بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين.
وأشهد أنّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله القائل: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين".
صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن والاهم إلى يوم الدين.
وبعد:
فيقول الفقير إلى كرم مولاه المحسن سعيد بن محمد باعشن -عامله الله بمعروفه، ووقاه شر نوائب الدهر وصروفه-: قد كنت شرحت مقدمة الإمام الولي الزاهد القانت عبد الله بن عبد الرحمن بافضل -نفعنا الله ببركاته- شرحًا فيه نوع تطويل، ثم اختصرته فيما يقارب نصف حجمه، راجيًا من فضل مولانا تعالى أن ينفع به؛ فإنه ولي ذلك والقادر عليه، والفرد الذي لا يخيب من التجأ في أموره إليه، وعليه التعويل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وسميته:
"بشرى الكريم شرح مسائل التعليم"
وتعرضت فيه كـ"أصله" للخلاف بين الإمامين القمرين الشيخ أحمدَ بن حجر، والشيخ محمد الرملي نفع الله بهما؛ لأن كلام شيخ الإسلام والشهاب الرملي والخطيب الشربيني وابن زياد وعبد الله بن عمر مخرمة وغيرهم من نظرائهم .. لا يخرج غالبًا عما قالاه.
ورمزت للأول بـ (حج)، وللثاني بـ (م ر)، ولابن قاسم بـ (سم)، والشبراملسي بـ (ع ش)، والزيادي بـ (زي)، والقليوبي بـ (ق ل)، والحلبي بـ (ح ل)، والبجيرمي بـ (ب ج)، وغيرهم أصرح باسمه، وقد أذكر اسم بعضهم وجميع أقوال هؤلاء متقاربة.
ويجوز العمل بكلٍّ في حق النفس وإفتاءً وحكمًا، إلا ما اتفق على أنه غلط، أو سهو، أو ضعيف.
[ ٤٣ ]
لكنَّ العمل في حق النفس يجوز حتى بالأقوال والأوجه الضعيفة واختيارات أئمة المذهب الخارجة عنه.
وحيث أطلقت لفظ (الشرح) .. فهو شرح هذه "المقدمة" للعلامة ابن حجر، أو (الفتح) .. فـ"فتح الجواد".
وحيث قلت: عند (حج) .. فالرملي مخالف له فيه، أو عند (م ر) .. فابن حجر مخالف فيه، واعتمدت غالبًا في الخلاف بينهما على "التحفة" و"النهاية".
وقد ابتدأ المصنف رحمه الله تعالى كغيره من الأئمة بقوله:
(بسم الله الرحمن الرحيم) اقتداءً بالكتاب العزيز، وعملًا بخبر: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم .. فهو أبتر".
وفي رواية: "أجذم".
وفي أخرى: "أقطع"؛ أي: كالأبتر، أو كالأجذم، أو كالأقطع؛ أي: قليل النفع.
ومعنى "ذي بال": صاحب حال يهتم به شرعًا؛ أي: لا من سفاسف الأمور كامتخاط ولبس نعل، وليس ذكرًا محضًا كالدعاء، ولا جعل له الشارع مبدأ بغير البسملة كالصلاة بالتكبير، والدعاء بالحمد لله.
وفي رواية بـ"الحمد لله".
ولا تعارض بين حديث البسملة والحمدلة؛ إذ الابتداء:
- حقيقي وهو: ما تقدم أمام المقصود ولم يسبق بشيء.
- وإضافي [وهو]: ما تقدم أمام المقصود سواء سبق بشيء أم لا، فحُمل خبر البسملة على الحقيقي، وخبر الحمدلة على الإضافي، ولأن في رواية بـ"ذكر الله"، وبها يندفع التعارض من أصله؛ لأنها مبيِّنة أن المراد: بأيِّ ذكر كان، فيحصل بجميع أنواعه من بسملة وحمدلة وغيرهما، كما أوضحته في "الأصل".
واعلم أن (البسملة) اشتملت على: (الباء)، و(اسم)، و(الجلالة)، و(الرحمن)، و(الرحيم).
فـ (الباء) معناها: المصاحبة أو الاستعانة على وجه التبرك، والمصاحبة أولى؛ لما
[ ٤٤ ]
في الاستعانة من إيهام كون اسمه تعالى آلة، كما في: (كتبت بالقلم)، وعلى كلٍّ هي متعلقة بمحذوف، والأولى تقديره فعلًا خاصًا مؤخرًا؛ أي: (باسم الله أؤلف).
أما تقديره فعلًا .. فلأن أصل العمل للأفعال.
وأما كونه خاصًا .. فلأن كل شارع في فعل يضمر في نفسه لفظَ ما جعل التسمية مبدأ له، فالكاتب يضمر لقوله: (باسم الله): أكتب، والمؤلف يضمر لذلك: أؤلف، وهكذا.
ولأن بتقديره خاصًا تعم بركة اسم الله التأليف كله، وبتقديره عامًا كـ (أبتدئ) لا تعم إلا أوله.
وأما كونه مؤخرًا .. فليفيد الحصر؛ أي: لا أبدأ إلا باسمه تعالى.
و(الاسم): مشتق من (السمو) وهو العلو، أو من (السمة) وهي العلامة.
ولفظ الجلالة هو: علم للذات المعينة؛ أي: ذات مولانا تعالى، وهو أعرف المعارف، والاسم الأعظم، ولم يُسَمَّ به غيره ولو تعنُّتًا.
ومشتق عند الأكثرين من (ألِهَ) إذا تحير؛ لتحير الخلق في معرفته، أو إذا عُبِدَ، أو إذا فزع من أمر إليه.
وعلى كلٍّ: فهو المعبود للخواص والعوام، والمفزوع إليه في الأمور العظام، المرتفع عن الأوهام، المحتجب عن الأفهام.
أصله: (ألِهَ) حذفت همزته وعوض عنها (أل) فصار: الله، وفُخِّم للتعظيم.
و(الرحمن الرحيم): صفتان مشبَّهتان بُنيتا للمبالغة، مشتقتان من (الرحمة)، وهي: رقة في القلب تقتضي التفضل والإحسان.
فهي باعتبار مبدئها مستحيلة عليه تعالى؛ لأنها من الكيفيات النفسانية، فالمراد غايتها، وهو التفضل والإحسان، أو إرادة ذلك.
فهي على الأول: صفة فعل، وعلى الثاني: صفة ذات.
وكالرحمة كل ما هو من الكيفيات كالرضا والغضب.
وقُدِّمت الجلالة عليهما؛ لأنها اسم، وهو مقدم على الصفة.
[ ٤٥ ]
وقدم (الرحمن) على (الرحيم)؛ لأنه خاص به تعالى؛ إذ لا يطلق على غيره تعالى بخلاف (الرحيم)، ولأنه أبلغ منه كَمًّا وكيفًا، ولأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى عند الاتحاد في الاشتقاق والنوع كما هنا، وهذا في الرحمن باعتبار أصله.
أما الآن .. فقد صار علمًا بالغلبة، ويجوز فيه الصرف نظرًا لأصله، وعدمه نظرًا للغلبة.
وعلى أنه علم: هو بدل من (الجلالة)، و(الرحيم) نعت له لا للجلالة.
(الحمد) هو لغة: الثناء بالكلام على جميل اختياري على جهة التعظيم سواء كان في مقابلة نعمة أم لا، وسواء كان جميلًا شرعًا كالعلم، أو في زعم الحامد كنهب الأموال.
واصطلاحًا: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونُه منعمًا على الحامد أو غيره.
وهو الشكر لغة فعلًا كان أو قولًا أو اعتقادًا.
فمورده عام ومتعلَّقُه خاص، عكس اللغوي، فبينهما عموم وخصوص من وجه يجتمعان في قولك: (زيد كريم)، وينفرد اللغوي بنحو قولك: (زيد عالم)، والعرفي بنحو: القيام لمن أحسن إليك، أو إلى غيرك.
ثابت أو مختص أو مملوك (لله) فلا فرد منه لغيره، سواء جعلتَ (أل) في الحمد للاستغراق، أو للجنس، أو للعهد، وهو ظاهر على غير العهد.
أما عليه؛ أي: الحمد المعهود الذي حمد به نفسه، وحمده به كُمَّلُ خلقه مملوك أو مختص به .. فادعاء؛ بناء على أن لا عبرة بحمد غير من ذكر، وفيه كلام بينته في "الأصل".
وأردف التسمية بـ (الحمد) اقتداء بالقرآن المجيد، وعملًا بظاهر خبره المتقدم على ما مرَّ فيه.
