حفلت الفترة التي عاش فيها ابن الصلاح (٥٧٧ - ٦٤٣) هـ بأحداث عظيمة حلَّت بالأمَّة الإِسلاميَّة، تشيب لها مفارق الولدان:
فقد ظهر التتار من جهة الشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها، فقد قتلوا الآلاف من المسلمين، وخرَّبوا المساجد والمدارس، وسبوا النساء والصبيان، وأوسعوا البلاد بالنهب والفساد، فما دخلوا بلدًا إلا قتلوا من ظفروا به من المقاتلة والرجال وكثيرًا من النساء والصبيان والأطفال، وأتلفوا ما فيه بالنهب إن احتاجوا إليه، وبالحرق إن لم يحتاجوا إليه، وكانوا يأخذون الأسرى من المسلمين فيقاتلون بهم، ويحاصرون بهم، وإن لم ينصحوا في القتال قتلوهم.
_________________
(١) مصادر ترجمته: ذيل الروضتين لأبي شامة (توفي ٦٦٥ هـ)، ص ١٧٥ - ١٧٦، وفيات الأعيان لابن خلكان (توفي ٦٨١ هـ)، ٣/ ٢٤٣ - ٢٤٥، ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة لابن رشيد (توفي ٧٢١ هـ)، ٣/ ٢١٧ - ٢١٩، برنامج التجيبي للقاسم بن يوسف التجيبي (توفي ٧٣٠ هـ)، ص ١٣٩ - ١٧١ - ١٤٠، المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء (توفي ٧٣٢ هـ)، ٣/ ١٧٤، طبقات علماء الحديث للدمشقي (توفي ٧٤٤ هـ)، ٤/ ٢١٤ - ٢١٧، دول الإِسلام للذهبي (توفي ٧٤٨ هـ)، ٢/ ١٤٩، سير أعلام النبلاء للذهبي ٢٣/ ١٤٠ - ١٤٤، تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/ ١٤٣٠ - ١٤٣١، العبر في أخبار من غبر للذهبي ٣/ ٢٤٦ - ٢٤٧، برنامج الوآدي آشي (توفي ٧٤٩ هـ)، ص ٢٦٩.
[ المقدمة / ٣٠ ]
وقد ملكوا في سنة واحدة (٦١٧ هـ) عامَّة الممالك إلا العراق والجزيرة والشام ومصر (١).
وظهر من جهة الغرب الفرنج الصليبيون، وقصدوا الشام والديار المصريَّة، وتكررت غاراتهم وهجماتهم على ديار المسلمين، فملكوا بعض المدن والحصون، وقتلوا وأسروا ونهبوا وعاثوا فيما وصلوا إليه فسادًا عظيمًا (٢).
أمّا من سلم من هاتين الطائفتين - التتار والفرنج - من المسلمين، فالسيف بينهم مسلول، والفتنة قائمة على ساق (٣)، ساعد على ذلك انقسام الدولة الإِسلاميَّة إلى دويلات ومماليك صغيرة وذلك بعد ضعف الدولة العبَّاسيَّة، فكانت الحرب قائمة بين هذه المماليك من حين لآخر إشباعًا لأطماع السلاطين، وبسبب تولية الصبيان واستبداد الأمراء والوزراء بالأمر ووقوع التنافس فيما بينهم، مع انشغالهم بالشهوات وجمع الأموال فى أكثر الأوقات.
أما الحالة الاجتماعية فتابعة للحالة السياسية: فإن المجتمع الإِسلامي لم يعرف الهدوء والاستقرار في هذه الفترة، فالحرب قائمة على ساق، سواء كانت مع غير المسلمين - الفرنج والتتار -، بين المسلمين أنفسهم، وما يتبع ذلك من إزهاق للأرواح، والأموال، وحصار للمدن، والتضييق على أهلها، وما يتبع ذلك من غلاء في الأسعار وإفقار للناس.
