(أحق الناس بالإمامة: الوالي) في محل ولايته ولو فاسقًا، ويقدم الأعلى فالأعلى، لخبر: "لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه".
نعم؛ لو ولى الإمام أو نائبه شخصًا على مسجد مثلًا .. فهو أولى من والي البلد وقاضيها، والكلام فيمن تضمنت ولايتهم الإمامة نصًا أو عرفًا، بخلاف ولاة الحروب والشرطة، فلا حق لهم فيها.
وإذا كان الوالي أحق (فيتقدم) بنفسه (أو يقدم غيره)؛ إذ الحق له، فينيب من أراد.
[ ٣٥٨ ]
(ولو) أقيمت الصلاة (في ملك غيره) وقد أذن في الصلاة فيه، وإن لم يأذن في الجماعة.
نعم؛ إن زاد زمنها على زمن الانفراد .. احتيج لإذنه فيها أيضًا؛ وذلك لأن تقدم غيره بحضرته من غير إذنه لا يليق ببذل الطاعة له.
وسيأتي أن صلاة الجنازة، القريب أولى بها.
(و) الأحق بعد الوالي في الملوك (الساكن) أي: مستحق المنفعة (بملك) لها (أو إعارة أو إجارة أو وقف أو وصية) أو إذن سيد، فحينئذٍ (يتقدم أو يقدم) من تصح إمامته ولو فاسقًا، ومع وجود أفضل منه وإن لم يكن مقدمه أهلًا للصلاة ككافر؛ لخبر أبي داوود: "لا يؤمن الرجل الرجل في بيته" (إلا أن المعير أحق من المستعير)؛ إذ المعير مالك للمنفعة، وله الرجوع فيها متى شاء.
(والسيد أحق من عبده) أي: قنه (الذي ليس بمكاتب) كتابة صحيحة، أما هو .. فمقدم على سيده بالتقدم والتقديم؛ لأنه مستقل.
(والإمام الراتب) بمحل جماعة (أحق من غير الوالي) الذي ولاه.
وإن اختص الغير بنحو فقه وورع .. (فيتقدم أو يقدم) أهلًا للإمامة، ولو لم يحضر الراتب أو لم يأذن ولم يظن رضاه .. سن الإرسال إليه ليحضر، أو يأذن، فإن خيف فوت أول الوقت ولا فتنة ولا تأذ .. أمَّ القوم أحدهم، فإن ضاق الوقت .. جمعوا مطلقًا، وهذا في مسجد غير مطروق، وإلا .. فلا تكره فيه الجماعة مطلقًا وإن تعددت في وقت واحد، وهذا في المقدم بالمكان، فيتقدم أو يقدم، وأمَّا المقدم بالصفة، كأفقه .. فله التقدم لا التقديم.
(ثم) إن لم يكن مقدم بالمكان، كأن كانوا بموات، أو بمسجد لا راتب له، أو له راتب ولم يصل معهم ولم يقدم أحدًا .. (قدم) بالصفة.
فيقدم (الأفقه) بأحكام الصلاة؛ إذ الحاجة إلى الفقه أهم؛ لعدم انحصار حوادث الصلاة.
[ ٣٥٩ ]
(ثم) إن استوى اثنان فقهًا .. قدم (الأقرأ) أي: الأحفظ، كما في "شرحي الإرشاد"، أو الأصح قراءة كما في "التحفة" و"النهاية"؛ إذ حاجة الصلاة إلى القراءة أشد من الورع.
(ثم) إن استويا فيما مر .. قدم (الأورع) و(الورع): ترك الشبهات، فإن ترك ما زاد على الحاجة من الحلال .. كان زاهدًا، ومن ثم يقدم الأزهد على الأورع.
(ثم) إن استويا، فيما مر .. قدم (من سبق بالهجرة) إليه ﷺ بالنسبة لآبائه، أو لدار الإسلام بالنسبة إلى هجرته (هو أو أحد آبائه) إليها.