وترك العاطف بينهما؛ إشارة إلى كمال الاتصال بينهما؛ إذ معنى كل منهما الثناء. وإلى استقلال كل منهما بإفادة الابتداء. ولاحتمال كون أحدهما خبرًا والآخر إنشاء، ولا يجوز عطف أحدهما على الآخر إلا في نحو: (قلت: زيد قائم، وأكْرِمْ عمرًا).
وقرن الحمد بالجلالة؛ إشارة إلى أنه تعالى مستحقه لذاته.
[ ٤٦ ]
وآثر الحمد على الشكر؛ لأنه يعم الفضائل والفواضل؛ أي: الصفات التي لا يلزم تعديها إلى الغير كالعِلم، والتي يلزم تعديها إليه كالكرم.
والشكر اللغوي مختص بالأخير.
أما الشكر عرفًا: فصرف جميع ما أنعم الله به على العبد إلى ما خُلق لأجله .. ولذا قال الله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ:١٣].
(الذي فرض علينا) معشرالأمة إيجابًا لا رخصة في تركه (تَعَلُّم) جميع (شرائع الإسلام) وما يتوقف معرفتها أو كمالها عليه، كنحو وصرف وبيان ومنطق وعلم القراءة.
لكن ما يحتاج إلى التلبس به حالًا من عبادة ومعاملة .. يجب تعلم ظاهر أحكامه عينيًا.
ولا تصح ولا تجوز مباشرته إلا بعد معرفة أحكامه الظاهرة ولو عبدًا أو امرأة.
لكن لو عرف مأمورات نحو الصلاة ولم يُميز الفرض منها من السنة .. صح.
وكذا .. تصح المعاملة إذا استجمعت واجباتها وإن أثم بترك التعلم.
وما لا يحتاج إليه كذلك .. فمعرفته فرض كفاية.
فإذا قام به البعض .. سقط الحرج عن الباقين، فإن لم يقم به أحد .. أثم جميع المكلفين.
و(الشرائع) -جمع شريعة، من شرع بمعنى: بيَّن- وهي: ما شرعه الله؛ أي: بينه من الأحكام.
وتُعرَّف أيضًا بأنها: وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما يُصلح معاشهم ومعادهم.
وتساويها الملة والدين ما صدقًا؛ لأنها من حيث إنها يُدان [لها]-أي: يخضع لها- تسمى دينًا، ومن حيث إملاء الشارع لها تسمى ملة، ومن حيث إظهار الشارع وتبيينه لها تسمى شريعة.
و(الإسلام): الاستسلام والانقياد بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات المبني على الإذعان الباطني، وهو الإيمان.
[ ٤٧ ]
وبما تقرر: عُلِمَ أن إضافة (شرائع) إلى (الإسلام) بمعنى اللام؛ أي: أحكام للإسلام، فقول العلامة ابن حجر في "شرحه": (إنها بيانية) .. غير ظاهر، كما بينته في "الأصل".
وقوله: (ومعرفة) أحكام (صحيح المعاملة وفاسدها) من عطف الخاص؛ إذ الشرائع عامة في أحكام المعاملة وغيرها، وإنما أتى به تنبيهًا لما فرط فيه معظم الخلق؛ لأنهم لا يكادون يعولون في ذلك على شرع، بل أحدثوا فيها أحكامًا طاغوتية، وعارضوا، بل أبطلوا أحكام الله بها.
وإنما وجب معرفة ما ذكر (لتعريف) أي: معرفة (الحلال) الشامل للواجب والمندوب والمباح والمكروه (والحرام) حتى يُتعاطى الحلال ويُجتنب الحرام، وفي نسخة: (من الحرام) أي: ليتميز الحلال الطيب من الحرام الخبيث.
(وجعل مآل) أي: عاقبة (من عَلِمَ ذلك وعمل به الخلودَ في دار السلام) أي: الجنة على أسَرِّ حالٍ وأهنئه، من غير سبق نكد له في قبره ولا فيما بعده.
(و) جعل (مصير من خالفه وعصاه) عطف تفسير (دار الانتقام) وهي: النار دائمًا متحتمًا إن كان معصيتُه بالكفر، وإلا .. فمعنى كونها مصيره: أنه يستحق دخولها بلا خلود، إلا إن عفا الله عنه.
ولما تكلم على استحقاقه تعالى لمجامع الحمد وصفات الكمال .. شهد له باستحقاقه تعالى الألوهية، ونفيها عما سواه؛ إشارة إلى أن تلك الشهادة الشريفة داخلة فيما قدمه، بل استحقاق إثبات الإلوهية له أجَلُّ ظهورًا، ومن ثم عطَفه على (الحمد) فصرح بما علم، فقال:
(وأشهد) .. إلخ؛ لخبر أبي داود: "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء".
وأصل الشهادة مأخوذة من المشاهدة، ثم نقلت شرعًا إلى الإخبار بحق الغير عن مشاهدة، ثم نقلت إلى العلم بكثرة كما هنا، أي معناها: أعلم ذلك بقلبي وأبيِّنه بلساني، قاصدًا بذلك الإنشاء حال تلفظه، وكذا سائر الأذكار والتنزيهات.
[ ٤٨ ]
(أن لا إله) أي: لا معبود بحق (إلا الله) حال كونه (وحده) أي: منفردًا، توكيد لتوحيد الذات والصفات.
وقوله: (لا شريك له) حال ثانية، تأكيد لتوحيد الأفعال؛ أي: لا مشارك له. إذ المشاركة هي المعاونة والمساعدة في الشيء أو عليه، وذلك ينافي الألوهية؛ ضرورة احتياجه إلى الغير.
فوحدة ذات مولانا بمعنى: نفي الكم المتصل -بمعنى أن ذاته تعالى ليست جسمًا؛ لأن كل جسم وإن اتحد صورة .. فهو متعدد حقيقة؛ لتركبه من أجزاء عديدة- والكم المنفصل، بمعنى أنه ليس في الخارج ذات تشبه ذات مولانا.
ووحدة صفاته بمعنى: نفي الكم المتصل -أي: أنه ليس له إلا عِلْم واحد، وقدرة واحدة وهكذا؛ لما يلزم على التعدد من المُحال- والكم المنفصل، بمعنى أنه ليس لأحد قدرة تشبه قدرة مولانا وهكذا.
ووحدة الأفعال بمعنى: أنه لا فعل في الكون لغيره. فلا النار تحرق، ولا الماء يروي، ولا السراج يضيء، بل الفاعل لذلك ولكل شيء هو الله تعالى، أجرى العادة أن يخلق الإحراق وما بعده عند ملابسة النار وما بعدها للعود مثلًا، والبطن، والقطنة والزيت .. ولا أثر لها.
ومن ذلك أفعالنا الاختيارية والاضطرارية، فهي مخلوقة له تعالى، لكن لنا من الاختيارية الكسب من ثواب أو عقاب؛ لما لنا فيها من الاختيار، وهي في الحقيقة مخلوقة له تعالى، فكل ما في الكون فعل الله؛ كما قال سيدي مصطفى البكري في (منظومته) [من الرجز]:
شُهُودُكَ الفعلَ مِنَ الفَعَّالِ في كلِّ شيءٍ وَحدةُ الأفعالِ
(المانّ) -من المنة- وهي: النعمة؛ مطلقًا أو بقيد كونها ثقيلة مبتدأة من غير مقابل يوجبها، فنعمة الله من محض فضله؛ إذ لا يجب عليه لأحد شيء خلافًا للمعتزلة.
ولا يُحمد المَنُّ إلا منه تعالى، وزِيدَ الوالد والأستاذ، وهي من غيرهم ذم.
(بالنعم) -جمع نعمة- وهي: اللذة التي تحمد عاقبتُها، ومن ثم لم تكن لله نعمة على كافر، وإنما ملاذُّهم استدراج، ويقال لهذه: نَعمة -بفتح النون- قال تعالى: (وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ) [الدخان:٢٧].
[ ٤٩ ]
(الجسام) أي: العظام.
(وأشهد) عطفه هنا دون الأذان؛ إذ الشهادتان فيه للتأكيد، وهنا تعبُّد (أنّ) سيدنا (محمدًا) علم منقول من اسم مفعول المُضَعَّف، موضوع لمن كثرت خصاله الحميدة، سمي به نبينا ﷺ بإلهام من الله تعالى لجده عبد المطلب؛ ليكون على وَفق تسميته تعالى له قبل خلق الخلق، ولم يسمَّ به أحد قبله، لكن لما قرب زمانه، ونشر أهل الكتاب نعته .. سمى به قوم أولادهم؛ رجاء النبوة لهم، وهم خمسة عشر، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
(عبده) قدمه؛ للخبر الصحيح: "ولكن قولوا: عبده ورسوله"، ولأنه أحب الأسماء إليه تعالى، وإذا وصفه به في أشرف مقاماته كـ (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) [الإسراء:١]، و: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ) [النجم:١٠]، و: (نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) [الفرقان:١].
