قوله في تعليل أحد الوجهين في غسل الذمية من الحيض لحق زوجها المسلم: أنه يصح مطلقًا "لأنه استقل بأحد المقصودين كالزكاة في حقِّ الممتنع" (١) هذا لا ينبغي أن يجعل قياسًا على ذلك؛ فإنَّ فيه أيضًا وجهين (٢): أحدهما: أنه لا تبرأ ذمته من الزكاة باطنًا، وليس من طريقته جواز مثل هذا القياس، وإنما ذكره مثالًا ونظيرًا، فشبَّه المسألة بالمسألة في جريان الخلاف، وهذا مغاير لقياس الحكم في أحدهما على الحكم في الأخرى، والمقصودان هناك (٣) هما: القربة، وسدّ الخَلة (٤)، والله أعلم.
قوله: "وقت النية: حالة غسل الوجه" (٥) أي حالة الشروع فيه (٦)، فلا يُفْهَمَنَّ (٧) منه اقتران النية بجميعه، ولا التخيير في أن ينوي عند أي (٨) جزء أراد.
و(٩) قوله: "والأكمل أن يقرنها بأول سنن الوضوء" (١٠) ذكر هو فيما بعد أن أول سنن الوضوء: السواك، ثم التسمية، ثم غسل الكفين، ثم المضمضة (١١).
_________________
(١) الوسيط ١/ ٣٦١. وقبله: فلو أسلمت بعد الغسل، ففي وجوب الإعادة للصلاة وجهان .. والثاني: لا يجب؛ لأنه استقلَّ بأحد المقصودين الخ.
(٢) انظر مثلًا: روضة الطالبين ٢/ ٦٧.
(٣) أي من إخراج الزكاة، انظر: روضة الطالبين الموضع السابق، مغني المحتاج ١/ ٤١٥.
(٤) الخلة بفتح الخاء: الحاجة والفقر. انظر: لسان العرب ٤/ ٢٠١، القاموس المحيط ٣/ ٥٠٧.
(٥) الوسيط ١/ ٣٦١.
(٦) سقط من (ب).
(٧) في (أ): تفهم.
(٨) في (أ): أول.
(٩) سقط من (ب).
(١٠) الوسيط ١/ ٣٦٢.
(١١) الوسيط ١/ ٣٧٧ ما بعدها.
[ ١ / ١٢٧ ]
والظاهر أن السواك يتأخر فيكون عند المضمضة. ولم يَعُدَّ كثير من الأصحاب السواك والتسمية وغسل الكفين من سنن الوضوء وإن كان مندوبًا إليها في ابتدائه؛ لعدم اختصاصها بالوضوء (١)، والله أعلم.
قوله: "لو غلط من حدث إلى حدث" (٢) أي غلط من سبب حدث به إلى سبب آخر. وإنما صحَّ ههنا قطعًا ولم يجر فيه الخلاف المذكور فيما إذا خصَّ بعض أحداثه بالرفع ولم ينف غيره (٣)، وإن سبق منه في "البسيط" (٤): أنه ينبغي أن يجرى إذ لا فرق بينهما، وهذا لأنه ههنا قد نوى رفع جميع الحدث القائم به، وذلك هو المقصود، وإنما غلط في ذكر سببه، وذكر السبب لا يشترط، وما غلط فيه كأنه (٥) لم يذكره. وفي "النهاية" (٦) عن المزني أنه نقل في مسألة الغلط إجماع العلماء على أنه لا يضر. فلو تعمد ذكر (٧) غير سببه لم يرتفع حدثه على الأصح لانتفاء ما ذكرناه (٨)، والله أعلم.
_________________
(١) نقل النووي عن الخراسانيين في التسمية، وغسل الكفين، والسواك وجهين: أحدهما: أنها من سنن الوضوء. والثاني: أنها سنن مستقلة عند الوضوء لا من سننه. المجموع ١/ ٣٤٥، ونفل الماوردي عن الشيخ أبي حامد فيها أنها هيئة وليست بسنة. الحاوي ١/ ١٠٠.
