أو مما يطلع عليه عادة .. وجب استئنافها؛ لتبين عدم انعقادها؛ إذ القاعدة: أنَّ كل ما يوجب الإعادة إذا طرأ في الأثناء ولم يفارقه حالًا، أو ظهر .. يوجب الاستئناف، ولا يجوز الاستمرار مع نية المفارقة، وما لا يوجبها لا يوجب الاستئناف، ويجوز الاستمرار مع نية المفارقة عند علمه به.
(ولو نسي حدثه) -أي: إمامه أو شيئًا مما بعده بعد علمه لذلك- فاقتدى به ولم يحتمل زواله (ثم تذكره .. أعاد)؛ استصحابًا لحكم العلم مع نسبته في النسيان إلى نوع تقصير، والله أعلم.
* * *
(فصل): في باقي شروط الاقتداء وبعض آدابه ومكروهاته.
(يشترط لصحة الجماعة) بعد توفر صفات الإمام المتقدمة (سبعة شروط:
الأول: أن لا يتقدم) المأموم (على إمامه) في الموقف -أي: المكان- لا بقيد الوقوف، فإن تقدم يقينًا عليه في غير شد خوف .. لم تصح؛ لخبر: "إنما جعل من الإمام ليؤتم به" و(الائتمام): الاتباع، أما لو شك فيه .. فلا يضر سواء جاء من خلفه، أم من أمامه.
والعبرة في التقدم في القائم (بعقبه) أي التي اعتمد عليها من رجليه أو إحداهما، وهو مؤخر القدم مما يلي الأرض (أو بأليتيه إن صلى قاعدًا) ولو راكبًا (أو بجنبه إن صلى مضطجعًا) أو برأسه إن صلى مستلقيًا.
فمتى تقدم في جزء من صلاته بشيء مما ذكر في غير شدة خوف .. لم تصح، ولا عبرة بغير ما ذكر ما لم يعتمد على ذلك الغير وحده، كأصابع القائم وركبتي القاعد، وإلا .. فالعبرة بما اعتمد عليه.
فلو اعتمد على إحدى رجليه، وقدم الأخرى على رجل الإمام .. لم يضر، وإن اعتمد عليهما .. ضر عند (حج)، ولم يضر عند (م ر)، وهو قياس الاعتكاف فيما لو أخرج إحدى رجليه من المسجد، واعتمد عليهما.
[ ٣٣٨ ]
والضابط في ذلك: أن لا يتقدم المأموم بجميع ما اعتمد عليه على جزء مما اعتمد عليه الإمام في قيام أو غيره وإن اختلفا، كأن كان الإمام مثلًا قائمًا، والمأموم ساجدًا، وفي هذه الحالة قد يتقدم المأموم على الإمام إذا لم يعتمد المأموم على قدميه، بل على ركبتيه ويديه وكذا في نهوضه إلى القيام، فليتنبه له.
(فإن ساواه .. كره) كراهة مفوتة لفضيلة الجماعة فيما ساواه فيه فقط، وكذا يقال في كل مكروه من حيث الجماعة.
قال في "التحفة" كـ"النهاية": الفائت هنا فيما إذا ساواه في بعض السبعة والعشرون في ذلك البعض الذي وقعت فيه المساواة، لكن قال السيد عمر البصري: إن أراد فوت فضيلة السبعة والعشرين من حيث ذلك المندوب الذي فوته .. فواضح، أو مطلقًا، فعدم الإتيان بفضيلة لا يخل بفضيلة ما أتى به، وسبقه إلى ذلك (سم) والطبلاوي، ويجري ذلك في غيره من المكروهات الآتية وغيرها.
(ويندب) للمأموم ولو امرأة اقتدى وحده بمستور (تخلفه عنه) أي: الإمام (قليلًا)؛ إظهارًا لرتبة الإمام، ولأنه الأدب، والأفضل في الذكر أن تتأخر أصابعه عن عقب الإمام يسيرًا بحيث يخرج عن محاذاته.
ووقع في عبارت: أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع، ولعله الأقل في أداء السنة، بدليل أنه: (إذا جاء آخر .. أحرم عن يساره، ثم يتقدم أو يتأخران)؛ إذ التقدم والتأخر لا يكون بعد ثلاثة أذرع (وأن يقف الذكر) إن لم يحضر ذكر غيره (عن يمينه) وإن فاته نحو سماع قراءته؛ لخبر ابن عباس ﵄: (أنه وقف عن يساره ﷺ، فأخذ برأسه، فأقامه عن يمينه) فيدب لمن رأى من يفعل خلاف السنة أن يرشده إليها، فإن لم يقف عن يمينه بل عن يساره أو خلفه أو تأخر عنه كثيرًا .. كره وفاتته فضيلة الجماعة.
(فإن جاء) ذَكَرٌ (آخر .. فعن يساره) يحرم إن وجد محلًا، وإلاَّ .. فخلفه، ثم يتأخر إليه مَنْ على اليمين، فإن خالف ما ذكر .. كره، فإن زالت المخالفة بنحو تأخر من عن يمينه إلى من أحرم خلفه .. زالت الكراهة.
قال (ب ج): ولو قيل: إن الجاهل يغتفر له تلك المخالفة ولو مخالطًا .. لم يبعد.
[ ٣٣٩ ]
(ثم) بعد إحرام الثاني (يتقدم الإمام أو يتأخران) في القيام أو الاعتدال أو الركوع (وهو) أي: تأخرهما (أفضل) من تقدم الإمام؛ لأنه متبوع، فلا يناسبه الانتقال.
ولو استمرا على حالهما من غير ضم أحدهما للآخر بعد تقدم الإمام أو تأخرهما .. استمرت الفضيلة؛ لطلبه ابتداء قاله (ب ج)، ولو لم يمكن إلا تقدم الإمام أو تأخرهما .. فعل الممكن، فإن لم يفعل .. كره في حق من أمكنه فقط.
وأصل ذلك: خبر مسلم عن جابر، قال: (قام ﷺ فقمت عن يساره، فأدارني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر، فقام عن يساره، فأخذ بأيدينا جميعًا حتى أقامنا خلفه).
