(غسله) أي: الميت المسلم الغير الشهيد ولو غريقًا وسقطًا وقاتل نفسه (وتكفينه والصلاة عليه) وحمله (ودفنه فرض كفاية) إجماعًا، إلا قولًا للمالكية في غسله أنه سنة على من علم بموته من أقاربه وغيرهم، فإذا فعله واحد منا ولو غير مميز أو ميتًا أو غسل الميت نفسه، وكذا لو غسلته الجن عند (م ر) .. سقط الحرج عن الباقين.
أمَّا الكافر .. فيجب تكفين وحمل ودفن ذي أمان، ويجوز غسله، وتحرم الصلاة عليه.
ولا يجب لحربي شيء من ذلك، ويجوز عليه ما عدا الصلاة.
(وأقل الغسل) للميت (تعميم بدنه) كله، كالحي ولو من كافر وغير مميز، حتى غسل ما ظهر من فرج المرأة عند جلوسها على قدميها، ولا تجب لهذا الغسل نية، بل تسن؛ إذ المقصود منه النظافة، ولا يشكل بالأغسال المسنونة؛ لأن الغسل من الحي يقع عادة وعبادة، فاحتاج لنية، وغسل الميت لا يقع إلا عبادة.
ويجب كون غسله (بعد إزالة النجاسة) العينية عنه إن كانت عليه.
أمَّا الحكمية والتي في معناها من العينية .. فتكفي جرية واحدة لها ولغسله، كما مر.
(ويسن) إن يغسل (في قميص)؛ لأنه أستر له، وكونه باليًا سخيفًا؛ ليصل الماء إليه بسهولة، ثم إن اتسع .. أدخل يده في كمه، وإلا .. فتح دخاريصه، فإن لم يجده أو لم يرد غسله فيه .. ستر ما بين سرته وركبته مع جزء من كل منهما.
[ ٤٤٩ ]
(وفي خلوة) عن غير الغاسل ومعينه والولي وإن لم يعاون؛ إذ قد يكون ببدنه ما يطلب إخفاؤه (وتحت سقف)؛ لأنه استر.
(و) يرفع (على) نحو (لوح) مهيأ لذلك؛ لئلا يصيبه الرشاش، ويستقبل به القبلة، ويرفع منه ما يلي الرأس، ويغطي وجهه بخرقة من أوّل ما يضعه على المغتسل.
(ويغض الغاسل، ومن يعينه بصره) ندبًا في غير عورة، وفيها وجوبًا، إلا حليل وحليلته، فلا حرمة فيهما، لكنه يكره؛ لأنه قد يكون به ما يكره اطلاع أحد عليه (إلا لحاجة) إلى النظر، كمعرفة المغسول من غيره، فلا بأس به، واللمس كالنظر.
وندب غسله بماء بارد؛ لأنه يشد البدن، والمسخن يرخيه، فلا يغسل به إلا لنحو شدة برد أو وسخ، ولا يبالغ في تسخينه، والماء المالح أولى من العذب؛ لأنه يرخي البدن.
ويكره غسله من زمزم؛ للخلاف في نجاسة الميت، وندب أن يعد إناء واسعًا للماء، ويبعده عما يقذره من الرشاش وغيره، ويعد معه إناءين صغيرًا ومتوسطًا يغرف بالصغير من الكبير إلى الوسط، ثم يغسله بالمتوسط.
(و) سن (مسح بطنه) بيده اليسرى (بقوة) غير شديدة؛ (ليخرج ما فيه) من الفضلات؛ لئلا تخرج بعد الغسل.
ويكون ذلك (بعد إجلاسه) عند وضعه على المغتسل برفق (مائلًا) إلى ورائه قليلًا، ويسند ظهره إلى ركبته اليمنى؛ لئلا يسقط، ويضع يده اليمنى على كتفه وإبهامه في نقرة قفاه، وهو مؤخر عنقه؛ لئلا يتمايل رأسه (مع فوح مجمرة بالطيب) من موته إلى انقضاء غسله ولو محرمًا وخاليًا.
(و) مع (كثرة صب) الماء عليه؛ ليذهب عين الخارج وريحه ما أمكن.
ثم يضجعه لقفاه (وغسل سوأتيه والنجاسة) التي حولهما، كما يستنجي الحي، لكن يجب كونه (بخرقة) يلفها على يده اليسرى في غسل السوأتين، وندبًا في غسل النجاسة في غيرهما، وتلف ثانية؛ لغسل سائر البدن.
