(وأول السفر) الطويل هنا، والقصير في نحو التنفل في السفر (الخروج من السور) وكتفيه الخارجين عن محاذاة بابه (في) البلد (المسوره) المختص بها ولو في جهة مقصده فقط وإن تعدد أو تهدم وبقيت تسميته سورًا، أو كان ظهره ملصقًا به، أو كان وراءه عمارة؛ إذ ما في باطنه ولو نحو مزارع محسوب من موضع الإقامة، وما كان خارجه لا يعد من البلد، والخندق كالسور، لكن لا عبرة به مع وجود السور، وكذا تحويط أهل القرى عليها بنحو التراب.
(و) أوله فيما لا نحو سور له في جهة مقصده مختص به الخروج (من العمران)
[ ٣٦٨ ]
وإن تخلله نحو خراب وميدان وإن كبر، ولا تشترط مجاوزة الخراب والمزارع التي وراء البلد وإن اتصلت به.
لكن قيد (حج)، و(م ر) الخراب بما اتخذوه مزارع، أو حوّطوا عليه، وإلا .. فلا بد من مجاوزته، والقريتان إن اتصلتا عرفًا .. كقرية، وإلاَّ .. فكلٍّ حكمُه، وكل من الاتصال أو الانفصال الطارئ كالأصلي.
والمعتبر في سفر البر الخروج من العمران بحيث لا يسير بينه وإن سافر في طول البلد أو عرضه.
ومثله: سفر البحر المنفصل ساحله عن العمران، وفي سفر البحر المتصل ساحله بالعمران عرفًا الخروج منها (مع ركوب السفينة) وجريها، أو جري الزورق إليها آخر مرة، فإذا جرى كذلك .. جاز القصر لمن به ولمن بالسفينة ولو قبل وصوله إليها.
وإنما يعتبر جري السفينة أو الزورق (فيما لا سور له) كما في "التحفة"، و"الشرح"، واستوجهه الخطيب.
قال الكردي: وفي "شرح الإرشاد"، وكلام (م ر): اضطراب في النفل بينته في "الأصل".
على أنه لا فرق في ذلك بين السور والعمران، فلا بد من ركوب السفينة أو جري الزورق إليها في السواحل التي لا تصل السفينة إليها؛ لقلة عمق البحر فيها؛ فيذهب للسفينة بالزورق، فإذا جرى إليها أي: آخر مرة .. كان ذلك أول سفره.
قال (زي): (ومحل ما تقدم: ما لم تجر السفينة محاذية للبلد، وإلا كأن سافر من بولاق إلى الصعيد .. فلا بد من مفارقة العمران) اهـ
(و) أوله لساكن الخيام: (مجاوزة الحلة) -بكسر الحاء- وهي بيوت مجتمعة أو متفرقة، بحيث يجتمع أهلها للسمر في نادٍ واحد، ويستعير بعضهم من بعض.
ويشترط: مجاوزة مرافقها المختصة بها، كمطرح رماد وملعب صبيان وناد ومعاطن إبل وماء وحطب، وقد يشمل اسم الحلة لجميع ذلك؛ إذ كلها وإن اتسعت، معدودة من مواضع إقامتهم، هذا إن كانت بمستو.
فإن كانت بواد وسافر في عرضه، أوبربوة .. اشترط مجاوزة العرض، ومحل الصعود والهبوط إن اعتدلت هذه الثلاثة.
[ ٣٦٩ ]
فإن أفرطت سعتها، أو كانت البيوت ببعض عرضه .. اكتفي بمحاوزة الحلة ومرافقها.
(وينتهي سفره) المجوز لترخصه (بوصوله) ما مر مما يشترط مجاوزته في ابتداء السفر وإن لم يدخله؛ لأن السفر على خلاف الأصل، فانقطع بمجرد وصوله، بخلاف الإقامة فأصل، فاشترط في قطعها الخروج، لا مجرد رجوعه.
وذلك بأن يصل (سور وطنه) فيما له سور (أو عمرانه إن كان) وطنه (غير مسور) وإن لم ينو الإقامة به.