أما إن تأخر من على اليمين قبل إحرام الثاني أو لم يتأخرا، أو تأخرا في غير ما مر .. فيكره.
(ولو حضر ذكران) ابتداء معًا أو مرتبًا (.. صفا خلفه) بحيث يكونان محاذيين لبدنه.
(وكذا) إذا حضرت (المرأة) وحدها (أو النسوة) فقط، فتقف هي أو هن خلفه، ولو محارمه؛ للاتباع.
ولو جاء ذكر وامرأة .. أحرم الذكر عن يمينه، والمرأة خلفهما، وحينئذٍ يحصل لكل فضل الصف الأول.
(و) أن (يقف خلفه الرجال) ولو أرقاء إن وسعهم الصف، وإلا .. قدم الأحرار إن لم يسبق إليه الأرقاء، ولم يفضلوا الأحرار بنحو علم.
(ثم) إن تم صفهم .. صف خلفهم (الصبيان) وإن كانوا أفضل من الرجال، أو كان الرجال فسقة، فإن لم يتم صف الرجال .. كمل بالصبيان، فيدخلون الصف على أي صفة اتفقت، وهذا (إذا لم يسبقوا) أي: الصبيان (إلى الصف الأول) أو غيره (فإن سبقوا إليه .. فهم أحق به) فلا ينحون منه للرجال ولو قبل التحرم؛ لأنهم من جنسهم يقينًا، بخلاف الخناثى والنساء فينحون عنه ولو بعد التحرم إن لم يشق.
(ثم) بعد الصبيان وإن لم يكمل صفهم (الخناثى، ثم) بعدهم وإن لم يكمل صفهم (النساء).
[ ٣٤٠ ]
وظاهر إطلاقهم: أن البالغات وغيره سواء، وقياس الرجال: تقديم البالغات؛ وذلك لخبر مسلم: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهي" أي: البالغون العاقلون، ثم الذين يلونهم ثلاثًا، ومتى خولف الترتيب المذكور .. كره، وكذا كل مندوب يتعلق بالموقف وتفوت به فضيلة الجماعة.
(وتقف) ندبًا (إمامتهن) أي: النساء (وسطهن)؛ لأنه أستر لهن، ولثبوته من فعل عائشة وأم سلمة.
قال الكردي: المعروف من كلامهم ندب مساواة إمامتهن لهن، لكن قال الشوبري: مع تقدم يسير.
(و) يقف (إمام العراة) أو المستورين (غير المستور) إن كان فيهم بصير ولا ظلمة (وسطهم) -بسكون السين- ويقفون صفًا واحدًا إن أمكن؛ لئلا ينظر بعضهم عورة بعض، فإن كانوا عميًا أو في ظلمة .. تقدم إمامهم.
وفي "التحفة": ويسن أن لا يزيد بين كل صفين -والأول والإمام- على ثلاثة أذرع فإن زاد على ذلك .. كره للداخلين أن يصفوا مع المتأخرين، بل يصفوا بينهما.
(ويكره) للمأموم (وقوفه منفردًا عن الصف) من جنسه ابتداء ودوامًا؛ للنهي الصحيح عنه، وللخلاف في صحتها حينئذٍ، فينبغي أن يدخل الصف وإن فاتته الركعة ولو الأخيرة؛ لأن الخلاف في هذا أقوى من القول بأن الجماعة لا تدرك إلا بركعة، وهذا إن وجد سعة بأن كان لو دخله .. وسعه وإن عدمت الفرجة، ولو وجدت فرجة، وكذا سعة عند (حج)، وبينها وبينه صفوف .. خرقها جميعها ليدخل؛ لأنهم مقصرون بتركها؛ لأن تسوية الصفوف بأن لا تكون في كل منها فرجة أو سعة متأكدة، فيكره تركها.
نعم؛ إن كان تأخرهم لعذر، كوقت الحرَّ بالمسجد الحرام .. فلا كراهة؛ لعدم التقصير.
(فإن لم يجد سعة) في الصف (.. أحرم) مع الإمام (ثم جر) ندبًا من القيام (واحدًا) حرًا يظن بقرائن الأحوال أنه يساعده من صف فيه أكثر من اثنين، فإن جر مع وجود سعة، أو لم يظن موافقته مع خوف الفتنة، أو قنًّا بل ويدخل في ضمانه .. حرم،
[ ٣٤١ ]
وكذا قبل إحرامه، أو مَن صفه اثنان عند (حج)، أو مِن غير القيام .. كره، وإذا لم توجد شروط الجر المذكورة؛ فإن أمكنه الخرق ليصطف مع الإمام .. خرق، ولا تكره حينئذٍ مساواته في المكان، وله -إن كان مكانه يسع أكثر من اثنين- جرُّهما إليه، والخرق أولى إن سهل، ولا تفوت بصفة مع الإمام فضيلة الصف الأول على من خلف الإمام، (ويندب) مع الشروط المتقدمة (أن يساعده المجرور)؛ لينال فضل المساعدة على البر، وذلك يعادل فضيلة صفه كما في "النهاية"، و"شرحي الإرشاد"، بل في "التحفة"؛ لأن فيه إعانة على البر مع حصول ثواب صفه.
(الشرط الثاني) لصحة القدوة: (أن يعلم انتقالات إمامه) أو يظنها قبل أن يشرع في الركن الثالث؛ ليتمكن من متابعته.
ويحصل ذلك (برؤية) للإمام أو لبعض المأمومين (أو سماع نحو صوت ولو من مبلغ) عدلِ روايةٍ، أو اعتقد صدقة ولو غير مصل، ولو ذهب المبلغ .. لزم المأموم المفارقة إن لم يرج عوده قبل مضي ركنين.
(الشرط الثالث: أن يجتمعا) أي: الإمام والمأموم في مكان؛ إذ من مقاصد الاقتداء اجتماع جمع في مكان واحد، كما عهد عليه الجماعات في العصور الخالية، ومبنى العبادات على رعاية الاتباع، ثم هما إمَّا أن يكونا بمسجد أو غيره من فضاء أو بناء، أو أحدهما بمسجد والآخر بغيره.