(ورسوله) إلى الثقلين إجماعًا، وكذا إلى الملائكة -كما قاله (حج) تبعًا للتقي السبكي وغيره- رسالة تكليف؛ لأنهم مكلفون بالطاعات العملية دون نحو الإيمان؛ لأنه ضروري فيهم.
وقال بعضهم: رسالة تشريف لا تكليف.
و(الرسول): إنسان حر ذكر من بني آدم، أكملُ من أرسل إليهم علمًا وفطنة وقوة رأي، سليم من دناءة أب وخنا أم وإن عليا، ومن منفر طبعًا، أُوحي إليه يشرع، وأمر بتبليغه.
فإن لم يؤمر به .. فنبي، فبينهما عموم وخصوص مطلق. هذا هو المشهور.
وقيل: مترادفان.
وقيل: لا فارق بينهما إلا الكتاب.
(المبعوث رحمة للأنام) أي: الخلق. أما كونه رحمة للمؤمن .. فدل عليه الكتاب والسنة والإجماع.
ومعنى كونه رحمة للكافر: فأن لا يُعاجَل بالعقوبة والأخذ بغتة كما وقع للأمم السابقة، ولا بُعدَ في كونه رحمة لهم بغير ذلك.
و(للأنام) تنازعَه المبعوث ورحمة.
[ ٥٠ ]
(صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه البررة الكرام) أتى بالصلاة عليه؛ لخبر يعمل به في فضائل الأعمال، وهو: "كل كلام لا يبدأ فيه بذكر الله، ثم بالصلاة علي .. فهو أقطع".
ولخبر: "من صلى علي في كتاب .. لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب".
وجمع بين الصلاة والسلام خروجًا من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر -أي: لفظًا لا خطًا كما في "التحفة"- للأمر بهما في الآية.
لكن قال الصبان: (إذا صلى في مجلس وسلم في آخر .. أتى بالمطلوب، وهو الاختيار عندي وفاقًا للحافظ ابن حجر وغيره) اهـ.
و(الصلاة) هنا:
من الله رحمة مقرونة بالتعظيم.
ومن الملائكة استغفار؛ أي: طلب المغفرة ولو بغير لفظها كما في الحديث.
ومن غيرهم دعاء.
والأخصر من الله رحمة، ومن غيره دعاء؛ إذ صلاة الملائكة دعاء -كما مر- كصلاة الآدميين، ولفظها مختص بالأنبياء والملائكة، فلا يقال لغيرهم إلا تبعًا.
و(السلام) هو: التسليم بمعنى التحية، أو: السلامة من الآفات المنافية لغايات الكمال.
و(آله): مؤمنو بني هاشم وبني المطلب، وفي مقام الدعاء: كل مؤمن؛ لأن آل الرجل أتباعه.
و(صحبه): اسم جمع لصاحب بمعنى: الصحابي، وهو: من لقي النبي ﷺ بعد البعثة يقظة في حياته لقاء متعارفًا -أي: ببدنه في عالم الدنيا- مؤمنًا، ومات على ذلك، وإن لم يره لنحو عمى، وإن لم يميز ولم يشعر كل منهما بالآخر.
فخرج بـ (بعد البعثة): ورقة بن نوفل، وإن آمن به بعد خديجة -كما أوضحته في
[ ٥١ ]
"الأصل"- مع من ثبتت له الصحبة من الأنبياء والملائكة.
و(البررة) -جمع بار- وهو: من غلبت أعمال البر عليه.
و(الكرام) -جمع كريم- وهو من خرج حتى عن نفسه وماله لله تعالى، والصحابة كلهم كذلك، أو من يعطي ما ينبغي لمن ينبغي لا لغرض ولا لعلة بل لله تعالى.
تنبيه: جميع العلوم العلمية والعملية تندرج في الشهادتين؛ أي: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ ولذا كانتا مفتاح الإسلام والجنة، ولا يرجح بهما في الميزان شيء، وأفضل ما قاله النبيون.
أما الجملة الأولى .. فتضمنت جميع ما يجب في حق مولانا تعالى، وما يجوز، وما يستحيل؛ لاشتمالها على نفي النقائص عنه تعالى، وإثبات جميع الكمالات له.
وبيانه: أن معنى الألوهية: العبادة بحق، وقد أثبَتَّها له تعالى بقولك: (لا إله إلا الله)، ونفيتَها عما سواه.
ويلزم من ذلك استغناء الإله عما سواه، وافتقار ما عداه إليه، فيوجب له استغناؤه عما سواه .. وجوبَ الوجود، والقدم، والبقاء، ومخالفة الحوادث، والقيام بالنفس، والتنزه عن كل نقص.
ومنه: وجوب السمع، والبصر، والكلام؛ إذ لو لم تجب له تعالى هذه الصفات المذكورة جميعها .. لكان معدومًا، أو حادثًا، أو فانيًا، أو مماثلًا للحوادث، أو غير قائم بنفسه، أو أصم، أو أعمى، أو أبكم، ولَمَا كان غنيًا، بل من اتصف بشيء من هذه .. محتاج.
ويدخل في تنزيهه عن النقائص استحالة كل نقص عليه -مما مر وغيره- وأنه لا غرض له في فعل من أفعاله، أو حكم من أحكامه، بحيث تعود به مصلحة إليه، أو إلى خلقه على سبيل الوجوب عليه تعالى؛ إذ لو كان له غرض .. لكان محتاجًا إلى تحصيل ما فيه المصلحة العائدة إليه، ليتكمل بها، أو العائدة على خلقه على سبيل الوجوب، ليدفع بها الوجوب عليه، بل لا يجب عليه فعل ممكن ما -لما مر- ولا تركه، وإلا .. كان عاجزًا محتاجًا.
وقد تقرر بالبراهين القاطعة: أن كلًاّ من العجز والاحتياج وصف ذاتي للحادث لا يختلف ولا يتخلف، ولا يوجد الحادث بدونه، فلو احتاج لشيء أو عجز عنه .. كان
[ ٥٢ ]
حادثًا، والحدوث عليه تعالى محال -كما يأتي- وما لزم عليه المحال من الاحتياج والعجز .. فهو محال.
وأما الغرض بمعنى المصلحة العائدة إلى خلقه فضلًا وكرمًا .. فلا محذور فيه، وإنما الممتنع أن يكون له غرض يبعثه على فعل أمر أو تركه على سبيل الوجوب، بحيث لو لم يفعل ذلك أو يتركه .. لزم النقص.
وأما افتقار ما عداه إليه تعالى .. فيوجب له: الحياة، وعموم تعلق القدرة، والإرادة، والعلم؛ إذ الافتقار لما عداه إليه تعالى .. يستلزم قدرته على إيجاد ما افتقر فيه إليه تعالى .. وذلك يستلزم وجوب اتصافه بالقدرة، واتصافه بها يوجب اتصافه بالإرادة والعلم والحياة؛ لتوقف تأثيرها عليها كما يأتي ويجب في الثلاث الأخيرة كون كل منها عامَّ التعلق في متعلَّقه؛ إذ لو خرج عنها فرد لما افتقر إليه كل ما عداه.
ويوجب له أيضًا افتقار ما عداه إليه: الوحدانية؛ إذ لو كان له ثان في الألوهية .. لما افتقر إليه جميع ما عداه، بل بعضهم يفتقر للإله الثاني، بل يلزم من التعدد عجزهما معًا، كما يأتي.
ويؤخذ من افتقار ما عداه إليه: أن العالم بأسره حادث؛ إذ لو كان شيء منه قديمًا .. لما افتقر، وأن لا تأثير لغيره تعالى في ممكن ما؛ إذ لو كان أثر في الكون لغيره تعالى في ممكن ما .. لم يكن ذلك الممكن مفتقرًا إليه تعالى، بل إلى من أوجده تعالى الله.
ومنه يُعلم: أن النار لا تحرق، والماء لا يروي، والسكين لا تقطع، وأن المؤثر في ذلك هو الله، أجرى العادة أن يوجد الإحراق وما بعده عند ملابسة النار وما بعدها فبطل مذهبُ الفلاسفة القائلين: بتأثير الأفلاك والعلل، ومذهب الطبائعيين القائلين: بتأثير الطبائع والأمزجة.
فمن اعتقد أن هذه تؤثر بطبعها .. فلا خلاف في كفره.
نعم؛ الغبي لا يكفر إلا بعد التعريف.
أو بقوة خلقها الله فيها .. فلا خلاف في بدعته، وفي كفره قولان، وهم مساوون للمعتزلة القائلين: بتأثير القدرة الحادثة في الأفعال الاختيارية مباشرة أو تولدًا بقوة خلقها الله تعالى فيها.
