(شرط صحة القدوة) في الإمام (أن يعلم) المقتدي (بطلان صلاة إمامه بحدث أو غيره) مما اتُّفق على بطلان الصلاة به ككفر، وكشف عورة؛ لأنه حينئذٍ ليس في صلاة مع تقصير المأموم.
(وأن لا يعتقد بطلانها) أو يظنه بظن مستند لاجتهاده، أو اجتهاد مقلده (كمجتهدَيْن اختلفا) اجتهادًا (في القبلة) ولو بالتيامن والتياسر، فصلى كل لجهة غير التي صلى إليها الآخر.
(أو) في ماءين في (إناءين أو ثوبين) طاهر ومتنجس، فتوضأ أو لبس كل منهما ما ظن طهارته، فليس لأحدهما الاقتداء بالآخر؛ لاعتقاده بطلان صلاته، فإن تعدد الطاهر ولم يظنّ من حال غيره شيئًا .. صح اقتداء بعضهم ببعض على الأصح ما لم يتعين إناء أو ثوب واحد للنجاسة.
فلو اشتبه خمسة من آنية فيها واحد متنجس على خمسة من الناس، فاجتهدوا، فظن كلٌّ طهارة إناء فاستعمله، وأمَّ بالباقين في صلاة من الخمس .. أعاد كل ما ائتم فيه آخرًا، فلو ابتدؤا بالصبح .. أعادوا العشاء، إلا إمامها .. فيعيد المغرب؛ لتعين إنائي إماميهما للنجاسة.
[ ٣٣٤ ]
(وكحنفي علمه) شافعي اقتدى به (ترك فرضًا) عند الشافعي كالبسملة أو الاعتدال.
قال (حج): ما لم يكن أميرًا، وإلا .. فتصح عند خوف الفتنة، وخالفه (م ر) وغيره، أو أخل بشرط، كأن لمس زوجته ولم يتوضأ، فلا يصح اقتداء الشافعي به حينئذٍ؛ اعتبارًا بعقيدة المأموم، بخلاف ما لو علمه .. افتصد؛ لأنه يرى صحة صلاته وإن اعتقد هو بطلانها.
وقيده جمع بما إذا نسي الحنفي أنه افتصد؛ لجزمه حينئذٍ بالنية، وإلا .. فهو متلاعب، واعتمده (م ر)، ورده (حج) لجزمه بأنه متلاعب في اعتقاده، لا في اعتقادنا.
أما إذا لم يعلم أنه ارتكب ما يخل بصلاته وإن شك فيه .. فتصح خلفه؛ لأن الظاهر أنه يراعي الخلاف، ويأتي بالأكمل عنده، بل يجب على إمام منصوب بمحل لم تجر العادة فيه بمذهب معين، وكان يصلي خلفه غير أهل مذهبه أن يراعي غيره من أهل غير مذهبه، وإلا .. حرم عليه، ولم يستحق معلوم تلك الإمامه.
(و) الثاني: (أن لا يعتقد) المأموم (وجوب قضائها) على الإمام (كمقيم تيمم)؛ لفقد ماء بمحل يغلب فيه وجوده، ومحدث صلى مع حدثه؛ لفقد الطهورين، ومتحيرة وإن كان المأموم مثله على الأصح؛ لعدم الاعتداد بصلاته من حيث وجوب قضائها، فكانت كالفاسدة وإن صحت؛ لحرمة الوقت، هذا إن علم المأموم بحاله قبل الصلاة وإن نسي، وإلا .. صحت خلفه ولا قضاء وإن علم ذلك بعد الصلاة. أما من لا قضاء عليه .. فتصح خلفه، وإن كان قاعدًا أو مضطجعًا.
(و) الثالث: (أن لا يكون) الإمام (مأمومًا) حال الاقتداء به؛ لاستحالة كونه تابعًا ومتبوعًا (ولا مشكوكًا فيه) أي: في كونه إمامًا أو مأمومًا.
فلو رأى رجلين يصليان وتردّد في أيهما الإمام .. لم يصح اقتداؤه بواحد منهما، وإن ظنه الإمام بالاجتهاد عند (حج)؛ إذ لا مميز إلا النية، ولا اطلاع عليها.
وأجاب (م ر) بأن للقرائن مدخلًا في النية كما قالوه في: بيع الوكيل المشروط عليه الإشهاد بالكناية عند توفر القرائن، وكالشك في كونه مأمومًا: الشك في أنه هل تلزمه الإعادة، أم لا؟
وخرج بـ (حال الاقتداء به): ما لو انقطعت القدوة، فقام مسبوق فاقتدى به آخر، أو مسبوقون فاقتدى بعضهم ببعض .. فتصح إلاَّ في الجمعة مطلقًا عند (م ر).
[ ٣٣٥ ]
(و) الرابع: أن (لا) يكون (أميًا) ولو في سرية وإن لم يعلم بحاله؛ لأن الإمام بصدد التحمل عن المأموم، وهذا غير صالح له (وهو) هنا (من لا يحسن حرفًا من "الفاتحة") بأن عجز عنه بالكلية، أو عن إخراجه من مخرجه، أو عن أصل تشديد منها لرخاوة في لسانه ولو في السرية في الجديد.