فإن كانا (في مسجد) أو مساجد متلاصقة، تنافذ أبوابها وإن انفرد كلٌّ بمؤذن وصلاة .. فيصح الاقتداء (وإن بعدت المسافة) جدًا (وحالت الأبنية) المتنافذة أو اختلفت، كبئر وسطح ومنارة داخلات فيه (و) إن (غلق الباب) أو الأبواب المنصوبة على كلًّ بنحو ضبة بلا تسمير وإن لم يكن لها مفتاح؛ لأنه كله مبني للصلاة، فالمجتمعون فيه مجتمعون لإقامة الجماعة مؤدون لشعارها، فلم يؤثر اختلاف الأبنية والمساجد المتلاصقة كمسجد واحد.
(بشرط إمكان المرور) العادي من كل منهما للآخر ولو بانعطاف وازورار؛ لأنها حينئذٍ كالبناء الواحد، بخلاف ما إذا كانا في أبنية لا تتنافذ كأن سمر الباب بينهما، أو كان
[ ٣٤٢ ]
أحدهما بسطحه الذي لا مرقى له من المسجد وإن كان له مرقى من درج خارجه، أو أمكن الاستطراق من فرجة أو بنحو وثبة؛ إذ لاعبرة باستطراق غير معتاد.
ولو سمر الباب بينهما أثناء الصلاة .. ضر، كزوال مرقى أثناءها، لكن قال (ب ج): يغتفر في في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.
وبخلاف ما لو حال -بين جانبيه أو بين المساجد- نهر، أو طريق قديم بأن سبق أو قارن وجود ما ذكر .. فلا تصح القدوة حينئذٍ مع بعد المسافة أو الحيلولة الأتية.
وفي "التحفة": (تسمير أبواب المساجد المتنافذة المتلاصقة يمنع كونها كمسجد واحد قطعًا، بخلاف تسمير باب أو أبواب المسجد الواحد لا يصيره كمسجدين، وهو ظاهر "المنهاج" وغيره، ثم قال: ومحله ما لم يفتح لكل من النصفين باب مستقل، ولم يمكن التوصل من أحدهما للآخر) اهـ
وعلم من اشترط إمكان المرور: أن الشباك يضر.
قال (ب ج): (ويشترط في المأموم خلف الشباك من خارج المسجد وصوله للإمام من غير ازورار) اهـ
ومن المسجد: رحبته -وهي صحن المسجد على ما قاله ابن الصلاح، أو ما كان خارج المسجد محوطًا عليه؛ صيانة له، كما قاله ابن عبد السلام، سواء علم وقفيتها مسجدًا، أم لا؛ عملًا بالظاهر وهو التحويط، وإن كانت منتهكة، أو فصل بينهما طريق حادث- لا حريمه، وهو موضع اتصل بالمسجد وهيِّئ لمصلحته، كانصباب ماء وطرح قمامة .. فليس له من أحكام المسجد شيء.
(فإن كانا) أي: الإمام والمأموم (في غير مسجد) كفضاء وبيت واسع وسفينتين وسطحين (.. اشترط) مع ما مر أن يجمعهما ثلاث مئة ذراع، وأن لا يكون بينهما حائل يمنع مرورًا أو رؤية، وأن يصل إلى الإمام لو سار إليه بالسير المعتاد بغير انعطاف.
فإذا علمت ذلك .. فيشترط:
(أن لا يكون بينهما) أي: بين الإمام ومَنْ خلفه، أو بجنبه الأيمن أو الأيسر (و) لا (بين كل صفين) أو شخصين ممن يصلي خلفه أو بجانبه (أكثر من ثلاث مئة ذراع) بذراع الآدمي المعتدل وإن بلغ ما بين الإمام والأخير فراسخ.
[ ٣٤٣ ]
بشرط إمكان متابعته، وأن لا يتقدم المتأخر في الأفعال على من قبله إذا كان لا يرى الإمام؛ لأنه له كالرابطة وليست الثلاث مئة الذراع تحديدًا، بل (تقريبًا، فلا يضر زيادة ثلاثة أذرع) كما في "التهذيب"، وغيره، واعتمده في "الإمداد"، وأكثر المحشين المتأخرين، لكن قال في "المجموع": ونحوها وما قاربها، واعتمداه في "التحفة"، و"النهاية"، وهذا التقدير مأخوذ من العرف في القدوة، لا في غيرها، بدليل أنه لو حلف لا يدخل مكانًا فيه زيد، أو لا يجتمع به، فاجتمع به في المسجد .. لا يحنث.
واشتراط القرب حيث لم يجمعها مسجد يعم ما لو كانا في فضاء أو فلكين مكشوفين، أو مسقوفين، لكن المكشوفان، كالفضاء يشترط فيهما القرب فقط، والمسقوفان كبناءين يشترط فيهما القرب وعدم الحائل.
وما لو كان أحدهما في البر والآخر بسفينة، أو في بناءين كبيتين وصحن وصفه من مكان أو مكانين، سواء في ذلك المدرسة والرباط وغيرهما، فالشرط في الكل القرب، وعدم حائل يمنع الاستطراق، ورؤية الإمام أو مَنْ خلفه، وما ذكر من اعتبار القرب فقط، وهو المعتمد، تبع النووي فيه العراقيين.
واعتمد الرافعي كالمراوزة: أنه لا بد في البناءين من اتصال المناكب، بحيث لا يكون بين البناءين فرجة تسع واقفًا، فيما إذا صلى بجنبه، بأن يتصل بمنكب آخر واقف ببناء الإمام بمنكب آخر واقف ببناء المأمومين، وما عدا هذين من أهل البناءين لا يضر بُعدُهم عنهما بثلاث مئة ذراع.
