(فصل: في سنن الصلاة) أي: بعض سننها؛ إذ لم يذكر جميعها؛ لأنها كثيرة جدًا.
والسنن: جمع سنة، وهي لغة: الطريقة ونحوها.
وشرعًا: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.
وتسمى بعضًا إن جبر تركها بالسجود، وإلا .. فهيئة.
والمراد هنا ما يشملهما، وبـ (الصلاة) الفرض والنفل.
(ويسن) لذكر مستور تفرقه بين قدميه قدر شبر، ولغيره ضمها، ولكل (التلفظ بالنية) أي: المنوي السابق فرضه كقصد الفعل ونفله كعدد الركعات (قبيل التكبير)؛ ليساعد اللسانُ القلبَ، ولأنه أبعد عن الوسواس، وخروجًا من خلاف من أوجبه في كل عبادة لها نية -وإن شذ- قياسًا على الحج.
(واستصحابها) ذُكرًا -بضم أوله- بقلبه إلى فراغها؛ لأنه معين على الحضور، وأبعد عن الوسواس والشك.
أمَّا استصحابها حكمًا بأن لا يأتي بما ينافيها من نحو قطع .. فواجب في جميعها.
(ورفع اليدين) ولو مضطجعًا، وامرأة إجماعًا؛ للأحاديث الصحيحة.
قال الشرقاوي: والسنة تحصل بأي رفع.
والأكمل أن ينظر أولًا إلى موضع سجوده، ويطرق رأسه قليلًا، ثم يرفع يديه (مع إبتداء) همزة (تكبيرة الإحرام).
(و) أن تكون (كفه) أي: كل منهما (مكشوفة)؛ لكراهة سترهما إلا لعذر.
ويظهر أن منه سترَ المرأة كفيها خوفًا من أن يظهر شيء مما يجب ستره من يديها، سيما عند رفعهما في نحو ركوع.
ومتوجهة ببطنها (إلى الكعبة) أو بدلها.
(ومفرجة الأصابع) تفريجًا وسطًا؛ ليكون لكل عضو استقلال بالعبادة، وأن يميل عند (م ر) أطرافها نحو القبلة؛ ليحصل محاذاة أطراف الأصابع لأعلى أذنيه.
[ ٢١٦ ]
(و) أن يكون رفعه (محاذيًا بإبهاميه) أي: بروؤسهما (شحمة أذنيه) وبروؤس بقية الأصابع أعلى أذنيه، وبكفه ومنكبيه.
وهذه الكيفية جمع بها الشافعي بين الروايات المختلفة في ذلك.
(وينهي رفع اليدين) بهيئتهما المذكورة (مع آخر التكبير) على المعتمد، ولو فعل بعض ما ذكر .. أثيب عليه، وفاته الأكمل.
(ويرفع) أيضًا (يديه) والأكمل كونهما بهيئتهما المذكورة السابقة في رفع التحرم.
(عند الركوع) بأن يبدأ به قائمًا مع ابتداء تكبيرة الإحرام، فإذا حاذى كفاه منكبيه .. انحنى مادًّا التكبير إلى استقراره في الركوع؛ لئلا يخلو جزء من صلاته من ذكر، وكذا سائر الانتقالات حتى في جلسة الاستراحة، كما يأتي.
(و) عند (الاعتدال) يرفع يديه، والأكمل كونهما بهيئتهما في التحرم، وكون الرفع مع ابتداء رفع رأسه إلى انتصابه، فإذا انتصب قائمًا .. أرسل يديه.
وقيل: يجعلهما تحت صدره كالقيام.
(و) عند (القيام من التشهد الأول) فيرفع يديه كما مر؛ للاتباع.
أمَّا في الأولين .. فلثبوته من رواية نحو خمسين صحابيًا، كما في "الأشباه" للسيوطي.
بل قال ابن خزيمة وغيره بوجوبه.
وأمَّا الثالث .. فلثبوته في "صحيح البخاري"، وغيره.
وزاد بعضهم: الرفع من القيام من السجود، وقيده بعضهم، كما قاله الشرقاوي بمن قام من جلسة الاستراحة.
وقد بينت ذلك في "الأصل" وذكرت صحة الحديث به، وشمول بعض نصوص الشافعي له.
