوت الوتر الذي علمه ﷺ للحسن بن علي، ويسن كونها (آخره) أي: القنوت، حتى لو جمع بين قنوت الحسن المتقدم، وقنوت عمر المشهور، جعلها آخرهما لا أوله ولا وسطه وإن سنت فيهما في غيره؛ اتباعًا للوارد، وجزم في الأذكار: بسن السلام، وبسن الصلاة على الآل، ويقاس بهم الصحب كما في "التحفة".
وقاس الصلاة -أي: والسلام- على الآل والصحب في "النهاية" بالصلاة والسلام على النبي.
وفرق في "التحفة" بين سَنَّ ذكر الآل في القنوت دون التشهد الأول؛ بأن القنوت محل دعاء، فناسب ختمه بالدعاء لهم، بخلاف التشهد الأول، ونقل ابن علان في "شرح الأذكار" في "باب أذكار الخروج من بيته" -عند قول المصنف: ويستحب أن يقرأ "لإيلاف قريش"- عن أبي الحسن البكري، والأشخر: أن للذكر من الأصول العامة ما يقتضي عدم التحجر فيه، وأن زيادات العلماء -أي: في القنوت ونحوه من الأذكار- يكون الإتيان بها أولى، وأنها من البدع الداخلة في حيز المسنون.
وقول ابن الفركاح: (ما اعتيد من زيادة الآل والأصحاب .. لا أصل له) يرد: بأن مبني على تعيين الوارد وعدم التوسع فيه، وهو خلاف الأظهر. اهـ، وهذا أصل عظيم.
وعليه فالإتيان بالعظيم بعد الجلالة في (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه) بعد المكتوبات، داخل في حيز المسنون وإن لم يرد إلا بعد الصبح والعصر، كما قاله أبو رجاء؛ لمناسبته، ولوروده في الجملة.
وفي "العباب": (فرع: لو قرأ المصلي آية فيها اسم محمد ﷺ .. ندب له الصلاة عليه في الأقرب بالضمير كصلى الله عليه وسلم، لا اللهم صلي
[ ٢٣١ ]
على محمد؛ للخلاف في بطلان الصلاة بنقل ركن قولي) اهـ
ونقله (سم) عنه، وسلطان عن "الأنوار" وأقراه وعليه: فتندب الصلاة على الأنبياء عند ذكرهم، كما في (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) [الأعلى:١٩] وإن أتى بالاسم الظاهر؛ إذ الصلاة على غير نبينا ﷺ ليست ركنًا، لكن في "التحفة"، و"النهاية": أنها لا تسن، وحمله في "الإيعاب" على الإتيان بما هو على صورة الركن، ويظهر أن ما ذكر من سن الصلاة على الصحب وإلحاقهم بالآل، إنما هو في مجرد السنية، لا أنه بعض؛ إذ لم يذكر ذلك في سجود السهو من الأبعاض، ثم رأيت (حج)، و(سم) في سجود السهو ذكرا: أنه من الأبعاض، وبه يتأيد ما سيأتي أن بعضهم جعل الأبعاض عشرين، فجعل ذلك والسلام من الأبعاض، وهو ظاهر الإلحاق.
(و) يسن (رفع اليدين) مكشوفتين إلى السماء (فيه) أي: في جميع ما مر من القنوت والصلاة والسلام؛ للاتباع، وفارق نحو دعاء الافتتاح بأن ليديه وظيفةً ثمَّ لا هنا.
ومنه يعلم رد ما قيل: إنه يجعل يديه تحت صدره في الاعتدال.
وبَحْثُ أنه حال رفعهما ينظر إليهما؛ لتعذره حينئذٍ إلى موضع سجوده، محلُّه إن ألصقهما، وهو -ما في "فتاوى م ر"، و"مختصر الإيضاح" لعبد الرؤوف- أولى.
وقال (حج)، و(م ر): يتخير بين إلصقهما، وتفريقهما.
