المحتضر (١): الذي حضره الموت، ويستعمل هذا اللفظ عند الإطلاق في المكروه من موت وغيره (٢)، والله أعلم.
قال: "والتعزية والبكاء" (٣) قلت: أما التعزية فهي مؤخرة عن الدفن استحبابًا (٤). وأما البكاء فمتقدم على الموت (٥)، حتى لقد نصَّ الشافعي على كراهيَّته بعد الموت (٦). فيقال: كيف أخَّر ذكره مع التزامه ترتيب الوجود (٧)؟ وجوابه: أن البكاء لم يذكر مع هذه الأشياء لكونه قسيمًا لها؛ فإنه غير مأمور به، وإنما يُذكر تبعًا للتعزية في بابها؛ لأن التعزية تصبير عن البكاء ومنع من أسبابه (٨)، فتأخر عنها في الذكر لذلك، والله أعلم.
_________________
(١) قال الغزالي: "كتاب الجنائز: والنظر فيه يتعلق بآداب المحتضر، وبغسل الميِّت القول في المحتضر: من أشرف على الموت فليستقبل به القبلة". أهـ الوسيط ٢/ ٨٠٣.
(٢) انظر: الصحاح ٢/ ٦٣٤، النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٣٩٩ - ٤٠٠، لسان العرب ٣/ ٢١٦.
(٣) الوسيط ٢/ ٨٠٣. وقبله: والنظر فيه يتعلق بآداب المحتضر، وبغسل الميَّت، وتزيينه، وتكفينه، وحمل جنازته، والصلاة عليه، ودفنه، والتعزية إلخ
(٤) انظر: التهذيب ص: ٨١٤، المجموع ٥/ ٣٠٦، مغني المحتاج ١/ ٣٥٥.
(٥) يعني استحبابًا، وإلا فهو جائز قبل الموت وبعده. انظر: التهذيب ص: ٨١٥، فتح العزيز ٥/ ٢٥٤ - ٢٥٥، المجموع ٥/ ٣٠٧.
(٦) نصُّ الشافعي في الأم ١/ ٤٦٨: "وأرخص في البكاء بلا أن يتأثر، ولا أن يعلن إلا خيرًا، ولا يدعون بحرب قبل الموت، فإذا مات أمسكن". أهـ
(٧) حيث قال: "فيجرى فيه على ترتيب الوجود اعتبارًا". الوسيط ٢/ ٨٠٣.
(٨) انظر: الزاهر ص: ٩١ - ٩٢، المصباح المنير ص: ١٥٥.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
اختار أن المحتضر يلقى على قفاه وأخمصاه إلى القبلة (١). وعلى هذا عمل العامَّة (٢)، وينبغي على هذا أن يُرفع رأسه قليلًا حتى يكون بوجهه (٣) مستقبلًا للقبلة. والوجه الآخر وهو أن يُضجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة كالموضوع في اللحد، وهو نصُّ الشافعي (٤)، ومذهب أبي حنيفة (٥)، وهو الأصحُّ عند الأكثر (٦)، ولم يذكر العراقيون أو جمهورهم غيره (٧). فإن لم يتمكن من ذلك تعيَّن وضعه على القفا، والله أعلم.
قوله - ﷺ -: (لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظنَّ بالله ﷿) (٨) أخرجه مسلم (٩) في "صحيحه" من حديث جابر - ﵁ - (١٠). ومعناه: يموت وهو ظانُّ أنه يرحمه (١١)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: الوسيط ٢/ ٨٠٣.
(٢) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ١٢٣/ ب - ل ١٢٤/ أ.
(٣) في (د): توجيهه، والمثبت من (أ) و(ب).
(٤) انظر: مختصر البويطي ل٥٥/ ب.
(٥) انظر: بدائع الصنائع ١/ ٢٩٨، الدرُّ المختار وحاشيته لابن عابدين ٣/ ٧٨.
(٦) انظر: المهذَّب ١/ ١٢٦، فتح العزيز ٥/ ١٠٧، المجموع ٥/ ١١٦.
(٧) قوله أو جمهورهم استدراك منه؛ لأنه قد نقل الوجه الآخر من العراقيين الماوردي في الحاوي ٣/ ٤، والشاشي في حلية العلماء ٢/ ٣٣٠.
(٨) قال الغزالي: "وليكن هو في نفسه حسن الظنَّ بالله ﷿ قال رسول الله - ﷺ -: لا يموتنَّ الحديث" الوسيط ٢/ ٨٠٣.
(٩) في (ب): البخاري. وهو وهم.
(١٠) انظره - مع النووي - كتاب الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظنَّ بالله تعالى عند الموت ١٧/ ٢٠٩.
(١١) في (ب): يرحمه الله. وانظر: شرح النووي على مسلم ١٧/ ٢١٠.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
قال: "فإنها تُسْرع إليه الفساد" (١) المحفوظ في أسرع أنه لازم، واستعمله هو متعدَّيًا، وله اتجاه إن ساعده النقل بأن يجعل متعدي سرُع بضم الراء فهو سريع (٢).
الأصحُّ أنه لا (٣) تشترط النيَّة على الغاسل (٤)؛ لأن النيَّة إنما تشترط على المغتسل لا على الغاسل، كما لو غسل حيًَّا أو وضأه، ومع هذا فما ذكره من سقوط الغسل بناءً على هذا فيمن لفظهُ البحرُ وانغسلت أعضاؤه (٥)، قاله شيخه (٦)، وغيره (٧)، وهو بعيد، والصحيح (٨)، والمنصوص (٩): أنا وإن لم نوجب النيَّة فلا بدَّ من إعادة غسل الغريق؛ لأن أصل الفعل مستحق فرض على الكفاية، وما ذكره يلحقه بإزالة النجاسة التي هي من قبيل التروك (١٠). وقد
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٨٠٤. وقبله: ويصان عن الثياب المُدَفِيَّة؛ فإنها تُسْرع إلخ
(٢) انظر: لسان العرب ٦/ ٢٤١، القاموس المحيط ٣/ ٤٩.
(٣) سقط من (ب).
(٤) قال الغزالي: "وفي النيَّة - أي في اشتراطها على الغاسل - وجهان: أحدهما: لا تجب؛ لتعذُّرها على المغسول. والثاني: أنها تجب على الغاسل؛ وإنما الميَّت محلُّ الغسل". أهـ الوسيط ٢/ ٨٠٤. والذي صححه ابن الصلاح هو الراجح في المذهب قال النووي: "صححه الأكثرون وهو ظاهر نصَّ الشافعي". أهـ روضة الطالبين ١/ ٦١٣، وراجع فتح العزيز ٥/ ١١٤، المجموع ٥/ ١٦٤.