(وبنية الرجوع) وبالتردد فيه من مستقل ماكث ولو بمحل لا يصلح لإقامة، كمفازة قبل وصوله مسافة قصر (إلى وطنه) سواء أقصد مع السفر ترك السفر، أو أخذ شيء منه، فلا يترخص في إقامته ولا رجوعه إلى أن يفارق وطنه؛ تغليبًا للوطن، فإن سافر .. فسفر جديد.
وخرج بـ (وطنه): غيره، فيترخص، وإن دخله وكان له أهل فيه، و(بنية الرجوع): رجوعه إليه ضالًا عن الطريق، وبـ (المستقل) نحو عبد وزوجة، فلا أثر لنيتهم، وبـ (الماكث): السائر لجهة مقصده، فلا أثر لنيته؛ إذ فعله يخالف نيته، فألغيت ما دام فعله موجودًا، وبـ (قبل وصوله مسافة القصر): ما لو رجع، أو نوى الرجوع من بعيد لحاجة، ما لم يصل وطنه.
(و) ينتهي أيضًا (بوصول موضع نوى) المستقل (الإقامة فيه مطلقا) أي: من غير تقييد بزمن وإن لم يصلح للإقامة.
(أو) نوى أن يقيم فيه (أربعة أيام) بلياليها (صحيحه) أي: غير يومي الدخول والخروج؛ لأن في الأول الحط، وفي الثاني الرحيل، وهما من أشغال السفر.
(أو) أن يقيم فيه (لحاجة لا تنقضي إلا بالمدة المذكورة)؛ لأنه ﷺ رخص للمهاجرين في إقامة ثلاثة أيام بمكة مع حرمة المقام بها عليهم، والترخص فيها يدل على بقاء حكم السفر فيها، وفي معناها ما فوقها ودون الأربعة، وألحق بإقامتها نية إقامتها.
[ ٣٧٠ ]
وشمل قوله: (بوصوله): ما لو خرج قاصدًا مرحلتين ثم عنَّ له أن يقيم بمحل قريب منه، فيترخص ما لم يصله؛ لانعقاد سبب الرخصة في حقه، فلم تنقطع إلا بوصوله ما غيَّر النية إليه.
(وإن كان) المستقل نوى الإقامة بمحل لحاجة، كريح وقافلة ورفقة يريد السفر معهم إن خرجوا، وإلاَّ فوحده.
فإن نوى أن يسافر إلا إن سافروا .. لم يترخص؛ لعدم جزمه بالسفر، وذلك بأن (يتوقع قضاءها) أي: الحاجة (كل وقت) أي: قبل مضي أربعة أيام صحاح (ترخص) بقصر وغيره، ولو غير مقاتل (إلى ثمانية عشر يومًا) بلياليهن غير يومي الدخول والخروج؛ (لأنه ﷺ أقامها بعد فتح مكة؛ لحرب هوزان، يقصر الصلاة) حسنه الترمذي، وإن ضعفه الجمهور؛ لأن له شواهد تجبره، وصح رواية: عشرين، فحمل على أنه عدَّ يومي الدخول والخروج منها.
واعلم أن للقصر ثمانية شروط:
الأول: السفر الطويل، كما مر.
وشرطه: أن يكون لغرض صحيح، ولم يعدل عن طريق قصير إلى طويل؛ لغرض القصر وحده، بل لنحو أمن أو سهولة، أو تنزه ولو مع القصر، فالتنزه لا يصح كونه غرضًا حاملًا على السفر، ويصح كونه غرضًا حاملًا على العدول من قصير إلى طويل، فإن سافر لغير غرض صحيح، كأن كان لمجرد رؤية البلدان والتنقل فيها .. لم يقصر، ولو كان لمقصده طريقان: طويل وقصير .. فالعبرة بما سلكه منهما.
