أنَّ العذر إمَّا عام -وهو ما يغلب وقوعه- أو نادر، وهو إما دائم .. فلا قضاء في العام والدائم- أو غير دائم، وهو إما قتال، أو فرار مباح، ولا قضاء أيضًا فيهما، أو غيرهما فيجب.
* * *
(فصل: شروط التيمم) أي: مالا بد منه فيه؛ إذ بعض ما سيذكره أركان (عشرة) بل أكثر؛ إذ منها أيضًا ما لم يذكره، كفقد الماء حسًا، أو شرعًا، وعدم المعصية بالسفر في الفقد الشرعي، لكنه قد أشار لذلك فيما مر، أو يقال: هذه ليست شروطًا له؛ لأنها عدمية، والشرط وجودي.
الأول: (أن يكون بتراب) على أي لون كان -كالمدر والسبخ وغيرهما- ولو محروقًا بقي اسمه أو مخلوطًا بنحو خل جف وإن تغيرت به أوصافه، وما أخرجته الأرضة من التراب وغير ذلك من كل ما له غبار، حتى ما يتداوى به، وغبار رمل خشن ولو منه، بحيث لا يلصق بالعضو؛ لأن الرمل من جنس التراب، لا من جنس الحجر، فلا يصح بالحجر المسحوق وإن صار له غبار، ولا بما يلصق من التراب بالعضو، لنداوته أو نعومته -نعم؛ رطوبة العضو الضرورية، كمن بلي بدمع عينيه، أو بعرق يصح تيممه- ولا بغير التراب من أجزاء الأرض أو المتصل بها؛ لأن الصعيد في الآية: هو التراب، كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد ذكرت في "الشرح" هنا ما ينبغي مراجعته.
(و) الثاني: (أن يكون طاهرًا) فلا يصح بمتنجس بنحو بول وإن جف، أو بعين نجاسة كتراب مقبرة نبشت؛ لاختلاطه بأجزاء الميت، ولو وقعت نجاسة في جانب من تراب، وجهل محلها منه .. لم يجتهد إلا إن جعله قسمين.
(و) الثالث: (أن لا يكون مستعملًا) في حدث -كما بقي في الوجه مثلًا بعد مسحه، أو تناثر منه بعد مسحه به- وكذا في خبث بأن استعمل في سابعة المغلظ، أو فيما قبلها وطهر، ولا يصير مطهرًا بغسله في الصورتين؛ إذ وصف الاستعمال لا يزول عنه.
[ ١٥٦ ]
(و) الرابع: (أن لا يخالطه دقيق، ونحوه) وإن قل؛ لأنه لنعومته يمنع وصول التراب إلى العضو.
(و) الخامس: (أن يقصده)؛ لآية (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا) [النساء:٤٣] أي: اقصدوه بالنقل بالعضو أو إليه ولو بفعل غيره بإذنه ولو صبيًا أو كافرًا أو حائضًا عند (م ر) ولا بد من نية الآذن (فلو) انتفى النقل كأن (سفته) عليه (الريح، فردده) عليه، أي: على العضو، ونوى (.. لم يكفه)؛ لانتفاء القصد بانتفاء النقل المحقق له وإن قصد بوقوفه في هبوبها التيمم؛ لأنه لم يقصد التراب، بل التراب قصده.
نعم؛ لو نقله بعد ذلك العضو ولو من بعض عضو إلى بعضه الآخر، أو أخذه من الهواء ومسح به مع النية .. كفى.
(و) السادس: (أن يمسح وجهه ويديه بضربتين) أي: نقلتين يحصل بكل منهما استيعاب محله، وتكره الزيادة حينئذٍ، فإن لم يحصل الاستيعاب .. وجبت الزيادة؛ لخبر الدارقطني مرفوعًا: "التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين".
(و) السابع: (أن يزيل النجاسة) غير المعفو عنها إن كانت على بدنه (أولًا) أي: قبل التيمم إن أمكن، فلو تيمم قبل إزالتها .. لم يصح، سواء نجاسة محل النجو وغيرها؛ لأنه للإباحة، ولا إباحة مع المانع، فأشبه التيمم قبل الوقت، بخلاف ما لو تيمم عاريًا وعنده سترة؛ لأن سترة العورة أخف من إزالة النجاسة، ولذا لا إعادة على من صلى عاريًا، بخلاف ذي الخبث فإن لم يمكن .. صح تيممه عند (حج)، ويصلي صلاة فاقد الطهورين عند (م ر)، ويجب عليه القضاء عندهما.