وإن صلى خلفه .. فالشرط أن لا يزيد ما بين الصفين أو الشخصين الواقفين بطرفي البناءين على ثلاثة أذرع تقريبًا؛ لأن هذا المقدار غير مخل بالاتصال، (و) إنما يكتفي بالقرب على الأول بشرط:
(أن لا يكون بينهما جدار أو باب مغلق) ومن ذلك صفف المدارس الشرقية والغربية إذا كان المأموم لا يرى الإمام ولا من خلفه، فلا تصح القدوة على الطريقين؛ لأن الجدار معد للفصل بين الأماكن، وفي معناه الباب المغلق ابتداء، فإن طرأ غلقه في أثنائها بغير فعله، وعلم بانتقالات الإمام .. لم يضر.
(أو) أن لا يكون بينهما باب (مردود)؛ لمنعه الرؤية وإن لم يمنع الاستطراق، ومثله الستر المرخي (أو شباك)؛ لمنعه الاستطراق وإن لم يمنع الرؤية.
[ ٣٤٤ ]
وألحق به الخوخة الصغيرة، وعند إمكان المرور والرؤية لا يضر انعطاف في جهة الإمام، بحيث لو مشى إليه المشي المعتاد .. لا يستدبر القبلة وإن انحرف عنها وصارت لأحد جنبيه.
(ولا يضر تخلل الشارع) بين الإمام والمأموم وإن كثر طروقه.
(و) لا (النهر الكبير) وإن لم يمكن عبوره، ولا النار ونحوها (و) لا تخلل (البحر بين السفينتين)؛ لأن هذه لا تعد للحيلولة، فلا يسمى واحد منهما حائلًا عرفًا.
نعم؛ لو كان في الجدار منفذ يمكن الاستطراق منه، ولا يمنع المشاهدة، ووقف أحد المأمومين في مقابل ذلك المنفذ أو بأحد جنبيه، كما في "التحفة"، و"النهاية" بحيث يرى الإمام أو من معه في بنائه، ويصل إليه من غير ازورار .. صحت قدوة من في أحد البناءين بالآخر، وهذا في حق من بالبناء الآخر، كالإمام بالنسبة لمن خلفه، فلا يتقدمون عليه بالإحرام أو الموقف، وكذا لا يجوز بالأفعال، ولا كونه امرأة لغير نساء عند (م ر).
قال (سم): وقياسه عدم جواز كونه أميًا، ولا تلزمه الإعادة.
ولا يضر زوال الرابطة أثناء الصلاة، ولا ردّ باب المنفذ، ولا بناء حائل بينهما حيث لا تقصير.
وفي (ب ج): ويظهر اشتراط وصول من خلف الرابطة إليه من غير ازورار؛ لأن هذا إذا ألغي في حق الإمام .. فلا يلغى في حق الرابطة، وإلا .. لزم إلغاؤه بالكلية، وهو لا يصح في غير مسجد.
(إذا وقف أحدهما) أي: الإمام والمأموم (في سفل، والآخر في علو .. اشترط) في غير مسجد (محاذاة أحدهما الآخر) بأن يكون الأسفل بحيث لو مشى جهة الأعلى مع فرض اعتدال قامته .. أصاب رأسه قدميه مثلًا.
وليس المراد كون الأعلى لو سقط .. سقط على الأسفل، وهذا على طريق المراوزة.
والمعتمد: أنه لا يشترط إلا القرب وعدم الحيلولة، أمَّا في المسجد .. فليس ذلك بشرط باتفاق الطريقين.
[ ٣٤٥ ]
(ولو كان الإمام في المسجد والمأموم خارجه .. فالثلاث مئة) الذراع (محسوبة من آخر المسجد) أي: طرفه الذي يلي من خارجه؛ لأنه مبني للصلاة، فلا يعد فاصلًا، هذا إن لم تخرج الصفوف عنه، وإلا .. فمن آخر صف.
وفي عكس صورة المتن تعتبر من طرفه الذي يلي الإمام.
(نعم؛ إن صلى) المأموم (في علو داره بصلاة الإمام في المسجد .. قال الشافعي) ﵁: (لم تصح) صلاته سواء كانا محاذيين، أم لا؛ إذ المحاذاة عند القائل بها إنما تعتبر في غير مسجد كما مر وفي غير مرتفع من الأرض؛ لأن ذلك قرار، بل في نحو سطح، كما مر.
وإنما لم تصح هنا؛ لعدم الاتصال، لأن الهواء لا قرار له.
والمعتمد: نصه الآخر بالصحة كما في "التحفة"، و"النهاية"، وغيرهما.
قال في "الإيعاب": وصرح به في "التتمة"، واعتمده ابن الرفعة، فقال: لو كانا على سطحين .. فالشارع بينهما كالنهر عريضًا أو لا، ولا ينافيه ما مر عن القمولي؛ أي: من أنه لو صلى الإمام بصحن المسجد والمأموم بسطح داره .. اشترط إمكان الاستطراق العادي، ولا يكفي المشاهدة؛ لأن السطح وصحن المسجد ثَمَّ كبناءين، فاشتراط إمكان الاستطراق العادي بخلاف السطحين هنا، فالواقفان عليهما كأنهما في صحراء وبينهما نهر، وقد تقرر أنه لا يضر.
ويحمل النص بعدم الصحة على ما إذا بعدت المسافة أو حالت أبنية منعت الرؤية.
تنبيه: يؤخذ من اعتبارهم في السير كونه سيرًا معتادًا أن السير في السفن، من المرتفع منها كالأسطحة إلى المنخفض، لا يمنع قدوة من بأحدهما بالآخر؛ لأنه يصل إلى الإمام في ذلك بالسير المعتاد فيه؛ إذ العادة في كل شيء بحبسه.
أمَّا السفن الكبار .. فلأنهم يفعلون في ذلك سلمًا.
وأمَّا الصغار .. فالوثبة التي يحتاجها إلى التوصل من المرتفع إلى المنخفض لطيفة لا تمنع كون ذلك سيرًا معتادًا، وكذا الفرمان إذا حال بين الإمام والمأموم لا يضر؛ إذ المعتبر في الحائل العرف، والفرمان لا يعد حائلًا عرفًا.
[ ٣٤٦ ]
ويؤيد ذلك: أنه يفعل لسطوح البيوت تحويط بجدار، لو فرض الاستطراق منه .. لاحتاج في ذلك إلى وثبة لطيفة مع أن ذلك لم يعدوه حائلًا ولا مانعًا للمرور إلى الإمام، هذا ما ظهر، والله أعلم.