[ ٥٣ ]
وبما قررنا عُلِمَ تَضَمُّن الجملة الأولى لما يجب لمولانا على كل مكلف معرفته، وهي الثلاث عشرة صفة المذكورة، وكل كمال إجمالًا؛ إذ كمالاته لا نهاية لها، لكن لم نكلف إلا بما ذكر، واستحالة أضدادها عليه، وكل نقص، وأنه تعالى يجوز في حقه فعل ما شاء من الممكنات وتركه.
فقد اشتملت على ما يجب له تعالى، وما يجوز، وما يستحيل إجمالًا.
وها أنا اشرح ذلك تفصيلًا بحسب الإمكان، فأقول:
أما الواجب لمولانا تعالى الذي كلفنا بمعرفته .. فثلاث عشرة صفة:
الأولى: (الوجود) وتسمى صفة نفسية، وحالًا نفسية، وهو عند الشيخ: نفس الموجود وذاته.
وعليه فيعرَّف بأنه ما تحقق وأمكن وصفه.
فيخرج بـ (ما تحقق): السلوب كالقدم، والاعتبارات كصفات الأفعال. وبـ (أمكن وصفه): صفات المعاني.
وأوَّله المحققون بأن المراد بكونه نفس الذات: أنه ليس له حقيقة في الخارج قائمة به قيام البياض بالجسم -كما قاله المعتزلة والإمام- بل لا حقيقة له في الخارج إلا ذات الموجود، أما ذهنًا .. فليس مفهومه مفهوم الذات؛ إذ مقابله العدم، ومقابلها الصفة.
قال السعد: (أدلة القائلين أن الوجود زائد لا تفيد إلا أنه ليس مفهوم وجود الشيء هو المفهوم من ذلك الشيء من غير دلالة على أنه عرض قائم به قيام العرض بالمحل، فهذا مما لا يقبله العقل.
وأدلة القائلين: إنه عينه إنما تفيد أنه ليس للشيء هوية، أي: تَشَخُّص، ولوجوده هوية أخرى قائمة بالأولى كقيام البياض بالجسم من غير دلالة على أن المفهوم من وجود الشيء هو المفهوم من ذلك الشيء، فهذا بديهي البطلان.
فإذًا يُجْمَع بينهما بأنه عينه خارجًا، وغيره ذهنًا) اهـ.
ويكفينا الإيمان بوجوده تعالى من غير تعيين أنه غيره، ولا عينه.
وتجب له خمس صفات سلبية؛ لأن كلا منها: نفي أمر لا يليق بمولانا.
[ ٥٤ ]
الأول والثاني: (القدم والبقاء)، وهما بمعنى عدم سبق العدم ولحوقه للوجود. فوجود مولانا لم يسبقه ولم يلحقه عدم.
وقُدم القدم؛ لاستلزامه البقاء ولا عكس؛ إذ من وجب قدمه .. استحال عدمه. فعلم أن القديم موجود لا أول له، بخلاف (الأزلي) فهو: ما لا أول له وجوديًا كان -كمولانا وصفاته الثبوتية- أو عدميًا، كعدم الخلائق في الأزل.
والثالث: المخالفة للحوادث من كل وجه؛ لأن العالم وصفاته كلها حادثة، وذاته تعالى وصفاته قديمة، ولو أشبه حادثًا ولو من وجه .. لتطرق إليه تعالى الحدوث كمشابهه؛ إذ المتماثلان يجب لكل منهما ما وجب لمماثله، وقد وجب الحدوث لمن فرضت مماثلته له، فليكن مماثله كذلك والحدوث عليه محال؛ لثبوت قدمه فالمماثلة محال أيضًا.
ومعنى (مخالفته للحوادث): سلب الجِرمية والعَرَضية ولوازمهما -من زمان ومكان ومقدار، ونحو ذلك من اجتماع وافتراق وغيرهما- عنه تعالى، فذاته تعالى ليست جرمًا، وصفاته ليست أعراضًا، وأفعاله ليست بمزاولة ومحاولة.
وبالجملة: فلا يتصف مولانا بشيء مما يتصف به الحوادث إلا من حيث موافقة اللفظ للفظ كالله كريم، وزيد كريم.
وفي الحقيقة لا مماثلة ولا مشابهة بين كرمه تعالى وكرم غيره.
وأما ما ورد في الكتاب والسنة مما يوهم جسمية أو جهة أو غيرهما مما هو منزه عنه .. فمصروف عن ظاهره إجماعًا؛ لمخالفته للأدلة العقلية، إذ الدليل الشرعي إذا خالف الدليل العقلي كما هنا .. علم أنه ليس المراد به ظاهره، فوجب صرفه عن ظاهره إجماعًا.
إما مع التفويض إليه تعالى وهو مذهب غالب السلف، أو مع التأويل وهو مذهب غالب الخلف؛ لاحتياجهم لذلك، لكثرة المبتدعة الملَبِّسين، فيقولون: معنى الوجه: الذات، واليد: القدرة، وهكذا.
والسلف يقولون: آمنا بأن له يدًا -مثلا- لكن لا تشبه أيدي المخلوقين، ولا يعلم حقيقتها إلا هو تعالى.
ومع كوننا يجب علينا الإيمان بمخالفته للحوادث يجب علينا أن نمسك عن التعرض
[ ٥٥ ]
لحقيقة ذاته تعالى، وصفاته؛ بل نؤمن بها، ونكل علم حقيقتها إليه تعالى، كما قال الصديق: "العجز عن درك الإدراك إدراك". ولا يحتاج إلى زمان ولا مكان، بل كان في الأزل قبل خلقه الخلق ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان قبل حدوث الزمان والمكان مِنْ أنه لا هو في زمان ولا مكان، و(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [الشورى:١١].
والرابع: (القيام بالنفس) وهو عند المتكلمين بمعنى الغنى عن المحل -أي: إن ذاته تعالى ليست صفة، فتحتاجَ إلى محل تقوم به- وعن المخَصِّص أي: الفاعل بمعنى أنه ليس حادثًا حتى يحتاج إلى محدث يحدثه، بل هو: ذات قديمة، وذلك يستلزم الغنى المطلق؛ إذ لو احتاجت لشيء ما .. لما كان قديما، كيف وهو قديم وغني عن كل شيء، وجميع من في الكون محتاج في كل لحظة إليه تعالى؟!.
وبه يبطل أيضًا قول المعتزلة: إنه يجب عليه الصلاح والأصلح؛ إذ لو وجب عليه شيء .. لكان محتاجًا الى تحصيله تعالى الله علوًا كبيرًا.
والخامس: (الوحدانية) -ومرَّ معناها قبيل قوله (المان بالنعم الجسام) - وبالجملة: فمعناها: نفي التعدد المتصل والمنفصل له تعالى في الذات، والصفات، والتفرد بالإيجاد والإعدام، فليست ذاته جسمًا، ولا له نظير في ذاته، ولا في صفة من صفاته، ولا فِعْل في الكون لغيره، كما قال الشواف رحمة الله عليه:
ما حد يحرك باعه في معصيهْ أو طاعهْ
إلا أن يحركها الله
وسئل الجنيد عن التوحيد فقال: أن ترى أن جميع حركات العباد وسكناتهم فعل الله، فإذا عرفت ذلك .. فقد وحدته.
ومرَّ أن الثواب والعقاب في أفعالنا الاختيارية إنما هو من حيث ما لنا فيها من الاختيار، وإلا .. فهي كغيرها مخلوقة لله تعالى.
واعلم أن هذه الست الصفات قد شهدت بديهة العقول بثبوتها له تعالى، ودل عليها من الكتاب والسنة ما لا يحصى.
والبرهان العقلي على ثبوتها له تعالى: إحداثه العالم؛ إذ يجب لمحدثه كونه موجودًا، قديمًا، باقيًا، مخالفًا للحوادث، قائمًا بنفسه، واحدًا؛ إذ المعدوم لا يُوجد شيئًا، ومن سبقه أو لحقه عدم، أو ماثل شيئًا من الحوادث، أو احتاج لشيء .. حادث.
أما من سبقه عدم أو لحقه .. فظاهر.
[ ٥٦ ]
وأما من ماثل حادثًا أو احتاج .. فلما مر من أنه يلزم للمثل ما ثبت لمماثله من الحدوث، وأن الاحتياج وصف ذاتي للحوادث، وأنه لا يتصف به إلا حادث وقد علم ضرورة أن الحادث لا يُحدث، فلو كان مولانا حادثًا .. لما أوجد العالم، فبإيجاده له عُلِمَ ضرورة وجوده وقدمه، ويلزم منه أنه باق، مخالف لغيره، قائم بنفسه. ويلزم منه أنه واحد؛ إذ لو كان له ثان في الألوهية .. لأدى إلى عجزهما -كما هو معلوم من براهين التمانع والتوارد، والعاجز لا يوجد- وإلى حدوثهما أيضًا، إذ العجز وصف ذاتي للحوادث، ولا يتصف به إلا حادث تعالى الله علوًا كبيرًا (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء:٢٢].