(فإذا فرغ من) تكبير (التحرم .. حط يديه) من انتهاء التكبير؛ لكراهة استدامة الرفع حينئذٍ (تحت صدره) وفوق سرته، وكذا إذا قام من التشهد الأول ومن السجود على
[ ٢١٧ ]
القول به (وقبض بكف) يده (اليمنى) وبأصابعها (كوع) يده (اليسرى) وهو العظم الذي يلي إبهام اليد (وأول الساعد) وبعض الرسغ، وهو المفصل بين اليد والساعد، وقد نظم بعضهم ذلك فقال:
وعظمٌ يلي الإبهام كوعٌ وما يلي لخنصره الكرْسُوع والرسغُ ما وسط
وعظمٌ يلي إبهام رجل ملقبٌ ببوعٍ، فخذ بالعلم واحذر من الغلط
وحكمة ذلك: أن يكون فوق أشرف الأعضاء، وهو القلب، الذي هو محل النية والإخلاص والخشوع؛ إذ من خاف على شيء .. وضع يده عليه.
وقيل: يبسط أصابعها في عرض المفصل، أو ينشرها صوب الساعد.
ولو ترك الرفع عمدًا أو سهوًا أول التكبير .. رفع أثناءه لا بعده؛ لزوال سنه حينئذٍ.
(و) يسن أيضًا للمصلي (نظر موضع السجود) أي: سجوده في جميع صلاته ولو صلاة جنازة، والأعمى ومن في ظلمة تكون حالتهما كحالة الناظر لمحل سجوده؛ لأنه أقرب إلى الخشوع (إلا عند الكعبة) .. فينظرها على ما قاله الماوردي، والمعتمد: أنه ينظر محل سجوده.
(وإلا عند قوله) في تشهده (إلا الله .. فينظر) ندبًا، كما في خبر صحيح (مسبحته) -بكسر الباء- عند الإشارة بها ولو مستورة مادامت مرتفعة، وذلك إلى القيام في الأول، وإلى السلام في الأخير.
(و) ويسن، وقيل: يجب أن (يقرأ) في غير صلاة الميت ولو على القبر أو غائبًا (دعاء الاستفتاح) سرًا (عقب) أي: بعد (تكبيرة الإحرام) بأن لا يفصل ذكرغير مشروع بينهما إلا بسكتة يسيره؛ للاتباع، إلا لمن أدرك الإمام في غير القيام، فلا يسن له -نعم؛ يسن لمن سلم إمامه قبل أن يجلس- وإلاَّ لمن خاف فوت بعض الفاتحة أو بعض الوقت بحيث يخرج بعض الصلاة عنه لو أتى به، لكن يرد على الأخير ما مر قبيل فصل (ومن جهل الوقت).
[ ٢١٨ ]
ومثله: التعوذ في غير الأول.
وإلا لمن شرع في التعوذ أو القراءة.
وورد فيه ادعية كثيرة أفضلها: "وجهت وجهي .. إلخ" إلا أنه يقول: وأنا من المسلمين، بدل: وأنا أول المسلمين.
ولا يزيد إمام عليه أن أتى به إلا إن أمَّ محصورين بمحل غير مطروق، وقد رضو بالتطويل، ولم يطرأ غيرهم وإن قل حضوره، ولا تعلق بعينهم حق، كأجراء إجارة عين على عمل ناجز، وأرقاء وحليلات.
(ومنه) أيضًا (الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا) ومنه أيضًا: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وغير ذلك.
(ويفوت) ندب دعاء الافتتاح (بالتعوذ) أي: بالشروع فيه، أو في القراءة ولو سهوًا.
(وبجلوس المسبوق مع الإمام)؛ لفوات محله (لا بتأمينه معه) أي: مع الإمام؛ لأنه يسير.
(و) يسن (التعوذ) للقراءة بعد الافتتاح، وتكبيرات صلاة العيد إن أتى بهما ولو في صلاة جهرية، وكونه في الصلاة (سرًا) ولو في صلاة جهرية كسائر الأذكار.
أمَّا خارجها .. فيجهر به للفاتحة وغيرها إن جهر به و(قبل القراءة) فيفوت بالشروع في البسملة لا بالتكبيرات.
وإنما يسن بشروط دعاء الافتتاح السابقة، لكنه يخالفه في أنه يسن في صلاة الجنازة، ولمسبوق جلس مع إمامه بعد قيامه.
و(في كل ركعة) وفي كل من قيامات الكسوف، وهو في الأولى آكد، لا للقراءة بعد القيام من سجدة التلاوة؛ لقرب الفصل.