(ويكره ارتفاع أحدهما) أي: الإمام والمأموم (على الآخر) ارتفاعًا يظهر في الحس وإن قل إن أمكن وقوفهما بمستوٍ، سواء المسجد وغيره، وعند ظهور تكبر من المرتفع وعدمه؛ للنهي عن ارتفاع الإمام على المأموم، وقياسًا في ارتفاع المأموم.
وإنما يكره الارتفاع (لغير حاجة) تتعلق بالصلاة، كتبليغ توقف عليه سماع المأمومين وكتعليمهم صفة الصلاة، وإلا .. استحب، فإن لم يمكن استواؤهما ولا حاجة .. أبيح، لكن ينبغي حينئذٍ أن يكون المرتفع هو الإمام إن أمكن.
ولو تعارض الصف المتقدم مع ارتفاع أو نخفاض، والصف الثاني مع بقاء فرجة في المتقدم .. صف في الثاني.
(الشرط الرابع: نية) نحو (القدوة أو الجماعة) ولو أثناءها، أو الائتمام بالإمام، أو بمن في المحراب ومع الإطلاق عند غير الخطيب؛ لأن المتابعة عمل، فافتقرت للنية، ولا يضر كون الجماعة تصلح للإمام أيضًا؛ لأنها تنزل في كل على ما يليق به؛ لأن قرائن الأحوال قد تخصص النيات.
واعلم: أن النية القدوة تجب مطلقًا في جمعة ومعادة ومجموعة مطر، ولا تنعقد فرادى، والمنذورة جماعة تجب فيها الجماعة، لكن تنعقد فرادى، وأمَّا غيرها .. فإنما تجب على من أراد الاقتداء.
(فلو تابع) قصدًا في فعل ولو مندوبًا أو سلام بأن وقف سلامَه على سلامِه (بلا نية) اقتداء به (أو مع الشك فيها .. بطلت) صلاته (إن طال) عرفًا (انتظاره) له؛ ليتبعه في ذلك، لأنه وقف صلاته على صلاة غيره بلا رابطة بينهما.
وفي "الإمداد" أن ذلك يغتفر للجاهل، وخالفه (م ر).
وقيل: وقف فعله على فعل هو نية الاقتداء، أمَّا لو تابع اتفاقًا أو بعد انتظار يسير أو طويل بلا متابعة .. فلا يضر جزمًا؛ إذ لا يسمى متابعًا في الأولى، واغتفر في الثانية؛ لقلته، وفي الثالثة لم يتحقق بفائدته، وهي المتابعة، فألغي.
[ ٣٤٧ ]
وتقييده مسألة الشك بالطول والمتابعة هو المعتمد وإن كان ظاهر "العزيز" وغيره أن الشك هنا كهو في أصل النية، فتبطل بانتظار طويل وإن لم يتابع، ويسير مع المتابعة؛ لأن الشاك في أصلها ليس في صلاة، بخلافه هنا، فإن غايته أنه كالمنفرد، فلا بد من مبطل، وهو الانتظار الكثير مع المتابعة، ومن ثم أثر الشك في الجمعة إن طال، أو مضى معه ركن وإن قصر؛ لأن الجماعة شرط فيها، ولا تنعقد فرادى.
والانتظار الكثير هو ما يسع ركنًا، أو ما يفهم من صاحبه المتابعة.
ولو انتظر في كل ركن قليلًا ولو جمع كان كثيرًا .. فله حكم الكثير عند الطبلاوي، وحكم القليل عند (سم).
ولو ركع مع الإمام فشك في نية الاقتداء، ولم يكن أتم الفاتحة .. لزمه العود فورًا لإتمام الفاتحة؛ لأنه منفرد.
وأفهم كلام المصنف: أنه لا يجب تعيين الإمام، لكن لو عينه فأخطأ .. بطلت صلاته؛ لأن ما يجب التعرض له جملة وتفصيلًا كالصلاة، أو جملة لا تفصيلًا كنية الاقتداء، فإنها يجب التعرض لها جملة كـ (مأمومًا) لا تفصيلًا كـ (مأمومًا بزيد) يضر الخطأ فيه، وما لا يجب التعرض له جملة ولا تفصيلًا كعدد الركعات .. لا يضر الخطأ فيه، فالخطأ في تعيين الإمام مبطل ما لم يشر إليه كـ (بزيد هذا) أو (من في المحراب)؛ لأنه مع تعليق القدوة بالشخص لا يضر الخطأ في الاسم.
وأفهم أيضًا: أن نية الإمامة لا تجب على الإمام في غير ما مر، بل تسن، ولو نواها في الأثناء .. حصلت له حينئذٍ.
(الخامس: توافق نظم صلاتيهما) أي: الإمام والمأموم، بأن يتفقا في الأفعال الظاهرة وإن اختلفا عددًا ونية (فإن اختلف) نظمهما (كمكتوبة) أو منذورة أو جنازة أو نفل (وكسوف) فعل بقيامين وركوعين في كل ركعة (أو) كفرض ولو نذرًا أو نفل أو كسوف (وجنازة .. لم تصح القدوة) وكذا عكسهما، سواء علم نية الإمام أم جهلها وإن بان له ذلك قبل التكبيرة الثانية من صلاة الجنازة خلافًا للروياني؛ لتعذر المتابعة.
ومن ثم يصح الاقتداء في القيام الثاني من الركعة الثانية من الكسوف، وتدرك به الركعة عند (م ر)، وكذا في آخر تكبيرات الجنازة، وبعد سجود التلاوة، والشكر عند (حج).
[ ٣٤٨ ]
أمَّا لو صلى الكسوف كسنة الصبح .. فيصح الاقتداء بمصليها مطلقًا في غير مصلِّ كسوف بالكيفية الأولى وغير جنازة.
ويصح الفرض خلف صلاة التسبيح، وعند تطويل بما يبطل تطويله في غيرها ينتظره في الركن الذي بعده.