(٢) الوسيط ١/ ٣٦٢. وبعده: فكان محدثًا من البول فقال: نويت رفع حدث النوم، ارتفع حدثه
(٣) قال الغزالي: "فلو عيَّن بعض الأحداث بالرفع ففيه أربعة أوجه ". الوسيط ١/ ٣٦٢.
(٤) ١/ ل ٢٢/ ب.
(٥) في (أ) و(ب): كما.
(٦) ١/ ل ٢٠/ ب، وانظر: مختصر المزني ص: ٩.
(٧) في (أ): ذلك.
(٨) انظر: فتح العزيز ١/ ٣٢٠، روضة الطالبين ١/ ١٥٩، المجموع ١/ ٣٣٥.
[ ١ / ١٢٨ ]
قوله: "لو نوى ما لا يستحب له الوضوء كاستباحة دخول السوق" (١) ذكر الاستباحة ههنا فضلة ينبغي حذفها (٢)، والله أعلم
قوله فيمن استيقن الطهارة وشك في الحدث: "لو تطهر احتياطًا ثم تبين الحدث ففي وجوب الإعادة وجهان" (٣) فيه إشكال من حيث إنه يقال: هذا ينعطف على أصل صورة المسألة بالرفع؛ فإن وجوب الإعادة ينفي وقوع تطهره احتياطًا، ويلزم منه أن لا يشرع تطهره احتياطًا، بل يحدث ويتطهر وجوبًا، ولا سبيل إلى القول بذلك (٤)، وجوابه: أنا على القول بوجوب الإعادة لا نطلق القول (٥) بأنه لا يرتفع بذلك حدثه على تقدير تحقق حدثه، وإنما نقول: لا يرتفع على تقدير أن ينكشف، ويجعل تطهره هذا رافعًا لحدثه على تقدير أن يكون محدثًا في نفس الأمر غير أنه لم ينكشف، وذلك للضرورة؛ لأنه لا سبيل (٦) إلى رفعه - والحالة هذه - إلا بمثل هذه النية، فإذا انكشف زالت الضرورة فوجبت الإعادة بنية جازمة (٧)، وهذا كما إذا نسي صلاة من الخمس (٨) ولا
_________________
(١) الوسيط ١/ ٣٦٣. وقبله: الوجه الثاني - أي من أوجه كيفية النية -: أن ينوي استباحة الصلاة، أو ما لا يستباح إلا بالوضوء كمس المصحف للمحدث، أو المكث في المسجد للجنب فهو كاف، وإن نوى ما لا يستحب الخ.
(٢) انظر: التنقيح ل ٤٠/ أ.
(٣) الوسيط ١/ ٣٦٣. وأصح الوجهين أنه لا يجزيه. انظر: المجموع ١/ ٣٣١.
(٤) انظر: المجموع ١/ ٣٣٢، التنقيح ل ٤٠/ ب.
(٥) سقط من (ب).
(٦) في (ب): ولا سبيل له.
(٧) انظر: التنقيح ل ٤٠/ ب، المطلب العالي ١/ ل ١٧٩/ أ.
(٨) في (أ) و(ب): خمس.
[ ١ / ١٢٩ ]
يعرف عينها فإنا نجعله متفصيًا (١) عن عهدتها بنية لا يجزيء مثلها حالة الانكشاف (٢)، والله أعلم.
قوله فيما إذا نوى فريضة الوضوء: "هو جائز بخلاف ما إذا نوى فرض التيمم؛ لأن الوضوء قربة مقصودة" (٣) هذا غير مقطوع به كما أشعر به (٤) كلامه، بل هو (٥) وجه ضعيف، والصحيح الجواز في التيمم أيضًا (٦)؛ لأنه فرض وإن لم يكن قربة مقصودة والوصف بالفرضية غير محصور فيما هو قربة مقصودة (٧)، والله أعلم.
قوله: "هل يشترط أن يضيف الوضوء إلى الله تعالى؟ فيه وجهان" (٨) هذا غير مختص بهذا، بل هو جارٍ ومذكور في وجوهها الثلاثة: فيما إذا نوى رفع الحدث، أو استباحة الصلاة ونحوها أيضًا (٩)، والله أعلم.
_________________
(١) تفصى بمعنى: خرج وتخلَّص وانفصل. انظر: لسان العرب ١٠/ ٢٧٢، المصباح المنير ص: ١٨١.