وسن لمن دعا بتحصيل شيء أن يجعل بطن كفيه إلى السماء وإن دعا برفعه .. جعل ظهر كفيه إليها.
وهل يقلب كفيه في القنوت عند (وقني شر ما قضيت)؟ قال (م ر): نعم، ووالده في "فتاويه": لا، أي: لأن الحركة في الصلاة غير مطلوبة، ولا يرفع يده المتنجسة فيكره، ولا يمسح وجهه بيده في الصلاة وإن سن بعد الدعاء خارجها.
(و) يسن (الجهر به) أي: بما مر من القنوت ولو الثناء والصلاة والسلام (للإمام) في الجهرية والسرية كمقضية نهارًا، ليسمع المأموم فيؤمن؛ للاتباع، لكن دون جهر القراءة، ما لم يكثر المأمومون .. فيرفع قدر ما يسمعهم.
أما منفرد ومأموم سن له .. فيسران به مطلقًا عند (حج)، وعند (م ر): يجهر
[ ٢٣٢ ]
بقنوت النازلة المنفرد كالإمام (وتأمين المأموم) إن سمع إمامه (للدعاء) منه؛ للاتباع، ومنه الصلاة على النبي وآله وصحبه.
نعم؛ الأكمل أن يشاركه فيها، ثم يؤمن بعدها (ويشاركه في الثناء) سرًا -وهو من (فإنك تقضي) - أو يستمع، أو يقول: أشهد، أو صدقت وبررت، كما في "النهاية"، لكن في "التحفة": لا نحو صدقت، وزَعمُ أن ندب المشاركة اقتضت المسامحة -وأن هذا لا يقاس بإجابة المؤذن بذلك؛ لكراهتها في الصلاة- لايصح إلا لو صح في خبرٍ أنه يقول ذلك وحيث لم يصح، بل لم يرد، أبطل على الأصل في الخطاب، وهذا إن سمع قنوت إمامه.
(ويسن قنوته) لنفسه سرًا ولو في نازلة (إن لم يسمع قنوت إمامه) لنحو صممه أو بعده، أو سمع صوتًا لم يفهمه، أو فهم منه ما ليس بمفيد (ويقنت) من مرَّ ايضًا ندبًا (في) اعتدال الركعة الأخيرة من (سائر المكتوبات للنازلة) إذا نزلت بالمسلمين، العامة كقحط وخوف من عدو وجراد ومطر مضر بنحو زرع، والخاصة التي في معنى العامة، كأسر عالم وشجاع؛ لتضرر المسلمين بفقدهما؛ لما صح: (أنه ﷺ قنت شهرًا يدعو على قاتلي أصحابه القراء ببئر معونة)؛ لدفع تمردهم، لا لتدارك المقتولين؛ لتعذره، وقيس غير خوف العدو عليه.
وخرج (بالمكتوبة): النقل والمنذورة وصلاة الجنازة، بل يكره في الجنازة؛ لبنائها على التخفيف، وبـ (النازلة): القنوت من غير نازلة، فيكره.
وبحث في "التحفة": أنه يأتي فيه بقنوت الصبح، ثم يأتي بسؤال رفع النازلة، فإن كان جدبًا .. دعا ببعض ما ورد في صلاة الاستسقاء، ولعله أراد الأكمل، وإلا فلو اقتصر على سؤال رفع تلك النازلة .. أجزأ.
وأفتى ابن زياد بأنه لو اقتصر في قنوت النازلة على قنوت الصبح .. لم يكف.
ولا يضر تطويل الاعتدال بالقنوت المشروع ولو لنازلة، خلافًا للريمي في قوله: إن تطويله بقنوت النازلة مبطل، بل لا يضر تطويل اعتدال الركعة الأخيرة ولو بغير قنوت عند (حج)، قال: لأنه محل التطويل في الجملة.
* * *
[ ٢٣٣ ]