ولمن خشي من تركه مشقة، وفي المولود، والكافر إذا أسلم، ولا بتركه لمن يخف تعهده عليه.
(ونتف الشيب)؛ لأنه نور، بل قال في "المجموع": (ولو قيل بتحريمه .. لم يبعد) ونص عليه في "الأم".
(ونتف اللحية)؛ إيثار للمرودة، وتبيضها بالكبريت؛ استعجالًا للشيخوخة، وتصفيفها طاقة فوق طاقة؛ تحسينًا، والزيادة فيها والنقص منها؛ للأمر في الصحيحين بـ (توفير اللحى وتركها شعثة)؛ إظهارًا لقلة المبالاة، ولا بأس بترك السبالين.
(و) يكره بلا عذر (المشي في نعل واحد)؛ لصحة النهي عنه؛ لأنه يختل به المشي، وكالنعل الخف ونحوه.
(والانتعال) بما يخشى منه السقوط حال كونه (قائمًا) أما المداس المعروفة الآن .. فلا يكره فيها الانتعال قائمًا؛ لعدم خوف السقوط منها، ويسن خلعهما إذا جلس، ويجعلهما خلفه أو بجنبه الأيسر إن لم يكن يساره أو وراءه أحد، وإلا .. تعين بين رجليه أو تحته.
* * *
(فصل) في أول مقاصد الطهارة وهو الوضوء اسم مصدر توضأ، ومصدر إن أُخذ من وضؤ، وليس من خصوصيات هذه الأمة، بل الخاص بها الغرة والتحجيل فقط، أو مع الكيفية المخصوصة، والأفصح ضم واوه إن أريد به الفعل، وفتحها إن أريد به الماء الذي يتوضأ به.
مأخوذ من الوضاءة وهي النضارة؛ لإزالته ظلمة الذنوب.
وفرض مع الصلاة ليلة الإسراء، وهو معقول المعنى؛ لأن الصلاة مناجاة للرب، فطلب التنظيف لها، ولا يرد أن الرأس لا غسل فيه لأنه مستور غالبًا، فخفف فيه.
وموجبه -كالغسل-: الحدث، وإرادة فعل ما يتوقف عليه.
والأصل فيه: الكتاب، والسنة، والإجماع.
(وفروض الوضوء) أي: مجموع أركانه ولو مندوباُ (ستة) أربعة ثابتة بالكتاب، واثنان بالسنة:
[ ٩١ ]
النية بحديث "إنما الأعمال بالنيات"، والترتيب بخبر "ابدأوا بما بدأ الله به" وهو وإن كان واردًا في السعي، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن العرب لا ترتكب تفريق المتجانس إلا لنكتة، وقد فرق في الآية بين المغسولات بالممسوح، فعلمنا أنه لنكتة الترتيب.
(الأول) النية؛ لخبر: "إنما الأعمال -أي صحتها- بالنيات".
وحقيقتها لغة: القصد، وشرعًا: قصد الشيء مقترنًا بفعله إلا في صوم، ونحو زكاة .. فيغتفر تقديمها؛ للعسر، أما المتقدم على الفعل .. فعزم.
وحكمها: الوجوب، ومحلها: القلب.
والمقصود بها: تمييز العبادة من العادة، أو تمييز رتب العبادة ككون العبادة صلاة، وكونها فرضًا.
وشرطها: إسلام الناوي، وتمييزه، وعلمه بالمنوي، وتحقق المقتضي وقدرته على المنوي، وعدم إتيانه بما ينافيها من ردة، ونية قطع، وتردد فيه، وتعليق.
وكيفيتها تختلف بحسب الأبواب، فيجزىء السليم هنا (نية رفع الحدث) أي: المعهود ذهنًا، وهو الذي عليه، وهو هنا: الأصغر، ويصح أن يراد به: الأمر الاعتباري، أو المنع، أو هما؛ بناءً على استعمال المشترك في معنييه، والمرتفع فيهما نفس الحدث المنوي منهما، وأن يراد به: السبب، فيقدر مضاف، أي: رفع حكمه، وهو المنع من الصلاة، فيرجع إلى الثاني.
فإذا قال: نويت رفع الحدث وأطلق .. انصرف إلى حكمه وإن لم يلاحظ ذلك، فإن نوى رفع السبب نفسه .. لم يصح؛ لأن الواقع لا يرتفع.