(٢) قال النووي: "والتردد في النية مانع من الصحة في غير ضرورة، وقولنا: في غير ضرورة: احتراز ممن نسي صلاة من الخمس فإنه يصلي الخمس وهو متردد في النية، ولكن يعفى عن تردده؛ فإنه مضطر إلى ذلك". أهـ المجموع ١/ ٣٣١.
(٣) الوسيط ١/ ٣٦٤.
(٤) سقط من (أ).
(٥) سقط من (ب).
(٦) انظر: التنقيح ل ٤١/ أ، المطلب العالي ١/ ل ١٨٠/ أ، وراجع المسألة في: فتح العزيز ٢/ ٣٢٥، المجموع ٢/ ٢٢٥.
(٧) قوله: "والوصف مقصودة" سقط من (ب). وهو مقدم في (أ) بعد كلام الغزالي مباشرة، مع إبدال كلمة مقصودة الأخيرة بـ محصورة.
(٨) الوسيط ١/ ٣٦٤. وأصح الوجهين: أنه لا يشترط. انظر: التنقيح ل ٤١/ أ.
(٩) انظر: المطلب العالي ١/ ل ١٨٠/ ب.
[ ١ / ١٣٠ ]
قوله: "لو نوى بغسله (١) الجمعة والجنابة حصلا على الأصح كمن يصلي (الصبح) (٢) لتحية المسجد" (٣) يعني الفرض والتحية معًا، وفي بعض النسخ: كمن يصلي ركعتي الصبح، والكل سواء في ذلك، ووجه جواز ذلك: أن تحية المسجد عبارة عن صلاة يصليها أول دخول (٤) المسجد مُحييًا له بها، كما يحيَّ بتحية السلام في أول اللقاء. وهذا حاصل إذا بدأ فصلى الفرض أو سنته، فهو كما لو نوى بوضوئه رفع الحدث والتبرد (٥). ولا بد من إجراء الخلاف في مسألة التحية أيضًا (٦) ويكون تشبيهه بمسألة التحية تمثيلًا للمسألة بالمسألة "لا" (٧) قياسًا للحكم على الحكم (٨) كما بيناه في أول الباب (٩). وقال في الدرس في مسألة التبرد: "كأن الفقهاء لم يعتنوا بملاحظة جانب الإخلاص، فعن ذلك صححوا
_________________
(١) أي الجنب يوم الجمعة.
(٢) زيادة من (أ) و(ب).
(٣) الوسيط ١/ ٣٦٤.
(٤) في (أ) و(ب): دخوله.
(٥) انظر: الحاوي ١/ ٩٦، فتح العزيز ١/ ٣٢٧، روضة الطالبين ١/ ١٥٩.
(٦) قال النووي: "وأما قول الشيخ أبي عمرو: ولا بد من جريان خلاف مسألة التبرد فيه، فغير منقول ولا مقبول، والفرق أن في التبرد أشرك بين قربة وعبادة وهذا علة الفساد على الوجه الضعيف، وأما في مسألة التحية فإنها عبادة تحصل ضمنًا فيكون نيتها توكيدًا". أهـ التنقيح ل ٤١/ أ.
(٧) زيادة من (أ) و(ب).
(٨) على الحكم: سقط من (أ).
(٩) في تعليل وجه عدم وجوب إعادة الغسل في حق الذمية تحت المسلم اغتسلت لحق زوجها ثم أسلمت انظر: ١/ ١٢٧.
[ ١ / ١٣١ ]
وجه الصحة". قلت: لا ينبغي أن يُظَنَّ بهم ذلك مع اعترافهم يكون ذلك عبادة، فإن نصوص الكتاب والسنة تمنعهم من المصير إلى ذلك، وإنما جوَّزوا هذا فيما هو حاصل قصده أو لم يقصده، فلم يجعلوا قصده (١) إشراكًا وتركًا للإخلاص، بل قصدًا للعبادة على صفتها الواقعة كمثل حكاية الحال، والله أعلم.