(ثم أخذ) خرقة (أخرى) ولفها على يده اليسرى؛ (ليسوكه) بها بسبابتها، مبلولة
[ ٤٥٠ ]
بالماء، ولا يفتح أسنانه؛ لئلا يسبق الماء إلى بطنه، فيسرع فساده، ثم ينظف بخرقة أخرى على خنصرها مبلولة أنفه (ويخرج) بها (ما في أنفه) من أذى.
(ثم يوضئه) ثلاثًا ثلاثًا كالحي، بمضمضة واستنشاق وينشفه ويميل فيهما رأسه؛ لئلا يسبق الماء إلى بطنه، ولا يكفي عنهما ما مر؛ لأنه كالسواك، ويخرج بعود لين ما تحت أظفاره وظاهر أذنيه وصماخيه.
(ثم) بعد ذلك (غسل رأسه، ثم لحيته بالسدر) أو نحوه كخطمي، ولا يعكس؛ لئلا ينزل الماء من رأسه إلى لحيته، فيحتاج إلى غسلها ثانيًا، ويسرحهما بمشط واسع الأسنان برفق.
(ثم غسل ما أقبل منه) بأن يبدأ بشقه (الأيمن) مما يلي وجهه من عنقه إلى قدمه (ثم الأيسر) كذلك (ثم) يحوله إلى شقه الأيسر، فيغسل منه (ما أدبر) بأن يغسل شقه (الأيمن) مما يلي قفاه من كتفه إلى قدمه (ثم) يحوله إلى الأيمن، فيغسل (الأيسر) كذلك، ولا يعيد غسل رأسه ولحيته، بل يبدأ بصفحة عنقه فما تحتها.
ويحرم كبه على وجهه، وإنما كره للحي؛ لأنه فعله بنفسه، وهنا فعله به غيره.
وهذه الغسلة -بكيفيتها المذكورة- يندب كونها (بالسدر) أو الخطمي أو نحوهما (ثم) إذا فرغ من الغسل كما ذكر (أزاله) -أي: السدر أو نحوه- بصب الماء الخالص من رأسه إلى قدمه (ثم صب) وجوبًا (الماء الخالص) عما يسلبه الطهورية الكائن في غير محرم (مع قليل كافور)؛ لأنه يدفع الهوام، وهو في الأخيرة آكد، ويكره تركه.
ويغسله بذلك (من قرنه إلى قدمه) وهذه غسلة واحدة، وفي بعض النسخ زيادة: (البارد قبل الخالص)، لكن التي نقلت منها ليس فيها ذلك.
وندب أن يكرر غسله بالقراح (ثلاثًا) والأولى كونها متوالية، فتحصل الثلاث من خمس، والأولى غسله بسدر ثلاثًا، ثم مزيله، ثم ثلاث قراح، فتحصل الثلاث من سبع، كغسله بسدر فمزيلة بسدر، فمزيلة فثلاث قراح، فإن غسله بسدرٍ فمزيلة فقراح ثلاثًا .. حصلت الثلاث من تسع.
(ثم) بعد فراغه من غسله (نشفه) ندبًا (بثوب) -أي: خرقة مع المبالغة في
[ ٤٥١ ]
ذلك؛ لئلا تبتل أكفانه، فيسرع فساده، وبه فارق التنشيف في طهر الحي.
ويؤخذ منه: أن الأرض التي لا تُبلي سريعًا أفضل من التي تبلي سريعًا؛ لأن تنعم الروح مع البدن أكمل من تنعمه وحده وإن محل ذلك في المؤمن الطائع.
وندب أن يكون نتنشيفه (بعد إعادة تليينه) يعد فراغ غسله؛ لتبقى لينه، وأن يأتي بذكر الوضوء والذكر على الأعضاء.
(ويكره أخذ شعره) أي: الميت غير المحرم (وظفره) وإن كان لما يزال؛ للفطرة، واعتاد إزالته حيًا؛ لأنه محدث، وقد صح النهي عن محدثات الأمور التي لم يشهد لها الشرع باستحباب، وقيل: يسن؛ لأنه تنظيف.
