والسنة والتطوع والنفل والمندوب والحسن والمرغب فيه: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، فهي ألفاظ مترادفة، لكن الحسن يشمل المباح، كما في الأصول، إلا أن يكون المراد بترادفه لها بالنسبة لبعض أفراده، أو في اصطلاح الفقهاء.
(وسننه) أي: الوضوء كثيرة أورد منها في "الرحيمية" ستًا وستين، والمصنف إنما
[ ٩٧ ]
ذكر بعضها، فالحصر المشعرة به الجملة المعرفة الطرفين في كلامه إضافي.
ومنها: (السواك) مصدر ساك فاه يسوكه، وهو لغة: الدلك وآلته، وشرعًا: استعمال نحو عود في الأسنان وما حولها، وأقله مرة، إلا لتغيير .. فلا بد من إزالته، ويحتمل الاكتفاء بها لأصل السنة؛ لأنها محققة.
وهو من السنن الفعلية الداخلة فيه عند (حج)؛ إذ محله عنده بين المضمضة وغسل الكفين، فتشمله النية والتسمية.
ويسن أيضًا قبل التسمية لأجلها، لا للوضوء.
وعند (م ر) -كالمصنف- من السنن الفعلية المتقدمة عليه؛ إذ محله عندهما قبل غسل الكفين، فيحتاج لنية له قبله، ومر الكلام على السواك.
(ثم التسمية) ولو بماء مغصوب أو لنحو جنب بقصد الذكر؛ لخبر: "توضؤوا باسم الله" أي: قائلين ذلك، وصرفه عن الوجوب خبر: "توضأ كما أمرك الله" أي في آية الوضوء، ولا تسمية فيها، وخبر: "لا وضوء لمن لم يسم الله" أي: لا وضوء له كامل كـ"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد".
وأقلها: باسم الله، وأكملها: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم الحمد لله على الإسلام ونعمته، الحمد الله الذي جعل الماء طهورًا، والإسلام نورًا.
زاد الغزالي: (رب أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون) ويسن التعوذ قبلها، والشهادتان بعدها، وتكون سنة عين كما هنا، وسنة كفاية، كما في الجماع، فتكفي من أحدهما، فيقول: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، وكما في الأكل، لكن تطلب على كل إناء، وممن جاء أثناء الأكل، وكالأذان والإقامة وابتداء السلام.
والسنة أن يأتي بها (مقرونة بالنية) القلبية (مع أول غسل الكفين) فينوي بقلبه، ويبسمل بلسانه مع أول غسل الكفين.
(و) يسن (التلفظ بالنية) عقب التسمية؛ ليساعد اللسان القلب.
فالمراد من تقديم النية على غسل الكفين: تقديمها على الفراغ منه (واستصحابها)
[ ٩٨ ]
أي: النية بقلبه من أول وضوئه إلى آخره؛ لما فيه من مزيد الحضور المطلوب للعبادة ومر أن استصحابها حكمًا شرط (فإن ترك التسمية في أوله) ولو عمدًا (.. أتى بها قبل فراغه) منه، بأن لم يكمل غسل الرجلين، وكذا إن غسلهما ولم يأت بالذكر الوارد بعده ولم يطل الفصل عند (ع ش).
(فيقول: باسم الله في أوله وآخره، كما) يسن الإتيان بها (في) أثناء (الأكل والشرب) إذا تركها ولو عمدًا، وكذا بعد فراغهما على المعتمد؛ للأمر بذلك في حديث الترمذي وغيره، لكن بإسقاط لفظ: (في).
وكالأكل: كل ما فيه أفعال متعددة، كالكحل والتأليف، فمن تركها أوله .. أتى بها أثناءه إن لم يكره الكلام أثناءه كالجماع (ثم) بعد التسمية (غسل الكفين) إلى الكوعين، وكونهما معًا وإن لم يقم من النوم، ولا أراد إدخالهما الإناء، ولا شك في طهرهما (فإن لم يتيقن طهرهما) بأن تيقن نجاستهما .. حرم غمسهما في الإناء، وملاقاتهما لكل رطب؛ لحرمة التضمخ بالنجاسة.
وإن ظن ذلك أو شك فيه (.. كره غمسهما في الماء القليل) ولو في غير طهارة.
(و) في (مائع) ومس رطب بأحدهما (قبل غسلهما ثلاث مرات) في الشك في النجاسة غير المغلظة. وقبل غسلهما مرتين بعد التسبيع في المغلظة.