الثاني: كونه مباحًا، كما مر، فلا يترخص العاصي بسفره، كآبق وناشزة ومدين بغير رضا دائنه إن حل وقدر على وفائه وإن قل وقصر السفر وجرت العادة بالمسامحة في مثله، وغير الدين من الحقوق كالدين .. فلا بد من نحو وفائه، أو أذن من له الحق أو ظن رضاه، والمراد بالمعصية ولو صورة، كسفر صبي بغير أذن أصله، وإن قصد مع المعصية غيرها كسفر بغير إذن دائن للحج، ولو نوى به مباحًا ثم في أثنائه نوى به معصية .. امتنع ترخصه من حينئذٍ، أو عكسه .. ترخص إن بقي من سفره مرحلتان.
وخرج بـ (العاصي بسفره): العاصي في سفره كأن سافر سفرًا مباحًا، ثم في أثنائه سرق مثلًا فيترخص، ومن العاصي بسفره من يتعب نفسه أو دابته بالركض من غير غرض يبيح ذلك.
[ ٣٧١ ]
الثالث: أن يقصد محلًا معلومًا أولًا، بأن يعلم أن مسافته مرحلتان فأكثر، سواء كان معينًا كمكة، أو غير معين كالحجاز.
(و) بما تقرر علم أنه (لا يقصر هائم) وهو من لايدري أين يذهب، سلك طريقًا أم لا، ومن لم يسلكه يسمى راكب التعاسيف، أي: الطرق المائلة، ولا يترخص بشيء من رخص السفر وإن طال تردده؛ لأنه عبث لا يليق به الترخيص.
وبعض أفراده حرام، كمن يتعب نفسه أو دابته بالسفر بلا غرض. فما أوهمه كلام بعضهم: أنه عاص بسفره مطلقًا .. يرده قولهم: لو قصد مرحلتين .. قصر فيهما، وكذا فيما بعدهما عند (م ر)، لكن نظر بعضهم في كونه في المرحلتين هائمًا، وأمَّا بعدهما .. فإنما جاز ترخصه عند (م ر) تبعًا.
(و) لا (طالب غريم، أوآبق لا يعرف موضعه) وقد عقد سفره بنية أنه متى وجده .. رجع؛ لأنه لم يعزم على سفر طويل، ومن ثم لو علم أنه لا يجده إلا بعد مرحلتين .. قصر فيهما كما لو قصدهما الهائم، وكذا فيما بعدهما عند (م ر)، والمرحلتان مثال.
فلو علم أنه لا ينقضي قبل عشر مراحل .. قصر فيها.
وقد شمل ذلك قولنا السابق بأن يعلم أن مسافته مرحلتان فأكثر.
كما شمل قولنا: (أولًا) مَنْ قصد في ابتداء سفره مرحلتين، ثم عنَّ له بعد مفارقته العمران أنه يهيم أو يرجع إذا وجد غرضه، أو يقيم قبلها، فيترخص إلى أن يقيم؛ لانعقاد سبب الرخصة في حقه، كما مر.
نعم؛ إن كان من طرأ له أنه يهيم عاصيًا بذلك .. امتنع عليه الترخيص.
أمَّا من نوى ابتداء دون مرحلتين، ثم نوى في سفره الزيادة .. فلا يترخص، ما لم يكن من محل نيته الزيادة إلى مقصده مرحلتان.
(ولا) تقصر (زوجة وعبد لا يعرفان المقصد) للزوج والسيد؛ لفقد شرط القصر، وهو تحقق السفر الطويل (إلا بعد مرحلتين) فيقصران؛ لتحققه، وكذا قبلهما أن علما أن سفر متبوعهما يبلغهما ولو برؤيتهما له يقصر الصلاة، بخلاف إعداده عدة كثيرة لا تكون إلا لسفر طويل عادة، خلافًا للأذرعي.
[ ٣٧٢ ]
لكن استوجه (سم) كلامه حيث ظن بهذه القرينة طول سفره.
ومثلهما، فيما مر الجندي، وأجيرُ عينٍ، وأسير.
ولو نووا مسافة القصر دون متبوعهم، أو مع الجهل بحاله .. قصر الجندي فقط؛ لأنه ليس تحت يد الأمير وقهره إن كان متطوعًا، ولم يختل به النظام، بخلاف من يختل يه، كأكثر الجيش، وشجاع.
* * *