نشأ الغزالي في كنف والده، وكان رجلًا فقيرًا صالحًا لا يأكل إلا من كسب يديه في عمل غزل الصوف، وكان مع ذلك يطوف على الفقهاء ويجالسهم، ويغشى مجالس الوعظ، وكان يدعو الله أن يرزقه ابنًا فقيهًا وآخر واعظًا، فاستجاب الله دعوته (٧) فكان ابنه محمَّد من أشهر الفقهاء، وابنه أحمد من أشهر الوعَّاظ.
_________________
(١) انظر: المصباح المنير ص: ١٧٠.
(٢) انظر: إتحاف السادة المتقين ١/ ١٨.
(٣) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٠٥، إتحاف السادة ١/ ١٨.
(٤) انظر: السير ١٩/ ٣٢٢، طبقات الأسنوي ٢/ ١١١، شذرات الذهب ٤/ ١٠، طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٣٢٦.
(٥) انظر مثلًا: المنتظم لابن الجوزي ١٧/ ١٢٤، طبقات السبكي ٦/ ١٩٣، طبقات الأسنوي ٢/ ١١١.
(٦) وفيات الأعيان ٣/ ٢١٨.
(٧) انظر: العبر ٥/ ٢٠٣، طبقات السبكي ٦/ ١٩٣، إتحاف السادة ١/ ٧.
[ المقدمة / ١٨ ]
ولمَّا حضرته الوفاة عهد بولَديه إلى صديق له متصوِّف يظن به خيرًا، فعلَّمهما هذا المتصوِّف الخطَّ على وصيَّة والدهما (١). فلمَّا فني ما تركه لهما أبوهما، وتعذَّرت عليهما النفقة، وجَّههما هذا المتصوِّف إلى المدرسة ليطلبا فيها العلم فتحصل لهما النفقة فيها، فكان الغزالي يقول: "طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله" (٢). فقرأ الغزالي شيئًا من الفقه في صباه بطوس على الشيخ أحمد ابن محمَّد الراذكاني (٣).
ثم رحل في طائفة من طلبة العلم إلى نيسابور، فلازم إمام الحرمين الجويني، فجدَّ واجتهد، حتى برع في المذهب، والخلاف، والجدل، والأصول، والمنطق، والفلسفة، وأحكم كل ذلك في مدَّة قريبة، وفاق أقرانه، وصار أَنْظَر أهل زمانه، وذلك في حياة شيخه إمام الحرمين، وبدأ في التصنيف والردِّ على المبطلين (٤). وبقي هكذا إلى أن توفي شيخه إمام الحرمين، فخرج حينذاك من نيسابور إلى المعسكر، وفيه كان مجلس الوزير نظام الملك، وكان مجلسه مجمع أهل العلم، فهناك ناظر، وظهر، وذاع صيته، فنال إعجاب الوزير وقبوله، فرشَّحه ليدرِّس بالمدرسة النظَّاميَّة ببغداد (٥)، فارتحل إليها (سنة ٤٨٤ هـ) فدرَّس بها (٦)، وأعجب الناس به، حتى كان مسموع الكلمة، مشهور الاسم، يضرب به المثل.
_________________
(١) انظر: طبقات السبكي الموضع السابق، إتحاف السادة كذلك الموضع السابق.
(٢) انظر: المصادر السابقة.
(٣) انظر: تبيين كذب المفتري ص: ٢٩١، طبقات السبكي ٦/ ١٩٥.
(٤) انظر: طبقات السبكي ٦/ ١٩٦، إتحاف السادة ١/ ٧.
(٥) انظر: تبيين كذب المفتري ص: ٢٩٢، السير ١٩/ ٣٢٣، طبقات السبكي ٦/ ١٩٧.
(٦) انظر: السير الموضع السابق، البداية والنهاية ١٢/ ١٨٥.
[ المقدمة / ١٩ ]
ثم انخلع عن ذلك كله، فأقبل على العبادة، وخرج من بغداد قاصدًا بيت الله الحرام لأداء الحجِّ، وكان ذلك في ذي القعدة من سنة (٤٨٨) هـ (١)، ودخل بعد الحجِّ دمشق فلبث بها قليلًا، ثم انتقل منها إلى بيت المقدس، وأقام به مدة، ثم عاد إلى دمشق وأقام بها نحوًا من عشر سنين في الاعتكاف والعبادة والاجتهاد في الطاعة، وصنَّف كتابه إحياء علوم الدين وغيره في هذه الفترة (٢).
ثم قصد مصر وأقام بالاسكندريَّة مدة (٣)، ثم قفل راجعًا إلى خراسان، فمرَّ ببغداد ولم يقم بها طويلًا، وقد عقد بها مجلسًا للوعظ، وحدَّث بكتابه الإحياء (٤). ثم خرج منها متوجِّهًا إلى وطنه طوس، فلازم بيته مشتغلًا بالتفكر والعبادة. فلمَّا آلت الوزارة في بغداد إلى فخر الملك الحَّ عليه والتمس منه التدريس وشدَّد عليه في ذلك، فأجابه الغزالي إلى ما أراد، فقدم نيسابور فدرَّس بنظاميَّتها وجلس للإفادة (٥).
ثم ترك التدريس بها، وعاد إلى بيته، واتخذ في جواره مدرسة لطلبة العلم، ورباطًا للصوفيَّة، فكان يتردد بينهما للعبادة والتدريس (٦). ثم كان خاتمة أمره إقباله على الحديث، ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين وغيرهما، واستمر على هذه الحال حتى وفاته (٧).
_________________
(١) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢١٧، طبقات السبكي ٦/ ١٩٧.
(٢) انظر: المصدرين الأخيرين.
(٣) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢١٧، طبقات السبكي ٦/ ١٩٩.
(٤) انظر: طبقات السبكي ٦/ ٢٠٠، مؤلفات الغزالي ص: ٢٤.
(٥) انظر: السير ١٩/ ٣٢٤، البداية والنهاية ١٢/ ١٨٦.
(٦) انظر: المرجعين السابقين، وطبقات السبكي ٦/ ٢١٠.
(٧) انظر: تبيين كذب المفتري ص: ٢٩٦، طبقات السبكي الموضع السابق.
[ المقدمة / ٢٠ ]