ومنها: كونها نفلًا، ومن ثم وجبت قراءة (الفاتحة) على فاقد الطهورين في المكتوبة، وقراءة آية في خطبة جمعة.
وكونها باللفظ بحيث يسمع نفسه حيث لا عارض، فلا تحرم بالقلب ولا الهمس.
وكونها من مسلم مكلف، فلا يمنع الكافر منها إن لم يكن معاندًا ورجي إسلامه، ولا الصبي، والمجنون.
وخرج بـ (القرآن): نحو التوراة، وما نسخ تلاوته كآية الرجم، والأحاديث القدسية.
* * *
(فصل: وأقل الغسل) شيئان:
أحدهما: النية لغسل حي واجبًا كان أو مندوبًا؛ إذ المندوب كالمفروض في الواجب من جهة الاعتداد به، وفي المندوب من جهة كماله.
نعم؛ يتفارقان في كيفية النية.
فيجب في الجنب (نية رفع الجنابة) ذاتها إن أريد بها الأمر الاعتباري، أو المنع من نحو الصلاة، أو حكمها إن أريد سببها، وفي الحائض رفع حدث الحيض.
ويرتفع نفاس بنية حيض وعكسه ولو مع العمد ما لم يقصد المعنى الشرعي عند (حج).
وفي الولادة: رفع حدث الولادة.
ويكفي في الجميع: نية استباحة مفتقر إليه كالقراءة.
(أو) ينوي كلٌّ ممن ذكر (فرص الغسل) أو أداء الغسل، أو الغسل، عن نحو الحيض، أو للصلاة، أو الطهارة للصلاة لا الغسل، أو الطهارة فقط؛ لأنه يكون عادة وعبادة، وبه فارق الوضوء.
قال (ب ج): (وقد يكون مندوبًا، فلا ينصرف للواجب إلا بالنص عليه؛ لأنه لما تردد القصد فيه بَيْنَ أسبابٍ ثلاثة: العادي كالتنظيف، والندب كالعيد، والوجوب كالجنابة .. أحتاج إلى التعيين، بخلاف الوضوء فليس له إلاَّ سبب واحد، وهو
[ ١٣١ ]
الحدث، فلم يحتج إلى تعيين؛ لأنه لا يكون عادة أصلا، ولا مندوبا لسبب، وليست الصلاة بعد الوضوء سببا للتجديد، وإنما هي مجوزة له فقط لا جالبة له، ولذلك لم تصح إضافته إليها، قاله البرماوي) اهـ
(أو رفع الحدث) أو الحدث الأكبر، أو عن جميع البدن، وهما أفضل من الإطلاق، فتجزئ في جميع ما ذكر؛ لتعرضه للمقصود في غير رفع الحدث، ولاستلزام رفع المطلق رفع المقيد فيه، ويأتي هنا ما مر في الوضوء.
ومنه: أنه يجب على سلس المني نية نحو الاستباحة، ولا يكفيه نيةُ رفع الحدث، أو الطهارة عنه، وأنه لو نفى من أحداثه غير ما نواه .. أجزأه وأنه لو نوى رفع جنابة الاحتلام وإنما عليه جنابة جماع، أو حدث حيض .. صح مع الغلط، ولو قصد بالجنابة معناها اللغوي -وهو البعد- ارتفع حدث نحو الحيض بنيتها ولو عمدا، ولو نوى الأصغر، وعليه أكبر .. ارتفع حدثه عن أعضاء الوضوء فقط غير رأسه؛ إذ لا مسح في الجنابة.
(و) ثانيهما: (استيعاب جميع) ظفره، و(شعره) ظاهرًا وباطنًا، وإن كثف (و) جميع ظاهر (بشره) وما ظهر من نحو منبت شعره زالت قبل غسل، وصماخ وأنف جدع، وشقوق لا غور لها، وفرج بكر أو ثيب إذا قعدت لقضاء حاجتها، وما تحت قلفة الأقلف إلا باطن فم وأنف وفرج وشعر بباطن أنف أو عين وإن طال، بل لا يسن غسل باطن عين لحدث، بخلافه للنجاسة، فيجب؛ لأنها أغلظ، وإلا باطن عقد شعر، ولا يجب قطعها للمشقة، وبه فارق الضفائر، فيجب نقضها، ولا التيمم عنه.
(ويجب قرن النية بأول مغسول)؛ ليعتد به، فلو نوى بعد غسل جزء .. وجبت إعادته، ولو اقترنت بسنة كالسواك .. فكما مر في الوضوء.
(وسننه) كثيرة منها: (الاستقبال) والقيام (والتسمية مقرونة بالنية، وغسل الكفَّين) ويفعل أوله ما مر في الوضوء، ويرتب أفعال غسله، فيغسل كفيه، ثم فرجه، وما حوله، ثم يتمضمض ويستنشق غيرهما في الوضوء الآتي، وكره تركهما؛ للخلاف في وجوبهما كالوضوء له، وندب تدارك ما فاته منها ولو بعد الغسل ثم -بعد ما مر- يتوضأ وضوءًا كاملًا بواجباته وسننه، وينوي به رفع الحدث الأصغر وإن تجردت جنابته عنه وإن أخره عن الغسل خروجًا من خلاف القائل بعدم اندراج الأصغر في الأكبر ومن خلاف
[ ١٣٢ ]
القائل إن خروج المني ينقض الوضوء كما بينته في "الأصل".
