إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣) (٤).
أما بعد:
فإن الفقه من أفضل العلوم وأشرفها؛ فبه يعلم الحلال والحرام، وبه تعرف الأحكام. فمن للمستجدات من المسائل والنوازل غير الفقهاء؟ ومن لتبيين الأوامر والنواهي والحدود وضبطها غيرهم؟ ولهذا جعل النبي - ﷺ - علامة إرادة الله الخير للعبد الفقه في الدين فقال - ﷺ -: (مَن يُرِد الله به خيرًا
_________________
(١) سورة آل عمران الآية (١٠٢).
(٢) سورة النساء الآية (١)
(٣) سورة الأحزاب الآيتان (٧٠ - ٧١).
(٤) هذه هى خطبة الحاجة التي كان رسول الله -ﷺ - يعلمها أصحابه ليبتدئوا بها حاجاتهم، وقد رواها ابن ماجة في سننه كتاب النكاح، باب خطبة النكاح ١/ ٦٠٩ برقم (١٨٩٢) واللفظ له، وغيره.
[ المقدمة / ١١ ]
يفقّهه في الدين) (١)، ولا شكَّ أن فقه الأحكام يدخل دخولًا أوليًّا فيه، بل حثَّ ﵇ على تبليغ العلم ونشره حتى يصل إلى الفقهاء (٢) فيبيِّنوا به الحلال والحرام.
ومن هذا جاء سبب اختيار تحقيق هذا الكتاب ليكون موضوعًا لنيل درجة العالمية - الماجستير - من قسم الفقه بكلية الشريعة بالجامعة الإِسلاميَّة بالمدينة النبوية، ويتمثَّل سبب الاختيار في الآتي:
* إبراز تراث هذه الأمة - محققًا منقحًا - حتى يرتبط آخرها بسلفها، وذلك بنشر مصنفات كبار الأئمة ومن بينها كتاب "شرح مشكل الوسيط".
* قيمة الكتاب العلميَّة، وسمو مكانته بين كتب الفقه عمومًا وكتب الفقه الشافعي خصوصًا هو ومتنه كتاب "الوسيط". فالوسيط أحد الكتب الخمسة التي يدور عليها الفقه الشافعي، وهذا الكتاب شرح وبيان لما غَمُض وأشكل منه، مع اعتماد من جاء بعد مؤلِفه عليه.
* مكانة مؤلفه - ابن الصلاح - ورفعة شأنه، وذيوع صيته، وشهرته؛ إذ تبوأ مكانة مرموقة سامية بين علماء عصره، فقد نال علوم عصره المتنوعة، وبرع في فنون: التفسير، والحديث، والفقه، وأصوله، وعلوم العربيَّة، وغيرها. وقد شهد له العلماء بغزارة العلم، وعمق النظر، وطول الباع، وسعة
_________________
(١) صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين ١/ ١٩٧ برقم (٧١)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة ٧/ ١٢٨.
(٢) عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (نضَّر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه)، جامع الترمذي كتاب العلم، باب ما جاء في الحثِّ على تبليغ السماع ٥/ ٣٤ برقم (٢٦٥٨) وقال: "حسن صحيح".
[ المقدمة / ١٢ ]
الاطلاع، ودقة التحقيق، وكمال المعرفة، كل ذلك مع العبادة، والطاعة، والنسك، والورع.
وقد تم تقسيم العمل في هذا الكتاب إلى قسمين: قسم الدراسة، وقسم التحقيق.
[ المقدمة / ١٣ ]
أولًا
القسم الدراسي
ويشتمل على أربعة فصول
[ المقدمة / ١٥ ]