(٥) انظر: الوسيط ٢/ ٨٠٤.
(٦) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل١٢٥/ ب.
(٧) كالفوراني في الإبانة ل ٥٣/ أ، والبغوي في التهذيب ص: ٧٧٠.
(٨) انظر: فتح العزيز ٥/ ١١٤ - ١١٥، المنهاج للنووي ١/ ٣٣٢، مغني المحتاج ١/ ٣٣٢.
(٩) انظر: مختصر البويطي ل٥٥/ ب.
(١٠) وهي لا يشترط فيها نيَّة لحصول المقصود منها. انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص: ١٢.
[ ٢ / ٤٠١ ]
نقل عن نصَّ الشافعي. أنَّ غسل الذمِّية زوجها (١) المسلم جائز، وأنَّ الغريق يعاد غسله (٢). فنصَّ على هذا مع أنَّ نصَّه الأول يدلُّ على عدم وجوب النيَّة فدلَّ ذلك على ما قلناه، والله أعلم.
قوله: "أن ينقل إلى (٣) موضع خالٍ على لوح" (٤) أي فيغسل على لوح، وليس المراد أن يكون النقل على لوح، والله أعلم.
إنما يفتق القميص الذي يغسل فيه ولا يرفع طرفه (٥)؛ لئلا يقع البصر على شيء من بدنه، فقد يتغيَّر شيء من بدنه بثوران دم أو غيره، فيعتقد كونه عقوبة.
قال: "أن يحضر ماءً باردًا" (٦) أي يكون الغسل به، فهو الأولى إلا عند الحاجة إلى المسخَّن بسبب في المغسول أو الغاسل.
قال: "ولو استعمل السَّدر جاز" (٧) هذه عبارة من لا يراه مستحبًَّا، وهو مستحبٌّ للحديث (اغسلوه بماء وسدر) (٨).
_________________
(١) في (د): لزوجها، والمثبت من (أ) و(ب).
(٢) انظر: فتح العزيز ٥/ ١١٥، المجموع ٥/ ١٦٤.
(٣) في (د): من، والمثبت من (أ) و(ب).
(٤) الوسيط ٢/ ٨٠٤.
(٥) قال الغزالي: "ولا ينزع قميصه بل يغسل فيه، وإن مسَّت الحاجة إلى مسِّ بدنه فتق الغاسل القميص، وأدخل يده فيه". أهـ الوسيط ٢/ ٨٠٤.
(٦) الوسيط الموضع السابق وبعده: كيلا يتسارع إليه الفساد.
(٧) الوسيط الموضع السابق. وعبارته: "وليكن طاهرًا طهورًا، ولو استعمل السدر في بعض الغسلات جاز، لكن المتغيَّر بالسدر لا يتأدى به الفرض خلافًا لأبي إسحاق المروزي". أهـ
(٨) وهو حديث الرجل الذي وقصته ناقته، وقد رواه الشيخان انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الجنائز، باب كيف يكفَّن المحرم ٣/ ١٦٤ رقم (١٢٦٧)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الحجَّ، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات ٨/ ١٢٦.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
قال: "لا يتأدى به الفرض" العبارة الجيِّدة: لا يحسب من الغسلات الثلاث؛ لأنه لا (١) يتأدى به النفل أيضًا، وقول أبي إسحاق يتوجَّه بأنّه مأمور باستعمال السِّدر فلا يسلب الطهوريَّة؛ لأنه (٢) يلتحق (٣) بما يشقُّ حفظ الماء عنه.
قوله: "وعنده تكون مجمرة (٤) متَّقدة" (٥) هو هكذا في غير نسخة بتقديم عنده، وهو عجمة، وكأنه ترجمةٌ عجميَّةٌ هذا الكلام، والله أعلم.
قوله: "خيفة من تسارع الفساد" (٦) أي بدخول الماء في (٧) جوفه.
قوله: "لو (٨) خرجت منه نجاسة" (٩) أي من أحد السبيلين. أما من غيرهما فلا يجيء إلا وجه الاقتصار على غسل المحلِّ، ووجه إعادة الغسل في جميع البدن على احتمال عند الإمام أبي المعالي (١٠). من قال بالوجه الأول فوجهه أن هذا
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) في (أ): لا.
(٣) قوله: (يتوجَّه يلتحق) سقط من (ب).
(٤) المجمرة: المبخرة والمدخنة. انظر: المصباح المنير ص: ٤٤.
(٥) الوسيط ٢/ ٨٠٥. وبعده: فائحة بالطيِّب.
(٦) الوسيط ٢/ ٨٠٥ - ٨٠٦. وقبله: ثم يوضئه ثلاثًا مع المضمضة والاستنشاق، فإن كانت أسنانه متراصة فلا يفتحها للمضمضة، بل يوصل الماء إلى ثغره، وإن كانت مفتوحة ففي إيصال الماء داخل الفم تردد خيفة من تسارع إلخ.
(٧) في (أ) و(ب): إلى.
(٨) في (ب): ولو.
(٩) الوسيط ٢/ ٨٠٦. وبعده: بعد الغسل ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يعيد الكل. الثاني: أنه يعيد الوضوء دون الغسل. الثالث: أنه يقتصر على إزالة النجاسة. أهـ
(١٠) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل١٢٥/ ب.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
خاتمة طهارته فلا يكتفى إلا بالطهارة الكاملة. ومن قال بالثالث قال: إنها لم تنقض طهارته، ولم توجب حدثًا فهي كالنجاسة الأجنبية، وهذا هو الصحيح (١)، وبه قال مالك (٢)، وأبو حنيفة (٣).
قوله: "وكان في غسله ما يهرِّيه" (٤) يقال: هرَّأه (٥) بالهمزة هذا هو الأصل (٦)، والله أعلم.
ذكر أن في غسل الأمة والمستولَدة وجهين (٧). وليس الوجهان (٨) على التساوي فيهما (٩)؛ فإن في الأمة المنع (أقوى) (١٠) لكون الملك فيها صار للورثة، والمستولدة أشبه بالزوجة، وعتقها كانتهاء النكاح بالموت في حق الزوجة، ومع
_________________
(١) انظر: فتح العزيز ٥/ ١٢٣، روضة الطالبين ١/ ٦١٦، كفاية الأخيار ١/ ٣١٦.
(٢) انظر: بداية المجتهد ١/ ٤٢٣، عقد الجواهر الثمينة لابن شاس ١/ ٢٥٥، حاشية الدسوقي ١/ ٤١٥.
(٣) انظر: بدائع الصنائع ١/ ٣٠١، الدرُّ المختار مع حاشية ابن عابدين عليه ٣/ ٨٩.