وينبغي لمن يغتسل من نحو إبريق قَرنُ النية بغسل محل الاستنجاء؛ إذ قد يغفل عنه فلا يتم طهره، وإن ذكره .. احتاج إلى لف خرقة على يده، وفيه كلفة، أو إلى المس، فينتقض وضوءه، فيصير على الكف حدث أصغر دون الأكبر، فلا يندرج حينئذٍ، فيحتاج إلى غسلها بنية الوضوء.
فالأولى أن ينوي رفع الحدث عن محل الاستنجاء فقط؛ ليسلم من ذلك.
(و) منها: (رفع الأذى) الطاهر كمني، والنجس الحكمي والعيني، الذي هو أثر مجرد، وإلاَّ .. وجبت إزالته قبل الغسل.
ومنها: أن يخط خطًا إذا اغتسل بفلاة ولم يجد ما يستتر به.
ويسن لمن اغتسل عاريًا أن يقول: باسم الله الذي لا اله إلا هو؛ لأن ذلك ستر عن أعين الجن، ويجلس بمحل لا يناله رشاش فيه، ولا يدخل الماء بلا مئزر إلى أن يستره الماء.
(ثم) بعد الوضوء يندب (تعهد مواضع الانعطاف) كإبط وطِبَق بطن وأذنين، ولم يجب؛ لما مر أنه يكفي غلبة الظن في الطهارة، ويتأكد أن يميل أذنيه على ماء في كفه؛ ليثق بوصوله لباطنهما من غير دخوله صماخيه، وللصائم آكد، بل بحث وجوبه عليه.
(وتخليل أصول الشعر ثلاثا بيده المبلولة) كأن يدخل أصابعه العشر في الماء ثم الشعر ولو محرما عند (حج)، لكن برفق؛ لأن هذا -كما قبله- أقرب إلى الثقة بوصول الماء، وأبعد عن الإسراف.
(ثم الإفاضة) للماء (على رأسه) للاتباع، ولا يندب فيه التيامن إلاَّ لنحو أقطع لا تتأتى له الإفاضة (ثم) بعد فراغ الرأس تخليلًا، فإفاضةً يفيض الماء على (شقه الأيمن) المقدم منه ثم المؤخر (ثم الأيسر) كذلك.
[ ١٣٣ ]
(والتكرار) لجميع السنن حتى الذكر نظير ما في الوضوء؛ إذ أكثر سننه تجري هنا (ثلاثًا) قال في "التحفة": (يثلث -بالشروط السابقة في الوضوء- تخليل شعر رأسه ثم غسله؛ للاتباع، ثم تخليل شعور الوجه ثم غسله، ثم تخليل شعور البدن ثم غسله؛ قياسا على الرأس، وهذا الترتيب -وان لم أر من صرح به- ظاهر، وتثليث البقية إمَّا بان يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر، ثم هكذا ثانية ثم ثالثة، أو يوالي ثلاثة الأيمن ثم ثلاثة الأيسر وقياس الوضوء .. تعين هذه للسنة).
وذكر الفرق بين الوضوء والغسل، ثم قال: (وكفى جري الماء ثلاثا إن كان جاريًا، وإلا .. تحرك ثلاث مرات) اهـ
والأولى تأخير التكرار عن الدلك؛ ليتناول التكرار له.
(والدلك)؛ خروجا من خلاف موجبه وكونه في (كل مرة) من الثلاث لجميع البدن، فيستعين لما لا تصل يده إليه بخرقة.
قال في" التحفة": (ولا يضر تأخير الدلك عن الغسل ولا تقديمه على الإفاضة).
(واستصحاب النية) ذكرًا بالقلب في جميعه كالوضوء.
(وأن لا ينقص ماؤه عن صاع) في معتدل خلقة؛ لأنه ﷺ: (كان يغتسل بصاعٍ) فإن نقص أو أسبغ .. كفى، وأما غير المعتدل .. فيزيد وينقص بحسب حاله.
(وأن تتبع المرأة) ولو بكرًا وخلية (غير معتدة الوفاة) والمحرمة (أثر الدم) حيضًا أو نفاسًا (بمسك) بأن تجعله بعد غسلها بنحو قطنة، وتدخلها إلى ما يجب غسله من فرجها؛ للأمر به.
وحكمته: تطييب المحل لا سرعة العلوق فقط؛ لاستحبابه لغير مزوجة.
أمَّا معتدة الوفاة والمحرمة .. فيحرم عليهما.
نعم؛ يسن للمحدة تطييبه بقليل قسط أو أظفار.
(ثم) إن لم تجد مسكًا .. سن (بطيب) غيره (ثم) إن لم تجده .. سن (بطين، فإن لم تجده) أو لم تفعله (.. فالماء كاف) في دفع الكراهة.
[ ١٣٤ ]