ودليل حدوث العالم: أنه منحصر في (أعراض) وهي: ما قام بغيره كالحركة والسكون وعِلْم الحادث والجهل والألوان.
وفي (أجرام) وهي: ما قام بنفسه وملأ فراغًا؛ لأن الزائد إن كان صفة .. فهو العرض، أو موصوفًا فهو الجرم، ولا يصح اجتماعهما، ولا الخلو عنهما.
لكن زاد الفلاسفة ثالثًا سموه بـ (المجردات)، أي: عن التحيز والصورة، أي: لا جرم ولا عرض، وهو: النفوس البشرية، والأرواح الملكية، والعقول، وهي عندهم قائمة بنفسها غير متحيزة، متعلقة بالبدن تعلق تحريك وتدبير، غير داخلة فيه، ولا خارجة عنه. وتبعهم الغزالي وبعض الصوفية في النفوس البشرية خاصة.
ولا يلزم من هذا مماثلتها للبارئ تعالى؛ لأنها إنما شاركت في نفي العَرَضِية والجِرمية، كمشاركة كلامنا النفسي لكلامه تعالى في كون كل منهما ليس بحرف ولا صوت، والمماثلة إنما تكون بالمشاركة في الأمور الوجودية النفسية.
واختار كثير من المحققين الوقف في هذا الثالث، وهو أسلم.
أما الأعراض .. فحادثة مُشاهدةً فيما شوهد وجوده بعد عدم، أو عدمه بعد وجود كالحركة والسكون والعلم والجهل والألوان، والأول عين الحدوث، والثاني علامته؛ إذ من جاز عليه العدم استحال عليه القدم، إذ القديم لا يقبل العدم، إذ لو قبله .. كان جائز الوجود وجائز الوجود لا بد في وجوده من فاعل؛ لا ستحالة ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر إلا بمرجح، أي: فاعل، ومن احتاج لفاعل .. هو حادث، لا قديم.
أو قبولًا فيما لم يشاهد وجودُه بعد عدم، ولا عدمه بعد وجود، كسكون الجبل
[ ٥٧ ]
وحركة الشمس؛ فإن كلا منهما قابل للعدم بثبوت ضده، أو انعدام محله. وما جاز عدمه .. استحال قدمه كما مر.
وأيضًا حدوث الحركة والسكون مشاهد في أكثر الأجرام وما ثبت لأحد المتماثلين ثبت للآخر.
وأما الأجرام فحادثة؛ لما مر في الأعراض من حدوثها بعد عدم، وعدمها بعد وجود، أو قبولها للعدم الذي هو علامة الحدوث، ولمقارنة وجودها لوجود الأعراض، فلا يوجد جرم إلا وقارن وجودُه وجود أعراضه وقد قام الدليل على حدوث الأعراض، وما قارن وجوده وجود الحادث .. حادث أيضًا.
ولم يخالف في ذلك إلا الفلاسفة، قالوا: بقدم العالم قدمًا زمانيًا -بمعنى أنه ما سبق بعدم- وبحدوثه حدوثًا ذاتيًا، بمعنى احتياجه إلى الفاعل.
وهذه المسألة هي إحدى المسائل الثلاث التي كفروهم بها.
والثانية: عدم علمه تعالى بالجزئيات.
والثالثة: عدم حشر الأجساد، بل الأرواح فقط، وقد بينت ذلك وما فيه في كتابي: "مفتاح السعادة".
ويجب له أيضًا: سبع صفات هي صفات المعاني، وتسمى صفات الذات أيضًا، وهن تمام الثلاث عشرة صفة التي كلفنا بمعرفتها من كمالاته تعالى التي لا تتناهى.
وهي صفات موجودة، قديمة، زائدة، قائمة بذاته العلية، لا تقبل الانفكاك بوجه.
فهي ليست عين الذات -كما زعمه المعتزلة؛ إذ الصفة زائدة على الموصوف ضرورة، وإلا لزم أن المعنى ذات، وعكسه، وهو باطل- ولا غيرها؛ لعدم الانفكاك بينها وبين الذات العلية بوجه.
فالمراد بـ (نفي الغيرية): نفي الانفكاك، لا اتحاد مفهومهما كما زعمه المعترض. وفي "صحيح البخاري": "كان الله ولم يكمن شيء غيره" فنفى الغيرية مع ثبوت هذه له في الأزل، فلو كانت غيره .. لما صح نفي الغيرية.
فالأولى من السبع: (الحياة) وهي: صفة، قديمة، تصحِّح لمن قامت به الإدراك من علم وسمع وغيرهما.
والثانية: (العلم) وهو: صفة، قديمة، تتعلق بجميع الواجب، والجائز،
[ ٥٨ ]
والمستحيل على وجه الإحاطة على ما هو به، من غير سبق خفاء.
والثالثة: (الإرادة) وهي: صفة، قديمة، يتحصل بها تخصيص كل ممكن -فعلًا أو تركًا- ببعض ما يجوز عليه من الممكنات المتقابلات على وَفق العلم، كزيد الموجود، فإنه يجوز أن يوجد، وأن لا، وأن يوجد في هذا الزمان وغيره، وطويلًا وقصيرًا، وأبيض وأسود فخصصته بالوجود، وبهذا الزمان، وبالطول، وبالبياض، وهكذا، حتى لا تمد بعوضة جناحها في محل إلا وقد سبق علم الله بذلك، وخصصته الإرادة.
والرابعة: (القدرة) وهي: صفة، قديمة، يتحصل بها إيجاد كل ممكن، وإعدامه على وفق الإرادة، فلا يقع في الكون شيء إلا وهو بقدرته تعالى على وفق ما سبقت به الإرادة والعلم.
ومعنى تعلقها بكل ممكن: أنها صالحة للتأثير في كل ممكن، أي: تتعلق بكل ممكن تعلقًا صلوحيًا.
وأما التعلق التنجيزي: فما تعلقت الإرادة بإيجاده، أو إعدامه .. تعلقت به القدرة، أي: أثرت فيه الإيجاد في الأول، والإعدام في الثاني.
وما تعلقت الإرادة بأنه لا يوجد كإيمان أبي جهل .. فلا تتعلق به القدرة؛ لأنها لا تأثير لها في العدم.
نعم؛ هو في قبضته تعالى؛ لأنه يقدر على تغييره.
تنبيهان:
الأول: إسناد التخصيص للإرادة، والتأثير للقدرة مجاز؛ إذ التأثير للذات العلية، وكذا التخصيص، لا لهما، كما أن المعبود هو الذات لا الصفات، وكذا في بقية الصفات.
نعم؛ محله فيمن قال: الإرادة: صفة تخصص كل ممكن، والقدرة: صفة تؤثر فيه.
أما من عبر بـ (يتحصل بها) فيهما -كما مر- فالباء في (بها) للسببية فيهما .. فلا مجاز، فتأمله.
الثاني: علم من تعريف الإرادة والقدرة أنهما عامتان في متعلقهما، فلا يخرج عنهما ممكن؛ إذ لو خرج .. لا ستحال ما علم جوازه؛ لأن تعلقهما على وفق العلم، إذ بتأثير الغير فيه يتبين أنه لا يجوز تعلقهما به، إذ ما هو من فعل غيرهما يمتنع تأثيرهما فيه، ويبطل عموم تعلقهما، أو احتاجا إلى مخصص يخصصهما بغير ذلك الممكن؛ إذ
[ ٥٩ ]
الاختصاص بالبعض مع الصلاحية للكل .. لا يكون إلا بمخصص؛ لاستوائهما في الإمكان. وترجيح أحد المتساويين بلا مرجح محال. وكل ذلك -أي: استحالة ما علم جوازه وعدم عموم تعلقهما وتخصيصهما- محال؛ لما يلزم على ذلك من قلب العلم جهلًا، وحدوث الإرادة والقدرة القديمتين؛ إذ لا يقبل التخصيص إلا الحادث، وما لزم عليه المحال -من خروج ممكن عنهما- محال، فنتج أنهما لا يخرج عنهما ممكن.
وخرج بـ (الممكن) الواجب، وهو: ما لا يقبل العدم لذاته، كالتحيز للجرم.
والمستحيل، وهو: ما لا يقبل الوجود لذاته، كخلو الجرم عن التحيز، أو عن الحركة والسكون، فلا يتعلقان بهما؛ لأنهما صفتا تأثير، ولا يقبله إلا ممكن دون الواجب والمستحيل؛ إذ لو قبلاه .. لكانا جائزين، فتنقلب حقيقتهما من الوجوب والاستحالة إلى الجواز.