(٤) الوسيط ٢/ ٨٠٤. حيث قال: "لو احترق مسلم وكان في غسله ما يهرَّيه يمَّمناه". أهـ
(٥) سقط من (ب).
(٦) انظر: الصحاح ١/ ٨٣. يقال: هرأت اللحم هرْءًا، وأهرأته وهرَّأته تهرية إذا أجدت إنضاجه حتى سقط عن العظم.
(٧) قال الغزالي: "ويجوز للرجال غسل الرجال، وللنساء غسل النساء، وعند اختلاف الجنس فلا يجوز إلا بزوجيَّة أو محرميَّة، ويجوز بمِلك اليمين للسيِّد في أمته ومستولَدته وهل يجوز لهما غسل السيِّد؟ فوجهان " الوسيط ٢/ ٨٠٦.
(٨) في (ب): الوجهين.
(٩) في (أ): فيهما على التساوي، بالتقديم والتأخير.
(١٠) زيادة من (أ) و(ب).
[ ٢ / ٤٠٤ ]
ذلك فالأظهر في الصورتين المنع (١)، بخلاف الزوجة فإنَّ أثر النكاح باقٍ بعد الموت، والله أعلم.
ذكر أنه إذا مات رجل أو امرأة ولم يوجد إلا أجنبي من غير الجنس تولى الغسل. قال: "وكذلك الخنثى يتولى غسله الرجال والنساء استصحابًا لحكم (٢) الصغر" (٣) هذا في "النهاية" (٤)، و"البسيط" (٥) مختصٌّ (٦) بالخنثى أي لو مات الخنثى صغيرًا لجاز للجنسين (٧) غسله (٨)، وجَّهه به القفَّال ولم يرتضه إمام الحرمين (٩) من حيث إن مقتضاه جواز ذلك بعد بلوغه في حال الحياة أيضًا (١٠) استصحابًا. وإنما علة الحكم في الصور الثلاث مسيس الحاجة. قلت: ولما ذكر (١١) القفَّال اتجاه من حيث إنَّ ذلك إنما جاز في الخنثى في حال الصغر من حيث إنه يجوز النظر إلى عورة الصغير الذي لا يشتهى للحاجة الحآقَّة (١٢)، فإنه
_________________
(١) انظر: التهذيب ص: ٧٧٥، فتح العزيز ٥/ ١٢٦، روضة الطالبين ١/ ٦١٩.
(٢) في (د): بالحكم، والمثبت من (أ) و(ب).
(٣) الوسيط ٢/ ٨٠٧.
(٤) ٢/ ل١٢٦/ أ - ب.
(٥) ١/ ل١٦٤/ أ.
(٦) في (أ): مخصوص.
(٧) في (أ): للجنس.
(٨) في (أ): غسله أيضًا.
(٩) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل١٢٦/ ب.
(١٠) سقط من (ب)، وفي (أ): ذكر أيضًا.
(١١) في (أ): قال.
(١٢) في (ب): اللحاقة يقال: حقّت الحاجة إذا نزلت واشتدَّت فهي حآقَّة. انظر: المصباح المنير ص: ٥٥.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
يشقُّ الصون والتصوُّن عن ذلك فيستصحب ذلك فيها بعد الموت في الحالة المذكورة؛ لاشتراك الحالين في عدم الاشتهاء، وتحقق الحاجة، ولا نستصحبه في حال حياته بعد بلوغه؛ لقيام المغيِّر، وهذا يتمشَّى في الصور الثلاث، والله أعلم. ثم إنَّ ترجيحه للقول بالغسل هو رأي شيخه (١)، والأكثر من الأصحاب على أن الأصحَّ القول بالتيمم (٢)، وهو مذهب أبي حنيفة (٣)، وهذا أقوى، والله أعلم.
قوله في توجيه الوجه المذكور في تقديم المحارم على الزوج في غسل المرأة: "لأن النكاح كالمنقطع بالموت" (٤) أي كالمنقطع أثره بالموت، وإلا فالنكاح نفسه منقطع بالموت لا كالمنقطع، والله أعلم.
الأظهر تقديم النساء على الزوج، وتقديم الزوج على الرجال المحارم (٥). قوله في توجيه القول باستحباب (٦) قلم أظفار الميَّت: "لقوله - ﷺ -: افعلوا بموتاكم كما (٧) تفعلون بأحيائكم" (٨) بحثت عنه فلم أجده
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل١٢٦/ ب، ورجحه البغوي في التهذيب ص: ٧٧٥.
(٢) انظر: فتح العزيز ٥/ ١٢٦، المنهاج ١/ ٣٣٥، روضة الطالبين ١/ ٦١٩.
(٣) انظر: بدائع الصنائع ١/ ٣٠٦، الدرُّ المختار مع حاشية ابن عابدين عليها ٣/ ٩٤.
(٤) الوسيط ٢/ ٨٠٧.
(٥) قال الغزالي: "إذا ازدحم جمع يصلحون للغسل على امرأة فالبداية بالنساء المحارم، ثم بعدهنَّ بالأجنبيات، ثم بالزوج، ثم برجال المحارم ". وانظر: الوجيز ١/ ٧٣، فتح العزيز ٥/ ١٢٨، المجموع ٥/ ١٣٥.
(٦) في (أ): استصحاب.
(٧) في (أ) و(ب): ما، وهي كذا في المتن.
(٨) الوسيط ٢/ ٨٠٨.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
ثابتًا (١)، والله أعلم. وإجراؤه الخلاف في الاستحباب قد صار إليه صاحب "المهذَّب" (٢)، وصاحبه أبو العباس الجرجاني (٣). وقد قال المحاملي (٤)، والروياني (٥)، وغيرهما (٦): لا خلاف في أنه لا يستحب وإنما الخلاف في أنَّ ذلك مكروه أو غير مكروه، ثم إنَّ الأصحَّ أنه يقلَّم أظفاره، قاله المحاملي (٧)، وهو الجديد (٨)، والله أعلم.
الأصحُّ جواز تطييب الميَّتة المعتدَّة (٩)، والله أعلم.
_________________
(١) قال ابن الملقَّن: "هذا الحديث لم أر من خرَّجه". أهـ تذكرة الأخيار ل٨٨/ أ. وقال ابن حجر: "وقد روى ابن أبي شيبة عن محمَّد بن أبي عدي عن حميد عن بكر - هو ابن عبد الله المزني - قال: قدمت المدينة فسألت عن غسل الميَّت فقال بعضهم: اصنع بميَّتك كما تصنع بعروسك غير أن لا تجلو. وأخرجه أبو بكر المروزي في كتاب الجنائز له وإسناده صحيح، لكن ظاهره الوقف". أهـ التلخيص الحبير ٢/ ١٠٦ (طبعة شركة الطباعة الفنيَّة المتحدة)، وانظر مصنَّف ابن أبي شيبة ٣/ ٢٤٥ غير أنه في آخره: "غير أن لا تحلقه".