ويجوز اقتداؤه بمن يجوز كونه أميًا، أو به مانع اقتداء آخر إن لم تقم قرينة ظاهرة على ذلك كإسراره في محل الجهر، وإلا .. لم يصح الاقتداء به، فإن حدث له ذلك أثناء الصلاة خلفه .. فارقه وجوبًا.
(إلا إذا اقتدى به مثله) في الحرف المعجوز عنه، وإن اختلفا بدلًا، كأن عجزا عن الراء، وأبدله الإمام غينًا، والمأموم لامًا، بخلاف عاجز عن راء بعاجز عن سين وإن اتفقا في البدل؛ لإحسان أحدهما ما لا يحسنه الآخر، وإلا إذا كان الإبدال قراءة شاذة، كما مر في الفاتحة.
ومن الأمي: أرتٌ يدغم في غير محله، كالمتقيم بإبدال السين تاءً، وإدغام أحدهما في الآخر.
وألثغ يبدل حرفًا، بآخر كمن يقرأ غير المغضوب بالعين المهملة في (غير) سواء أدغم، أم لا، فكل أرت ألثغ، ولا عكس.
نعم؛ لا تضر لثغة يسيرة بأن لم تمنع أصل مخرجه وإن لم يكن الحرف صافيًا.
وتكره القدوة بـ (التمتام)، وهو من يكرر التاء، والقياس: التأتأء.
وبـ (الفأفأه) -بهمزتين وبالمد- وهو من يكرر بالفاء، و(الوأواء) وهو من يكرر الواو، وكذا سار الحروف من الفاتحة وغيرها.
وكذا تكره بلاحن لحنًا لا يغير المعنى، فإن غيره ولو في غير (الفاتحة) أو أبطله .. أبطل صلاة من أمكنه التعلم ولم يتعلم؛ لإتيانه بما ليس بقرآن.
وكاللحن هنا: الإبدال، لكنه يبطل وإن لم يغير المعنى كما مر وإن عجز لسانه أو لم يمض زمن يمكن فيه التعلم، فإن كان في (الفاتحة) أو بدلها .. فكأمي، أو في غيرها وغير بدلها .. صحت صلاته والقدوة به، وكذا إن جهل وعذر، أو نسي أنه لحن أو أنه في الصلاة.
[ ٣٣٦ ]
لكن قال الرشيدي: فيه -أي: الأخير- وقفة؛ لأن حقه الكف عن ذلك وإن لم يكن في صلاة.
(و) الشرط الخامس: (أن لا يقتدي الرجل) أي: الذكر (بالمرأة) أو الخنثى، ولا الخنثى بامرأة أو خنثى؛ لما صح خبر: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، وروى ابن ماجه: "لا تؤمنّ المرأة رجلًا".
بخلاف اقتداء المرأة بالمرأة وبالخنثى وبالرجل، والخنثى بالرجل، والرجل بالرجل فيصح؛ إذ لا محذور.
(ولو صلى خلفه) أي: خلف من ظنه أهلًا للإمامه (ثم تبين) بعد الصلاة (كفره) ولو مخفيًا كزنديق (أو جنونه أو كونه امرأة) أو خنثى لغير امرأة (أو مأمومًا أو أميًا) أو تاركًا للفاتحة في جهرية -قال الشرقاوي: أو في سرية- أو للبسملة، أو تجب عليه الإعادة، أو تاركًا تكبيرة الإحرام أو الاستقبال، ونحو ذلك مما من شأنه أن لا يخفى، ولو على بعد (.. أعادها) وجوبًا؛ لتقصيره بترك البحث عما ذكر.
(لا إن بان) إمامه متلبسًا بما شأنه أن يخفي .. فلا إعادة؛ لعدم تقصيره، وذلك كأن بان (محدثًا أو جنبًا) ولو في جمعه وزاد على الأربعين، أو حائضًا، أو تاركًا للنية أو للفاتحة في سرية أو للتشهد (أو عليه نجاسه خفية) في ثوبه أو بدنه أو ملاقيهما (أو ظاهرة) -على ما في "التحقيق"- وهي التي تأملها المأموم .. رآها، ويفرض نحو البعيد قريبًا، وقيل: هي العينية، والخفية ضدها (أو قائمًا لركعة زائدة) وقد ظنه في أصلية فقام معه وأتى بأركانها كلها لحسبان هذه الركعة ولو في جمعة؛ لعدم تقصيره بخفاء الحال عليه.
بخلاف ما لو تحمل عنه المحدث ومن بعده الفاتحة .. لم تحسب له الركعة التي تحملها عنه فيها، وما لو علم الخلل قبل الاقتداء .. فلا تنعقد وكذا لو ظنه وإن بان أن لا خلل؛ لعدم الجزم بالنية، فإن علمه في أثنائها: فإن كان مما لا يطلع عليه كالحدث .. لم يضر، لكن تجب مفارقته إن بقي في الصلاة؛ لبقاء القدوة الصورية.
[ ٣٣٧ ]