المحصَّبُ موضعٌ بأعلى مكة يقع عند مدخل مكة من جهة منى العزيزية الشمالية إلى مقربة الحجون وهو ما يعرف اليوم بالمعابدة وامتداداتها باتجاه الحجون، وباتجاه منى.
والمحصّب في اللغة من الحصباء، وهي الحجارة، لذلك يقال لموضع الجمار
_________________
(١) المرجع المذكور صـ ١٢٦.
(٢) البخاري برقم (١٥٩٠).
(٣) فتح الباري جـ ٣ صـ ٥٧٢.
[ ١٧٦ ]
في منى المحصّب أيضًا.
والمحصَّب هو الشِّعبُ بين الجبلين، وهو ما جاء في القاموس المحيط.
وبالتالي فالمحصَّب هو مسيل الوادي؛ حيث تجتمع فيه بسبب السيول، الحجارةُ الصغيرة. ويطلق عليها الحصباء، والمكان الذي تجتمع فيه يسمّى المحصّب، ويطلق المحصّب على الأبطح؛ لأنه كالمحصَّب مأخوذ من البطحاء وهي الحصى الغار.
قال العلامة ابن حجر العسقلاني: «البطحاء التي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي واتسع، وهي التي يقال لها المحصّب والمقوس، وحدّها ما بين الجبلين إلى المقبرة»، ثم قال: «الثاني ما يشعر بأنه صلى بالأبطح، وهو المحصّب» (١).
وفي المحصَّب خَيْفُ بني كنانة، والخَيْفُ في اللغة: وفق ما جاء في القاموس المحيط للفيروزابادي ما انحدر عن غليظ الجبل، وارتفع عن مسيل الماء (٢)، وبه سُمّي مسجدُ الخَيْف في منى؛ لأنه في سفح الجبل.
ولمّا كانت أرضُ المحصَّب تتبعُ بني كنانة، فإنّ المحصَّب يطلق عليه خَيْفَ بني كنانة، مع أنه في الأصل - كما قلتُ لك - يختص بما انحدر من الجبل، وهو هنا جبل زرود، وفيه ينشد المداح في مجالسهم:
ألفُ صلّى الله على زين الوجود مَن سكنْ طَيْبَةْ، وخيَّم في زرود
أهمية المحصَّب تأتي من أنه المكان الذي تحالفت فيه قريش على بني هاشم وبني عبد المطلب لمقاطعتهم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم، ولا يؤووهم؛ ولا
_________________
(١) فتح الباري جـ ٣ صـ ٧٤٥.
(٢) هذا ما صرّح به في فتح الباري جـ ٨ صـ ١٨.
[ ١٧٧ ]
يكون بينهم شيء حتى يُسلموا لهم رسول الله - ﷺ -، وقد تم حصارهم بالفعل في شعب بني طالب. فالمحصَّب هو الموضع الذي استعلن فيه الكفر في وجه المسلمين، لذلك تعدّدت المواقف النبوية التي تعلن الإيمان وعزّة الإسلام وشعائره في الموقع الذي ارتفع فيه صوت الباطل في وجه الحق الذي نزل به الوحيُ الأمين.
قال لهم ذلك في فتح مكة، وفي يوم النحر من حجة الوداع، وحين أراد حُنَينًا.
روى البخاري في صحيحة عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «منزلنا - إنْ شاء الله (١)، إذا فتح الله - الخَيْفُ (٢) حيث تقاسموا (٣) على الكفر» (٤).
مسجد البيعة:
هو المسجد الذي بني في الموضع الذي تمّت فيه بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية. ذلك أن رسول الله - ﷺ - كان يعرض نفسه على القبائل التي تتوافد إلى البيت الحرام كل عام في موسم الحج، يتلو عليهم كتاب الله، ويدعوهم إلى التوحيد، ويبشرهم إن هم منعوه حتى يبلغ رسالة ربه أن لهم العزة في الدنيا التي يملكون بها العرب، وتذلّ بها العجم، وأن لهم الجنة في الآخرة، وكان يتّبعهم إلى منازلهم في عكاظ وذي المجاز ومجنة فلا يتبعه منهم أحد؛ لأن أبا لهب كان يمضي وراءه يحذر الناس منه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب، فيردّون على رسول الله - ﷺ - أقبح الردّ ويؤذونه (٥).