(٢) انظر: المهذَّب ١/ ١٢٩، وقطع في التنبيه ص: ٥٠ باستحبابه.
(٣) انظر النقل عنه في: المجموع ٥/ ١٧٩.
(٤) انظر النقل عنه في: المجموع الموضع السابق.
(٥) انظر النقل عنه في: فتح العزيز ٥/ ١٣٠.
(٦) نقله النووي عن الشيخ أبي حامد والبندنيجي وابن الصبَّاغ وغيرهم. المجموع ٥/ ١٧٩.
(٧) انظر النقل عنه في: المجموع الموضع السابق.
(٨) انظر: الحاوي ٣/ ١٢، حلية العلماء ٢/ ٣٣٦.
(٩) قال الغزالي: "وفي صيانة المعتدَّة عن الطيب وجهان: ووجه الفرق: أن امتناعها تحرز عن الرجال، أو تفجُّع على الزوج". أهـ الوسيط ٢/ ٨٠٨. وراجع: فتح العزيز ٥/ ١٢٩ - ١٣٠، روضة الطالبين ١/ ٦٢١.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
قوله في التكفين: "وأحبُّ الثياب إلى الله (١) تعالى البيض" (٢) هذا إشارة منه إلى حديث ذكره شيخه (٣)، وهو أن رسول الله - ﷺ - قال: (أحبُّ الثياب إلى الله البيض تلبسها أحياؤكم وتكفَّن فيها موتاكم) وإنما المحفوظ في لفظ الحديث: (إنها خير الثياب أو من خيرها). هكذا رويناه من وجوه، واحتجَّ به الشافعي ورواه بإسناده عن سمرة بن جندب (٤) قال: قال رسول الله - ﷺ -: (خير ثيابكم هذه الثياب البياض (٥)، فليلبسها أحياؤكم، وكفَّنوا فيها موتاكم) وروي نحوه من حديث ابن عباس عن رسول الله - ﷺ -، وإسناده جيَّد (٦)، والله أعلم.
_________________
(١) في (أ): أهله.
(٢) الوسيط ٢/ ٨٠٨.
(٣) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل١٢٩/ ب - ل١٣٠/ أ.
(٤) لم أقف عليه فيما بين يديَّ من كتب الشافعي، وقد نصَّ على استحباب البياض واستدلَّ له بحديث عائشة في كفن النبي - ﷺ - انظر: الأم ١/ ٤٤٤، مختصر المزني ص: ٤٢، مختصر البويطي ل٥٥/ ب. أما حديث سمرة هذا فقد رواه النسائي في سننه كتاب الجنائز، باب أي الكفن خير ٤/ ٣٣٥ رقم (١٨٩٥)، وابن الجارود في المنتقى ص: ١٨٥، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٥٤ وقال: "صحيح"، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الجنائز ٣/ ٥٦٥ رقم (٦٦٩٠، ٦٦٩١)، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٣/ ١٦٢: "إسناده صحيح". وكذا قال الألباني في أحكام الجنائز ص: ٨٢.
(٥) في (أ): البيض.
(٦) رواه أبو داود في سننه كتاب اللباس، باب في البياض ٤/ ٣٣٢ رقم (٤٠٦١)، والترمذي في جامعه كتاب الجنائز، باب ما يستحبُّ من الأكفان ٣/ ٣١٩ - ٣٢٠ رقم (٩٩٤) وقال: "حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في سننه كتاب اللباس، باب البياض من الثياب ٢/ ١١٨١ رقم (٣٥٦٦)، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الحجَّ ٥/ ٥٠ رقم (٨٩٥١) بسنده عن الشافعي إلى ابن عباس، وراجع التلخيص الحبير ٤/ ٦٢٠.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
قوله في تكفين المرأة في الحرير: "يكره لأجل السرف" (١) قلت: قد حرَّمنا على أصحِّ الوجهين (٢) على المرأة افتراش الحرير؛ لأنه أبيح لها لما فيه من تزيينها وتحسينها لرجلها، ولا وجود لذلك في افتراشها، وكذلك لا وجود (٣) لذلك في تكفينها به بل أولى (٤)، والله أعلم.
الأصحُّ أن للغرماء المنع من الزيادة على ثوب واحد (٥) وهذا في الدين المستغرق (٦)، والله أعلم.
قوله: "أما المرأة إن (٧) لم تُخْلِف مالًا فهل يجب على الزوج تجهيزها؟ فيه وجهان" (٨) هذا الخلاف غير مخصوص (٩) بما إذا لم تخلف مالًا، وهو عندهم
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٨٠٨.
(٢) قوله: (على أصح الوجهين) سقط من (ب).
(٣) في (ب): وجه.
(٤) المشهور في المذهب القطع بجواز تكفينها به؛ لأنه يجوز لها لبسه في الحياة، لكن يكره تكفينها فيه، لأن فيه سرفًا، ويشبه إضاعة المال، بخلاف اللبس في الحياة فإنه تجمُّل للزوج. انظر: التهذيب ص: ٧٧٩، فتح العزيز ٥/ ١٣١، المجموع ٥/ ١٩٧، وقال في روضة الطالبين ١/ ٦٢٣: "ولنا وجه شاذٌّ منكر أنه يحرم تكفين المرأة في الحرير".
(٥) قال الغزالي: "والصحيح أن الورثة يلزمهم الثاني والثالث - أي الثوب - وهل للغرماء المنازعة فيهما؟ فيه وجهان " الوسيط ٢/ ٨٠٩.
(٦) انظر: التهذيب ص: ٧٨١، فتح العزيز ٥/ ١٣٤، المجموع ٥/ ١٩٥.
(٧) في (أ): إذا.
(٨) الوسيط ٢/ ٨٠٩.
