(أول وقت الظهر) وهو لغة: ما بعد الزوال. واصطلاحًا: اسم للصلاة المفعولة حينئذٍ، سميت بذلك؛ لأنها أوّل صلاة ظهرت، أو لفعلها وقت الظهيرة، أي: شدة الحر وتسمى الأولى أيضًا، وصلاة الهجيرة عقب (زوال الشمس) إجماعًا.
و(الزوال): ميل الشمس عن وسط السماء المسمى بلوغها إليه بالاستواء باعتبار ما يظهر لنا، وإلا .. فالزوال يتحقق قبل ذلك، لكن لا حكم له حتى لو وافق التحرم أول ميلها في نفس الأمر، وقبل ظهوره لنا .. لم يصح، وكذا باقي الصلوات؛ إذ التكاليف لا ترتبط إلا بما دخل تحت الحس.
[ ١٧١ ]
(وآخره مصير ظل كل شيء مثله غير ظل) الشمس الموجود عند (الاستواء) في غالب البلاد، وقد ينعدم في بعضها كمكة وصنعاء في بعض الأيام، قال في "العباب": (وهو يوم واحد، وهو أطول أيام السنة) وقال الشرقاوي: (ينعدم في أربعة وعشرين يومًا قبل أطول أيام السنة، وبعده كذلك).
والظل لغة: الستر، واصطلاحًا: أمر وجودي يخلقه الله لنفع البدن وغيره، تدل عليه الشمس في الدنيا، أمّا الآخرة .. فلا شمس فيها، والفيء أخص منه؛ لأنه الظل بعد الزوال.
والشمس في السماء الرابعة، وقيل: في السادسة، وهي أفضل من القمر؛ لكثرة نفعها، وما ذكر هو الوقت الكلي للظهر (ولها) كغيرها أوقات أخر غير الوقت الكلي من حيث التسمية، وإلا .. فهي أجزاء للوقت الكلي، ومجموع تلك الأوقات سبعة تجري كلها في جميع الصلوات إلا الصبح فليس له وقت عذر، وإلا الظهر فليس له وقت كراهة، فالظهر لها ستة أوقات، وهي:
(وقت فضيلة) وسيأتي بيانه (أوله ثمّ) بعده وقت (اختيار) لكن قال الكردي: (المعتمد أن لها ستة أوقات ترجع لخمسة، وقت فضيلة أوله، ووقت جواز إلى ما يسع كلها وهو وقت الاختيار، ووقت حرمة وهو القدر الذي لا يسع كلها بأخف ممكن من فعل نفسه، وضرورة وهو ما تقدم، وعذر وهو وقت العصر لمن يجمع) اهـ
فالراجح أنه من أوله ويمتد (إلى آخره)، وقال الشرقاوي: (المعتمد أن الاختيار والفضيلة والجواز تشترك في أول الوقت، فإذا مضى قدر الفضيلة .. خرج وقتها، وبقي وقت الاختيار إلى نصف الوقت تقريبًا، فيخرج ويبقى وقت الجواز، فتشترك الثلاثة مبدأً لا غاية إلا المغرب .. فتشترك مبدأ وغاية) اهـ
(وأول وقت العصر) وهو لغة: الدهر، واصطلاحًا: الصلاة المخصوصة، ولها أسماء أخر: صلاة البرد والوسطى.
وهي أفضل الصلوات بعد الجمعة كما يأتي في صلاة الجماعة.
وسميت بذلك؛ لمعاصرتها، أي: مقارنتها وقت الغروب (إذا خرج وقت الظهر) وهو: مصير ظل كل شيء مثله (وزاد قليلًا) على ظل الاستواء؛ إذ المصير من وقت
[ ١٧٢ ]
الظهر، بأدنى زيادة عليه تظهر لنا -لا في الواقع فقط- يدخل وقت العصر؛ لخبر مسلم: "وقت الظهر ما لم يحضر العصر" وليست هذه الزيادة فاصلة بين الوقتين، بل من العصر، لكن لا يكاد يُعرف وقته إلا بمضيها، ويبقى إلى الغروب وإن تأخر عن وقته المعتاد كرامة.