وردوه بأن أجزاء الميت محرمة، ولذا حرم ختنه وإن عصى بتأخيره أو تعذر غسل ما تحت قلفته، وحينئذٍ يجري الخلاف في أنه ييمم عما تحتها عند (حج)، ويصلي عليه، أو لا ييمم ويدفن بلا صلاة عند (م ر).
أمَّا المحرم .. فلا يفعل به شيء مما يحرم على المحرم؛ لأنه يبعث ملبيًا، لكن لا فدية على من فعل به ذلك، بخلاف معتدة الوفاة فتطيب؛ لأن امتناعها منه؛ للتفجع وقد زال.
ولو خرج بعد الغسل نجس ولو من فرج، وقبل التكفين .. وجبت إزالته فقط -ولو بعد الصلاة عند (حج)، و(م ر)، وقال جمع: لا تجب بعدها- لا إعادة الغسل؛ لأن الفرض قد سقط، ولو لم يمكن قطع الخارج منه .. صح غسله والصلاة عليه، لكن يجب فيه الحشو والعصب على محل النجس، والمبادرة بالصلاة عليه كالسلس.
وسن كون الغاسل أمينًا، فإن رأى خيرًا .. سن ذكره، أو ضده .. حرم الإ لمصلحة، ككونه متجاهرًا بمعصيه؛ ليحذر ذلك.
(والأولى بغسل الرجل الرجال) -بالرفع- فيقدمون حتى على الزوجة.
نعم؛ الأفقه بباب الغسل أولى من الأقرب، والأسن والفقيه ولو أجنبيًا أولى من غير الفقيه ولو قريبًا، عكس الصلاة؛ إذ القصد هنا إحسان الغسل، والأفقه أولى به، وثم الدعاء وهو من الأسن والقريب أقرب؛ للإجابة.
فيقدم رجال العصبة، فالولاء، فالوالي إن انتظم بيت المال، فذووا الأرحام، فالرجال الأجانب فالزوجة الحرة وإن نكحت، فالنساء المحارم.
[ ٤٥٢ ]
(و) الأولى (بالمرأة) أي: بغسلها (النساء) فهن أحق من الرجال.
وأولاهن ذات محرمية ولو حائضًا؛ لأنها أشفق، فإن استويا في المحرمية .. قدمت ذات عصوبة لو قدرت ذكرًا، كعمة على خالة ثم ذات رحم غير محرم، كبنت العم.
وتقدم القربى فالقربى، ثم ذات الولاء، ثم محارم الرضاع، ثم محارم المصاهرة، ثم بعد النساء الزوج وإن نكح اختها وأربعًا سواها، ويتقي المس ندبًا، بل يلف خرقة، ثم رجال المحارم بترتيبهم في الصلاة.
وشرط المقدم: الحرية، والاتحاد في الدين، وعدم القتل المانع للإرث، وعدم الصبا، والفسق، والعداوة.
قال في "التحفة": (صريح كلامهما: أن هذا الترتيب واجب، لكن أطال جمع متأخرون في ندبه، وإنه المذهب) اهـ
ويغسل أمته ولو مكاتبة، وأم ولد حيث لم تكن مزوجة ولا معتدة ولا مبعضة، وليس لأمة تغسيل سيدها؛ لانتقال الملك فيها للغير.
ولكل من الرجل والمرأة تغسيل صغير وصغيرة لم يبلغا حد الشهوة، والخنثى الذى لا محرم له؛ للحاجة، ولضعف الشهوة، وبه فارق حرمة نظر أحد الفريقين له في حياته.
(وحيث تعذر غسله)؛ لفقد ماء، أو لتأدي غسله إلى تهريه؛ لنحو حرق أو لدغ أو للخوف على الغاسل، ولم يمكنه التحفظ (أو لم يحضر) في المرأة (إلا) رجل (أجنبي، أو) في الرجل إلا امرأة (أجنبية .. يمم) وجوبًا وإن كان عليه نجس لا يعفى عنه عند (حج)، لكن بحائل؛ لحرمة النظر حينئذٍ إلى شيء من بدن الميت والمس.
ويؤخذ منه: أنه لو كان في ثياب سابغة وبحضرة نهر مثلًا، وأمكن غمسه به؛ ليصل الماء لكل بدنه من غير مس ولا نظر .. وجب.
قال (سم): (أو أمكن صب ماء عليه يعمه).
* * *
[ ٤٥٣ ]