قال في "التحفة": (أخذ منه أنه لا يعيد البسملة أيضًا وإن كان السنة لمن ابتدأ من أثناء سورة غير براءة أن يبسمل، وكسجود التلاوة كل ما يتعلق بالقراءة، بخلاف ما إذا سكت إعراضًا، أو تكلم بأجنبي وإن قل كرد سلام، وألحق بذلك إعادة السواك) اهـ
[ ٢١٩ ]
وقيد (م ر) ندب التعوذ والتسمية في أثناء السورة بخارج الصلاة.
ومفهومه: أنه لا يتعوذ ولا يبسمل لأثناء السورة في الصلاة، وقرره بعضهم، وعلى ما مر عن "التحفة". فالبسملة في أثناء السورة ليست قرآنًا؛ إذ لا بسملة هناك، فيسر بها مطلقًا في الصلاة كالتعوذ.
وأفضل صيغ التعوذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والافتتاح أفضل منه؛ للقول بوجوبه.
(و) يسن -ولو خارج الصلاة، وفيها آكد سواء الإمام والمنفرد والمأموم لقراءته وقراءة إمامه الذي سمع من آخر فاتحته جملة مفيدة- (التأمين) أي: قول آمين، بمعنى استجب، مخففة الميم مع المد أفصح منه مع القصر، فإن شدد الميم على معنى قاصدين إليك يا رب وأنت أكرم من أن تخيب قاصدًا .. لم يضر، وإلا .. بطلت صلاته.
وإنما يسن (بعد فراغ) قراءة (الفاتحة) أو بدلها؛ للخبر الصحيح: "إذا قال الإمام: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّآلِّينَ) [الفاتحة:٧] .. فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة -أي: في الزمن، وقيل: في الإخلاص- غفر له ما تقدم من ذنبه"، أي: من الصغائر، بل قيل: ومن الكبائر.
تنبيه: عبر المصنف بـ (عقب الفاتحة)، وهو يفيد فوت التأمين بالتلفظ بغيره بعد (وَلا الضَّآلِّينَ)، وبالركوع ولو سهوًا فيهما، وكذا بسكوت طويل عند (حج).
نعم؛ يسن بعد (وَلا الضَّآلِّينَ)، وقبل "آمين" كما في الخبر: "رب اغفر لي".
قال السيد عمر البصري: (فإن زاد: ولوالدي ولجميع المسلمين .. لم يضر) اهـ
وهو مساوٍ لقول غيره: لا بأس بذلك، أي أنه لا مسنون ولا مكروه.
وندب لكل أحد سكتة لطيفة بين آخر (الفاتحة) و"آمين"، وحسن بعدها زيادة "رب العالمين".
والأفضل: تأمين المأموم مع تأمين إمامه؛ ليوافق تأمين الملائكة وإن وصل التأمين بالفاتحة، ولأن التأمين لقراءة إمامه وقد فرغت، فالمراد من خبر: "إذا أمن الإمام .. فأمنوا" إذا أراد أن يؤمن.
ولا يسن تحري موافقته إلا في هذا، فإن فاتته المقارنة .. أمَّن عقبه وإن شرع في
[ ٢٢٠ ]
السورة، ولو أخره عن زمنه المسنون .. آمن قبله؛ اعتبارًا بالمشروع.
ووقضيته: أنه لو جهر به في السرية .. لايؤمن لقراءته، واعتمده في "الأسنى"، لكن في "التحفة"، و"النهاية" خلافه.
ولو فرغا من الفاتحة معًا .. كفى تأمين واحد، وإلا .. أمَّن لكل.
وقضية كلامهم: عدم ندبه لغير المأموم وإن سمع، كما في "التحفة".
(و) يسن للمأموم وغيره (الجهر به في الجهرية) على الأظهر في المأموم، وقطعًا في غيره؛ لما صح: أن ابن الزبير كان يؤمن هو ومَنْ وراءه بالمسجد حتى إن للمسجد للجة.
ولما صح عن عطاء: أنه أدرك مئتي صحابي بالمسجد الحرام يرفعون أصواتهم بالتأمين، وقيس بما فيهما: المنفرد.
فائدة: يجهر المأموم خلف الإمام في تأمينه؛ لتأمينه، ولدعائه في القنوت، وفي فتحه عليه، وتنبيهه، وفي نحو سؤال الرحمة عند قراءة آيتها، والجهر بتكبيرات الانتقالات إذا كان مبلغًا.
(و) يسن (السكوت) بين التحرم والافتتاح، وبينه وبين التعوذ، وبينه وبين البسملة.