ولو نوى رفع بعض الأحداث، كأن نام وبال، فنوى رفع حدث النوم لا البول .. صح؛ لأن الحدث لا يتجزأ، إذا ارتفع بعضه .. ارتفع كله، كما لو نوى رفع غير حدثه، كأن بال فنوى رفع حدث النوم .. فيصح، وقيده (حج) بكونه غالطًا.
ولو نوى أن يصلي به في محل نجس .. لم يصح؛ لعدم القدرة على المنوي. وتدخل السنن هنا -كالصلاة- تبعًا عند إتيانه بنحو هذه النية، أو فرض الطهارة.
(أو الطهارة للصلاة) أو عن الحدث، أو أداء فرض الطهارة، أو أداء الطهارة، أو الطهارة الواجبة، (أو نحو ذلك) كنية فرض الوضوء، أو أداء الوضوء، وكذا نية
[ ٩٢ ]
الوضوء، لكنه خلاف الأولى؛ للخلاف فيه، وكنية استباحة مفتقر إلى وضوء كالصلاة ومس المصحف، لا استباحة ما يستحب له الوضوء كقراءة القرآن أو الحديث، فلا يصح؛ لأنه يستبيحه بلا وضوء.
ويجب كون ما ذكر من النيات (عند غسل الوجه) فمتى اقترنت بجزء منه .. كفت، وفي اقترانها بما لا يتم الواجب إلا به خلاف، وما قارنها هو أوله، فيجب إعادة ما غسله قبلها.
نعم؛ يكفي اقترانها بسنة قبل الوجه، كغسل اليدين إن استحضرها عن الوجه، لكن لو انغسل جزء من الوجه مع المضمضة كحمرة الشفة .. أجزأت النية وفاتت المضمضة والاستنشاق بغسل ذلك الجزء؛ إذ محلها قبل الوجه، ويجب إعادة غسل ذلك الجزء؛ للصارف، وفيه كلام مبسوط في غير هذا الكتاب.
والمخلص من ذلك: أن ينوي عند غسل الكفين سنن الوضوء، وعند غسل الوجه فرض الوضوء أو غيره من النيات المجزئة كما مر ويجوز تفريق النية على الأعضاء، كأن ينوي عند كل عضو رفع حدثه، لكن لا ينوي في المندوب نحو رفع الحدث بل نحو الوضوء.
(وينوي سَلِسِ البول ونحوه) ممن دام حدثه، بحيث لا يصلي صلاة بعد الطهارة بلا حدث، كمستحاضة في الوضوء للفرض (استباحة فرض) نحو (الصلاة) أو غيرها من النيات، دون نية رفع الحدث أو الطهارة عنه؛ لأن حدثه لا يرتفع، ويستبيح السلس به ما يستبيحه المتيمم، كما يأتي.
وفي "الإيعاب" عن "المجموع": شرط نية استباحة الصلاة: قصد فعلها بتلك الطهارة، وإلا .. فهو متلاعب.
(وإن توضأ للسنة .. نوى استباحة الصلاة) أو غيرها مما مر من غير ذكر فرض، ومجدد الوضوء لا ينوي الاستباحة ولا رفع الحدث، بل غيرهما، لكن كلام "التحفة" يفيد الصحة فيهما إلا أن ينوي الحقيقة كما في الصلاة المعادة، ولو نوى مع نية الوضوء تبردًا أو تنظفًا .. لم يضر، لكن لا ثواب فيه عند ابن عبد السلام.
وقال الغزالي: (يثاب بقدر قصده إن غلب باعث الآخرة) وقال (حج): (بقدر
[ ٩٣ ]
قصده مطلقًا) وكالوضوء سائر العبادات.
ولو نوى تبردًا بعد نية الوضوء .. اشترط كونه ذاكرًا لنية الوضوء، وإلا .. لم يصح الوضوء من حين نوى التبرد؛ لأنه صارف، ولذلك لو بقي رجلاه فسقط في ماء .. لم يرتفع حدثهما إلا إن كان ذاكرًا للنية، بخلاف ما لو غمسهما أو تعرض بهما لمطر؛ إقامة لفعله مقام ذكره للنية.
(الثاني: غسل) ظاهر (الوجه) أي: انغساله ولو بفعل غيره، أو بسقوطه في ماء مع استحضاره للنية، وكذا يقال في باقي الأعضاء.