والمحذور وإن كان يزول بمرة في غير المغلظة، وسبع فيها .. فقد تعبدنا الله بذلك؛ لنهي المستيقظ من النوم عن غمس يده قبل غسلها ثلاثًا، وعلله بأنه: (لا يدري أين باتت يده) الدال على أن المقتضي للغسل توهم النجاسة بسبب النوم أو غيره، والشارع إذا غيا حكمًا بغاية .. لا يخرج من عهدته إلا باستيفائها، ولو غسلهما من نجاسة متيقنة مرة .. كره غمسهما قبل إكمال الثلاث.
(ثم) بعدما ذكر (المضمضة، ثم الاستنشاق)؛ للاتباع ولم يجبا؛ لما مر، وهو أفضل من المضمضة؛ لما قيل بوجوبه.
[ ٩٩ ]
وإنما قدمت المضمضة عليه؛ لأنها محل الذكر والطعام.
وأقلهما: إيصال الماء إلى الأنف والفم وإن لم يمجه، ولا أداره، وتحصل السنة.
بالفصل، كأن يتمضمض بثلاث غرفات، ثم يستنشق بثلاث أخر، أو يتمضمض بواحدة ثلاثًا، ويستنشق بأخرى ثلاثًا، وهذه أفضل، والتي قبلها أنظف، والجمع بينهما أفضل من الفصل؛ لأن رواياته صحيحة، ويحصل بغرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثًا، ثم يستنشق منها ثلاثًا، (والأفضل: الجمع بينهما بثلاث غرفات، يتمضمض من كل غرفة، ثم يستنشق بباقيها)؛ لصحة الأمر بذلك.
(والمبالغة فيهما لغير الصائم) بأن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان واللثات.
ويسن إمرار الإصبع اليسرى عليها ويمج الماء، وفي الاستنشاق يصعده بنفسه إلى خيشومه مع إدخال خنصر يساره فيه، ويزيل به ما فيه من أذى، ولا يستقصي، فإنه يصير سعوطًا، لا استنشاقًا، أي: كاملًا.
أما الصائم .. فلا يبالغ، خشية الإفطار، ومن ثم كرهت، وإنما حرمت القبلة المحركة للشهوة؛ لأن أصلها غير مندوب مع أن قليلها يجر لكثيرها.
وفائدة تقديم المضمضة والاستنشاق: معرفة أوصاف الماء.
وأفاد العطف بـ (ثم): أن الترتيب بين السنن المذكورة مستحق، فلو أتى بالاستنشاق مع المضمضة .. حسبت دونه، وقال الشرقاوي: (حسبا عند "م ر"، وإن قدمه .. حسبت دونه؛ لوقوعه في غير محله كما لو أقتصر عليه، فما تقدم عن محله لغو).
واعتمد (م ر): أن المعتد به هو المفعول أولًا، فإذا قدم الاستنشاق .. حسب، وفات غسل الكفين والمضمضة، فإن أراد حصولهما .. أتى بناقض، وأتى بهما.
(و) من سننه أيضًا (تثليث) يقينًا لكل من (الغسل) ولو لنحو سلس، ولو بتحريك العضو ثلاثًا في ماء ولو قليلًا، بخلاف ترديد ماء الغسلة الأولى؛ لأنه تافه.
(و) من (المسح) إلا في خف، وكذا جبيرة وعمامة عند (حج)، ومن الدلك و(التخليل).
[ ١٠٠ ]
وفي "التحفة": (ويظهر أنه مخير بين تأخير ثلاثة كل من هذين عن ثلاثة الغسل، وجعل كل واحدة منهما عقب كل [واحدة] من هذه الثلاثة، وأن الأولى أوْلى). والذكر والدعاء والسواك وسائر الأقوال والأفعال حتى النية ولو لفظية، على خلاف فيها؛ للاتباع في أكثر ذلك، وقياسًا في الباقي، ولا يحسب تثنية وتثليث إلا بعد تمام العضو، وقبل الانتقال منه لما بعده.
نعم؛ لو مسح بعض رأسه ثلاثًا .. حصل التثليث؛ إذ ما تقدم في عضو .. يجب استيعابه، ولو ثلث الفم والأنف، أو اليدين أو الرجلين معًا .. أجزأ؛ لأن كلا منهما كعضو واحد، ولا يحصل تثليث بتكرير وضوء.
(ويأخذ الشاك) قبل الفراغ (باليقين) وجوبًا في الواجب، وندبًا في المندوب، ولو شك في غسل الوجه مثلًا .. وجب غسله، أو في استيعابه .. وجب، أو هل غسله مرتين أو ثلاثًا؟ سنت الثالثة، ولا نظر لاحتمال كونها رابعة، وهي مكروهة؛ إذ لا تكره إلا إن تحققت.