و(بين آخر "الفاتحة" وآمين، وبين آمين والسورة) إن قرأها، وبين آخرها والركوع؛ ليتميز آمين عن القراءة، وإلا .. فبين آمين والركوع.
(و) كلها بقدر سبحان الله، إلا التي بين آمين والسورة (يطولها الإمام) ندبًا (في الجهرية بقدر "الفاتحة") التي يقرأها المأموم إن ظن قراءة المأموم لها؛ ليتفرغ لسماع قراءة الإمام، ويشتغل في سكوته هذا بذكرٍ أو قراءة، وهي أولى إن رتب ووالى.
وندب: كون قراءة الأولى أطول من قراءة الثانية (و) سكتة لطيفة (بعد فراغ السورة) على ما مر.
ويندب وصل البسملة بالحمدلة للإمام وغيره؛ لما ورد: (أن من فعل ذلك .. غفر له، وقبلت حسناته، وتُجُوِّز عن سيئاته، وأعيذ من عذاب النار وعذاب القبر وعذاب يوم القيامة، ومن الفزع الأكبر).
[ ٢٢١ ]
قال في شرحي "الإرشاد": نعم؛ الوقف على رؤوس الآي أفضل؛ للاتباع.
(و) يسن في سرية وجهرية -فرض ونفل لإمام ومنفرد ومأموم وسيأتي أنه إذا سمع قراءة إمامه .. لا يقرأ ذلك- (قراءة شيء من القرآن) ولو بعض آية مفهمًا.
قال (سم): (لا يبعد التأدي بنحو الحروف في أوائل السور كـ: (ألم) و(ص)، بناء على أنه مبتدأ حذف خبره، أو عكسه، ولاحَظَ ذلك، والظاهر: أنه على هذا آية، غايته أنه حذف بعضها، وهو لا ينافي إفادتها) اهـ
نعم؛ إنما تندب لغير جنب فقد الطهورين؛ لحرمة غير (الفاتحة) عليه.
والأفضل: ثلاث آيات فأكثر، وسورة كاملة أفضل من البعض من طويلة إن ساواها، وكذا إن كان أطول منها عند (حج)، قال: للاتباع الذي قد يربو فضله على زيادة الحروف.
نعم؛ البعض الوارد أفضل من سورة كاملة غير واردة، كما في التراويح.
ويحصل أصل السنة بتكرير سورة في الركعتين وبالبسملة لايقصد أنها التي أول الفاتحة.
وإنما يسن ذلك: (بعد "الفاتحة") فإن قدمه عليها .. لم يحسب، وكونه (غير "الفاتحة") فلو كرر الفاتحة .. لم يكف إن حفظ غيرها.
وإنما يسن (في الصبح) ونحوها من كل صلاة ثنائية، كجمعة وعيد وسنة صبح.
(و) في (الأولتين من سائر الصلوات) المكتوبة الزائدة على الركعتين، كمغرب وظهر.
وفيما قبل تشهد أول من النوافل؛ للاتباع في المكتوبة، وقيس غيرها بها، فلا يسن في غير ذلك -لكن ثبتت قراءته صلى الله عيه وسلم في غير الأولتين أيضًا، والمثبت مقدم على النافي- ولا فيما بعد تشهد أول مطلقًا، ولا فيما بعد الأولتين من المكتوبة وإن لم يقرأ التشهد الأول.
نعم؛ يقرأ ذلك في أخيرة الوتر مطلقًا، وفيما لو فرغ المأموم من فاتحته قبل ركوع الإمام؛ إذ السكوت غير مطلوب في الصلاة إلاَّ للإنصات للإمام والمسبوق الذي فاتته
[ ٢٢٢ ]
السورة دون شيء من الفاتحة، فيقضيها فيما يأتي به من الركعات كما يأتي (إلا المأموم إذا سمع) قراءة (الإمام) وميَّز حروفها ولو في صلاة سرية، فلا يسن له ذلك؛ وذلك للنهي عن قراءة ذلك خلف الإمام.
(وسورة كاملة أفضل من البعض) من طويلة وإن كان أطول منها؛ وفاقًا لـ (حج)، كما مر؛ للاتباع، ولاشتمالها على مبدأ ومقطع ظاهرين.
(و) يسن (تطويل قراءة الركعة الأولى) على الثانية بأن تكون على النصف من الأولى أو قريبة منه؛ للاتباع، ولأن النشاط فيها أكثر.