وخرج بـ (ظاهره): باطن أنف وعين وفم وإن ظهر بنحو قطع؛ لأنه باطن أصالة، وإنما جعل ظاهرًا في النجاسة؛ لغلظها.
نعم؛ يجب غسل ما باشره القطع من ذلك.
(وحده) -أي الوجه- طولًا (ما بين منبت شعر رأسه) أي: ما من شأنه ذلك، (و) أسفل (مقبل ذقنه) بفتح المعجمة.
(و) عرضًا (ما بين أذنيه)؛ لأن الوجه ما يقع به المواجهة، وهي تقع بذلك.
(فمنه الغمَمُ) وهو ما ينبت عليه الشعر من جبهة الأغم؛ إذ لا عبرة بنباته في غير محله، كما لا عبرة بانحسار شعر الناصية.
(والهدب) -بضم فسكون المهملة، وضمها وفتحها- وهو النابت على أجفان العين.
(والحاجب) وهو الشعر النابت من أعلى العين، سمي بذلك؛ لأنه يحجب عن العين شعاع الشمس.
(والشارب) وهو ما ينبت على الشفة العليا، سمي بذلك؛ لأنه يلاقي الماء عند الشرب.
(والعذار) وهو الشعر النابت على العظم الناتئ بقرب الأذن، ومثله البياض الذي بينه وبين الأذن.
(والعنفقة) وهي الشعر النابت على الشفة السفلى.
فيجب غسل جميع الوجه الشامل لما ذكر وغيره (بشرًا) حتى ما يظهر من حمرة
[ ٩٤ ]
الشفتين مع إطباق الفم، ومن أنف مجدوع مما باشره القطع فقط، (وشعرًا) ظاهره وباطنه إلا باطن كثيف ثلاثة شعور:
الأول: باطن كثيف ما خرج عن حد الوجه، وهو ما لو مد .. خرج بالمد عن جهة نزوله ولو من امرأة وخنثى عند (م ر).
(و) الثاني والثالث: باطن كثيف (شعر اللحية) من رجل، وهي الشعر النابت على الذقن التي هي مجتمع اللحيين.
(و) باطن كثيف شعر (العارض) من رجل، وهو الشعر الذي بين اللحية والعذار، وإنما وجب غسل باطن الكثيف في الجنابة مطلقًا؛ لقلة وقوعها، فإذا علمت ذلك، فشعر اللحية والعارض (إن خف) بأن كانت البشرة ترى من خلاله في مجلس التخاطب عادة (.. غسل ظاهره وباطنه) مطلقًا (وإن كثف) بأن لم تر البشرة من خلاله في ذلك المجلس (.. غسل ظاهره) ولا يجب غسل باطنه؛ للمشقة إن كان رجلًا، وإلا .. غسل باطنه وإن خرج عن حد الوجه عند (حج)؛ لندرة لحيته، ولو خف البعض وكثف البعض .. فلكل حكمه إن تميز، وإلا .. وجب غسل الجميع.
ويجب غسل كل ما نبت في حد الوجه كسلعة وإن خرجت عن حد الوجه؛ لحصول المواجهة بها، وجزء من سائر الجوانب المجاورة للوجه احتياطًا؛ ليتحقق تعميم الوجه، فهو من باب: ما لا يتم الواجب إلا به .. فهو واجب، ومن له وجهان من قبله .. وجب غسلهما، أو رأسان .. كفى مسح أحدهما، ولو أغفل لمعة، فانغسلت في تثليث .. كفى، لكن لا تحسب ثانية إلا بعد تمام العضو، أو في تجديد أو وضوء احتياط .. فلا.
وليس النزعتان من الوجه، ولا موضع الصلع، وموضع التحذيف، ووتد الأذن، لكن يندب غسل ذلك، وكل ما قيل إنه من الوجه كالأذنين، ويسن أخذ الماء بيديه جميعًا؛ للاتباع.
(ويستحب تخليل اللحية الكثة) وغيرهما مما لا يجب غسل باطنه، وكونه بماء جديد
[ ٩٥ ]
(بأصابعه) اليمنى (من أسفل)؛ للاتباع.
الفرض (الثالث: غسل اليدين) أي: كل يد أصلية، أو زائدة التبست بالأصلية أو حاذتها (مع المرفقين) بكسر الميم وفتح الفاء، أفصح من عكسه.
