(فصل: يندب الذكر والدعاء بعد الصلاة) بحيث لا يفحش الطول بينهما، بل بحيث ينسبان إليها عرفًا، ولا يضر الفصل بالراتبة، لكن الأفضل اتصال الذكر بسلام الفرائض.
وإذا صلى جمعًا .. أخر ذكر الأولى إلى فراغ الثانية.
والأكمل: أن يأتي لكل منهما بذكر، ويحصل أصل السنة ولو بغير مأثور، ولكنه بالمأثور أفضل، فيقدم منه ما معناه، أجَلُّ، ثم الأصح، ثم الأكثر رواية، فإذا سلم .. مسح جبهته بيده اليمنى، وقال: استغفر الله ثلاثًا، ثم استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاثًا، ويمسح بيمينه على رأسه، ويقول: بسم الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، اللهم أذهب عني الهم والحزن، ثم اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام، ثم لا إله إلا الله وحده إلى قدير من غير يحي ويميت، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، ثم "آية الكرسي"، و"الإخلاص"، و"المعوذتين"، ويسبح، ويحمد، ويكبر عشرًا عشرًا -وهو الأقل- أو ثلاثة وثلاثين في كلٍّ، وتمام المئة: لاإله إلا الله وحده إلى قدير بلا يحي ويميت. والأحسن كون التكبير أربعة وثلاثين، ويزيد بعد الصبح: اللهم بك أحاول وبك أصاول وبك أقاتل، اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، وعملًا مقبولًا، ورزقًا طيبًا.
وبعده وبعد المغرب: اللهم أجرني من النار سبعًا، وبعدهما وبعد العصر، بل بعد جميع المكتوبات -كما في "الجامع الصغير"، وأقرَّه المناوي- قبل أن يثني رجليه بأن يبقى على هيئته في الصلاة، وقبل أن يتكلم بغير ذكر ودعاء وقرآن، لا إله إلا الله إلى قدير بزيادة يحي ويميت عشرًا، ويفوت ذلك وغيره من المشروط بما ذكر بالقيام ولو لصلاة جنازة على المعتمد، ولو زاد في المشروع على القدر الوارد، فإن كان لنحو شك .. عذر، وإلا .. فلا يحصل الثواب المترتب عليه.
وقال كثيرون: يحصل ثواب المشروع، وثواب الزيادة.
(ويسر) كل مصل (به) أي: بالذكر والدعاء (إلا الإمام) أو غيره (المريد تعليم
[ ٢٤٥ ]
الحاضرين .. فيجهر)؛ أي: بكل منهما (إلى أن تعلموا) فيسر، وعليه حمل الشافعي وأصحابه أحاديث الجهر، وكلام "الروضة" يوهم بالجهر بالذكر.
(ويقبل) الإمام ندبًا -إن لم يرد الأفضل الآتي- (على المأمومين) عقب سلامه
(يجعل يساره إلى المحراب) ويمينه إليهم، وإن كان بالمسجد النبوي عند (حج) (ويندب فيه) أي: الذكر الذي هو دعاء بعد الصلاة، بل (وفي كل دعاء: رفع اليدين)؛ للاتباع.
ولو فقدت إحدى يديه أو كان بها علة .. رفع الأخرى، ويكره رفع اليد المتنجسة ولو بحائل.
وغاية الرفع: حذو المكبين إلا إذا اشتد الأمر .. فيزيد.
قال الغزالي: (ولا يرفع بصره إلى السماء حال الدعاء)، وقال ابن العماد: يسن؛ لأنها قبلة الدعاء.
وتسن الإشارة فيه بسبابة اليمنى، ويلاحظ ما مر في رفعها في التشهد، وتكره بأصبعين (ثم مسح الوجه) بعد فراغ دعائه (بهما) إلا في الصلاة؛ للاتباع.
(و) تندب (الدعوات المأثورة) وهي كثيرة؛ لمزيد بركتها وظهور الاستجابة بها.
ومنها: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، ومن الجبن والبخل والفشل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال.
اللهم أني أعوذ بك من جهد البلاء ومن درك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء.
اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، وغير ذلك.
ويسن آخر كل دعاء: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
[ ٢٤٦ ]
(والحمد لله، والصلاة) والسلام (على النبي ﷺ) وعلى آله وصحبه (أوله) ووسطه (وآخره)؛ لللاتباع.