نعم؛ لو ورد تطويل الثانية، كما في: (سبح) و(الغاشية) في الجمعة .. اتبع.
ويسن كون ما يقرأه فيهما سرًا وجهرًا مرتبًا إن أمكن، وإلا كما في (سبح) و(الغاشية) .. فالأولى أن يأتي في سكتة الثانية بذكر، وأفضل منه يقرأ فيها بعض (الغاشية) سرًا، ثم يقرأها كلها جهرًا، ولو تعارض الترتيب وتطويل الأولى، كأن قرأ في الأولى: (الإخلاص) .. فهل يقرأ في الثانية (الفلق) نظرًا للترتيب، أو (الكوثر) نظرًا للتطويل؟ والأقرب الأول، وأفضل منه أن يقرأ فيها بعض (الفلق)؛ ليجمع بين الترتيب والتطويل.
ولو لم يسمع قراءة الإمام .. سن له -وكذا في أولتي السرية- أن يسكت بقدر قراءة الإمام جميع فاتحته إن ظن إدراكها قبل ركوعه، وحينئذٍ يشتغل بدعاء أو ذكر لا بقراءة؛ لكراهة تقديمها على الفاتحة.
ولو علم أنه لا يمكنه قراءة الفاتحة بعد تأمينه مع الإمام .. سنَّ له أن يقرأها معه، ولا يجب.
(و) سن (الجهر) بالقراءة في الصلاة الجهرية لغير مأموم؛ لكراهته في غير ما مر عليه، و(لغير إمرأة) وخنثى (بحضرة) الرجال (الأجانب)؛ لكراهته لهما حينئذٍ؛ لخوف الفتنة، ويندب لهما في الخلوة وبحضرة المحارم والنساء، لكن دون جهر الرجل.
وإنما يسن جهر من ذكر: (في) أداء (ركعتي الصبح، وأولتي العشاءين)
[ ٢٢٣ ]
العشاء على المغرب (و) في (الجمعة حتى ركعة المسبوق) التي بها (بعد سلام إمامه، وفي العيدين) أداءً وقضاءً (و) في (الاستسقاء) ولو نهارًا (والخسوف) للقمر (و) أداء (التراويح والوتر بعدها) -أي: في رمضان، سواء أصلي التراويح قبلها، أم بعدها، أم لم يصلها- وركعتي طواف وقعت وقت جهر؛ للأحاديث الصحيحة في أكثر ذلك، وقياسًا في الباقي.
أمَّا القضاء .. فالعبرة فيه بوقته، فإن قضى ليلًا .. جهر ولو في النفل، أو نهارًا .. أسر إلا العيدين .. فيجهر فيهما مطلقًا؛ لورد الجهر بهما في النهار الذي هو محل الإسرار، وإلا ركعتي الفجر ووتر غير رمضان ورواتب العشاءين .. فيسر فيها مطلقًا؛ لورود الإسرار فيها في محل الجهر، فيستصحب.
والمراد بالليل من غروب الشمس إلى طلوعها، فيشمل وقت الصبح، وبالنهار ما عدا ذلك، فلو صلى ركعة من الصبح قبل طلوعها ثم طلعت .. أسر في الثانية وإن كانت أداء.
(و) يسن (الإسرار في غير ذلك) أي: في غير ما طلب الجهر فيه مما مر فإن أسر في جهرية أو عكسه بلا عذر .. كره.
نعم؛ إن شوش على نحو نائم .. أسر، كما في: "التحفة" وغيرها.
وإطلاق ذلك يشمل أنه يسر حتى في الفرائض، لكن قال (ع ش) على "شرح المنهج": (قضية تخصيص هذا التقييد، أي: تقييد الجهر بمن لم يشوش بالتوسط في نوافل الليل المطلقة أنَّ الجهر لا يترك فيما طلب فيه لذاته، كالعشاء فلا يترك لهذا العارض) اهـ
وسيأتي أن التشويش مكروه إن خف، وإلا .. حرم.
(والتوسط في نوافل الليل المطلقة بين الجهر والإسرار) بأن يجهر تارة، ويسر أخرى كما ورد كذلك في صلاة الليل (وقصار المفصل في المغرب) ولو لإمام غير محصورين، وسمي مفصلًا؛ لكثرة الفصول فيه بالبسملة بين السور، أو لقلة المنسوخ فيه.