وذلك كما حصل أثناء حصار الخوارزميَّة لدمشق في سنة (٦٤٣) هـ فقد نصبوا حولها المنجنيقات، وقطعت الأنهار، وغلت الأسعار، وأخيفت الطرق، وجرت بها أمور بشعة لم تر مثلها من قبل، حتى أُكلت القطط
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٩٤، التاريخ الإِسلامي لمحمود شاكر ٦/ ٣٤٦ وما بعدها.
(٢) انظر. الكامل في التاريخ ١٢/ ٣٦٠.
(٣) المصدر نفسه.
[ المقدمة / ٣١ ]
والكلاب والميتات والجيف، ومات الناس في الطرقات، وعجزوا عن التغسيل والتكفين والإقبار، فكانوا يلقون موتاهم في الآبار حتى أنتنت المدينة، وبيعت الأملاك بالدقيق، وبالرغم من ذلك كانت الخمور دائرة والفسق ظاهرًا والمكوس بحالها (١).
أما الحالة العلميَّة فقد كانت نشطة في تلك الفترة - على الرغم مما تقدَّم - فقد كان العلماء متوافرين، وكانت لهم الهيبة لدى العامة والخاصة، وكثر العلماء في شتى الفنون، وكثرت التصانيف في مختلف العلوم، ومما ساعد على نشاط الحركة العلميَّة وازدهارها: تشجيع الخلفاء والملوك للعلم والعلماء، مثل:
المعظَّم عيسى ملك دمشق والشام فقد جاء في ترجمته: أنه كان عالمًا، فاضلًا، اشتغل في الفقه على مذهب أبي حنيفة، وحفظ القرآن، وبرع في المذهب، وعَني بالجامع الكبير لمحمد بن الحسن، وصنَّف فيه شرحًا كبيرًا بمعاونة غيره، وحفظ المفصَّل للزمخشرى في اللغة، وكان يحبُّ العلماء، ويكرمهم، ويجتهد في متابعة الخير، ويقول: أنا على عقيدة الطحاوي، وقال عنه ابن كثير: وقد جمع له بين الشجاعة، والبراعة، والعلم، ومحبة أهله. أهـ (٢) وقال عنه ابن الأثير: "ونفق العلم في سوقه، وقصده العلماء من الآفاق، فأكرمهم، وأجرى عليهم الجريات الوافرة، وقرَّبهم، وكان يجالسهم ويستفيد منهم، ويفيدهم وسمع مسند الإِمام أحمد وأمر بترتيبه على الأبواب الفِقهيَّة". (٣)
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية ١٣/ ١٧٧ - ١٧٨.
(٢) المصدر السابق ١٣/ ١٣١.
(٣) انظر: الكامل ١٢/ ٤٧٢.
[ المقدمة / ٣٢ ]
ومن العلماء الذين عاشوا في هذه الفترة وأثروها بعلمهم وعملهم:
* أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزى (٥٠٩ - ٥٩٧) هـ.
* الحافظ عبد الغني المقدسي (٥٤١ - ٦٠٠) هـ.
* أبو الفتوح أسعد بن أبي الفضائل العجلي (٥١٥ - ٦٠٠) هـ.
* فخر الدين الرازي الشافعي المفسر (٥٤٤ - ٦٠٦) هـ.
* الحافظ أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرهَّاوي الحنبلي (٥٣٦ - ٦١٢) هـ.
* جمال الدين أبو محمد بن عبد الله المالكي ابن شاس (- ٦١٦) هـ.
* الموفَّق بن قدامة الحنبلي (٥٤١ - ٦٢٠) هـ.
* ابن الأثير أبو الحسن (٥٥٥ - ٦٣٠) هـ.
* سيف الدين الآمدي (حدود ٥٥٠ - ٦٣١) هـ.
* ابن الحاجب (٥٧٠ - ٦٤٦) هـ.
وغيرهم كثير.
وبذلك يُعرف مدى تأثر ابن الصلاح بهذه الفترة الخصبة علميًَّا، المزدهرة بالعلوم والمعرفة، بما يدعوه إلى الحرص على التحصيل، والإتقان والإجادة.