(و) حيث توافق نظم صلاتيهما (يصح) الاقتداء في جميع الصلوات، وحينئذٍ يصح (الظهر خلف) مصلي (العصر، و) خلف مصلي (المغرب) أو الصبح، والمقتدي في الأخيرتين كمسبوق، فيتم صلاته بعد سلام الإمام، ولا يضر متابعته في قنوت الصبح، والتشهد الأخير في المغرب كالمسبوق، بل هي أفضل من المفارقة وإن لزم عليه تطويل الاعتدال بالقنوت وجلسة الاستراحة في التشهد؛ لأنه للمتابعة، وله فارقه إذا اشتغل بهما، وهو فراق بعذر لا تفوت به فضيلة الجماعة، وكذا كل مفارقة بعذر، وكما يصح ما مر يصح أيضًا عكسه.
وإذا تمت صلاته قبل إمامه، فإن شاء .. فارقه، وانتظاره أفضل، وعند انتظاره يتشهد، ثم يطيل بالدعاء، وهذا إن لم يخش خروج الوقت ما لم يشرع فيها وقد بقي منه ما لا يسعها، وإلا .. فالمد جائز، وحيث لم يحدث في انتظاره جلوسًا لم يفعله الإمام، كأن صلى المغرب خلف مصلي العشاء، وإلا .. تعينت مفارقته قبل أن يجلس للتشهد الأخير، أو ينتظره في السجود قبله.
(و) يصح (القضاء خلف) مصلي (الأداء وعكسه، والفرض خلف) مصلي (النفل وعكسه)؛ لاتفاق النظم في الجميع، والانفراد هنا أفضل؛ خروجًا من الخلاف؛ لأنه -وإن كان ضعيفًا ولم يقتض الكراهة- يؤثر نقصًا في الصلاة، فالصلاة منفردًا -من حيث كونها متفقًا على صحتها- أفضل منها جماعة مع وجود الخلاف فيها، ومحل كون الانفراد فيما ذكر أفضل في غير مصلي مكتوبة خلف معادة وعكسه؛ لأن المعادة لمَّا اختلف في فرضيتها .. لم تكن كالنفل المحض.
(لسادس: الموافقة في سنة فاحشة المخالفة) أي: تفحش مخالفة المأموم للإمام فيها فعلًا أو تركًا.
[ ٣٤٩ ]
(فلو ترك الإمام سجدة التلاوة، وسجدها المأموم أو عكسه) بأن سجدها الإمام، وتركها المأموم، (أو ترك الإمام) جميع (التشهد الأول وتشهده المأموم .. بطلت) صلاته إن علم وتعمد وإن لحقه على القرب؛ لعدوله عن فرض المتابعة إلى سنة.
ويخالف ذلك سجود السهو والتسليمة الثانية؛ لأنهما يفعلان بعد فراغ القدوة.
أمَّا غير الفاحشة المخالفة كجلسة الاستراحة، وقنوت أتى به وأدرك الإمام في السجدة الأولى .. فلا يضر، كما مر؛ لأنه يسير.
وفارق القنوت التشهد الأول حيث يضر التخلف له وإن أدرك الإمام في القيام بأنه في التشهد .. أحدث جلوسًا لم يفعله الإمام، وفي القنوت .. أطال ما كان فيه الإمام، فإن أتى الإمام ببعض التشهد الأول .. جاز للمأموم إكماله؛ لأنه مستصحب.
(وإن تشهد الإمام وقام المأموم) سهوًا .. لزمه العود، فإن لم يعد .. بطلت صلاته، أو (عمدًا .. لم تبطل) صلاته بتقدمه، وكذا لو سجد عمدًا وإمامه في القنوت .. لم تبطل؛ لانتقاله من واجب إلى واحب فيهما كما مر وهذا كالمستثنى من بطلان ما فيه فحش مخالفة.
(السابع: المتابعة) للإمام، وهي تكون في المكان والتحرم والأفعال، وكل واجب ومندوب.
أمَّا الأولى .. فمر أن الواجب: أن لا يتقدم على إمامه ولا يتأخر عنه في غير المسجد بأكثر من ثلاث مئة ذراع على ما مر.
والمندوب: أن يخرج عن محاذاته بثلاثة أذرع فما دون.
وأما الثاني .. فالواجب فيه: أن يتأخر جميع تكبير إحرامه عن جميع تكبير إمامه، والمندوب: أن يحرم بعده فورًا.
(فإن قارنه في التحرم) أو في بعضه، أو شك أثناء التكبير في المقارنة أو بعده، وطال الزمن، أو أعتقد تأخر تحرمه فبان تقدمه (.. بطلت) أي: لم تنعقد صلاته؛ لخبر: "إذا كبر الإمام .. فكبروا"، ولأنه إنما يتبين دخوله في الصلاة بتمام التكبير، فالاقتداء قبل ذلك اقتداء بمن ليس في صلاة، أو بمن لم يعلم كونه فيها، ولإمكان الاطلاع على حال الإمام في الآخيرة.
[ ٣٥٠ ]
وفارق ما لو بان جنبًا، فإفتاء البغوي: أنه لو كبر فبان أن إمامه لم يكبر .. انعقدت له منفردًا، ضعيف.
أمَّا لو زال الشك عن قرب .. فلا يضر، كالشك في أصل النية، وأمَّا لو لم يبن تقدمه بعد اعتقاد تأخر إحرامه .. فلا يضر أيضًا، وهذا من المواضع التي فرقوا فيها بين الظن والشك.
وأما المتابعة في الأفعال .. فتكون مندوبة بأن يجري على إثر إمامه في الأفعال والأقوال، بحيث يكون ابتداءه بكل منهما متأخرًا عن ابتداء إمامه، ومتقدمًا على فراغه منه.
وأكمل من هذا أن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن جميع حركة الإمام، فلا يشرع حتى يصل الإمام لحقيقة المنتَقَل إليه.
نعم؛ لو علم من حاله أنه لو أخر، كذلك لم يدركه في المنتَقَل إليه .. قدم انتقاله، بحيث يظن إدراكه فيه.
وتكون واجبة بأن لا يتأخر عنه بركنين، ولا يتقدم عليه بركنين.