ويلزم أيضًا في الواجب: تحصيل الحاصل، وهو وقلب الحقائق محال.
دل على هذه الصفات الأربع: الكتاب، والسنة، وإجماع أهل الحق.
وبرهانها: أنه لو انتفت واحدة منها .. لاتصف بضدها، ولما وجد العالم؛ إذ الميت لا يوجِد، والجاهل لا يريد، أي: يستحيل أن يقصد ما لا يعلمه، ولا يتقن؛ إذ من رأى أسطر منظومة، وخطوطًا مستقيمة فضلًا عن هذا العالم المتقن بما حير ذوي البصائر الكاملة، وجوز وجودها من جاهل بالخط .. كان عن المعقول بمعزل. وكذا غير المريد والعاجز، أما الثاني .. فظاهر، وأما الأول .. فلأن الفاعل المختار يجب له القصد والاختيار، والفاعل بالقصد والاختيار لا يفعل إلا ما أراده، فنتج أن الإيجاد لما هو أقل من هذا العالم بل أقل من ذرة، لا يصدر إلا من حي عالم مريد قادر.
وتمام السبع الصفات: السمع، والبصر، والكلام.
فأما (السمع والبصر): فصفتان قديمتان، ينكشف بهما كل موجود قديمًا كذاته تعالى وصفاته، أم حادثًا كغيره تعالى ذاتًا أم صفة، حتى الأكوان والألوان والروائح بلا حدقة ولا صماخ، كما يعلم بغير قلب، ويخلق بغير آلة؛ لأن ذلك كله من صفات الحوادث، وكيفيات الأجسام.
ولا يختص سمعه تعالى بالأصوات، ولا بصره بالذوات والألوان، كما اختص بذلك سمع وبصر الحوادث؛ لأن كل موجود قابل لأن يسمع ويرى، ولو اختص سمعه
[ ٦٠ ]
بالأصوات وبصره بالذوات .. لاحتاجا إلى مخصص يخصصهما بذلك، وقد علمت أن التخصيص محال على صفاته؛ لأنه لا يقبله إلا الحادث، ومن ثم صح تخصيص سمع وبصر الحوادث -بما ذكر- على وجه مخصوص من القرب، وعدم الحائل، بل قد سمع موسى كلام الله القديم مع أنه ليس بحرف، ولا صوت، ولا في جهة، ولا مقابلة، ولا غير ذلك مما يلزم الحوادث.
وأما (الكلام): فصفة قديمة، قائمة بذاته تعالى، ليس بحرف، ولا صوت، ولا يقبل التقديم والتأخير، والطرو والعدم، دالة على معلوماته تعالى من واجب، وجائز، ومستحيل، هو بها آمرٌ ناه، واعد متوعد.
أما المقروء بألسنتنا، والمحفوظ في صدورنا، والمكتوب في مصاحفنا .. فكلام الله لغة وشرعًا.
وأما عقلًا .. فإنما سمي كلام الله بحسب الدلالة، أي: لمّا دل معناه على الكلام القديم .. سمي كلام الله، لا أن كلام الله حال في لسان القارئ، أو صدر الحافظ، أو المصاحف؛ إذ لا يقوم كلامه تعالى بغيره، ولا يتكلم به سواه، لكنه لما دل على كلامه تعالى .. سمي كلام الله، وحرم أن يقال: ليس هو كلامه.
وأجمعت الأمة على أن ذلك كلام الله تعالى، فله -ككل موجود- أربعة وجودات:
وجود لفظي، وهو في لسان القارئ، ووجود ذهني، وهو في الصدور، ووجود رسمي، وهو في المصاحف، ووجود حقيقي، لا هو في الألسن، ولا في الصدور، ولا في المصاحف، بل قائم بذاته تعالى، ولا يعلم حقيقته إلا هو تعالى.
دل على هذه الثلاث الصفات: الكتاب، والسنة، وإجماع أهل الحق.
وبرهانها أنه لو لم يتصف بها .. لاتصف بأضدادها من الصمم والعمى والبكم، والاتصاف بها نقص، والنقص عليه محال. تعالى الله علوًا كبيرًا.
ويلزم من اتصافه بهذه السبع: أنه حي بحياة، وعالم بعلم، ومريد بإرادة، وكذا الباقي.
وتسمى هذه الصفات المعنوية، أي: منسوبة لصفات المعاني؛ إذ اتصاف محل بكونه عالمًا -مثلًا- لا يصح إلا إذا قام به العلم، وتسمى أيضًا: أحوالًا معنوية.
والقائلون بالأحوال يقسمون الصفات إلى ثلاثة أقسام؛ لأن الصفة إن كانت موجودة
[ ٦١ ]
في نفسها .. فهي صفة معنىً كالعلم، وإلا .. فإن كانت تابعة لذات الموجود، ومعللة بوجودها .. فهي حال نفسية كالوجود، والتحيز للجرم، وإن كانت تابعة لصفة، ومعللة بوجودها .. فحال معنوية كعالم؛ فإنه تابع لثبوت العلم، وبقيت ثلاث أخر:
(الصفات السلبية)، كما مرت.
و(صفات الأفعال) وهي: صدور الآثار عن قدرته تعالى وإرادته، كخلقه ورزقه.
و(الصفات الجامعة) وهي: كل صفة يندرج سائر ما مر فيها، كعزة الله وجلاله؛ لأنه يقال: جل الله بكذا، فيدخل سائر صفات الكمال، وجل عن كذا، فيدخل السلبيات.
أما الذين لا يقولون بالأحوال .. فليس عندهم إلا الذات العلية، وصفات المعاني، ولا معنى لكونه عالمًا إلا قيام العلم به، وهكذا، ولا لكونه موجودًا أو متحيزًا إلا ثبوت الذات.
والحاصل: أن الأحوال النفسية، والمعنوية، وصفات الأفعال إنما هي أمور اعتبارية لا وجود لها، والسلوب إنما هي: نفي صرف، والصفات الجامعة راجعة إلى ما مر، فلم يبق موجود إلا الذات العلية، وصفات المعاني.
وأما ما يستحيل في حقه تعالى .. فما ينافي هذه الصفات المذكورة، وكل نقص تعالى الله علوًا كبيرًا.
وأما ما يجوز في حقه تعالى .. ففعل ما يشاء من الممكنات وتركه، فلا يجب عليه فعل ممكن ولا تركه، وله أن يعذب الطائع وينعم الكافر، ولا قبح في فعله، بل كل ما يفعله حسن وإن كان لا يفعل ذلك؛ إذ ليس كل جائز .. واقعًا، بل بعض الجائزات يقع لا محالة بالوعد الصادق، كتنعيم الطائع وتعذيب الكافر والحشر والميزان ونحوها؛ لا لوجوبه في ذاته، بل لإخباره أنه يقع، ولا خُلْفَ في خبره، وبعضها لا يقع البتة، كالنبوة بعده ﷺ، وتنعيم الكافر لا لاستحالته عقلًا، بل لإخبار الله إنهما لا يقعان، فاستحال وقوعهما شرعًا لا عقلًا، بل هما جائزان عقلًا من غير نظر إلى ما ورد به الشرع.
والحاصل: أن (الجائز) عقلًا -وهو: ما يجوز العقل وجوده وعدمه من غير نظر لشرع- لا يمتنع وجود شيء منه، ولا عدمه إلا ما أخبر الشرع بوقوعه، فيجب شرعًا لا عقلًا.
[ ٦٢ ]
وما أخبر الشرع بعدم وقوعه .. فيمتنع لا لذاته، بل لإخبار الشرع بذلك. قال تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) [القصص:٦٨].
(وأما الجملة الثانية) وهي (محمد رسول الله) .. فيؤخذ من إضافة الرسول إلى الله فيها وجوب صدقه، وأمانته، وتبليغه ﵊، واستحالة ما ينافيها وفي معناه سائر الرسل.
فينافي الصدق الكذب، وينافي الأمانة الخيانة، وينافي التبليغ الكتمان، وذلك أن الله تعالى أرسلهم مشرعين بجميع أقوالهم، وأفعالهم، وصدقهم بالمعجزات وأضافهم إليه، وأوجب على الخلق اتباعهم مطلقًا مع أن علمه محيط بكل معلوم، فوجب لهم الصدق، والأمانة، والتبليغ؛ إذ لو كذبوا أو خانوا أو كتموا .. لما أضافهم العالم بالخفيات إليه، ولكانوا رسل الله في ذلك -لما مر- وغير رسله؛ لعدم صحة نسبة ذلك إليه، وهو محال.
ويلزم أيضًا كون ما كذبوا فيه مأمورًا به، منهيًا عنه، وهو محال، وما لزم عليه المحال -وهو كذبهم وخيانتهم وكتمانهم- فهو محال. فيثبت صدقهم، وأمانتهم، وتبليغهم، وهو المطلوب.