(وطواله) بكسر الطاء، وضمها (للمنفرد، وإمام محصورين رضوا) بالتطويل نطقًا
[ ٢٢٤ ]
عند (حج) (في الصبح، والظهر بقريب منه) أي: من طواله (وفي العصر والعشاء أوساطه)؛ للاتباع.
قال ابن معين: (طواله من "الحجرات" إلى "عم"، ومنها إلى "والضحى" أوساطه، ومنها إلى آخر القرآن قصاره). وجرى عليه المحلي، و(م ر) في "شرح البهجة"، ووالده في "شرح الزبد".
والمصنف هنا حيث مثَّل لأوساطه بقوله: (كـ"لشمس"، ونحوها) أي: في الطول، ونقل ذلك في "التحفة" بصيغة تَبَرّ، ولم يذكر غيره، والأصح: أن طواله كـ (ق)، و(المرسلات)، وأوساطه كـ (الجمعة)، وقصاره كسورتي (الإخلاص).
أمَّا إمام غير محصورين .. فيقتصر على قصاره إلا ما ورد .. فيأتي به وإن طال ولم يرضوا به.
(و) منه أنه يسن لغير مسافر إن اتسع الوقت (في أولى صبح الجمعة: "ألم تنزيل"، وفي الثانية: "هل أتى") بكمالهما؛ لثبوته مع دوامه من فعله ﵊.
والقول أنه يترك ذلك في بعض الأحيان؛ لئلا يعتقد العامة وجوبه، مخالف للوارد، ويلزم عليه ترك أكثر السنن المشهورة.
فإن ترك (ألم) في الأولى .. أتى بهما في الثانية، أو قرأ (هل أتى) في الأولى .. قرأ (ألم) في الثانية، وكذا كل صلاة سن فيها سورتان معينتان محافظة على الوارد.
ويسن أن يقطع غير المعينة ويأتي بالمعينة، والمسبوق إذا سمع قراءة "ألم" .. كان كقراءته لها، فيقرأ بعد سلام إمامه "هل أتى".
أما المسافر .. فيسن له في صبح الجمعة سورتا (الإخلاص)، بل قال الشرقاوي: (يسنان له في كل صلاة).
وأما إذا ضاق الوقت .. فيقرأ بعضهما عند (م ر)، وسورتين قصيرتين عند (حج).
[ ٢٢٥ ]
وصح: أنه ﷺ كان يقرأ في عشاء الجمعة بـ (الجمعة)، و(المنافقين)، فيسنان فيها ولو لغير محصورين -وسيأتي أنه يقرأ في العيد والإستسقاء بـ (ق) و(اقتربت)، أو (سبح) و(الغاشية) وما يقرأه في الجمعة والوتر وغيرهما .. فهو من الوارد.
ويسن أن يقرأ سورتي (الكافرون)، و(الإخلاص) في: مغرب جمعة وسنته وسنة طواف واستخارة وإحرام وتحية مسجد وضحى وزوال وإرادة سفر ونحوها وفي صبح مسافر والأخيرتين من الوتر.
(و) يسن: (سؤال الرحمة) بنحو: اللهم اغفر وارحم (عند) قراءة (آية رحمة، والاستعاذة) بنحو: اللهم أعذني من النار (عند) قراءة (آية عذاب، والتسبيح عند آية التسبيح، وعند آخر "والتين"، و) آخر ("القيامة") أن يقول: (بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، و) عند (آخر "المرسلات": آمنا بالله).
(يفعل ذلك) كله كل من (الإمام) والمنفرد لقراءة نفسه (والمأموم) لقراءة إمامه أونفسه حيث لم يسمع قراءة إمامه، وغير المصلي لكل قراءة سمعها (ويجهران) أي: الإمام والمأموم وكذا المنفرد (به) أي: بما ذكر (في الجهرية).
(و) يسن لكل مصل: (التكبير للانتقال) من كل ركن إلى ما بعده، ومن التشهد الأول إلى القيام (ومده إلى الركن الذي بعده، إلا في) رفعه إلى (الاعتدال) ولو في الثاني من قيام الكسوف (.. فيقول) ولو مأمومًا (سمع الله لمن حمده) أي: تقبل منه حمده، ويكفي من حمد الله .. سمِعَه.
والسنة الإسرار بذلك، إلا الإمام .. فيجهر به بقصد الذكر وحده، أو مع التبليغ، فإن قصد التبليغ وحده .. بطلت صلاته.
نعم؛ يعذر الجاهل، وإنما يسن الجهر بذلك؛ ليسمع المأمومون أو بعضهم،
[ ٢٢٦ ]