(وكذا) تبطل صلاة المأموم مع الحرمة (إن تقدم عليه) -أي: على الإمام- عامدًا عالمًا بالتحريم (بركنين فعليين) متوالين طويلين، أو طويل وقصير؛ لفحش المخالفة، وذلك بأن يركع ويعتدل ويهوي للسجود، والإمام قائم، كما اعتمده شيخ الإسلام، والخطيب، و(م ر) وغيرهم.
قال في "التحفة": (أو أن يركع قبل الإمام، فلما أراد الإمام أن يركع .. رفع، فلما أراد أن يرفع .. سجد، فلم يجتمع معه في ركوع ولا اعتدال، وفارق التخلف بأن التقدم أفحش، ومن ثم حرم بركن مع العلم والعمد بخلاف التخلف به، فمكروه) اهـ
وبما ذكره تعلم: أن (أو) في كلامه للتنويع، لا للترديد.
(أو تأخر) عنه (بهما) أي: بالركنين التامين، بأن فرغ الإمام منهما، وهو فيما قبلهما، كأن يزول عن حد الاعتدال، والمأموم في القيام، وهذا إن كانا (لغير عذر) -مما يأتي، كالتخلف؛ لإكمال سنة كالسورة- وإلا .. لم تبطل.
والعذر في التقدم أن يكون ناسيًا أو جاهلًا معذورًا، لكن لا يعتد له بهما، فإن لم يعد
[ ٣٥١ ]
للإتيان بهما مع الإمام .. أتى بعد سلام إمامه بركعة، وإلا .. بطت صلاته، وفي التخلف بما ذكر، وبما يلأتي في قوله: (فإن تخلف بعذر) إلخ.
(فإن قارنه في غير التحرم) من أفعال الصلاة .. لم يضر، لكن يكره، وتفوت به فضيلة الجماعة فيما قارنه فيه فقط على ما مر.
والأوجه: كراهة المقارنة في الأقوال أيضًا ولو في سرية ما لم يعلم من إمامه أنه لو تأخر إلى فراغه من القراءة .. لم يدركه في الركوع.
(أو تقدم عليه بركن فعلي، أو تأخر عنه به) ولو طويلًا (.. لم يضر) في صحة الصلاة؛ لقلة المخالفة.
(ويحرم تقدمه عليه بركن فعلي) تام مع العلم والتعمد، بل هو من الكبائر؛ لخبر: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار؟! " قال (م ر): والسبق ببعض ركن كالسبق بالركن، واعتمد (حج): أن السبق ببعض ركن مكروه، كالتأخر بركن تام.
والحاصل: أن التقدم عليه بركنين فعليين حرام ومبطل، كالتأخر بهما لغير عذر، وبركن حرام، ولا يبطل، وكذا ببعضه عند (م ر)، وبمجرد حركة الهوي مكروه كالتأخر بركن تام.
ويسن العود لمن سبق إمامه إلى ركن لا تفحش المخالفة به كالركوع، والسجود الثاني قبله؛ ليوافقه إن تعمد، وإلا .. تخير، ولا تبطل بالتقدم بركن أو ركنين قوليين، لكن يكره.
ولو علم أنَّ إمامه يقتصر على الفاتحة .. لزمه أن يقرأ الفاتحة مع قراءته لها كما في "التتمة"، وهو ظاهر إن أراد البقاء على متابعته، وعلم أنه لا يكمل فاتحته إلا وقد سبقه بأكثر من ركنين فعليين.
(وإن تخلف) المأموم (بعذر) .. عذر في التخلف في عشر مسائل: ست لا خلاف فيها.
والعذر (كبطء قراءة) واجبة (بلا وسوسه) بل لعجز خلقي، وينبغي في وسوسة، كالخلقية بحيث يقطع كل من رآه أنه لا يمكنه تركها، أن يأتي فيه ما في بطيء الحركة.
[ ٣٥٢ ]
(و) كـ (اشتغال المأموم الموافق) عن الفاتحة (بدعاء الافتتاح) أو غيره من السنن كالتعوّذ، والإنصات للإمام، حتى ركع إمامه وإن لم يشرع فيها، أو لم يسن له دعاء الافتتاح.
(أو) كأن (ركع إمامه فشك) بعد ركوعه، وقبل أن يركع هو (في) قراءته ("الفاتحة"، أو تذكر) حينئذٍ (تركها).
أمَّا لو ركع قبل إمامه، فشك في ركوعه في قراءته الفاتحة .. فيلزمه العود لقراءتها؛ لأنه لما ندب أو جاز له العود منه إلى القيام .. كان كالشك فيها قبل ركوعه.
وأمَّا لو شك في قراءتها أو تذكر تركها بعد ركوعه مع إمامه .. فلا يعود، بل يصلي ركعة بعد سلامه.
(أو) كأن (أسرع الإمام قراءته) الفاتحة والسورة، أو السورة فقط في جهرية، وركع قبل أن يتم المأموم فاتحته وإن لم يكن بطيء قراءة.
أمَّا لو أسرع في الفاتحة ولم يقرأ غيرها .. فالمأموم معه مسبوق.
أو: كأن انتظر المأموم سكته إمامه؛ ليقرأ فيها الفاتحة فلم يسكت، بل ركع عقبها أو قرأ سورة قصيرة.
فهذه ست صور إذا تخلف فيها المأموم عن إمامه (عذر) في تخلفه؛ لإتمام قراءة ما بقي عليه من الفاتحة؛ لعذره بوجوب ذلك عليه (إلى) تمام (ثلاثة أركان طويلة) وهي المقصودة لذاتها، فلا يحسب منها اعتدال ولا جلوس بين السجدتين؛ لأنهما مقصودان للفصل، لا لذاتهما.
وذلك بأن ينتهي إلى الرابع، أو إلى ما هو على صورته وهو التشهد الأول، فما دام لم يتلبس الإمام به .. يسعى المأموم على ترتيب نفسه.
والأربع المسائل المختلف فيها: أحدها: لو نام في تشهده الأول متمكنًا، فانتبه، فوجد إمامه راكعًا.