(٩) في (أ): ليس مخصَّصًا.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
مطلق في الزوجة المعسرة والموسرة (١)، وما ذكره في الكتاب من التعليل شامل لهما، وصرَّح بالتسوية بينهما في ذلك الشيخ أبو حامد (٢)، وغيره (٣). ثم إنَّ في الأصحِّ من الوجهين اختلافًا وخفاءً، فالأصحُّ عند الشيخ أبي حامد، والمحاملي (٤)، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي (٥) القول بالوجوب، والأصحُّ عند القاضي الرويَّاني (٦)، والقاضي أبي علي الفارقي (٧) تلميذ الشيخ أبي إسحاق نفي الوجوب، ولعل هذا أقرب؛ فإن النكاح قد انتهى بالموت، وأيضًا فكسوة الزوجة وسائر نفقتها في مقابلة الاستمتاع، وقد خرجت بالموت عن أهليَّة ذلك بالكليَّة، وليست كالمريضة المدنفة (٨) ونحوها؛ فإنها محل الاستمتاع على الجملة بالنظر وغيره، وليست كالأمة؛ فإن نفقتها ليست في مقابلة الاستمتاع، ولهذا يجب مع المحرميَّة، ولا يسقط بالإباق والنشوز (٩)،
_________________
(١) انظر: الحاوي ٣/ ٢٩، الإبانة ل٥٤/ أ، المهذَّب ١/ ١٢٩، حلية العلماء ٢/ ٣٣٨.
(٢) لم أقف على النقل عنه فيما بين يديَّ من مصادر، والله أعلم.
(٣) نقله النووي في المجموع ٥/ ١٨٩ عن: البندنيجي، والعبدري، وابن الصبَّاغ، وسائر الأصحاب.
(٤) انظر النقل عنه في: المجموع ٥/ ١٨٩.
(٥) انظر: المهذَّب ١/ ١٣٠، التنبيه ص: ٥٠.
(٦) لم أقف على النقل عنه فيما بين يديَّ من مصادر، والله أعلم.
(٧) لم أقف على النقل عنه فيما بين يديَّ من مصادر، والله أعلم.
(٨) المدنفة: التي لازمها المرض. انظر: القاموس المحيط ٣/ ١٩٠، المصباح المنير ص: ٧٦.
(٩) لأن الإنفاق عليها سببه الملك انظر: المجموع ٥/ ١٩٠. والنشوز: أصله الارتفاع، ونشزت المرأة من زوجها إذا عصته وامتنعت عليه. انظر: المصباح المنير ص: ٢٣١.
[ ٢ / ٤١٠ ]
ويترجَّح بأنّه قول الأئمة أبي حنيفة (١)، وأحمد (٢)، وأحد أقوال مالك وأصحابه (٣)، والله أعلم.
الإزار المذكور في أكفان المرأة الخمسة (٤). ذكر المحاملي (٥)، وغيره (٦) أنه المئزر الذي يشدُّ في الوسط لا الإزار الذي تتغطى به المرأة فوق ثيابها. ويدل عليه قول الشافعي: وأحبُّ إليَّ أن يجعل الإزار دون الدرع لأمر النبي - ﷺ - بذلك في ابنته (٧)، والله أعلم.
الأصحُّ من القولين في المرأة إذا كفَّنت في خمسة أنه (٨) يجعل فيها قميص (٩)، روى ذلك أبو داود (١٠) عن رسول الله - ﷺ - في تكفين ابنته أم كلثوم، وإيَّاه صحح
_________________
(١) هو قول محمَّد بن الحسن من الحنفيَّة، وقال أبو يوسف بوجوبه على الزوج وعليه الفتوى، أما أبو حنيفة فلا رواية له في هذه المسألة كما قال ابن عابدين، وانظر المسألة في بدائع الصنائع ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين عليه ٣/ ١٠١، ونسبه إلى أبي حنيفة صاحب كتاب رحمة الأمة ص: ٨٧.
(٢) انظر: المغني ٣/ ٤٥٧، كشَّاف القناع ٢/ ١١٩ - ١٢٠، الإنصاف ٢/ ٥١٠، الروض المربع ١/ ٣٣٧.
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة ١/ ٢٦٠، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص: ٨٧.
(٤) قال الغزالي: "وإن كفَّنت في خمس: فإزار وخمار وثلاث لفائف". أهـ الوسيط ٢/ ٨٠٩.
(٥) انظر النقل عنه في: فتح العزيز ٥/ ١٣٧، روضة الطالبين ١/ ٦٢٦.
(٦) انظر: المهذَّب ١/ ١٣١، وراجع: المجموع ٥/ ٢٠٧.
(٧) الأم ١/ ٤٤٥. والحديث سيأتي تخريجه قريبًا إن شاء الله.
(٨) في (ب): أن
(٩) قال الغزالي: "وإن كفَّنت في خمس فإزار وخمار وثلاث لفائف، وفي قول: تبدل لفافة قميص. وإن كفَّنت في ثلاث فثلاث لفائف. وإنما التردد في القميص إذا كفَّنت في خمس". أهـ الوسيط ٢/ ٨٠٩.
(١٠) في سننه كتاب الجنائز، باب في كفن المرأة ٣/ ٥٠٩ رقم (٣١٥٧)، قال النووي: "إسناده حسن إلا رجلًا لا أتحقق حاله، وقد رواه أبو داود فلم يضعِّفه". المجموع ٥/ ٢٠٥، وقد حكم عليه الزيلعي بالضعف، وكذا الألباني. انظر: نصب الراية ٢/ ٢٥٨، ضعيف سنن أبي داود ص: ٣١٩ رقم (٦٩١)، أحكام الجنائز ص: ٨٥، وراجع التلخيص الحبير ٥/ ١٣٦ - ١٣٧.
[ ٢ / ٤١١ ]
الماوردي (١)، والرويَّاني (٢)، واختاره المزني (٣)، لكن إيراده مشعر بأن الأرجح عنه (٤) أن لا يكون فيها قميص والله أعلم.
قال: "ويستحبُّ أن يبخِّر الكفن بالعود، وهو أولى من المسك" (٥) أي ذلك أولى من تطييب الكفن بالمسك لا من (٦) التبخير به؛ فإن المسك لا يبخَّر به، فالكلام في أصل التطييب، لا في خصوص التبخير، وهذا نقلُ شيخه (٧) قال: "رأي الشافعي تجمير الأكفان بالعود، واختاره على المسك؛ لما صحَّ عنده من كراهيَّة ابن عمر - ﵄ - لاستعمال المسك في الكفن فآثر الخروج من خلافه". قلت: هذا عكس الثابت في ذلك؛ فقد روى الفقيه الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده الصحيح عن الشافعي - ﵁ - قال: (وسئل ابن عمر عن المسك أحنوط (٨) هو؟ فقال: أو ليس من أطيب (٩) طيبكم (١٠)!) وروى البيهقي
_________________
(١) انظر: الحاوي ٣/ ٢٨.
(٢) لم أقف على النقل عنه فيما بين يدي من مصادر، والله أعلم
(٣) انظر: مختصره ص: ٤٣.
(٤) في (أ) و(ب): عنده. والضمير في عنه راجع إلى الشافعي - والله أعلم - حيث قال المزني: "وأحبُّ أن يكون أحدها درعًا لما رأيت فيه من قول العلماء، وقد قال به الشافعي مرَّة معها ثمَّ خطَّ عليه". أهـ
(٥) الوسيط ٢/ ٨١٠.