(ثم) -بعد من ذكر- يقدم الأسن، والمراد به (من سبق إسلامه) فيقدم شاب أسلم أمس على شيخ أسلم اليوم، فإن أسلما معًا .. قدم الشيخ، ويقدم المسلم بنفسه على المسلم تبعًا وإن تأخر إسلام الأول.
(ثم) يقدم -بعد من ذكر- (النسيب) بما يعتبر في الكفاءة (ثم حسن الذكر) بأن يكون ثناء الناس بالجميل عليه أكثر؛ لأنه أهيب، والقلوب إليه أميل.
(ثم نظيف الثوب) فالوجه (ثم نظيف البدن، و) بعده (طيب الصنعة، ثم حسن الصوت)؛ لميل القلوب إلى الأقتداء به، واستماع كلامه.
(ثم حسن الصورة) أي: الوجه، فالأحسن زوجة، فالأبيض ثوبًا على لابس الثوب الأسود.
قال في "الشرح": وهذا أخذه من "الروضة"، و"التحقيق"، وهو المعتمد؛ إذ المدار-كما أشعر به تعليمهم- على ما هو أفضى إلى استمالة القلوب، وكل واحد مما ذكر أفضى إلى ذلك مما بعده، وحينئذٍ فالأولى بعد الاستواء في النسب وما قبله: الأحسن ذكرًا، فالأنظف ثوبًا فبدنًا فصنعة، فالأحسن صوتًا فوجهًا.
(فإن استووا) في جميع ما مر وتشاحوا (.. أقرع) بينهم.
(والعدل) ولو مفضولًا (أولى من الفاسق، وإن كان) الفاسق حرًا [أو] (أفقه، أو أقرأ)؛ إذ لا وثوق بمحافظته على الواجبات، ولخبر الحاكم وغيره: "إن سرَّكم أن
[ ٣٦٠ ]
تقبل صلاتكم .. فليؤمكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم"، وفي مرسل: "صلوا خلف كل برٍّ وفاجر"، ويعضده صلاة ابن عمر خلف الحجاج، وكفى به فاسقًا، فتكره خلفه إن وجد غيره، على ما مر.
ومثله المبتدع، بل أشد؛ لأن اعتقاده لا يفارقه، بل تحرم على أهل الصلاح؛ لأن ذلك يحمل الناس على تحسين الظن بهما، وتكره الإمامه لكل منهما إلا أن يقتدي به مثله، ويحرم نصبه إمامًا؛ لما فيه من الخلل، فيوقع الناس بإمامته في النقص، ولا يصح ولا يستحق المعلوم وإن باشر الإمامة.
ويجوز لكل ذي وظيفة من إمامه وأذان وتدريس وغيرها، أن ينيب مثله أو أحسن منه فيها، ويستحق حينئذٍ المعلوم.
(و) كذلك (البالغ) ولو قنًا (أولى من الصبي وإن كان) الصبي حرًا، أو (أفقه أو أقرأ)؛ لكراهة الاقتداء، وللخلاف في إمامته.
(والحر أولى من العبد)؛ لأنه أكمل (ويستوي العبد الفقيه) أو القارئ مثلًا (والحر غير الفقيه) أو القارئ؛ لانجبار نقص الرق بما انضم إليه من صفة الكمال.
وإنما كان الحر أولى في صلاة الجنازة مطلقًا؛ لأن القصد بها الدعاء والشفاعة، وهو بهما أليق.
(والمقيم) والمتم (أولى من المسافر) الذي يقصر؛ لأنه إذا أمَّ .. لا يختلفون، وإذا أمَّ القاصر .. اختلفوا.
(وولد الحلال أولى من ولد الزنا) ومن لا يعرف له أب وإن كان أفقه أو أقرأ؛ إذ إمامته خلاف الأولى.
(والأعمى كالبصير) حيث لم يزد أحدهما بشيء مما مر، كحرية ونظافة؛ أذ الأول أخشع؛ لعدم نظره ما يشغله، والثاني أحفظ لتجنب الخبث، فإن لم يكن الأعمى خاشعًا .. فالبصير أولى، أو لم يكن البصير متحاشيًا عن الخبث .. فالأعمى أولى، والسميع والأصم سواء.
* * *
[ ٣٦١ ]