(و) الثامن: (أن يجتهد في القبلة قبله) فلو تيمم قبل الاجتهاد فيها .. لم يصح عند (حج)، قال: ويفارق ستر العورة بما مرّ -أي: من أنه أخف من الخبث- فكذا هو أخف من ترك القبلة، وإنما صح طهر المستحاضة قبله؛ لأنه قوي أي:
لأنه بالماء.
(و) التاسع: (أن يقع) التيمم للصلاة التي يريد فعلها (بعد دخول الوقت) ولو ظنًا؛ لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبله، بل يتيمم له فيه ولو قبل الإتيان بشرطه كستر وخطبة جمعة.
[ ١٥٧ ]
قال في "التحفة": (وإنما لم يصح التيمم قبل إزالة النجاسة الغير المعفو عنها عن البدن؛ للتضمخ بها مع كون التيمم طهارة ضعيفة؛ لا لكون زوالها شرطًا للصلاة، وإلا لما صح قبل زوالها عن الثوب والمكان، وألحق به الاجتهاد في القبلة -لما مر من وجوب الإعادة فيهما- ويدخل وقت الثانية في جمع التقديم بفعل الأولى، فيتيمم لها بعدها، لا قبلها. نعم إن دخل وقتها قبل فعلها .. بطل تيممه؛ لأنه إنما صح لها تبعًا، وقد زالت التبعية بانحلال رابطة الجمع، وبه فارق ما مر من استباحة الظهر بالتيمم ضحىً لفائتة؛ لأنه ثم لما استباحها .. استباح غيرها تبعًا، وهنا لم يستبح ما نوى الصفة المنوية فلم يستبح غيره وقضيته بطلان تيممه ببطلان الجمع بطول الفصل، وإن لم يدخل الوقت فقولهم: (يبطل بدخوله) مثال، لا قيد، ولو أراد الجمع تأخيرًا .. صح التيمم للظهر وقتها؛ لأصالته، لا للعصر؛ لأنه ليس وقتًا لها ولا لمتبوعها، لأنها الآن غير تابعة للظهر) اهـ
واستوجه (م ر) جواز صلاته بالتيمم فريضة أخرى، وإن خرج الوقت ويتيمم للفائتة وقت تذكرها، فلو تيمم شاكًا فيها، ثم بانت عليه .. لم يصح، والمنذورة المتعلقة بوقت معين لا يصح لها قبله، وصلاة الجنازة بعد أقل غسله لكن يكره قبل التكفين، والنقل المؤقت بعد دخول وقته، فلا يتيمم لراتبه بعدية إلاَّ بعد فعل الفرض، وذو السبب بعد دخول الوقت الذي تجوز فيه، فيتيمم لتحية مسجد بعد دخوله، ولاستسقاء، وكسوف بعد تجمع أكثر الناس إن أرادها معهم، والاَّ .. فبعد انقطاع الغيث في الأولى وعند أول الانكساف في الثانية.
وإنما لم يتوقف العيد والجنازة على تجمع الناس؛ لأن الجنازة مؤقتة بوقت معلوم من فراغ الغسل إلى الدفن، والعيد وقته محدود، فلم يتوقفا على اجتماع بخلاف الكسوف والاستسقاء لا نهاية لوقتهما، فنظر فيهما إلى ما عزم عليه، لكن توقف الرشيدي كـ (سم) في الفرق بين صلاة الجنازة والكسوف، بل هو مؤقت بوقت معلوم كالجنازة، ويتيمم للنفل المطلق أي وقت شاء إلاَّ وقت الكراهة أو قبله؛ ليصلي به فيه.
(و) العاشر: (أن يتيمم) ولو صبيًا (لكل فرض عيني) ولو نذرًا أو غير صلاة -أداء أو قضاء-، لقول ابن عباس: (من السنة أن لا يصلي بتيمم واحد إلا صلاة واحدة)، ولأن الوضوء كان يجب لكل فرض، فنسخ يوم الخندق في الوضوء، وبقي التيمم على ما كان عليه.
نعم؛ تمكين الحليل فرض، وله حكم النفل، وخطبة الجمعة فرض كفاية، ولها
[ ١٥٨ ]