(٦) في (د): لأن، وفي (أ): إلا من، والمثبت من (ب).
(٧) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل١٣٠/ أ.
(٨) الحنوط: بفتح الحاء وضم النون أنواع من الطيب تخلط للميَّت خاصة، ولا يقال في غير طيب الميِّت حنوط. انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١/٧٤، المجموع ٥/ ١٩٩، المصباح المنير ص: ٥٩.
(٩) في (ب): الطيب.
(١٠) انظر: معرفة السنن والآثار ٣/ ١٣٧.
[ ٢ / ٤١٢ ]
بإسناده (١) عن نافع قال: (مات سعيد بن زيد فقالت أم سعيد لعبد الله بن عمر: أنحنِّطه بالمسك؟ فقال: أي طيب أطيب من المسك! هاتي مسكك، فناولته إيَّاه). قال: (وروينا عن علي - ﵁ - أنه أوصى أن يحنَّط بمسك كان عنده قال: هو فضل حنوط رسول الله - ﷺ -).
القول في حمل الجنازة: حمل الجنازة بين العمودين أفضل (٢). روي (٣) عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم فعلوا ذلك منهم: عثمان بن عفَّان، وسعد بن أبي وقَّاص، وابن عمر، وأبو هريرة، وغيرهم (٤). وكيفيته: أن يتوسَّط الحامل العمودين البارزين من النعش، فيضعهما على عاتقيه (٥)، وذلك مخصوص بالعمودين المتقدمين أمام النعش، وأما العمودان المؤخران فلا يفعل ذلك فيهما؛ فإنه لا يكاد يرى ما بين يديه، وإنما يحمل العمودين المتأخرين شخصان، فيكون أقلهم ثلاثة، هذا هو المعروف المقطوع به في كتب الأئمة (٦).
_________________
(١) انظر: معرفة السنن والآثار الموضع السابق، والسنن الكبرى كتاب الجنائز ٣/ ٥٦٩ رقم (٦٧٠٨).
(٢) قال الغزالي: "الأولى أن يحمله ثلاثة، ويكون السابق بين العمودين، فإن لم يستقل بحمل الخشبتين فرجلان من جانبيه وهو بين العمودين فيكونون خمسة " الوسيط ٢/ ٨١٠.
(٣) في (ب): وروي.
(٤) كابن الزبير، وقد رواه عنهم جميعًا الإمام الشافعي في الأم ١/ ٤٥٠، والبيهقي في معرفة السنن والآثار ٣/ ١٤٨ - ١٤٩، قال النووي: "والآثار المذكورة عن الصحابة ﵃ رواها الشافعي والبيهقي بأسانيد ضعيفة، إلا الأثر عن سعد بن أبي وقَّاص فصحيح". أهـ المجموع ٥/ ٢٦٩.
(٥) في (د) و(أ): عاتقه، والمثبت من (ب).
(٦) انظر: الإبانة ل٥٤/ ب، المهذَّب ١/ ١٣٥، البسيط ١/ ل١٦٦/ أ، حلية العلماء ٢/ ٣٦٣.
[ ٢ / ٤١٣ ]
وأما الذي يفعل في هذه البلاد من الحمل بين العمودين المتأخرين أيضًا، والاقتصار على اثنين فشيء لا يعرف، وبقيت نحوًا من ثلاثين سنة لا أجد ذلك منقولًا عن أحد من الأئمة، ثم إنَّي وجدته في كتاب "الاستذكار (١) " لأبي الفرج الدارمي محكيًَّا عن أبي إسحاق وأنه يحمل في المؤخرة كما يحمل في المقدمة (٢)، وهو غريب جدًَّا، والله أعلم.
قوله: "ومن أراد أن يحمل الجنازة فليحملها من جوانبها إلى آخره" (٣) هذا فرَّعه غيره (٤) على هيئة التربيع: وهو أن يحمل الجنازة أربعة: اثنان من (٥) مقدمها، واثنان من (٦) مؤخرها. وهي أفضل عند بعض الأصحاب (٧)، وصاحب الكتاب لم يذكرها فكأنه فرَّع ذلك على ما ذكره من الحمل بين العمودين بتقدير أن يقع لخمسة، فإن ذلك يتهيأ على ذلك أيضًا. ثم إن قوله: "ومن أراد أن يحمل الجنازة فليحملها من جميع جوانبها" يقتضي أنَّ حملها بين أربعة أو خمسة أولى، وليس كذلك عنده (٨)، وعند الجمهور (٩)، وإنما ذكرت
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) انظر النقل عن الدارمي في حكايته عن أبي إسحاق المروزي في: المجموع ٥/ ٢٧٠.
(٣) الوسيط ٢/ ٨١٠.
(٤) كالشيرازي في المهذَّب ١/ ١٣٥، والشاشي في حلية العلماء ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٥) في (أ) و(ب): في.
(٦) في (أ) و(ب): في.
(٧) كالشاشي في حلية العلماء ٢/ ٣٦٣.
(٨) لأنه صرَّح بقوله: والأولى أن يحمله ثلاثة. الوسيط ٢/ ٨١٠.
(٩) انظر: فتح العزيز ٥/ ١٤٢، المجموع ٥/ ٢٦٩.
[ ٢ / ٤١٤ ]
الخمسة على تقدير (١)، فكان ينبغي أن (٢) لا يعدل عن عبارته في "البسيط" (٣) وهي: "من أراد أن يحمل الجنازة من جميع جوانبها فليبدأ بالشقِّ الأيسر إلى آخره"، والله أعلم.
قوله في الإسراع بالجنازة: "قال رسول الله - ﷺ -: إن كان خيرًا فإلى خير تقدَّمونه، وإن كان غير ذلك فبعدًا لأهل النار" (٤) هذا حديث ضعيف (٥)، والصحيح في ذلك أن رسول الله - ﷺ - قال: (أسرعوا بالجنازة؛ فإن تك صالحة فخير تقدَّمونها إليه (٦)، وإن تكن سوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن (٧) رقابكم) أخرجه البخاري (٨) ومسلم (٩) من حديث أبى هريرة، والله أعلم.
_________________
(١) وهو كونها ثقلت عليهم كما مرَّ في كلام الغزالي السابق.
(٢) سقط من (ب).
(٣) ١/ ل١٦٦/ ب.
(٤) الوسيط ٢/ ٨١١.