_________________
(١) المشيئة هنا للتبرك.
(٢) الخَيفُ: مبتدأ مؤخر، خبره: منزلنا.
(٣) أي تحالفوا: والضمير يعود على قريش فيما يعرف بالصحيفة.
(٤) البخاري برقم (٤٢٨٥).
(٥) فقه السيرة د. محمد سعيد رمضان البوطي صـ ١٦٩.
[ ١٧٨ ]
وفي السنة الحادية عشرة للهجرة من البعثة المحمدية، عرض نفسه على القبائل شأنه في كل عام، يتلاطف معهم ويقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلَّا الله تفلحوا وتملكوا ..»، فبينما هو كذلك إذ لقي عند العقبة في منى رهطًا (١) من الخزرج أراد الله بهم الخير، فسألهم:
من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج.
قال: أمن موالي يهود. قالوا: نعم.
قال: أفلا تجلسون أكلمكم، قالوا: بلى، قال: فجلسوا معه فدعاهم إلى الله
﷿ وتلا عليهم القرآن فآمنوا.
قال أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: «وكان مما مهد أفئدتهم لقبول الإسلام أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، ومعلوم أنهم أهل كتاب وعلم، فكان إذا وقع بينهم وبين اليهود نفرة أو قتال، قال لهم اليهود: إن نبيًَّا مبعوث الآن قد أطلَّ زمانه، سنتَّبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم!
فلما كلم الرسول هؤلاء النفر، ودعاهم إلى الإسلام، نظر بعضهم إلى بعض وقالوا: «تعلمون والله إنه للنبيُّ الذي توعَّدَكم به يهود، فلا يسبقنّكم إليه».
فأجابوه إلى ما دعاهم إليه من الإسلام، وقالوا: إنّا تركنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم
_________________
(١) كانوا ستة: أسعد بن زرارة، وعوض بن الحارث، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله.
[ ١٧٩ ]
الله عليك فلا رجل أعزّ منك. ثم انصرفوا ووعدوه المقابلة في الموسم المقبل» (١).
عند هذه المحطة الموفقة بدأ منعطف جديد للدعوة الإسلامية على العموم، وفوق ثرى تراب المدينة المنورة على الخصوص؛ لأن النفر الستة صدقوا فيما عاهدوا الله عليه، فأخذوا ينشرون مبادئ الدين الحنيف خلال عام كامل هو زمن غيابهم بين موسمي حج متتابعين، فلما طلع العام الثاني عشر من عهد النبوة وافى موسم البيت الحرام من الأنصار اثنا عشر رجلًا بايعوا رسول الله - ﷺ - بيعة لا جهاد فيها، أي على نمط ما بايع عليه النساء ثاني يوم الفتح على جبل الصفا، أما هذه البيعة فكانت في منى فيما صار يعرف اليوم بمسجد البيعة والذي يبتعد قرابة ثلاثمائة متر عن جمرة العقبة على يمين النازل من منى إلى مكة المكرمة.
نص البيعة: «تعالوا بايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه» (٢).
قال عبادة بن الصامت: فبايعناه على ذلك.
فلما أرادوا الانصراف بعث معهم رسول الله - ﷺ - مصعب بن عمير الذي كان قبل الإسلام أنْعَمَ غلام في مكة، فلما دخل الإسلام، وحمل أمانته، طوى كل أسباب الرفاهية، وتصدّى لنشر دعوة الله بين عباد الله.
_________________
(١) فقه السيرة صـ ١٧٠ - ١٧١.
(٢) نفس المرجع صـ ١٧٢.