نعم؛ يكفي ظن استيعاب العضو.
ويجب ترك تثليث كسائر السنن؛ لضيق الوقت، بحيث لو ثلث .. لم يدرك الصلاة كاملة في الوقت، وللاحتياج لماء التثليث لطهر واجب، أو عطش حيوان محترم.
ويسن ترك سائر السنن؛ لإدراك جماعة لم يرج غيرها.
نعم؛ ما قيل بوجوبه من السنن، كالدلك .. ينبغي تقديمه على الجماعة.
(و) من سننه (مسح جميع الرأس) أي: الزائد على قدر الواجب منه؛ للاتباع؛ لأنه أكثر ما ورد في وضوئه ﷺ، وخروجًا من خلاف موجبه كمالك.
والأكمل وضع مسبحتيه على مقدم رأسه، وإبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بهما معًا ما عدا الإبهامين لقفاه، ثم يردهما إن كان له شعر ينقلب، ولا يحسب الرد مرة ثانية -كما مر- ويقع أقل مجزئ من الرأس فرضًا، والباقي نفلًا كنظائره من نحو ركوع وسجود طولهما.
(فإن) كان على رأسه ساتر، و(لم يرد نزع ما على رأسه) وإن سهل نزعه .. سن له أن يتمم المسح على الساتر، حيث لم يكن محرمًا لذاته كمحرم ستر رأسه بلا عذر، بخلاف ما لو كان مغصوبًا ولم يكن عليه نجس ولو معفوًا عنه، وكان مسح الساتر بعد [أن]
[ ١٠١ ]
(مسح جزءًا من الرأس) والأولى كونه الناصية (ثم تممه) أي: المسح (على الساتر) متصلًا مسحه بمسح جزء من الرأس وجوبًا.
وقوله: (ثلاثًا) راجع إلى المسح جزء من الرأس، وكذا على التتميم على الساتر عن (م ر).
(ثم) السنة بعد مسح الرأس (مسح) جميع (الأذنين ظاهرهما) وهو ما يلي الرأس (وباطنهما) وهو ما يلي الوجه (بماء جديد) فلا يكفي بلل المرة الأولى من الرأس، ويحصل أصل السنة بماء ثانيته وثالثته.
(و) مسح (صماخيه) وهما خرقا الأذنين (بماء جديد) أي: غير ماء الرأس من المرة الأولى، ويحصل أصل السنة بمسحهما بماء الأذنين وبثانية أو ثالثة الرأس.
والأحب في كيفية مسحهما: أن يمسح برأس مسبحتيه صماخيه، وبباطن أنملتيهما باطن الأذنين ومعاطفهما، ويمر إبهاميه على ظهرهما، ثم بعد ذلك يسن أن يلصق كفيه مبلولتين بهما؛ استظهارًا، ويسن غسلهما مع الوجه، ومسحهما مع الرأس، وكون كل ذلك ثلاثًا، فجملته: اثنتا عشرة مرة، ولو مسح بعض الأذنين .. حصل أصل السنة.
(و) من سننه (تخليل أصابع اليدين) والرجلين بأي كيفية، والأفضل في اليدين (بالتشبيك).
قال المدابغي: (الأولى جعل أصابع اليمنى بين أصابع اليسرى من ظهرها وعكسه، لتخالف العبادة العادة) اهـ
وهذا يفيد تخليل كل يد وحدها، ويخالف قول "الايعاب": (نعم؛ تخليلهما -أي: اليدين- لا تيامن فيه) اهـ
وإنما يكره التشبيك -كفرقعة الأصابع- لمن في الصلاة، أو في المسجد منتظرًا لها.
(و) في (أصابع الرجلين بخنصر اليد اليسرى) وكذا بخنصر اليد اليمنى، كما في "الإقناع" و"شرحي الإرشاد".
والأولى: أن يبدأ (من أسفل خنصر) الرجل (اليمنى) ويستمر على التوالي (إلى خنصر اليسرى)؛ للسهولة مع المحافظة على التيامن، واختار في "المجموع":
[ ١٠٢ ]
أنه لا يتعين للتخليل يد، كما في "الفتح".
نعم؛ إن لم يصل الماء إلا بالتخليل .. وجب.
(و) من سننه (التتابع) بين أفعال وضوئه؛ للاتباع، بأن يشرع في تطهير كل عضو قبل جفاف ما قبله، مع اعتدال الهواء والمزاج والزمان والمكان.