(٥) رواه أبو داود في سننه كتاب الجنائز، باب الإسراع بالجنازة ٣/ ٥٢٥ رقم (٣١٨٤) عن ابن مسعود ولفظه: (سألنا نبينا - ﷺ - عن المشي مع الجنازة فقال: ما دون الخبَبَ إن يكن خيرًا تعجَّل إليه، وإن يكن غير ذلك فبعدًا لأهل النار). قال أبو داود: "وهو ضعيف "، ورواه كذلك الترمذي في جامعه كتاب الجنائز، باب ما جاء في المشي خلف الجنازة ٣/ ٣٣٢ رقم (١٠١١) وقال: "هذا حديث لا يعرف من حديث عبد الله بن مسعود إلا من هذا الوجه". ونقل تضعيفه عن البخاري، وراجع: تذكرة الأخيار ل٨٨/ أ، التلخيص الحبير ٥/ ١٤٤ - ١٤٥.
(٦) سقط من (ب).
(٧) في (ب): على.
(٨) في صحيحه - مع الفتح - كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة ٣/ ٢١٨ رقم ١٣١٥).
(٩) في صحيحه - مع النووي - كتاب الجنائز، باب الإسراع بالجنازة ٧/ ١٢.
[ ٢ / ٤١٥ ]
قوله فيما (١) إذا وجد بعض الميِّت: "قال أبو حنيفة: لا يصلى عليه إلا إذا وجد النصف الأكبر" (٢) معناه: إلا إذا وجد أكثر من النصف، وذلك يصحُّ على أن يجعل النصف ههنا عبارة عن أحد قسمي الشيء، وإن لم يستويا، وقد جاء ذلك (٣) في قول الشاعر (٤):
إذا متُّ كان الناس نصفان شامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع
والله أعلم.
قوله في السقط: "صرخ واستهلَّ" (٥) تأكيد، والاستهلال رفع الصوت (٦)، وكأنَّ الصراخ نوع منه، وهو ما كان فيه انزعاج (٧)، والله أعلم.
الأقوال المذكورة في السقط الذي بلغ الحدَّ الذي ينفخ فيه الروح (٨) وعلامة ذلك التخطيط أصحها: أنه يغسل ولا يصلَّى عليه (٩)، والله أعلم.
_________________
(١) في (ب): وفيما.
(٢) الوسيط ٢/ ٨١٢. وراجع قول أبي حنيفة في بدائع الصنائع ١/ ٣١٦.
(٣) سقط من (أ).
(٤) هو العجير بن عبد الله السلولي، وهو شاعر إسلامي يحتجُّ بشعره. انظر: الدرر اللوامع على همع الهوامع لأحمد بن الأمين الشنقيطي ١/ ٤٦، معجم الشواهد العربيَّة لعبد السلام هارون ١/ ٢١٧.
(٥) الوسيط ٢/ ٨١٢ حيث قال: "السقط إن صرخ واستهلَّ فهو كالكبير، وإن لم يظهر عليه التخطيط فيوارى في خرقة، ولا يغسَّل ولا يصلى عليه؛ لأنه لم يتحقق موته".
(٦) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد ١/ ١٧٢، الصحاح ٥/ ١٨٥٢، النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/ ٢٧١.
(٧) انظر: لسان العرب ٧/ ٣١٨.
(٨) في (د): فيه الروح فيه، و(فيه) هنا مقحمة، والمثبت من (أ) و(ب). وقال الغزالي في السقط: "وإن ظهر شكل الآدمي ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كالكبير استدلالًا بالشكل على الروح. والثاني: لا يغسل ولا يصلى عليه؛ لأنه لم تتحقق حياته. الثالث: أنه يغسل ولا يصلَّى عليه". أهـ الوسيط ٢/ ٨١٢.
(٩) انظر: الأم ١/ ٤٥٥، فتح العزيز ٥/ ١٤٧ - ١٤٨، المجموع ٥/ ٢٥٦.
[ ٢ / ٤١٦ ]
قوله في السقط: "والكفن لا يجب إكماله إلا إذا أوجبنا الصلاة عليه" (١) ليس مراده بإكماله: ستر جميعه؛ فإنه يوجب (٢) ذلك وإن لم يوجب الصلاة عليه، وإنما المراد: إكماله بالثاني والثالث الواجب على الصحيح في حقَّ الورثة (٣)، والله أعلم.
قوله: "القيد الثالث: الشهادة" (٤) كان ينبغي أن يقول: عدم الشهادة؛ فإنه القيد في الصلاة كما تقدَّم، ولكن لمَّا كان المقصود الآن بالبيان إنما هو نفس الشهادة قال ذلك، ومع هذا ففيه حيد عن نهج الكلام، والله أعلم.
قوله: "فإن كان في قتال أهل البغي، أو مات حتف أنفه (٥) في قتال الكفَّار، أو مات بعد انقضاء القتال بجراحة مثخنة (٦) أصابته في القتال، أو قتله حربي اغتيالًا من غير قتال ففي الكل قولان" (٧) كان ينبغي أن يقول: ففي الكل خلاف؛ لأن المحكي فيما إذا (٨) مات في المعترك حتف أنفه لا
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٨١٢.
(٢) في (أ): يجب.
(٣) انظر: المجموع ٥/ ٢٥٦.
(٤) الوسيط ٢/ ٨١٣ وقبله: فيمن يصلى عليه: وهو كل ميَّت مسلم ليس بشهيد. فهذه ثلاثة قيود القيد الثالث إلخ.
(٥) أي مات من غير ضرب ولا قتل. انظر: المصباح المنير ص: ٤٦.
(٦) أي بجراحة أضعفته وأوهنته انظر: القاموس المحيط ٤/ ١٩١، المصباح المنير ص: ٣١.
(٧) الوسيط ٢/ ٨١٣. وقبله: القيد الثالث: الشهادة: فلا يغسَّل الشهيد ولا يصلَّى عليه. والشهيد من مات بسبب القتال مع الكفَّار في وقت قيام القتال، فهذه ثلاثة معان، فإن كان في قتال إلخ
(٨) في (أ): فيمن.
[ ٢ / ٤١٧ ]
بسبب من أسباب القتال، وفيما إذا قتله حربي اغتيالًا من غير قتال وجهان (١) (لا قولان) (٢). ثم إنَّ الأظهر في الجميع أنه لا يثبت فيها حكم الشهادة المذكورة (٣)، والله أعلم.
قوله: "وأمَّا القتيل ظلمًا من مسلم، أو ذمِّي، أو (٤) المبطون (٥)، أو (٦) الغريب (٧) فهؤلاء يغسلون ويصلَّى (٨) عليهم، وإن ورد فيهم لفظ الشهادة" (٩) هذا يوهم ورود لفظ الشهادة (١٠) في القتيل (١١) ظلمًا، وليس كذلك (١٢)، وإنما
_________________
(١) انظر: فتح العزيز ٥/ ١٥٤، المجموع ٥/ ٢٦١.