(ولها أربعة أوقات) بل سبعة: وقت (فضيلة أوله، واختيار إلى مصير الظل مثلين) غير ظل الاستواء. قال الكردي: (وتقدم في الظهر أن وقت الاختيار هو وقت الجواز، وهما هنا متغايران -وسيأتي في المغرب اتحاد وقت الفضيلة والاختيار ابتداءً وانتهاءً فيها- وفي غيره متغايران، فتلخص أن للاختيار ثلاثة إطلاقات وإن قال في "التحفة": إطلاقان) اهـ
(ثم) بعدهما وقت (جواز) بلا كراهة (إلى الاصفرار، ثم كراهة إلى آخره) أي: بقاء ما لا يسعها، ثم حرمة وعذر وضرورة.
(وأول وقت المغرب: الغروب) لجميع قرص الشمس.
والغروب لغة: البعد، والمغرب: وقت الغروب.
واصطلاحًا: الصلاة المخصوصة بعد غروب جميع الشمس، وتسمى أيضًا صلاة الشاهد -وسيأتي في الصيام ما له تعلق بالغروب- ويعرف بزوال الشمس من رؤوس الجبال، وبرؤية الظلام من جهة المشرق، بخلاف الصبح فيخرج بطلوع بعضها.
(ويبقى حتى يغيب الشفق) في القديم؛ للأحاديث الصحيحة الصريحة فيه، منها: خبر مسلم: "وقت المغرب مالم يغب الشفق" والشفق هو الحمرة، فقوله: (الأحمر) صفة مؤكدة كعشرة كاملة، وإطلاقه على الأصفر والأبيض مجاز، وقدر المؤقتون مغيبه لعشرين درجة من المغيب، ولو تقدم مغيبه عن ذلك وتأخر .. قال الشرقاوي: اعتمد مشايخنا ما وقتوه، و(ب ج): المعتمد أن العبرة بمغيبه.
ولها وقت فضيلة أوله وهو أيضًا وقت الاختيار والجواز، ثم وقت الكراهة، ثم
[ ١٧٣ ]
الحرمة، وأمَّا العذر .. وقت العشاء لمن يجمع.
(وهو) أي: غيبوبة الشفق الأحمر (أول وقت العشاء) -بكسر العين والمد- لغة: اسم لأوّل الظلام سميت به الصلاة المخصوصة؛ لفعلها فيه.
ويسن تأخيرها إلى مغيب الشفق الأصفر والأبيض خروجًا من الخلاف.
(ولها ثلاث أوقات) بل سبعة (وقت فضيلة أوله ثم) بعد وقت الفضيلة -على ما مر من الخلاف- وقت (اختيار إلى ثلث الليل) الأول (ثم) بعدهما وقت (جواز) بلا كراهة إلى الفجر الكاذب، ثم بكراهة إلى بقاء ما لا يسعها، ثم حرمة (إلى الفجر الصادق) ولها وقت عذر وضرورة.
(وهو) أي: الفجر الصادق (المنتشر ضؤوه) من جهة المشرق فقط (معترضًا بالأفق) أي: نواحي السماء، وقبله يطلع الكاذب مستطيلًا أعلاه أضواء من باقيه، ثم تعقبه ظلمة، ثم يطلع الصادق مستطيرًا وبينهما خمس درج، وقد يتصل بالصادق، وكلاهما بياض شعاع الشمس عند قربها من الأفق الشرقي.
(وهو) أي: الفجر الصادق (أول وقت الصبح) -بضم الصاد، وحكي كسرها- أول النهار لغة، واصطلاحا: الصلاة المخصوصة؛ لخبر مسلم: "وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس" سميت بذلك؛ لفعلها فيه، وتسمى أيضًا الفجر والبرد، والوسطى على قول.
(ولها أربعة أوقات) بل ستة (فضيلة أوله، ثم اختيار إلى الإسفار) أي: الإضاءة بحيث يميز الناظرُ القريبَ منه؛ لأن جبريل صلاها ثاني يوم كذلك (ثم جواز إلى الحمرة، ثم كراهة) إلى أن يبقى من وقتها ما لا يسعها، ثم حرمة، ولها وقت ضرورة لاعذر.
وهي نهارية شرعًا، وليلية حقيقة، ولذا طلب الجهر فيها، وهي عند الشافعي الصلاة الوسطى، لكن صحت الأحاديث أنها العصر، ومذهبه اتباع الحديث.