ثانيها: لو سمع تكبير الرفع من سجدة الركعة الثانية، فجلس للتشهد ظانًا أن الإمام فيه فإذا هو في الثالثة، فكبر للركوع فظنه لقيامها، فقام فوجده راكعًا.
ثالثها: لو نسي كونه مقتديًا، وهو في سجوده مثلًا، ثم ذكر فلم يقم عن سجدتيه إلاَّ
[ ٣٥٣ ]
والإمام راكع، فهذه الثلاث عند (م ر): يتخلف فيها المأموم، وهو تخلف بعذر.
وعند (حج): أنه فيها كالمسبوق، فيركع مع الإمام، وتسقط عنه الفاتحة أو بعضها.
ورابعها: التخلف لإتمام التشهد الأول إذا قام الإمام قبل أن يتمه المأموم، فعند (م ر): هو متخلف بعذر يغتفر له ما مر.
وعند (حج) كالموافق المتخلف لغير عذر يغتفر له ما لم يسبق بركنين فعليين.
واعتمد جمع: أنه كالمسبوق، فيركع مع إمامه، وتسقط عنه الفاتحة أو بعضها.
(فإن زاد) التخلف على ما ذكر بأن انتهى الإمام إلى الرابع بأن لم يفرغ المأموم من فاتحته إلاَّ والإمام قد انتصب للقيام أو جلس للتشهد ولو الأول (.. نوى المفارقة أو وافقه) أي: أنه يجب عليه إذا تلبس إمامه بالرابع إما نية المفارقة .. فيجري على ترتيب صلاة نفسه، أو نية موافقته (فيما هو فيه) فيترك ترتيب نفسه ويتبعه بالفعل أو بالقصد، فإن كان قائمًا .. وافقه فيه بالقصد، ويعتد له بما قرأه من الفاتحة، أو جالسًا وافقه بالفعل، فيجلس معه ويلغي ما قرأه بفراقه حد القائم، وإذا تبعه وركع الإمام قبل إكماله الفاتحة .. عذر، لتخلفه لها، كما مر.
(و) إذا نوى موافقته .. (أتى بركعة) بدل الركعة التي فاتته (بعد سلامه) -أي: الإمام- كالمسبوق، فإن جرى على ترتيب صلاة نفسه بلا نية مفارقة .. بطلت صلاته إن علم وتعمد، وإلاَّ .. لم تبطل، ويلغى ما أتى به، فلا يعتد له بتلك الركعة؛ لفحش المخالفة.
وإن تلبس الإمام بالخامس وهو إلى الآن لم ينو موافقته، ولا مفارقته .. بطلت صلاته إن علم وتعمد.
(هذا) كله (في الموافق، وهو من أدرك مع الإمام قدر " الفاتحة") بالنسبة إلى القراءة المعتدلة، لا لقراءة الإمام، ولا لقراءة نفسه على الأوجه.
ولو شك هل أدرك زمنًا يسعها، أو لا؟ تخلف لإتمامها، ويدرك الركعة عند (م ر) ما لم يسبق بأكثر من ثلاثة أركان طويلة، وعند (حج) إن أدرك الإمام في الركوع .. أدركها، وإلا .. فلا.
[ ٣٥٤ ]
(وأما المسبوق) وهو من لم يدرك ما مر في الموافق في ظنه من الركعة الأولى أو غيرها (إذا ركع الإمام) وهو باق (في "فاتحته") .. لم يكملها، أو في سنة كالافتتاح، أو وهو ساكت.
(فإن) كان قد (اشتغل بسنة، كدعاء الافتتاح أو التعوذ) أو لم يشتغل بشيء بأن سكت زمنًا بعد تحرمه مع علمه بأن واجبه (الفاتحة)، أو وردد آية (.. قرأ) وجوبًا من (الفاتحة)، سواء علم أنه يدرك الإمام قبل سجوده، أم لا (بقدرها) أي: بقدر حروف السنة التي اشتغل بها أو السكوت، أو المردد في ظنه؛ لتقصيره في الجملة بعدُوله عن فرض إلى غيره وإن ندب له الافتتاح، والتعوّذ؛ لظنه أنه يدرك (الفاتحة)، فركع الإمام على خلاف ظنه.
(ثم إن) أكمل قراءة ما لزمه قبل هوي الإمام للسجود، فإن (أدركه في الركوع .. أدرك الركعة، وإلا) يدركه فيه، بأن لم يطمئن فيه قبل ارتفاع الإمام عن أقله (.. فاتته الركعة)؛ إذ المسبوق لا يدرك الركعة إلا بالركوع، ولا يركع بل لو رفع إمامه من الركوع مع هويه إليه. رجع معه وجوبًا، وإلا .. بطلت صلاته إن علم وتعمد؛ لأنه زيادة محضة، (و) حينئذٍ (يوافقه) وجوبًا فيما هو فيه، فما بعده من الأفعال (ويأتي بركعة) بعد سلامه؛ لفواتها.
وإن لم يفرغ وقد أراد الإمام الهوي للسجود .. فقد تعارض في حقه وجوب وفاء ما لزمه، وبطلان صلاته بهوي إمامه للسجود، فلا مخلص له إلا نية المفارقة؛ ليكمل (الفاتحة)، ويجري على ترتيب نفسه، وهي مفارقة بعذر وإن قصر بارتكاب سببها.
أمَّا إذا جهل أن واجبه (الفاتحة) .. فهو متخلف لما لزمه بعذر كما قاله (حج)، و(م ر).
وقال (سم): (قضيته: أنه كبطيء القراءة مع أن فرضه في المسبوق، وهو لا يدرك الركعة إلا بالركوع مع الإمام) اهـ وأجيب: بأن كونه معذورًا أن صلاته لا تبطل بتخلفه إلا بأكثر من ثلاثة أركان طويلة وإن كان لا يدرك الركعة إلاَّ بالركوع مع الإمام.
(وإن لم يشتغل) المسبوق بعد إحرامه (بسنة) ولا غيرها، بل بالفاتحة (.. قطع القراءة) إذا ركع إمامه (وركع معه).
[ ٣٥٥ ]