و(الغَسل) لغةً -بفتح الغين أفصح من ضمها-: مصدر غسل، واسم مصدر اغتسل.
وبضمها: مشترك بين المذكورين وبين الماء الذي يغتسل به.
وبالكسر: ما يغسل به من سدر ونحوه.
وأمَّا عند الفقهاء: فإن أضيف إلى السبب كغسل الجمعة .. فالضم أفصح، وكذا غسل البدن، وإن أضيف إلى نحو ثوب .. فالفتح أفصح.
وهو بالمعنيين الأولين لغة: سيلان الماء على الشيء.
وشرعًا: سيلانه على جميع البدن بنية ولو مندوبة، فيدخل غسل الميت.
(موجبات الغسل: الموت) ولو حكمًا لمسلم غير شهيد، فدخل السقط البالغ أربعة أشهر وإن لم تظهر فيه أمارة حياة.
(والحيض، والنفاس) إجماعًا مع الانقطاع، وإرادة نحو صلاة ولو حكمًا، بأن لم يرد فعلها، فينزل طلب الشارع لها منزلة إرادة فعلها، وكذا يقال في الوضوء والتيمم.
(والولادة ولو علقة ومضغة) أخبرت قابلة أنهما أصل آدمي (و) لو (بلا رطوبة) قال في "التحفة": (لأن ذلك مني منعقد)، قال الشرقاوي: (هذا يقتضي وجوب الغسل بخروج بعض الولد) وليس كذلك، فالأولى التعليل بأنها مظنة خروج دم النفاس، ثم نزلت المظنة منزلة اليقين، ثم انتقل إلى جعل الولادة موجبة الغسل وإن لم يخرج دم النفاس، وفي "الأصل" هنا ما ينبغي مراجعته.
(والجنابة) إجماعًا، وهي لغة: البعد.
وشرعًا: تُطلق على أمر اعتباري يقوم بجميع البدن، وعلى المنع من نحو الصلاة، وعلى السبب وهو: خروج المني، أو دخول الحشفة فرجًا، كما أشار إلى ذلك بقوله:
(بخروج المني) -بتشديد الياء وقد تخفف- إلى ظاهر الحشفة، وفرج البكر،
[ ١٢٨ ]
وإلى ما يظهر عند جلوس الثيب على قدميها، أي: مني الشخص نفسه ولو ظنًا، كأن خرج منها مني الرجل بعد الغسل من جماع قضت شهوتها به؛ إذ يغلب على الظن حينئذٍ اختلاط منيها بمنيه.
وإنما تحصل بخروجه أول مرة من طريقه المعتاد، أو منفتح تحت صلب رجل، أي: عظام ظهره من عنقه إلى عجب الذنب، أو ترائب المرأة، أي: عظام صدرها، وكذا من المنفتح فيهما عند (م ر).
ولا بد من كونه مستحكمًا إن خرج من غير طريقه المعتاد، وأن يكون الأصلي منسدًا.
نعم، إن خلق الأصلي منسدًا .. وجب الغسل بخروج المني مطلقًا ولو من المنافذ عند (حج).
(ويعرف) المني -ولو من امرأة ودمًا- (بـ) واحدة من خواصه التي لا توجد في غيره وهي: (تدفقه، أو لذة بخروجه، أو ريح عجين) بُرٍّ، أو طلع نخل حال كونه (رطبًا، أو) ريح (بياض بيض) دجاج حال كونه (جافًا).
وأن خرج بعد الغسل، فإن فقدت هذه الخواص .. فلا يجب الغسل، بخلاف فقد الثخن والبياض في مني الرجل، أو الرقة والصفرة في مني المرأة؛ لأن ذلك فيهما غالب لا دائم، ولو شك أهو مني أو مذي؟ تخير، فإن شاء .. جعله منيًا واغتسل، أو مذيًا وتوضأ، وغسل ما أصابه منه، وفي "الأصل" هنا ما ينبغي مراجعته.
(و) تحصل الجنابة أيضًا على الفاعل والمفعول به غير ميت وبهيمة (بإيلاج الحشفة) من واضح أصلي، أو مشتبه؛ لخبر الصحيحين: "إذا التقى الختانان .. فقد وجب الغسل" أي: إذا تحاذيا، وإنما يتحاذيان بتغييب الحشفة (أو قدرها) من فاقدها (في فرج) أي: بأن يصل إلى ما لا يجب غسله من باطن فرجِ واضحٍ (ولو دبرًا)؛ لأنه من الانفراج، فيشمل الدبر كالقبل، سواء كان فرج حيٍّ آدمي أو جني (أو فرج ميت، أو بهيمة) ولو لم تشته كسمكة وإن لم يحصل انتشار ولا إنزال ولو ناسيًا أو مكرهًا، أو بحائل كثيف لا فرج خنثى؛ لاحتمال زيادته.
نعم؛ إن أولج وأولج فيه .. تحققت جنابته، والميت والبهيمة لا غسل عليهما؛ لعدم تكليفهما، وإنما وجب غسل الميت بالموت؛ إكرامًا له.
[ ١٢٩ ]
(و) كتحقق خروج المني بإحساس (رؤية) من يمكن إمناؤه (المني) يقينًا (في ثوبه) الذي لا يلبسه غيره (أو) في (فراش لا ينام فيه غيره) ممن يمكن أن يكون له مني؛ لعدم احتمال كونه من غيره ولو بظاهر الثوب عند (حج)، فيلزمه الغسل، وإعادة كل صلاة فرض صلاها لا يحتمل حدوثه بعدها.
(ويحرم بالجنابة: ما يحرم بالحدث) وقد مر.
(و) تزيد بحرمة (مكث) مسلم مكلف غير نبي (في المسجد) ورحبته، وهوائه، وجناح بجداره ولو في هواء الشارع، وشجره أصلها فيه، ومكث على فرعها الخارج عنه، وبقعة وقف بعضها مسجدًا شائعًا، وتجب قسمتها، وتندب التحية فيها ولو قبل القسمة لا الاعتكاف قبلها. (وتردد فيه) أي: المسجد ونحوه مما مر، ومن التردد: دخول مسجد لا باب له ثان، أو بقصد الرجوع إلى ما دخل منه، لا إن عنَّ له ذلك، ولو دخل بقصد المكث، فمر ولم يمكث .. أثم على قصده لا على المرور؛ وذلك لخبر: "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب".
والتردد يشبه المكث، وإنما يحرمان (لغير عذر) فإن كان عذر، كأن أغلق عليه المسجد أو خاف من الخروج منه .. جاز المكث، ووجب التيمم بتراب لم يدخل في وقفه، أمَّا الكافر وغير المكلف، والنبي .. فلا يحرم عليهم المكث فيه مطلقًا.
(وقراءة القرآن) ولو حرفًا منه، وحيث لم يقرأ منه جملة مفيدة يأثم على قصده المعصية، وشروعه فيها، لا لكونه قارئًا وإنما تحرم القراءة بشروط منها:
كونها (بقصد القراءة) وحدها أو مع غيرها؛ لخبر: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن"، فإن لم يقصدها، بأن قصد نحو ذكره أو مواعظه أو قصصه أو التحفظ أو التحصن، ولم يقصد معها القراءة .. لم يحرم، وكذا إن أطلق؛ لأنه عند وجود قرينة تقتضي صرفه عن موضوعه كالجنابة لا يكون قرآنًا إلاَّ بقصد، ولو بما لا يوجد نظمه في غير القرآن كسورة الإخلاص، لكن تكره به، وفي حالة الإطلاق.
[ ١٣٠ ]