(٢) زيادة من (أ) و(ب).
(٣) انظر: الحاوي ٣/ ٣٥ - ٣٦، المهذَّب ١/ ١٣٥، مغني المحتاج ١/ ٣٥٠.
(٤) في (أ): و.
(٥) المبطون: الذي يموت بمرض بطنه كالاستسقاء ونحوه. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ١٣٦.
(٦) في (أ): و.
(٧) الغريب: الذي بعد عن وطنه، فعيل بمعنى فاعل. انظر: المصباح المنير ص: ١٦٩.
(٨) في (ب): يصلُّون.
(٩) الوسيط ٢/ ٨١٣.
(١٠) قوله: (هذا يوهم الشهادة) سقط من (ب).
(١١) في (أ): المقتول.
(١٢) روى الإمام أحمد في المسند ٢/ ٢٠٥ عن ابن عمرو - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (ما من مسلم يظلم بمظلمة فيقاتل فيقتل إلا قتل شهيدًا) لكن في سنده مجهولان، وراجع: تذكرة الأخيار ل٨٨/ ب.
[ ٢ / ٤١٨ ]
ورد لفظ الشهادة (١) من جملة ما ذكر في المبطون (٢)، والغريب (٣) وذلك مراده، والله أعلم.
قال: "قاطع الطريق إذا صلب قيل (٤): لا يصلَّى عليه تغليظًا. والظاهر: أنه يغسَّل ويصلى عليه" ثمَّ فرَّع على الخلاف في كيفية قتله وصلبه (٥)، وقال في آخر ذلك: "ومن رأى أنه يقتل مصلوبًا ويبقى فلا يُتمكَّن من الصلاة عليه" (٦) هذا ليس تكريرًا للأوَّل، بل ذلك جمع منه بين طريقين خلطهما (٧) ههنا، وفصل بينهما في "البسيط" (٨) فقال فيه بعد قوله "والظاهر أنه يغسل ويصلى عليه": "ومن أصحابنا من فرَّع على كيفيَّة قتله". ثم حكى الخلاف المذكور في كيفيَّة قتله، وتفريع أمر الصلاة عليه، فيكون الوجه المذكور أولًا (٩) في ترك الصلاة
_________________
(١) قوله: (في القتيل ظلمًا الشهادة) مكررة في (د).
(٢) روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (الشهداء خمسة: المطعون والمبطون الحديث) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الجهاد، باب الشهادة سبع سوى القتل ٦/ ٥٠ رقم (٢٨٢٩)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء ١٣/ ٦٢.
(٣) روى ابن ماجه في سننه كتاب الجنائز، باب ما جاء فيمن مات غريبًا ١/ ٥١٥ رقم (١٦١٣) عن ابن عباس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (موت غربة شهادة) قال الحافظ ابن حجر: "إسناده ضعيف". التلخيص الحبير ٥/ ٢٧٢.
(٤) في (د): وقيل، والواو هنا كأنها مقحمة، والمثبت من (أ) و(ب).
(٥) في (ب): صلبه وقتله، بالتقديم والتأخير
(٦) الوسيط ٢/ ٨١٤.
(٧) في (أ): طرفين خلطا.
(٨) انظره ١/ ل١٦٧/ ب.
(٩) في (ب): أولى.
[ ٢ / ٤١٩ ]
مستمدًَّا من التغليظ كيف كانت هيئة القتل، ويكون الوجه المتأخر في ذلك مخصوصًا بكيفيَّةٍ في قتلةٍ خاصة على قول من قال بها، والله أعلم.
قوله: "لقوله - ﷺ -: زمِّلوهم (١) بكلومهم (٢) ودمائهم، فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم (٣) تشخب دمًا" (٤) أخرجه النسائي بمعناه (٥)، وتمامه: اللون لون دم، وريحه ريح المسك. وقوله "تشخب دمًا" بفتح الخاء وبضمِّها أي تنفجر دمًا (٦)، والله أعلم.
قوله في إزالة ما سوى الدم من النجاسات: " (الثاني) (٧): لا تزال؛ فإن إزالتها تؤدي إلى إزالة أثر الشهادة. والثالث: إن كان يؤدي إلى الإزالة فلا تزال وإلا فتزال" (٨) فالقائل بهذا الوجه الثالث يجعل ذلك موكولًا (٩) إلى تحري
_________________
(١) أي لفُّوهم في ثيابهم التي فيها دماؤهم. وكل ملفوف في ثياب فهو مزمَّل. انظر: غريب الحديث لأبي عبيد ١/ ٢٤٦، النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٣١٣.
(٢) كلوم: جمع كلم وهو الجُرح. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ١٩٩، المصباح المنير ص: ٢٠٦.
(٣) أوداجهم: هي ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح، وأحدها وَدَج. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/ ١٦٥.
(٤) الوسيط ٢/ ٨١٤. وقبله: فإن قيل: فبماذا يفارق الشهيد غيره؟ قلنا: في أربعة أمور: الأول: الغسل؛ فإنه حرام في حقَّه وإن كان جنبًا لقوله - ﷺ - إلخ.
(٥) انظر: سنن النسائي كتاب الجنائز، باب مواراة الشهيد في دمه ٤/ ٣٨٢ رقم (٢٠٠١) قال الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٣٠٧: "حديث غريب". والحديث رواه الشافعي في مسنده ص: ٥٠٦، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الجنائز ٤/ ١٧ رقم (٦٨٠٠).
(٦) انظر: الصحاح ١/ ١٥٢، لسان العرب ٧/ ٤٩.
(٧) زيادة من (أ) و(ب).
(٨) الوسيط ٢/ ٨١٥.
(٩) في (ب): موكلًا.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
الغاسل وظنِّه، فما (١) يظنُّه مؤدِّيًا إلى إزالة دم الشهادة يتركه، وما لا فلا، وفي الوجه الذي قبله يسدُّ الباب ويمنع من الغسل مطلقًا؛ فإنه قد (٢) يؤدِّي إلى إزالة دم الشهادة فيما يظن أنه لا يؤدِّي مع كونه في نفس الأمر يؤدِّي، والظاهر الوجه الأول وأنها تزال (٣)، والله أعلم.
_________________
(١) في (أ): فيما.
(٢) سقط من (ب).
(٣) في (أ): لا تزال. وانظر: فتح العزيز ٥/ ١٥٧، المنهاج للنووي ١/ ٣٥١، مغني المحتاج ١/ ٣٥١، نهاية المحتاج ٢/ ٤٩٩.
[ ٢ / ٤٢١ ]