ويؤخذ من قولنا: (محمد رسول الله) أيضًا جواز الأعراض البشرية التي لا نقص فيها على الرسل؛ إذ لا يقدح ذلك في مناصبهم، بل يقتضي جواز ذلك؛ تحقيقًا لمقام العبودية، ورفقًا بضعفاء العقول، لئلا يظنوا بهم ما هو من خصوص الألوهية، ودليلًا على صدقهم في أنهم رسل الله، وأن الخوارق الظاهرة على أيديهم بمحض خلق الله تصديقًا لهم، وتعظيمًا لأجورهم، وتنبيهًا على خسة الدنيا -إذ لو كانت كريمة عنده تعالى .. لما كان الأنبياء أشد بلاء فيها، وبئس الدار التي يبتلى فيها الأخيار، ولذا رفضها كل كريم، وتعلق بها كل لئيم- وتشريعًا للأحكام في نزولها بهم، وتسليًا للأمة من مشاق الدنيا.
ويدخل في قولنا: (محمد رسول الله) الإيمان بجميع ما جاء به؛ لأن ذلك تصديق برسالته وبجميع ما جاء به.
ومن ذلك الإخبار بالأنبياء المرسلين منهم وغيرهم، فيجب: الإيمان بهم، وأنهم أفضل الخلق على الإطلاق، وعددهم: مئة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، وعدد الرسل منهم ثلاث مئة وثلاثة عشر، أو وخمسة عشر.
[ ٦٣ ]
ومن ذلك (الملائكة)، فيجب الإيمان بهم، وبأنهم عباد مكرمون (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم:٦]، وهم أجسام لطيفة نورانية، مبرأة من الكدورات الجسمانية، كاملة في العلم، قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، شأنهم الطاعة، بالغون في الكثرة ما لا يعلمه إلا الله، منهم المستغرقون في طاعة الله، وبعضهم خدمة الكون. فمنهم رسل الله الى أنبيائه، ومنهم حملة العرش، ومنهم الموكلون بالحجب وبالسماوات والجنة والنار والجبال والسحاب والمطر، ينزل مع كل قطرة ملك.
وبالجملة: فهم خدمة الكون كله، ولا موضع في السماء والأرض إلا وهو معمور بهم، وغالب مسكنهم السماوات.
ومن ذلك الكتب المنزلة من عند الله، وهي: مئة كتاب وأربعة كتب، أنزل على آدم منها عشرة، وعلى ابراهيم عشرة، وعلى شيث خمسون، وعلى إدريس ثلاثون، والتوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، والفرقان على محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم.
واعلم: أنه يكفي الإيمان بمن ذكر إجمالًا، إلا من ثبت تعيينه .. فيجب الإيمان به تفصيلًا، بحيث إنه لو سمع ذكره .. علم أنه نبي أو ملك أو كتاب.
وذلك من الأنبياء: خمسة وعشرون، في: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا) [الأنعام:٨٣] ثمانية عشر، وآدم وإدريس وهود وصالح وشعيب وذو الكفل ومحمد صلى الله عليهم وسلم.
ومن الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ورضوان ومالك، ورقيب وعتيد -لكل مكلف اثنان يكتبان أعماله، ولا يفارقانه إلا عند قضاء الحاجة والجنابة والغسل، فإذا مات .. قعدا عند قبره، فإذا حشر .. حشرا معه- ومنكر ونكير.
ومن الكتب: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.
ومن ذلك (اليوم الآخر) وهو من بعث الناس من قبورهم الى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، أو إلى ما لا نهاية له، أو من الموت إلى ما ذكر، وهو المراد هنا؛ لأن من مات قامت قيامته، فيجب الإيمان به، وبما اشتمل عليه من سؤال الملكين منكر ونكير لمن مات وإن لم يدفن، أو أحرق وصار رمادًا بعد إكمال دفنه بعد إعادة الروح إلى جميع البدن، ولا يسألان عن غير الاعتقاد، فمنهم من يسأل عن بعض اعتقاده، ومنهم من يسأل عن كله.
[ ٦٤ ]
والسؤال لكل مكلف إلا من استثني، كالأنبياء والشهداء والصديق، والمرابط، والمبطون، وملازم قراءة تبارك أو حم السجدة كل ليلة، والميت بالطاعون، أو يوم الجمعة، وكذا كل شهيد كما قاله القرطبي، ومن لا يسأل في قبره .. لا يعذب فيه، وكل مؤمن يوفق للجواب ولو عاصيًا ولو بعد تلجلج.
ومن ذلك عذاب القبر، ومنه: ضغطته لغير أم سيدنا علي، ومن قرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أربعين مرة في مرض موته؛ فإنه ورد أنه: "لم يفتن في قبره، وأمن ضغطته، وحملته الملائكة بأكفها حتى تجيزه الصراط إلى الجنة". والعذاب لكل عاص إلا من عفا الله عنه من المؤمنين.
ومن ذلك نعيم القبر لكل مؤمن ولو بعد عذاب، والنعيم والعذاب للروح والجسد وإن صار ترابًا.
ومن ذلك (البعث) وهو كالنشر: الإخراج من القبور بعد جمع الأجزاء الأصلية، وإعادة الأرواح إليها.
و(الحشر) وهو سوقهم إلى الموقف حفاة عراة إلا الشهداء وأهل الزهد، وقيل: ثلاثة أفواج: فوجًا طاعمين راكبين كاسين، وفوجًا يمشون ويسعون، وفوجًا تسحبهم الملائكة على وجوهم، كما في الحديث، رواه النسائي.
ويكون البعث والحشر لعين هذا البدن بأعراضه التي كانت قائمة به في الدنيا عن فناء أو تفريق، بحيث لم يبق في الجسم جوهران فردان على الاتصال، وقد أوضحت ذلك في "مفتاح السعادة". وقد جمع مع صغر حجمه ما لم يجمعه كثير من الكتب المطولات.
ومن ذلك هول الموقف، وشدائده -لطول الوقوف، والعرق يبلغ آذان بعض الناس، ويذهب في الأرض سبعين ذراعًا- وتطاير الصحف من خزانة تحت العرش بعد أن تؤخذ من كتبتها وتلزم الأعناق، والمسألة، وشهادة الآلات والسمع والبصر، والليل والنهار، والحفظة، وتغير الألوان.
والظاهر -كما قاله السعد- أن هذا في غير الأنبياء والأولياء والعلماء؛ لآية (لا يَحْزُنُهُم الْفَزَعُ الأَكْبَرُ) [الأنبياء:١٠٣] وغيرها.
وأسباب النجاة من هذه الأحوال: قضاء حوائج المسلمين، وتفريج كربهم،
[ ٦٥ ]
والتجاوز لهم في معاملتهم أخذًا وإعطاء، وإشباع الجائع، وكسوة العريان، وإيواء ابن السبيل.
وكما أن في الموقف أهوالًا ففيه سرور؛ إذ فيه أحوال شتى.
ومن ذلك إعطاء الكتب، أي: أخذ الملائكة لها من الأعناق -كما مر- وإعطاؤهم إياها، فالطائع يعطى كتابه بيمينه، والكافر بشماله، وفي المؤمن العاصي خلاف، المشهور أنه يأخذها بيمينه.
ومن ذلك (الحساب) وهو توقيف الله عباده بعد أخذهم كتبهم، وقبل الانصراف من الموقف على أعمالهم ولو اعتقادًا، أو غير مكسوبة لهم لا بالوزن، بأن يلهمهم أو يسمعهم بكلامه ما فيها من ثواب أو عقاب، ومنه اليسير والعسير، والسر والجهر، والتوبيخ والفضل، فمنهم من لا يحاسب أصلًا، ومنهم من يحاسب حسابًا يسيرًا، ومنهم عسيرًا.
ومنه (الجزاء) وهو مقابلة السيئة بمثلها إن لم يقع فيها عفو، ومقابلة الحسنة الأصلية المقبولة المفعولة له ولو بواسطة بضعفها، وأقل مراتب التضعيف: العشر المذكورة في القرآن، وقيل: السبع مئة المضروب بها المثل في آية البقرة، وبه جزم النووي، ولا حد لغايته.
وخرج بـ (الأصلية) التضعيف، فلا تضعيف فيه، وبـ (المقبولة) غيرها، فلا ثواب فيه، وبـ (المفعولة له) المأخوذة في ظلامة له، فلا تضعيف فيها.
وسميت الحسنة حسنة؛ لأنها تحسن وجه صاحبها، والسيئة سيئة؛ لأنها تسوءه.
ومنه (الميزان).
