(ويسن مسح أعلاه وأسفله وعقبه) وحروفه وكونه (خطوطًا) بأن يضع يسراه تحت عقبه، ويمناه على ظهر الأصابع، ثم يمر مفرجًا أصابعه هذه إلى آخر ساقه، وتلك إلى أطراف أصابعه.
ويسن أن لا يزيد في مسحه على (مرة)؛ لما مر أن تثليثه خلاف الأولى.
(والواجب: مسح أدنى شيء من ظاهر أعلاه) فلا يجزىء على باطنه، ولا الاقتصار على عقبه أو حروفه أو أسفله؛ لعدم وروده.
* * *
(فصل: نواقض) أي: الأسباب التي ينتهي بكل منها (الوضوء) لو كان، أو التي شأنها ذلك (أربعة) فقط، وقدم هذا الفصل جمع؛ ليعرف ما يتوضأ منه، وأخره آخرون ومنهم المصنف؛ ليعرف ما يبطل بتلك الأسباب.
والحدث: أكبر -وسيأتي- وأصغر، وهو المراد عند الإطلاق، أي: في عبارة الفقهاء.
أما الناوي: فيحمل إطلاقه له على الحدث القائم به.
ويطلق شرعًا -كالأكبر- على الأسباب، وعلى أمر اعتباري يقوم بأعضاء الوضوء، يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص، وهو في الرأس قائم بجزء مبهم، ويتعين بالمسح، وعلى المنع من الصلاة ونحوها.
(الأول) من الأربعة: خروج (الخارج) يقينًا (من أحد السبيلين) -أي: القبل والدبر- من حي واضح وإن تعدد مخرج كل منهما، أو تعدد كل منهما، كأن وجد له دبران أصليان، أو أحدهما أصلي واشتبه.
والأصح: أن أصالة الذكر منوطة بالبول لا بالوطء، فينقض الخارج المذكور بأي صفة كان ولو نحو عود، ولا ينقض إدخاله، ولذا جاز -قبل خروجه- مس مصحف، لا نحو صلاة؛ لحمله متصلًا بنجس، ودودة أخرجت رأسها وإن رجعت، وريح ولو من
[ ١١١ ]
قبل، ودم باسور داخل الدبر، ورطوبة فرج أنثى خرجت إلى ما يجب غسله، ومقعدة مزحور ولو توضأ ثم أدخلها .. لم ينقض، وإن اتكأ عليها بنحو قطنة حتى دخلت وإن انفصل شيء منها؛ لخروجه منها، وهي من خارج، وذلك للنص في الغائط والبول والمذي والريح، وقيس بها كل خارج.
(إلا المني) أي: مني الشخص نفسه وحده الخارج أول مرة، فلا ينقض كأن احتلم متوضئ وهو قاعد ممكن؛ لأنه أوجب أعظم الأمرين، وهو الغسل بخصوص كونه منيًا، فلم يوجب أدونهما، وهو الوضوء بعموم كونه خارجًا، وإنما أوجبهما الحيض والنفاس؛ لغلظهما، أما لو خرج منه مني غيره ولو مع منيه، أو مني نفسه وحده ثانيًا .. فينتقض الوضوء، ولو رأى بللًا على ذكره .. لم ينتقض وضوءه إن احتمل طرؤه من خارج، ولو ألقت ولدًا جافًا، أو مضغة جافة .. انتقض وضوءها عند (حج)؛ لأن بعض ذلك من مني الرجل، وخروج مني الغير ينقض، وقال (م ر): (لا ينقض؛ لأنه قد استحال إلى الحيوانية).
(الثاني: زوال العقل) يقينًا، أي: الغلبة عليه -بما يأتي- أو أن المراد زوال التمييز إما بارتفاع العقل (بجنون) وهو مرض يزيل الشعور من القلب مع بقاء القوة والحركة في الأعضاء، ولا يجوز على الأنبياء.
وإما بانغماره بنحو صرع (أو سكر أو إغماء) ولو ممكنًا.
(أو) باستتاره (بنوم)؛ لخبر: "من نام .. فليتوضأ" وألحق به ما قبله؛ لأنه أبلغ.
و(الإغماء): مرض يزيل الشعور من القلب مع فتور الأعضاء.
و(السكر): خبل في العقل مع طرب واختلال نطق.
و(النوم): استرخاء أعصاب الدماغ بسبب رطوبة الأبخرة الصاعدة من المعدة، ولا نقض بنوم الأنبياء؛ إذ قلوبهم لا تنام، ولا بإغمائهم، لأنه يخل بحواسهم الظاهرة دون الباطنة.
(إلا النوم) من المتوضئ (قاعدًا ممكنًا مقعده) من مقره، كأرض وظهر دابة ولو سائرة ولو محتبيًا وإن طال، ولو في الصلاة؛ للأمن حينئذ من خروج شيء.