[ ١٧٤ ]
(ويكره تسمية المغرب عشاء، والعشاء عتمة)؛ للنهي عن ذلك (ويكره)؛ لخوف الفوات (النوم قبلها) بعد دخول وقتها، ولو وقت المغرب لمن يجمع، كأن ينام بعد المغرب قليلًا لا يمنع الجمع؛ ولأنه ﵊ (كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها)، قال ابن صلاح: والكراهة تعم سائر الصلوات، ومحل جوازه حيث غلبه بحيث صار لا يميز، ولم يمكنه دفعه وحينئذٍ فلا كراهة حيث كان عازمًا على الفعل، أو غلب على ظنه تيقظه، وقد بقي من الوقت ما يسعها، وإلاَّ .. حرم بخلاف النوم قبلها، فلا يكره، بل لو قصد به حينئذٍ عدم فعلها في الوقت .. لم يحرم على المعتمد؛ لأنه غير مخاطب بها حينئذٍ. (و) يكره (الحديث) وسائر الصنائع (بعدها) ولو مجموعة تقديمًا، لكن استوجه (حج)، و(م ر) عدم كراهته إلابعد دخول وقتها، فيكره خوف فوات صلاة الليل، وأول وقت الصبح، وليختم عمله بأفضل الأعمال.
أما قبلها: فإن فوت وقت الاختيار .. كان خلاف الأولى، ولا يكره وإن خيف منه ما مر؛ إذ الخوف على ذلك بعد فعلها أكثر (إلا في خير)، كقراءة ومطالعة علم وإيناس نحو أهل أو ضيف ولو فسقه.
نعم؛ لو قصد إناسهم لفسقهم .. حرم، وكتكلم بما دعت حاجته إليه كحساب، فلا كراهة في ذلك؛ لأن ذلك خير ناجز، فلا يترك لمفسدة متوهمة؛ لخبر عمران بن الحصين: (كان ﷺ يحدث أصحابه عامة الليل)، ولما كانت الصلاة أفضل موضوع، وكان أفضلها فعلها أول وقتها المسمى بوقت الفضيلة .. أشار لذلك بقوله:
(وأفضل الأعمال) البدنية بعد النطق بالشهادتين المدخول في الإسلام بهما (الصلاة) ففرضها أفضل الفروض، ونفلها أفضل النوافل؛ لخبر أبي داوود: "استقيموا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة"، ولخبر: "الصلاة خيرٌ موضوعٌ"، أما القلبية .. فأفضل من البدنية، وأفضلها معرفة الله، ثم العلم بالواجبات العينية.
وأفضل أحوال الصلاة -من حيث الوقت مع عدم العذر- أن تقع (أول الوقت) يقينًا ولو عشاء؛ لأنه من المحافظة عليها المأمور بها في آية (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) [البقرة:٢٣٨]؛ وللخبر الصحيح: "أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لأول وقتها" وخبر: "أسفروا
[ ١٧٥ ]
بالفجر، فإنه أعظم للأجر". وخبر: (كان يستحب أن يؤخر العشاء) معارَض؛ بأن تعجيلها هو الذي واظب عليه ﷺ، ولأن المراد بالإسفار ظهوره يقينًا، لكن الأقوى دليلًا تأخير العشاء إلى ثلث الليل، وروى ابن عمر مرفوعًا: "الصلاة في أول وقتها رضوان الله، وفي آخره عفو الله". والعفو إنما يكون للمقصرين.
(ويحصل ذلك) الفضل الذي سببه التعجيل (بأن يشتغل بأسباب الصلاة) كطهر، وستر، وأذان (حين دخل الوقت) أي: عقب دخوله، فلا يشترط لذلك تقدمها عليه وإن كان هو الأفضل، ولا العجلة على خلاف العادة، بل لو أخر متطهر بقدرها .. لم تفته فضيلته، ولا يضر التأخير لعذر كأكل خفيف أو كثير يؤثر فقده في الخشوع، وتقديم راتبة وغير ذلك من كل كمال اقترن بالتأخير دون التقديم، فالتأخير -حينئذٍ لمن أراد الاقتصار على صلاة واحدة- أفضل.