اعلم: أن مراتب الموقف: البعث، فالحشر، فالقيام لرب العالمين، فالعرض، فتطاير الصحف، فأخذها بالأيمان والشمائل، فالسؤال، فالحساب، فالميزان، وهو ما تعرض له هنا، يعني أن الوزن، والميزان مما يقع في اليوم الآخر؛ لثبوت ذلك بالكتاب والسنة، قال تعالى: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) [الأعراف:٨].
وهو ذو كفتين، ولسان، توزن فيه الأعمال فعلًا وقولًا.
واختلف في أنه واحد، أو متعدد، وفي أن للكافر وزنًا أو لا، وفي أن الموزون صحف الأعمال، أو أجسام أمثلة لها على قدر الأعمال في الثواب والعقاب خلاف، ويكفينا الإيمان بالوزن والميزان من غير تعيين.
[ ٦٦ ]
قيل: ومكانه بين الجنة والنار، أي: في آخر الصراط، يستقبل به العرش، يأخذ جبريل بعموده ناظرًا إلى لسانه، وميكائيل أمينٌ عليه، تحضره الجنة والناس.
ومنه (الصراط) وهو لغة: الطريق الواضح. وشرعًا: جسر ممدود على متن جهنم، يرده الأولون والآخرون، وهذا معنى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) [مريم:٧١]، وفي حافتيه كلاليب تأخذ من أمرت به إلى النار.
قال الحليمي: (الكفار لا يمرون عليه، وهو محمول على آخره؛ لأنهم يقعون منه في النار قبل جوازه)، وقيل: بعضهم لا يمر عليه، وهم من عدا المنافقين واليهود والنصارى. وقيل: صراطان: صراط للمؤمنين، وصراط للكفار، ويكفينا الإيمان بالصراط، وقيل: يتسع في بعض المواضع، وفيه طريقان: يمنى لأهل السعادة، ويسرى لأهل الشقاوة، وقيل: عرض صراط كل أحد على قدر نوره.
وطوله ألف سنة صعودًا وألف هبوطًا وألف استواءً، وفيه سبع قناطر، يسأل فيها عن الشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج والوضوء والغسل، وفي السابعة عن مظالم العباد، ويقف جبريل أوله، وميكائيل وسطه يسألان المكلف عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيماذا أنفقه؟
ومنه حوض النبي ﷺ، من شرب منه شربة .. لا يظمأ بعدها، ترده هذه الأمة دون غيرها.
واختلف هل هو قبل الصراط أو بعده؟ أو هما حوضان أحدهما قبله والآخر بعده؟.
ومنه (الشفاعة) وهي متعددة، وهي عشر، كما ذكرتها في "مفتاح السعادة" أعظمها: شفاعة المصطفى ﷺ في فصل القضاء في خلقه بعد شدائد الموقف وطول القيام، وتردد الناس من نبي إلى نبي حتى ينتهوا إلى نبينا ﷺ، فيقول: "أنا لها" حتى يأذن الله لمن يشاء ويرضى.
وهذه الشفاعة هي المقام المحمود، أو أوله، وبقية الشفاعات بعضها مختصة به، وبعضها يشاركه فيها غيره من الأنبياء، والملائكة، وكمل المؤمنين، إلا التي فيمن قال: لا إله إلا الله، ولم يعمل خيرًا قط .. فمختصة بالرؤوف الرحيم.
ومنه دخول النار مؤبدًا للكفار، وإلى مدة يريدها الله تعالى لمن لم يعف الله عنه من عصاة المؤمنين بلا خلود، أقلها لحظة، وأقصاها سبعة آلاف سنة من أهل كل كبيرة ولو
[ ٦٧ ]
واحدًا، ومن انقضى عذابه فيها .. مات موتًا حقيقيًا، وقيل: هو نوم، وعلى كل لا يحسون الألم.
وهي سبع طباق: جهنم، وتحتها لظى، فالحطمة، فالسعير، فسقر، فالجحيم، فالهاوية.
وباب كل من داخل الأخرى على الاستواء، ولا جمر لها سوى بني آدم، والحجارة المتخذة آلهة.
ومنه دخول الجنة لكل مؤمن، وهي سبع متجاورة -أوسطها وأعلاها الفردوس، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة النعيم، وجنة عدن، ودار السلام، ودار الجلال -أو أربع- ورجحه جماعة؛ لآية (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن:٤٦] ثم قال: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) [الرحمن:٦٢]- أو واحدة، والأسماء والصفات جارية عليها، وفيها من النعيم ما لا عين رات ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأجله وأعلاه رؤية الله تعالى؛ للآيات والأحاديث، وإجماع الصحابة، لكن بلا تكييف من جهة أو مقابلة أو إحاطة أو انحصار، ولا يعرف حقيقتها إلا من وقعت له في الموقف، أو في الجنة من المؤمنين، جعلنا الله تعالى بمنه وكرمه من أهلها من غير سابقة عذاب، ولا محنة.
ويدخل في قولنا: (محمد رسول الله) الإيمان بالقضاء وهو: الإرادة القديمة مع تعلقها بالأشياء أو العلم مع التعلق.
وبـ (القدر) وهو: إيجاد الله الأشياء على حسب القضاء السابق، وعكس فيهما الماتريدية.
ومما يدخل في ذلك أيضًا: ما اشتمل عليه هذا المختصر وغيره من كتب الفقه من: طهارة، وصلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وغيرها، وهذا آخر ما أوردناه مما تضمنته الشهادتان، ولم نأت من ذلك إلا بقطرة من بحر، ومن أراد الزيادة عليه .. فليطلبها، والله سبحانه أعلم.
(وبعد) أتى بها اقتداء به ﷺ وبأصحابه، فإنهم كانوا يأتون بأصلها؛ للانتقال من أسلوب إلى آخر، وهو أما بعد بدليل لزوم الفاء في حيزها غالبًا، والأشهر أن أول من تكلم بها داود ﵇، وأنها فصل الخطاب الذي أوتيه.
والأصل الأصيل: ومهما يكن، أو يذكر من شيء .. فأقول بعدما تقدم، فحذف
[ ٦٨ ]
الشرط وفعله، والمضاف إليه بعد، وأقيم (أما) مقام الشرط وحده والمراد: أن حق الترتيب أن يكون هكذا، لا أنه نطق به كذلك ثم دخله الحذف والنيابة.
و(بعد) نقيض (قبل): ظرف غائي زماني -باعتبار النطق- مكاني -باعتبار الرسم- مبني على الضم؛ لحذف المضاف إليه، ونية ثبوت معناه، وبني؛ لافتقاره إلى ما يضاف إليه، أو لشبهه بأحرف الجواب كنعم، ويصح نصبه بلا تنوين على نية لفظ المضاف إليه، والعامل فيه (أما) عند سيبويه؛ لنيابته عن الفعل، أو الفعل المحذوف عند غيره، وهو القول المقدر -كما أشرت إليه فيما مر- أي: مهما يكن من شيء .. (فـ) أقول بعد ما تقدم (هذا) المؤلف الحاضر في الذهن (مختصر) من الاختصار وهو: تقليل اللفظ وتكثير المعنى، وقال (سم) هو: تقليل اللفظ، سواء كثر المعنى أم قل أم ساوى.
(لابد لكل مسلم من معرفته، أو معرفة مثله) أي: مثل ما فيه من الأحكام؛ ليكون على بصيرة في دينه؛ لأنه يجب على كل مكلف معرفة ما يحتاج إليه من الفقه من الأحكام الظاهرة، وغالب ما فيه كذلك، وما حدث له من الأحكام التي ليست فيه يسأل عنه.
وإنما قال: لا بد من معرفته أو معرفة مثله؛ لأن من لم يعرف ذلك ركب متن عمياء، وخبط خبط عشواء.
وإذا علمت أنه لا غنى عن معرفته أو معرفة مثله .. (فيتعين) على كل راغب في الخير (الاهتمام به) أي: هذا المختصر أو مثله؛ حفظًا وتفهمًا وكتابة، (وإشاعته) في البلدان؛ ليكون له أجر الدلالة على الخير.
(فـ) أنا (أسأل الله أن ينفع به) نفعًا عامًا؛ إذ حذف المعمول يفيد العموم، وقد أجاب الله دعاءه، ونفع به في الأقطار انتفاعًا عامًا عظيمًا ببركة هذا الشيخ العظيم الذي اعترف الأكابر بعلو شانه ومقامه.
[ ٦٩ ]
ولمّا دعا لغيره بالانتفاع به .. دعا لنفسه بقوله: (وأن يجعل جمعي له) من مفرقات الكتب (خالصًا لوجهه) أي: ذاته (الكريم) أي: المتفضل بالنوال قبل السؤال، فكيف بمن سأله ولجأ إليه؟! سبحانه، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم.
* * *
[ ٧٠ ]