الذّكَر ولو صبيًا عن المحيط على أي عضو من أعضاء البدن كالقميص والثياب ذات الأكمام، والخف الذي يحيط بالأصابع وسائر القدمين، وما إلى ذلك مما سيأتي بيانه (١).
ويستثنى في تجرده من ذلك إزار يستر به عورته، ورداء يلقيه على كتفه، وهو ما سنفيض بإلقاء الضوء عليه بإذن الله.
الواجب السادس: طواف الوداع: قال العلامة الباجوري في حاشيته: «وأما طواف الوداع فهو واجب مستقل ليس من المناسك على المعتمد، فيجب على مَنْ فارق مكة ولو مكيًا أو غير حاجٍ ومعتمر غير حائض ونفساء.
ويجبر تركه بدمٍ، فإن عاد بعد فراقه قبل مسافة قصر وطاف سقط عنه الدم.
وإن مكث بعد الطواف أعاده إلّا إذا مكث لصلاة أُقيمت، أو شغلِ سفرٍ كشراء زادٍ لم يطُلْ زمنه، وشدّ حمول لم يطلْ زمنه، وشرب ماء زمزمٍ، وانتظار رفقةٍ، وإغماءٍ، وإكراهٍ وإن طال زمنها.
ولا وداع على مَنْ خرج لغير منزله بقصد الرجوع وكان سفره قصيرًا، ولا على محرم خرج إلى منى.
أما الحائض والنفساء فلا وداع عليهما، لكن إن طهرتا قبل مفارقة مكة لزمهما الطواف» (٢).
_________________
(١) جرى النووي في مناسكه الكبرى على أن ذلك مستحب، وهو خلاف ما أفتى به الشافعية، فالمعتمد الوجوب في ذلك. انظر نفس المرجع والجزء صـ ٤٧٩.
(٢) نفس المرجع والجزء صـ ٤٦٩.
[ ٧١ ]
وقال العلامة الفَشني في قول العمريطي: (وأن يطوف للوداع آخرا): «أي إذا أراد الخروج من مكة، سواء كان حجًا أم لا آفاقيًا يقصد الرجوع إلى وطنه أم مكيًا يسافر لحاجة ثم يعود، وسواء كان سفره طويلًا أم قصيرًا، لثبوته عن رسول الله - ﷺ - قولًا وفعلًا » (١).
وقال الإمام النووي: «ينبغي أن يقع طواف الوداع بعد الفراغ من جميع أشغاله ويعقبه الخروج من غير مكثٍ، فإن مكث بعده لغير عذر أو لشغل غير أسباب الخروج كشراء متاع أو قضاء دين أو زيارة صديق أو عيادة مريض ونحو ذلك فعليه إعادة الطواف.
وإن اشتغل بأسباب الخروج كشراء الزاد بلا مكث وشدّ الرحل ونحوهما لم يُعِدْ الطواف، وكذا لو أُقيمت الصلاة فصلّاها معهم لم يُعد الطواف».
قال الإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح لكلام النووي هذا: (قوله فإن مكث بعده لغير عذر الخ) عبر بنحوه في أصل الروضة ومقتضاه أن المكث مكروهًا أو للخوف على نحو مال لا يوجب الإعادة لعذره وهو كذلك كما رجحه الزركشي في الإكراه قالوا: وإن طال مكثه، وهو يؤيد ما رجحته فيما يأتي، وكالإكراه ما بعده، وألحق به الأذرعي من أُغمي عليه أو جُنّ قبل طوافه». (٢)
وبناء على وضعه بين يديك من نقول استطيع أن أذهب إلى أن ما يجري
_________________
(١) انظر «تهذيب تحفة الحبيب » صـ ٢٠٩ ـ.
(٢) الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي صـ ٤٤٦ - ٤٤٧.
[ ٧٢ ]
اليوم من انتظار المطوّف السعودي ريثما يأتي بالحافلات التي لايسمح بامتطاء غيرها للوصول إلى مدينة رسول الله - ﷺ - هو عذر في المكث بعد طواف الوداع والله أعلم.
هذه الأحكام استقاها الفقهاء من الأحاديث الصحيحة عن رسول الله - ﷺ - وما دار من اجتهاد واستنباط حولها، فقد روى الإمام البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: «أُمِرَ الناسُ أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلّا أنه خُفِّفَ عن الحائض» (١).
وفي رواية عند مسلم عن ابن عباس ﵄ أيضًا قال: «كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال رسول الله - ﷺ -: لا ينفرنّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت» (٢).
وعن ابن عباس قال: «رُخِّص للحائض أن تنفرد إذا أفاضت» (٣)
وقال طاوُس: سمعتُ ابن عمر يقول: إنها (٤) لا تنفر، ثم سمعته يقولُ بعدُ: إن النبي - ﷺ - رخَّص لهنّ» (٥).
فهذه الأحاديث فيها دلالة على وجوب طواف الوداع للأمر في رواية البخاري الاولى، وللنهي عن تركه في الرواية الثانية من طريق مسلم، وللتعبير في
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (١٧٥٥).