(و) من ذلك أنه (يسن التأخير عن أول الوقت للإبراد بالظهر) دون الجمعة؛ لأن الناس مأمورون بالتبكير إليها، فلا يتأذون بالحر، ولأن تعجيلها فيه مراعاة للمبكرين، وفي التأخير مراعاة لغيرهم، والمبكرون أولى بالمراعاة، وما في الصحيح من (الإبراد بها)؛ بيان للجواز، ودون الأذان، والأمر بالإبراد به محمول على الإقامة، أو لبيان الجواز.
ولندب الإبراد شروط كونه (في الحر) الشديد، وفي وقت الحر، و(بالبلد الحارة) وإن خالفت قطرها، وكونه (لمن يصلي جماعة) و(في موضع بعيد) مسجد أو غيره ولو مع وجود قريب أقل جماعة من البعيد بأن يحصل بالإتيان إليه مشقة تذهب الخشوع أو كماله؛ لكونهم يمشون في الشمس؛ لخبر: "إذا اشتد الحر .. فأبردوا، فإن شدة الحر من فيح جهنم"، دل بفحواه: أنه لابد من الشروط المذكورة، فلا يسن الإبراد في غير شدة الحر ولو بقطر حار، ولا في قطر بارد أو معتدل وإن اتفق فيه شدة الحر؛ إذ الفقهاء لا ينيطون الأحكام بالنادر ولا لمن يصلي منفردًا أو جماعة بمحل لا يتأذون بالحضور إليه.
نعم؛ يسن الإبراد لمنفرد يريد الصلاة بالمسجد، ولمسافرين؛ لشدة مشقة الحر بالبرية، ولمن حضر موضع الجماعة أول الوقت، أو أقام به ينتظر جماعة تبعًا لهم،
[ ١٧٦ ]
والأفضل: أن يصلي أول الوقت منفردًا، ثم وسطه جماعةً (إلى حصول الظل) الذي بقي من الشمس، وغايته نصف الوقت (و) منه أنه يسن التأخير أيضًا (لمن تيقن) وجود الماء، أو (السترة آخر الوقت)؛ لزيادة فضل الصلاة معهما (ولمن تيقن الجماعة آخره) بحيث يبقى منه ما يسعها لذلك (وكذا لو ظنها، ولم يفحش التأخير) عرفًا، ويحتمل ضبطه بنصف الوقت.
وخرج بـ (بالظن): الشك، فلا يندب له التأخير مطلقًا (و) أنه يسن أيضًا (للغيم) ونحوه مما يمنع العلم بدخول الوقت (حتى يتيقن) دخول (الوقت) بنحو رؤية شمس، أو إخبار ثقة (أو يخاف الفوات) للصلاة، ويندب أيضًا لمن يرمي الجمار، ولمسافر وقت الأولى، ولحاج تأخير مغرب مع العشاء إلى مزدلفة، وغيرها ذلك.
(ومن صلى ركعة) بأن فرغ من السجدة الثانية (في الوقت .. فهي) أي: الصلاة كلها (أداء، أو) صلى فيه (دونها .. فقضاء) سواء آخر لعذر، أم لا؛ لخبر الشيخين: "من أدرك ركعة من الصلاة .. فقد أدرك الصلاة" أي: مؤداة، واختصت الركعة بذلك؛ لاشتمالها على معظم أفعال الصلاة؛ إذ ما بعدها تكرير لها، فجعل ما بعد الوقت تابعًا لها بخلاف ما دونها.
(ويحرم تأخيرها) أي المكتوبة والمنذورة لغير عذر (إلى أن يقع بعضها) ولو التسليمة الأولى (خارجة) أي: الوقت وإن وقعت أداء.
قال المدابغي: ولو أدرك آخر الوقت، بحيث لو أدى الفريضة بسنتها فات الوقت، ولو اقتصر على الأركان أدركها فيه .. فالأفضل أن يتم السنن، فالأحوال ثلاثة، تارة يبقي ما يسعها بسننها، فالمد -حينئذٍ- خلاف الأولى، وتارة يبقي ما يسع واجباتها فقط، فالمد مندوب، وتارة يبقي ما لايسع واجباتها، فيحرم.
* * *
[ ١٧٧ ]