والأفضل تحري مجامع الحمد، كـ (الحمد لله حمدًا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك).
ومجامع الصلاة على النبي ﷺ، وأفضلها: صلاة التشهد، لكن لا سلام فيها، فيزيد آخرها: وسلم تسليمًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.
(و) الأفضل (أن ينصرف الإمام) والمأموم والمنفرد (عقب سلامه) ويأتي بالذكر والدعاء في المحل المنصرف إليه، لكن في غير المقيد بنحو لا إله إلا الله إلى قدير بعد الصبح، وغيرها مما مر، وغير من يجلس بعد صلاة الصبح على ما يأتي في الطواف إن شاء الله تعالى.
وهذا (إذا لم يكن ثَمَّ نساء) وإلا .. مكث حتى ينصرفن، بل قال ابن العماد: يحرم جلوس الإمام في المحراب؛ لأنه أفضل بقعة في المسجد، وجلوسه فيه يمنع الناس من الصلاة فيه، ويشوش عليهم، وزيفه في "الإيعاب": بأن للإمام حقًا فيه حتى يفرغ من الذكر والدعاء المطلوب عقب الصلاة حيث لم يرد الأفضل من قيامه عقب سلامه، وما ذكره من التشويش ممنوع، ومن وجوب الانتقال متجه إن لم تكن له حاجة واحتيج لمكانه على نظر فيه) اهـ
(و) إذا لم يفعل الأفضل من الانتقال بل مكث .. فيندب أن (يمكث المأموم) في مصلاه (حتى يقوم الإمام) من مصلاه إن أراد القيام بعد الذكر والدعاء، وينبغي له أن يختصرهما بحضرة المأمومين، فإذا قاموا .. طوله إن أراد.
ويكره للمأموم الانصراف، أي: من المسجد، كما قاله عبد الرؤوف قبل ذلك، حيث لا عذر.
قال في "الإيعاب": (لأنه قد يذكر سهوًا فيتابعه) اهـ، وهذا ينافي تقييد عبد الرؤوف بالمسجد؛ إذ لايكون انتقاله غالبًا ولو لمحل في المسجد إلا بحركات متوالية، فتبطل صلاته وتفوت عليه متابعته، ولعلهما سنتان:
[ ٢٤٧ ]
الأولى: أن لا يخرج من المسجد قبل إمامه؛ لما فيه من الاستعجال في العبادة، ومن استدبارالإمام المقبل بوجهه عليهم.
والثانية: أن لا ينصرف من مصلاه إلا بعد مكثه قليلا؛ لاحتمال أن يذكر امام سهوًا فيتابعه.
(و) يندب لكل مصل أن (ينصرف) من مكان الصلاة كباب المسجد بعد فراغه (في جهة حاجته، وإلا) تكن له حاجةٌ (.. ففي جهة يمينه) ينصرف إن أمكنه مع التيامن أن يرجع في طريق غير التي جاء منها، وإلا .. راعى العود في طريق آخر.
(و) أن (يفصل بين) كل صلاتين -سواء (السنة والفرض) والسنتين والفرضين- (بكلام) نحو إنسان، وإن لم يعقل، أو كان الكلام ذكرًا، كتسبيح، كما قاله الشرقاوي (أو انتقال) من مكانه لآخر ولو في أثناء الصلاة الثانية؛ للنهي في مسلم عن وصل صلاتين إلا بعد كلام أو خروج.
ومحل ذلك، حيث لم تعارضه فضيلة نحو صف أول، وإلا .. فلا يسن الانتقال.
والأفضل الفصل بين الصبح وسنته باضطجاع، وعلى الأيمن أفضل.
قال الشرقاوي: (وأن يقول في اضطجاعه: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد ﷺ، أعوذ بك من النار ثلاثًا، وينبغي زيادة وعزرائيل) اهـ
لكن الذي في "الحصن الحصين"، وغيره كـ"الأذكار" أنه يقول: اللهم رب جبريل .. إلخ، وهو جالس، ثم يضطجع على شقة الأيمن.
