(وواجب ما شرب) من ثمر أو زرع (بغير مؤنة) كالمسقي بالمطر أو الماء المنصب إليه من نهر أو جبل أو عين أو ثلج أو ساقية حفرت من النهر وإن احتاجت لمؤنة (العشر).
(و) واجب (ما سقي بمؤنة كالنواضح) من نحو الإبل والبقر، وتسمى سواني، أو الدواليب -جمع دولاب- وهو ما يديره الحيوان، أو ناعورة، وهو ما يديره الماء، وكالماء المملوك الذي اشتراه أو غصبه أو اتهبه؛ للمنة في الأخير، ولأنه مضمون عليه في الأولين وإن كان الشراء فاسدًا.
[ ٤٩٥ ]
أما غير المملوك .. ففيه العشر وإن اشتراه أو غصبه؛ لأنه يرجع بما بذله في ثمنه.
وبحث (سم): أن في حصول المباح بكلفة نصف العشر.
(نصفه)؛ للأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك.
والمعنى فيه كثرة المؤنة وخفتها، كما في السائمة والمعلوفة، بالنظر للوجوب وعدمه.
تنبيه: ماء العيون والأنهار إن ملك محل منبعه .. فهو مملوك لذي الأرض الذي نبع فيها، وإلا .. فهو باق على إباحته، ففي ما سقي به العشر، ولا يملك حتى يحرز.
(و) واجب (ما سقي بهما) أي: بالمؤنة ودونها (سواء) باعتبار عيش الزرع ونمائه، بأن كان النصف من هذا والنصف من ذاك.
فلو كان من زرعه إلى إدراكه ثمانية أشهر، فاحتاج في أربعة إلى سقيتين، فسقى فيها بالمطر، وفي أربعة إلى سقية، فسقى فيها بالنضح .. فهذا سواء.
(أو أشكل) مقدار ما يسقي به منهما، كأن سقي بالنوعين، وجهل نفع كل منهما باعتبار المدة لا عدد السقيات؛ إذ رُبَّ سقية أنفع من سقيات (ثلاثة أرباعه).
أمَّا في الأولى .. فعملًا بواجبهما، ومن ثم لو كان ثلثاه بمطر وثلثه بدولاب، وجب خمسة أسداس العشر، وفي عكسه ثلثا العشر.
وأما في الثانية .. فلئلا يلزم التحكم، فإن علم تفاوتهما بلا تعيين .. فقد علمنا نقص الواجب عن العشر وزيادته على نصفه، فيؤخذ المتيقن ويوقف الباقي إلى البيان، ويصدق المالك فيما سقي به منهما، فإن اتهم .. فيحلف ندبًا.
(وإلا) بأن سقي بهما متفاوتًا وعلم (.. فقسطه) أي: قسط كل منهما، ويكون التقسيط باعتبار نموّ الزرع، والثمرُ باعتبار المدة.
(ولا تجب) الزكاة فيما مر (إلا ببدو الصلاح في الثمر) كله أو بعضه وإن قل، كحبة بأن تظهر مبادئ النضج والحلاوة والتلون.
وضابطه: بُلوغه صفة يطلب فيها غالبًا؛ لأنه حينئذٍ ثمرة كاملة، وقبله حصرم أو بلح.
[ ٤٩٦ ]
(واشتداد الحب) ولو في بعضه أيضًا (في الزرع)؛ لأنه حينئذٍ قوت وقبله بقل، وألحق البعض بالكل فيهما كالبيع، والوجوب على من بدا الصلاح في ملكه.
فلو باع نخلًا مثمرًا، فبدا الصلاح في مدة الخيار .. فالزكاة على من الملك له، وهو من انفرد بالخيار، حتى لو كان المشتري .. لزمته، وامتنع الفسخ لشركة المستحقين في الثمر، وهي عيب، ولو كان كافرًا سقطت وإن رده على البائع.
ولو اشترى ثمرة قبل بدو الصلاح بشرط القطع، فبدا صلاحها قبله .. وجبت الزكاة على المشتري، وامتنع القطع لشركة أهل الزكاة، فلو كره البائع إبقاءها .. فله الفسخ، وإذا فسخ .. لم تسقط الزكاة عن المشتري.
والمراد بوجوبها ببدو الصلاح انعقاد سبب الوجوب.
ولا يصح الإخراج إلا بعد الجفاف والتصفية، وكثير يفرقون من الرطب والسنابل، وهو لا يجوز ولو للناطور.
نعم؛ إن عجل زكاة ذلك من الحب المصفى عنده أو من الثمر الجاف .. جاز.
وجاز التفرقة من الثمر إن خرص عليه، وضمن حصة المستحقين لا من السنابل؛ لأنها لا تخرص.
وقد صرحوا بأن من تصدق بالمال الزكوي .. يلزمه زكاته، ولا تسقط بالتصدق به.
نعم؛ الإمام أحمد يُجَوَّز الأكل له ولعياله والإهداء بالمعروف، وفيه قول عندنا سيأتي قريبًا، والكلام في السنابل اشتد حبها، فإن لم يشتد أوشك فيه .. فلا زكاة فيها، ولا يحرم التصرف فيها.