(٢) صحيح مسلم برقم (١٣٢٧/ ٣٧٩).
(٣) صحيح البخاري (١٧٦٠).
(٤) أي الحائض.
(٥) صحيح البخاري (١٧٦١).
[ ٧٣ ]
حق الحائض بالتخفيف، والتخفيف لا يكون إلّا من أمر مؤكد وهو ما صرّح به الإمام ابن حجر العسقلاني (١).
فالوجوب قال به أكثر العلماء، وأنه لزمه إن تركه دم، وهو الصحيح في مذهب الشافعية وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور والحسن البصري والحكم وحماد والثوري (٢).
وقال مالك وداوُد وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، زيبدو أنهم حملوا الأمر على الاستحاب وربما استدلوا بتخفيفه عن الحائض بلا دم عليها، لا بل قالوا: إنه لو كان واجبًا لوجب عليهما كطواف الزيارة (٣).
وسواء قلنا هو واجب وهو قول الأكثر، أو هو سنة في قول البعض، فليس بركن بلا خلاف.
ويشترط في طواف الوداع النية (٤)؛ لأنه نسك مستقل (وليس من جملة مناسك الحج عند الشافعية لذلك فهو يشمل العمرة)، وأن يقع بعد طواف
_________________
(١) فتح الباري جـ ٣ صـ ٧٣٩.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم جـ ٩ صـ ٤٤٦.
(٣) انظر الفقه الإسلامي وأدلته لأستاذنا د. وهبة الزحيلي جـ ٣ صـ ٢٠٠٦.
(٤) لكن تعيين النية ليس بشرط عند الحنفية، فلو طاف بعد طواف الزيادة دون أن يعين شيئًا، أو نوى تطوعًا وقع عن طواف الصدر (الوداع). هذا لاجتهاد يفتح باب اجتهاد آخر في مذهبهم وهو أن المستحب عند الحنفية أن يكون الوداع أداء لا قضاء في مذهب الحنفية وبالتالي يجوز له أن يطوف للوداع ولو بعد سنة من الحج مادام في مكة مالم يستوطن البلدة الحرام. ومن هذا نفهم أن مسألة تأخير الوداع هي على الاستحباب في المذهب الحنفي بخلاف الجمهور الذين حملوها على الوجوب كما ذكرنا. انظر الفقه الإسلامي وأدلته جـ ٣ صـ ٢٠٠٨.
[ ٧٤ ]
الإفاضة (١) وسائر أعمال الحج وعند إرادة الخروج من مكة.
ولا يجب في المذهب الحنفي على أهل مكة (٢).
ومن الذي نستفيده في هذه الفقرة أنه يسن لمن فرغ من طواف الوداع أن يصلي ركعتي الطواف خلف المقام، وأن يأتي زمزم فيشرب من مائها لذلك فإن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: إنه يسنُّ لمن فرغ من طواف الوداع أن يأتي الملتزم، فيلصق بطنه بحائط البيت، ويبسط يديه على الجدار، فيجعل اليمنى مما يلي الباب، واليسرى مما يلي الحجر الأسود ويدعوبما أحب، وأنّ المأثور منه أفضل، وهو قولك هناك: اللهمّ البيتُ بيتُك، والعبد عبدك، وابنُ أمتك.
حملتَني على ما سخَّرتَ لي من خلقك حتى صيَّرتني في بلادك، وبلَّغتني بنعمتك حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت عني راضيًا فازدَدْ عني رضًا، وإلا فمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتكَ داري، ويبعد عنك مزاري.
هذا أوانُ انصرافي إن أذِنْتَ لي، غير مستبدل بك، ولا راغب عنك، ولا عن بيتك.
_________________
(١) قال د. وهبة الزحيلي في نفس المرجع والجزء والصفحة: «ويتأدى طواف الوداع عند المالكية بطواف الإفاضة وطواف العمرة، وحصل له ثوابه إن نواه بهما كتحية المسجد تؤدى بالفرض». أقول: هنا خلاف مذهب الشافعية والجمهور.
(٢) قال العلامة الحنفي الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني في اللباب في شرح الكتاب: «وهو واجب إلّا على أهل مكة ومن في حكم ممن داخل الميقات لأنهم لا يصدورن ولا يودعون» جـ ١ صـ ١٩٤.
[ ٧٥ ]
اللهمّ فاصحبني العافية في بدني، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارْزُقني العمل بطاعتكَ ما أبقيتني، واجمع لي خيري الدنيا والآخرة، إنَّك على كل شيء قدير قادر على ذلك».
قال: «ثم يصلي على النبي - ﷺ -» (١).
_________________
(١) انظر تهذيب تحفة الحبيب ص ٢٠٩، وقد ذكر في ختام ذلك أنه يسن دخول البيت، والصلاة فيه (أي الكعبة المشرفة). وانظر اللباب في شرح الكتاب للعلامة الحنفي الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني جـ ١ صـ ١٩٤. و«الفقه الإسلامي وأدلته» لأستذنا الدكتور وهبة الزحيلي جـ ٣ صـ ٢٢٠٩.
[ ٧٦ ]