(وهو) أي: الفصل بالانتقال (أفضل)؛ تكثيرًا للبقاع التي تشهد له يوم القيامة (والنفل) ولو لمن بالكعبة والمسجد حولها (في بيته) ليلًا ونهارًا وإن أمن الرياء في المسجد (أفضل)؛ للخبر المتفق عليه: "صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، ولأن فيه البعدَ عن الرياء، وعود بركة الصلاة على البيت وأهله، وهذا إن لم يكن معتكفًا، ولم يخف بتأخيره للبيت فوت وقت أو تهاونًا، وفي غير الضحى واستخارة ومنشئ سفر وقادم منه ومبكر لجمعة وسنة طواف وإحرام بميقات به مسجد وقبلية مغرب ومن يجلس لتعلم أو تعليم، وكذا راتبة قبلية دخل وقتها فلا ينتقل لها من المسجد؛ إذ في الانتقال بعد استقرار الصفوف مشقة خصوصًا مع كثرة المصلين، كما في الجمعة.
[ ٢٤٨ ]
(ومن سنن الصلاة الخشوع) وهو سكون القلب والجوارح، وهو روح الصلاة وأهمها؛ إذ بفقده يفقد ثواب ما فقد فيها من كلها أو بعضها، ولأن لنا وجهًا أنه شرط لصحتها، لكن في بعضها وإن قل.
فيكره الاسترسال مع حديث النفس والعبث، كتسوية ردائه لغير مصلحة، كتحصيل سنة ودفع مضرة كبرد، بخلاف مالو سقط رداؤه أو عمامته .. فيسن له رد ذلك؛ لأنه سنة في الصلاة، كما يسن له السواك فيها بدون ثلاث حركات متوالية.
(وترتيل القراءة وتدبرها وتدبر الذكر) أي: تأمل معانيهما إجمالًا، ولو بأن يتصور بأن للتسبيح مثلًا تعظيمًا لله تعالى، لا تفصيلًا؛ لأنه يشغله عما هو بصدده.
ولا يثاب على الذكر إلا بمعرفة معناه ولو إجمالًا، كما مر؛ إذ لا مُتَعبَّد بلفظه إلا القرآن، لكن لايكمل ثوابه إلا بمعرفة معناه، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) [ص:٢٩].
(والدخول فيها بنشاط)؛ لأنه تعالى ذم المنافقين بكونهم (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى) [النساء:١٤٢].
(وفراغ قلب) من الشواغل ولو دينية؛ إذ هي -في غير ما هو فيه من الصلاة- مكروهة ولو في أمور الآخرة أو مسألة فقهية.
وفي كلام ابن الرفعة: أنه لا بأس بالتفكر في أمور الآخرة، ولعله أخذه من قول سيدنا عمر ﵁: (أنه يجهز الجيش في الصلاة)، ويحمل على أنه خطر بباله أمر فاستدامه خوف نسيانه.
فالأدب: أن لا يتفكر إلا في معنى ما يقوله من قراءة أو ذكر أو دعاء، وفي الخبر: "ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل" وبه يتأيد القول بأن حديث النفس الاختياري، والأسترسال مع الاضطراري مبطل.
تنبيه: المصافحة بعد الصلاة: قال الشيخ عز الدين: بدعة مباحة، قال النووي: (إن صافح من كان معه قبل الصلاة .. فمباحة، أو من لم يكن معه قبلها .. فسنة؛ إذ المصافحة عند اللقاء سنة إجماعًا) اهـ
ويؤخذ منه أنه صافحه عقب السلام، أو عند الانصراف إذا كان بينهما بعض
[ ٢٤٩ ]
المأمومين؛ إذ في قيامه لمصافحته عقب سلامه تفويت لفضيلة المكث في مصلاه بعد سلامه، كما في الحديث: "أنه لم تزل الملائكة تصلي عليه ما لم يقم أو يحدث".
وأما ما يقع الآن من أنه يصلي بجنبه، فإذا سلموا .. اشتغلوا أولًا بالذكر والدعاء، ثم يتصافحون .. فهذه مصافحة ليست عند لقاء، بل بعده، فليست بسنة.
ولو مد شخص يده ليصافحك .. فصافحه وإن لم تسن؛ لأن في عدم مصافحته كسر خاطر له، على أن كثيرًا قالوا بسنيه ذلك مطلقًا؛ لأن في الصلاة غيبة، وبالسلام يحصل اللقاء، لكن في النوم غيبة أعظم من غيبة الصلاة ولم تسن بعده، وبعضهم استحبها بعد العصر والصبح؛ لأن الملائكة الحفظة يجتمعون معهم فيهما على صور بني آدم؛ لتحصل البركة بمصافحتهم، والله أعلم.
* * *