[ ١٨٠ ]
وفي العام التالي عاد الداعية الإسلامي مصعب بن عمير ومعه ثمرة عام كامل من الدعوة إلى الله تعالى وهو لا يحمل معه إِلَّا القليل من العلم، وهو ما يؤكد أن الدعوة الإسلامية وظيفة كل مسلم لا تختص بما يسمّى خطأ رجال دين، ولا تقتصر على العلماء، الذين لهم إلى جانب هذه الوظيفة العامة مهامٌ أخرى من تبصير الناس بشرائع دينهم، وضبط إيقاع الدعاة على إسقاط الشريعة.
وفي موسم الحج للعام الثالث عشر من بدء الدعوة واعد رسول الله - ﷺ - أواسط أيام التشريق ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتان، ناموا في رحالهم مع قومهم المشركين الذين استخفوا بهم منذ بدء الرحلة من المدينة، فلما مضى ثلث الليل خرج الجمع الطاهر متسللًا إلى موعد رسول الله - ﷺ - الذي جاء بصحبة عمه العباس بن عبد المطلب، فتكلم القوم وقالوا بعزيمة وصدق: خذ منا لنفسك ولربك ما أحببت .. فتكلم رسول الله - ﷺ -، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
فقام البراء بن معرور فأخذ بيد رسول الله - ﷺ -، ثم قال:
نعم، والذي بعثك بالحق نبيًّا لنمنعنَّك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة (١) ورثناها كابرًا عن كابر.
أثناء هذا الكلام قام أبو الهيثم بن التّيهان مقاطعًا البراء ومستدركًا:
يا رسول الله، إنّ بيننا وبين الرجال حبالًا وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ .
فأجابه رسول الله - ﷺ - مبتسمًا: بل الدمَ الدمَ والهدمَ الهدمَ، أنا منكم، وأنتم
_________________
(١) أي السلاح كله.
[ ١٨١ ]
مني، أحاربُ من حاربتم، وأُسالم من سالمتم.
ومما جاء في هذا اللقاء المصيري أن قال لهم رسول الله - ﷺ -:
أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرج الخزرج تسعة نقباء منهم، وأخرج الأوس ثلاثة منهم، فقال رسول الله - ﷺ - للنقباء:
أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي.
فبدأت البيعة، وكان أول من ضرب على رسول الله - ﷺ - البراء بن معرور ثم بايع القوم كلهم بعد ذلك (١).
هذه البيعة - كما ترى - لم تكن بلا جهاد على شاكلة البيعة الأولى، لذلك تمَّت، وقال لهم رسول الله - ﷺ - «ارفضوا إلى رحالكم» قال له العباس بن عبادة بن نفلة، وقد امتلأ حماسًا وإخلاصًا:
والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنملينّ على أهل منى غدًا بأسيافنا؟ فأجابه رسول الله - ﷺ - بقوله: لم نؤمر بذلك (٢).
وصل الخبر إلى قريش فسألت فأقسم المشركون من الخزرج أنّ شيئًا من ذلك لم يحصل ثم تبين لهم بعد ذلك أنه حصل.
وللكلام تتمة تعود إليه في مظانها من كتب السيرة، وفي هذا القدر كفاية لذوي العناية، والمقصود أن ندرك سيرة المصطفى - ﷺ - في كل موقع ننزل فيه لنتعلم، ونقتدي ونعلِّم، إذ لا أجمل من فهم السيرة وأنت تتصور رسول الله - ﷺ - وصحبه في
_________________
(١) فقه السيرة صـ ١٧٩ - ١٨٠.
(٢) المرجع المذكور صـ ١٨٠ - ١٨١.
[ ١٨٢ ]
المكان الذي تقف فيه قدماك، فأيُّ تيه وفخار مثل هذا.
هذا المسجد كان موضع اهتمام المسلمين والخلفاء في شتى العصور، لذلك فإن بناءه الحالي عثماني فيما يبدو، وكان قبلُ قد بنى المسجد أبو جعفر المنصور سنة ١٤٤ هـ/٧٦١ م، وهو ما تصرح به لوحة مثبتة في جدار القبلة للمسجد، وهو يتكوّن اليوم من فناء مكشوف تتقدّمه مظلة (١).