والعبرة عن التثليث بالأخيرة، ويقدر الممسوح مغسولًا، وقد يجب في طهر نحو سلس، ولضيق وقت.
(و) منها (التيامن) أي: تقديم اليمنى على اليسرى، لنحو الأقطع مطلقًا، ولغيره في يديه ورجليه وإن كان لا بس خف؛ لأنه ﷺ: (كان يحب التيامن في شأنه كله) أي: مما هو من باب التكريم، كاكتحال وحلق الرأس، وكذا ما لا تكرمة فيه ولا قذر، أما ما يغسل دفعة، ككفين وخدين .. فيكره فيه الترتيب ولو بالتيامن على ما في "الأسنى"، كما يكره ترك التيامن فيما يسن فيه.
(و) منها (إطالة غرته) بأن يغسل أدنى شيء من جوانب الوجه معه زائدًا على ما لا يتم الواجب إلا به.
والأكمل: أن يغسل مع الوجه مقدم رأسه وأذنيه، وصفحتي عنقه.
(و) إطالة (تحجيله) بأن يغسل شيئًا من العضدين والساقين مع الواجب من اليدين والرجلين.
والأكمل: أن يستوعب العضدين والساقين؛ وذلك لخبر: "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة، فمن استطاع منكم .. فليطل غرته".
فعلم أن الغرة والتحجيل اسمان لما لا يتم الواجب إلا به، وإنما المسنون إطالتهما.
وفي "الإمداد": (يعتد بالتحجيل قبل غسل اليد والرجل، بخلاف الغرة؛ لاعتبار مقارنة النية للوجه) اهـ
ونقل "المدابغي" عن "فتاوى (م ر) " و"الزيادي": حصول الغرة مطلقًا.
(و) منها (ترك الاستعانة بالصب إلا لعذر) أي: الإعانة وإن لم يطلبها من غير عذر؛ لأنها ترفه لا يليق بالمتعبد، وليس منه الوضوء بالماء العذب وترك المالح -قال (ق ل): وهل الحنفية من الاستعانة؟ - وهي في إحضار الماء مباحة، وفي الصب خلاف الأولى، وفي غسل الأعضاء مكروهة.
[ ١٠٣ ]
نعم؛ إن قصد تعليم نحو المعين .. ندبت، وقد تجب على عاجز ولو بأجرة فضلت عما يعتبر في الفطرة، فإن لم يجد .. صلى بالتيمم وأعاد.
(و) ترك (النفض)؛ لأنه كالتبرىء من العبادة، فهو خلاف الأولى لا مباح.
(والتنشيف) وهو: أخذ الماء بنحو منديل، فهو خلاف الأولى بلا عذر، فإن كان عذر .. فيسن، كحر وبرد وخوف التصاق نجس به، وإرادة تيمم، وغسل ميت، ويقدم اليسار فيه، ولو غلب على ظنه التصاق نجس به إن لم ينشف .. وجب، وإذا أراد التنشيف ولو لعذر .. فالأولى أن لا يكون بثوب إلا لحر أو برد أو خوف نجاسة كذيله وطرف ثوبه؛ فقد قيل: إنه يورث الفقر.
(و) منها (تحريك الخاتم)؛ لأنه أبلغ في إيصال الماء، ولو لم يصل إلا به .. وجب.
(والبداءة بأعلى الوجه)؛ للاتباع، ولكونه أشرف (وفي) كل من (اليد والرجل بالأصابع) وإن صب عليه غير عند (حج)، وخالفه المصنف كـ (م ر) بما أشار إليه بقوله: (فإن صب على غيره .. بدأ بالمرفق) في اليد (والكعب) في الرجل، ويسن أن لا يكتفي بجريان الماء بطبعه، بل يمر الكف معه.
(و) منها (دلك) الأعضاء، وهو إمرار اليد على (العضو) مع غسله أو عقبه، والأكمل معهما؛ لجريان خلاف شهير في وجوب ذلك، ويبالغ في العقب، سيما في الشتاء، وندب صب الماء بيمينه، ويدلك بيساره.
(ومسح المأقين) بسبابتي شقيهما إن لم يكن رمص يمنع وصول الماء، وإلا .. وجب، وهما: طرفا العين الذي يلي الأنف، لكن المراد بهما: ما يشمل اللحاظ، وهو الطرف الآخر.
(واستقبال القبلة) في وضوئه حتى الذكر بعده.