[ ١١٢ ]
و(التمكين): أن لا يكون بين بعض مقعده ومقره تجاف، ولا عبرة باحتمال خروج ريح من القبل؛ لندرته، حتى لو كثر من شخص .. فلا ينتقض وضوءه بنومه ممكنًا ولم يتيقن خروج شيء؛ وذلك لأن الصحابة ﵃ كانوا ينامون وهم منتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم الأرض، ثم يصلون من غير أن يتوضؤوا وحمل على أنهم ينامون ممكنين، وأنهم انتبهوا قبل زوال تمكينهم.
ولا تمكين لقاعد هزيل بحيث يبقى بين بعض مقعده ومقره تجاف، ولا لمن نام على قفاه ملصقًا مقعده بمقره، ولا نقض بالشك في حصول ناقض، ولا بالنعاس، ولا حديث النفس، فلو شك هل نام أو نعس؟ أو هل نام ممكنًا أو لا؟ أو هل زالت إحدى أليتيه قبل يقظته أو بعدها؟ أو أن ما رآه رؤيا أو حديث نفس؟ .. فلا نقض.
وعلامة النعاس سماع كلام الحاضرين ولم يفهمه، فإن لم يسمعه .. فهو نوم، وعلامته الرؤيا.
ولو نام غير ممكن، فأخبره معصوم أنه لم يخرج منه شيء .. انتقض وضوءه، خلافًا لـ"الإمداد"؛ لأن النوم حينئذ ناقض، أو نام ممكنًا فأخبره عدلٌ بخروج شيء منه .. انتقض عند (حج).
(الثالث:) تيقن (التقاء بشرتي الرجل والمرأة) أي: الذكر والأنثى.
الواضح: كل منهما المشتهى لذوي الطباع السليمة، ولو صبيًا وممسوحًا، أو عنينًا أو صبية أو مكرهًا أو ميتًا، لكن لا ينقض الميت، أو بعضو أشل أو زائد ولو جنيًا عند (م ر)، أو كان ذلك التلاقي بإخبار عدل عند (حج)؛ وذلك لآية (أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ) [النساء:٤٣] أي: لمستم، كما في قراءة.
و(اللمس): الجس باليد وغيرها، والمعنى في النقض به أنه مظنة التلذذ المثير للشهوة التي لا تليق بالمتطهر.
و(البشرة): ظاهر الجلد، وألحق بها نحو لحم الأسنان واللسان، وكذا باطن عين وكل عظم ظهر عند (م ر)، وقال الشرقاوي: (وكذا باطن أنف).
وخرج بما ذكر: التقاء بشرتي ذكرين وإن كان أحدهما أمرد حسنًا، أو أثنين، أو خنثى وغيره، أو ذكر وأنثى بحائل وإن رق ولو بشهوة.
[ ١١٣ ]
(وينتقض) وضوء (اللامس والملموس)؛ لاشتراكهما في مظنة اللذة، كاشتراكهما في لذة الجماع.
(ولا ينقض صغير أو صغيرة) كل منهما (لا يشتهي) غالبًا لذوي الطباع السليمة، ولا يتقيد بسبع سنين؛ لاختلاف ذلك باختلاف الصغار.
(و) لا (شعر وسن وظفر و) لا ينقض (محرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة)؛ لانتقاء مظنة الشهوة في جميع ذلك، وخرج بـ (المحرم): المحرمة لاختلاف دين كمجوسية، أو لعان، أو وطء شبهة كأم الموطوءة بشبهة وبنتها، وزوجات الأنبياء؛ إذ تحريمهن ليس لذلك، وبـ (تيقن التقاء البشرتين) الشك فيه، فلا نقض به، وكذا لا نقض بلمس من شك في محرميتها، ولا بلمس أجنبيات اشتبهت محرمه بهن وإن تزوج منهن، حيث لم يلمس منهن أكثر من عدة محارمه، ولا بلمس مجهولة نسب تزوجها، ثم استلحقها أبوه ولم يصدقه، فيستمر نكاحها مع ثبوت أخوتها له وعدم نقضها عليه، والبعض لا ينقض إلا إن أطلق عليه الاسم عند (م ر).
وقال (حج): لا ينقض إلا إن كان فوق النصف.
(الرابع: مس) واضح أو خنثى جزءًا من (قبل الآدمي) الواضح، ومنه القلفة.
(و) مس (حلقة دبره) أي: جزء منها من حي أو ميت صغير أو كبير؛ ذكر أو أنثى، من نفسه أو غيره ولو أشل، أو زائدًا عاملًا، أو على سنن الأصلي أو مشتبهًا به؛ لخبر: "من مس ذكره، وفي رواية: ذكرًا .. فليتوضأ"، والناقض من الدبر ملتقى المنفذ، ومن قبل المرأة متلقى شفريها على المنفذ فقط عند (حج).
وإنما ينقض ذلك (بباطن الكف) الأصلية ولو شلاء ذلك لخبر: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، وليس بينهما ستر ولا حجاب .. فليتوضأ"، والإفضاء باليد: المس بباطن الكف، فيتقيد به إطلاق المس في بقية الأخبار؛ ولأنه هو مظنة التلذذ، وهو الراحة وبطون الأصابع.
(ولا ينتقض) وضوء (الممسوس)؛ إذ لا هتك منه، قال في "الأسنى": (بخلاف
[ ١١٤ ]