والمرفق: مجتمع عظم الساعد والعضد، فلو قطع بعض ما يجب غسله .. وجب غسل الباقي، فإن أبين الساعد فرأس العضد، أو من فوق المرفق .. سن غسل باقي العضد.
(و) يجب غسل (ما عليهما) من شعر وإن كثف وطال، وظفر وإن طال، كيد نبتت في محل الفرض، وشق وثقب، وحكمهما في يدٍ وغيرها وجوب غسل ما هو في الجلد منهما دون ما جاوزه إلى اللحم إن لم يظهر الوضوء من الشق الآخر، وإلا .. وجب غسل جميعه حيث لا ضرر، والشوكة إن استترت .. فواضح، أو ظهر رأسها .. وجب إخراجها إن لم تجاوز الجلد، وإلا .. فلا، ويكفي غسل قشر جرح وإن لم يتألم به، وإن خرج بعد غسله، كما لو قطع شعرًا وظفرًا بعد طهره .. لا يجب غسل ما ظهر منهما.
الفرض (الرابع: مسح) أي: وصول البلل، سواء كان بفعل فاعل أم لا، بمسح أو غسل أو غيرهما إلى (شيء) وإن قل جدًا (من بشرة الرأس) كالبياض الذي وراء الأذن وإن لم يكن في حده (أو) من (شعره في حده) أو من شعرة في حده بأن لا يخرج عنه بالمد من جهة نزوله، فجهة نزول شعر الناصية: الوجه، وشعر القرنين: المنكبان، ومؤخر الرأس: القفا، فما يخرج .. لا يجزئه المسح عليه وإن مسحه في حد الرأس، ولو وضع يده المبتلة على خرقة على رأسه فوصله البلل .. أجزأه وإن لم يقصد الرأس عند (حج) لما مر من أنه: إذا وقع الغسل بفعله .. لا يحتاج إلى تذكر النية، والمسح مثله.
الفرض (الخامس: غسل الرجلين مع الكعبين) من كل رجل، أو مسح خفيهما بشرطه كما يأتي (و) مع (شقوقهما) وغيرهما مما مر في اليدين، وتجب إزالة ما فيها من نحو شمع لم يصل لغور اللحم.
(السادس: الترتيب) كما ذكر؛ لأنه ﵊ لم يتوضأ إلا مرتبًا فلو لم يجب .. لتركه في وقت، أو دل على جوازه، ولخبر: "ابدؤوا بما بدأ الله به" كما مر
[ ٩٦ ]
فلو قدم عضوًا على محله .. لم يعتد به، أو غسل أربعة أعضائه معًا .. ارتفع حدث وجهه فقط.
ويكفي الترتيب ولو تقديرًا (فلو غطس) ناويًا ولو في ماء قليل (.. صح) وضوءه (وإن لم يمكث) زمنًا يمكن فيه الترتيب الحقيقي، أو أغفل لمعة من غير أعضاء الوضوء؛ لحصوله تقديرًا في لحظات لطيفة لا تظهر في الحس، أي: وهمية.
وعليه: فالمراد بـ (الترتيب) هنا: مجرد فرضه، فهو اعتراف بانتفاء شرطه، كما قاله بعض المحققين.
وخرج بـ (غطس): ما لو غسل أسافله قبل أعاليه .. فلا يجزىء؛ لعدم الترتيب، ويسقط عن محدث أجنب، ومن ثم لو غسل ما سوى أعضاء الوضوء ثم أحدث .. سقط الترتيب.
(وتجب الموالاة في وضوء دائم الحدث) كمستحاضة، بأن يوالي في كل وضوء بين الاستنجاء والتحفظ، وبينهما وبين الوضوء، وبين أفعاله وبين الصلاة، وسيأتي في الاستحاضة عدم ضرر تأخير المستحاضة لكمال مطلوب منها، كانتظار جماعة، ومثلها السلس، أما السليم .. فتسن له الموالاة إن لم يضق الوقت، وإلا .. وجبت.
(و) يجب في كل وضوء (استصحاب النية حكمًا) بأن لا يأتي بما ينافيها مما مر أول هذا الفصل، وإلا .. فيحتاج لتجديد النية لما بقي، وإذا أحدث أثناء وضوء أو قطعه .. أثيب على الماضي منه إن كان قطعه لعذر، وإلا .. فلا، ومثله الصلاة ونحوها.
* * *