(وسن خرص الثمر) الذي تجب فيه الزكاة من رطب وعنب ولو بالبصرة (على مالكه) الموسر ولو بتلك الشجر بعد بدو صلاحه كله، وكذا بعضه على معتمد "التحفة"، و"النهاية"، و"المغني"، خلافًا لـ"شرحي الإرشاد"؛ للأمر بذلك، ولذا قيل بوجوبه.
وحكمته: الرفق بالمالك والمستحق.
بأن يرى ما على كل شجرة فيقدره رطبًا ثم جافًا، أو ثمرة كل نوع رطبًا ثم جافًا.
أمَّا المعسر .. فلا يجوز الخرص عليه.
وخرج بالثمر: الحب؛ لتعذر الحرز فيه.
[ ٤٩٧ ]
وفي "التحفة": وبحث بعضهم: أن للمالك إذا اشتدت ضرورته لشيء منه، أَخْذَه ويحسبه، واستدل له بما لا يأتي على قواعدنا وإن نقل عن الأئمة الثلاثة ما قيل: إنه يوافقه.
وببعد بدو الصلاح قبله؛ لتعذر خرصه، ولعدم تعلق الزكاة به.
والمشهور: إدخال جميع الثمر في الخرص؛ لعموم الأدلة الموجبة لعشر الكل أو نصفه.
وأمَّا خبر: "إذا خرصتم .. فحذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث .. فدعوا الربع" .. فحملوه -كالشافعي في أظهر قوليه- على أنه يترك من الزكاة شيء يفرقه في أقاربه وجيرانه.
ونظر في "التحفة" في تضعيف مقابل المشهور مع شهادة الحديث له، وبعد تأويله، قال: (ومن ثم قال الأذرعي: ليس عنه جواب شاف، وهو مذهب الحنابلة) اهـ
ويكفي خارص واحد إن كان من طرف الحاكم، وإلا .. حكَّم المالك عدلين يخرصان عليه، ويُضَمَّنانه.
(وشرط الخارص: أن يكون ذكرًا مسلمًا حرًا عدلًا)؛ لأن الخرص إخبارٌ، وولاية، وانتفاء وصف مما ذكر، يمنع قبول الخبر والولاية.
(عارفًا) بالخرص؛ لأن الجاهل بالشيء ليس من أهل الاجتهاد فيه.
(و) إذا خرص .. فلا بد لصحة تصرف المالك في المخروص من أن (يُضَمَّن) الساعي أو الخارص المحكم (المالك) القدر (الواجب) عليه من المخروص، تضمينًا صحيحًا صريحًا (في ذمته) كأن يقول: ضمنتك حق المستحقين من الرطب مثلًا بكذا تمرًا (ويقبل) المالك أو نائبه ذلك التضمين صريحًا أيضًا، فحينئذٍ ينتقل حق المستحقين إلى ذمة المالك.
(ثم) بعد ذلك له أن (يتصرف في جميع الثمر) بما شاء؛ إذ لم يبق فيه لغيره حق، وهذا فائدة التضمين.
فإن انتفى الخرص أو التضمين أو القبول .. لم ينفذ تصرفه إلا فيما عدا الواجب شائعًا، ويخير المشتري إن جهل وإن زكىَّ المالك بعد من مال آخر.
[ ٤٩٨ ]
نعم؛ إن قال: بعتك هذا إلا قدر الزكاة، وهو العشر مثلًا .. صح، ويرد المشتري قدر الزكاة على البائع؛ لأن له ولاية إخراجها، ولا يصح تصرف المشتري في المبيع قبل إخراج الزكاة أو ردها للمالك، أي: كأن يرد شاة من أربعين مثلًا، وهذا في غير زكاة التجارة.
أمَّا هي .. فيصح بيع الكل ولو بعد الوجوب بغير محاباة، وإلا .. بطل في قدرها؛ لأنها متعلقة بالذمة لا بعين المال.
ولو تلف المخروص قبل التمكن من أداء الزكاة .. فلا زكاة على المالك، أو تلف بعضه .. زكى الباقي ولو دون نصاب.
ولو أتلفه المالك قبل بدو الصلاح .. فلا شيء عليه، أو بعده وقبل التضمين .. لزمه عشر قيمة الرطب عند (حج)، ومثل عشره على ما نقله (سم) عن (م ر).
ولو ادعى هلاك المخروص، جاء فيه تفصيل الوديع في دعواه تلف الوديعة، أو الظلم .. لم تسمع دعواه إلا ببينة، أو الغلط في الخرص بما يبعد .. لم تسمع دعواه.
نعم؛ يحط عنه القدر المحتمل أو بما لا يبعد كعشر قُبِل إن تلف المخروص، وإلا .. أعيد كيله، وللمالك قطع ما يضر الشجر من الثمر بإذن الإمام إن أمكن.
ويندب قطع الثمر نهارًا وإن لم تكن زكوية؛ ليطعم الفقراء مما ليس زكويًا ومما خرص، وضمن حق المستحقين فيه وإلا حرم؛ لشركة المستحقين فيه كما مر.
* * *
[ ٤٩٩ ]