(ووضع الإناء عن يمينه أن كان واسعًا) بحيث يغترف منه، فإن كان يصب به .. فعن
[ ١٠٤ ]
يساره؛ لأنه أمكن فيهما (وأن لا ينقص ماؤه عن مد)؛ للاتباع، ويجزىء بدونه إن أسبغ بحيث يجري على العضو بنفسه، فلا يكفي المسح ولو في جزء وإن قل.
ومحل سنية المد فيمن بدنه كبدنه ﷺ اعتدالًا وليونة، وإلا .. زاد أو نقص.
(و) أن (لايتكلم في جميع وضوئه) بغير ذكرٍ؛ لأنه تشاغل عن العبادة (إلا لمصلحة) كأمر بمعروف وتعليم جاهلٍ .. فيسن، وقد يجب، كأن رأى أعمى يقع ببئر.
(و) أن (لا يلطم) -بكسر الطاء- (وجهه بالماء) ويقتصد في الماء، ويتوقى الرشاش، ويشرب من فضل طهوره؛ لخبر: "إن فيه شفاءً من كل داء" ويرش إزاره إن توهم مقذرًا له، قال (سم): (هل يسنان ولو من مسبل؟) اهـ
ويظهر المنع؛ لأن ذلك غير الطهارة الموقوف لها المسبل، إلا أن يقال: يغتفر في الشيء تبعًا ما لا يغتفر فيه مقصودًا.
(و) أن (لا يمسح الرقبة) قال النووي: (لأن خبر: "إنه أمان من الغل" موضوع أو شديد الضعف، فلا يعمل به).
قال الكردي: لكن كلام المحدثين يشير إلى أن له طرقًا يرتقي بها إلى درجة الحسن، وإذا قلنا: إنه سنة .. فيمسحها ولو ببلل الرأس.
وقال الفاكهي في "شرح البداية": (وفيه حديث آخر مرفوع صححه الروياني وهو: "من توضأ ومسح عنقه .. وقي الغل يوم القيامة" اهـ
(و) أن (يقول بعده) -أي: الوضوء- قبل طول الفصل عرفًا، والأكمل قبل أن يتكلم بأجنبي: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)؛ لخبر: "أن من قال: ذلك فتحت له أبوب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء".
(اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين) رواه الترمذي، وزاد الغزالي: "واجعلني من عبادك الصالحين".
[ ١٠٥ ]
(سبحانك اللهم) أي: تننزيهًا لك يا الله عما لا يليق بك (وبحمدك) أي: وبحمدك سبحتك.
(أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)؛ لخبر "من توضأ، ثم قال: سبحانك اللهم إلخ .. كتب برق، ثم طبع بطابع، فلم يكسر إلى يوم القيامة" أي: لم يتطرق إليه إبطال حتى يرى ثوابه العظيم، بأن يصون صاحبه عن تعاطي مبطل له، كالردة.
ويأتي بجميع ذلك ثلاثًا، مستقبل القبلة، رافعًا يديه وبصره إلى السماء ولو نحو أعمى، ثم يصلي ويسلم على النبي ﷺ، ثم يسمح وجهه بيديه، ويقرأ: (إنا أنزلنهُ) ثلاثًا بلا رفع، وآية الكرسي، ولو سمع المؤذن مع فراغه وضوئه .. قدم أذكاره، ثم أجاب المؤذن.
تنبيه: (أستغفرك) بمعنى: أطلب منك المغفرة، أي: ستر ما ظهر من نقص، وهي لا تستلزم سبق النقص.
وظاهر كلامهم ندب وأتوب إليك ولو لغير تائب، واستشكل بأنه كذب، وأجيب بأنه إنشاء في المعنى، أي: أسالك التوبة، أو معناه: أنا في صورة التائب، ويأتي هذان الجوابان فيما هو في معنى ذلك، كوجهت وجهي، وخشع سمعي.
(ولا بأس بالدعاء عند الأعضاء) أي: إنه وإن ورد من طرق .. فهي شديدة الضعف، لا تثبت بها سنيته من حيث إنه وارد وإن كان الدعاء في نفسه، وإن لم يكن بالوارد سنة، لكن رجح في "الأسنى"، و"الشهاب الرملي": أنه يعمل به في فضائل الأعمال، فهو سنة، واستوجه استحبابه أيضًا في الغسل والتيمم، وهو مذكور في المطولات.
ويسن بعده ركعتان، بحيث ينسبان إليه عرفًا، ويفوتان بطول الفصل، وقيل: بالإعراض، وقيل: بجفاف الأعضاء، وقيل: بالحدث، ويقرأ فيهما بعد الفاتحة: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ) [النساء:٦٤] الآية، (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء:١١٠].
* * *
[ ١٠٦ ]