قوله: "لو أغفل لُمعة" (٢) هي بضم اللام وإسكان الميم، وهي عبارة عن مقدار قليل لم ينغسل وما حواليه مغسول، أصله من قولهم: لمعة من سواد، أو بياض، أو حمرة في الثوب أو غيره (٣)، والله أعلم.
صورة تفريق النية على أعضاء الوضوء عنده (٤)، وعند شيخه (٥)، وما هو المعروف: أن ينوي عند غسل الوجه رفع حدث فحسب، و(٦) هكذا عند كل عضو. ووجدت فيما عُلَّق عن الشيخ أبي حامد أحمد بن محمَّد صاحب الكتاب (٧)، ومن معاصري شيخه أن صورته: أن ينوي رفع الحدث عن جميع
_________________
(١) قوله: "فلم يجعلوا قصده" سقط من (أ).
(٢) الوسيط ١/ ٣٦٥. وبعدها: في الغسلة الأولى فانغسلت في الثانية وهو على قصد التنفل، هل يرتفع الحدث؟ فيه وجهان.
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ٢٧٢، القاموس المحيط ٣/ ١٠٨، المصباح المنير ص: ٢١٣، وقد تقدم الكلام على تعريف اللمعة في ص: ١٧٨.
(٤) قال الغزالي: "في جواز تفريق النية على أعضاء الطهارة وجهان: أظهرهما: المنع " الوسيط ١/ ٣٦٥، لكن الأصح عند معظم الأصحاب أنه يصح؛ لأنه يجوز تفريق أفعاله. انظر: فتح العزيز ١/ ٣٣٥، المجموع ١/ ٣٢٩.
(٥) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ٢٥/ ب.
(٦) سقط من (أ).
(٧) أحد شيوخ الغزالي في الفقه، فقد تفقه عليه قبل رحلته إلى إمام الحرمين.
[ ١ / ١٣٢ ]
الأعضاء، ثم يعود إلى (١) مثل ذلك في كل عضو (٢). وهذا حيد عن صورة المسألة إلى فرع لها، فإن النية الثانية فيما ذكره تتضمن قطع النية الأولى، وإذا قطع النية في أثناء الطهارة انبنى على الوجهين في الصورة المعروفة إن قلنا: يصح الوضوء بنيات في كل عضو نية مفردة صحَّ الوضوء فيما (٣) ذكره وإلا فلا، والله أعلم.
ما حكاه "عن" (٤) الخضري في المستحاضة من أنه يجب الجمع بين نية الاستباحة للحديث القائم واللاحق وبين نية رفع الحدث (٥) السابق (٦)، وحكاه شيخه عن القفال (٧)، مشكل مع ما عرف من القطع بأن نية الاستباحة كافية في رفع الحدث في حق غير المستحاضة (٨)، ومن أجل ذلك عدَّه صاحب "النهاية" (٩) غلطًا، وحكاه صاحب "التتمة" في الاستحباب دون الوجوب وقال: "لا خلاف أنه لا يجب الجمع بينهما" (١٠). وقد حُكي وجه غريب: أن نية الاستباحة لا
_________________
(١) في (ب): في.
(٢) نقله ابن الرفعة عن ابن الصلاح في المطلب العالي ١/ ل ١٨٦/ ب.
(٣) في (ب): "فيما الوضوء" وهي مقحمة.
(٤) زيادة من (أ) و(ب).
(٥) في (د): الحادث، والمثبت من (أ) و(ب).
(٦) انظر: الوسيط ١/ ٣٦٥.
(٧) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ٢٢/ أ.
(٨) انظر: الوسيط ١/ ٣٦٣.
(٩) في الموضع السابق.
(١٠) انظر النقل عنه في: المجموع ١/ ٣٢٢.
[ ١ / ١٣٣ ]
تجزي أصلًا في رفع الحدث (١)؛ لأن نية الاستباحة توجد (٢) من غير رفع الحدث كما في التيمم، ولكن لم يحكه هؤلاء مع حكايتهم هذا الوجه في المستحاضة، ولعل وجهه: أن نية الاستباحة في المستحاضة صادفت محلًا آخر تنصرف إليه وهو: الاستباحة من الحدث القائم، بخلاف غيرها، فلا بد لذلك من الإفصاح برفع الحدث السابق، والله أعلم.
"الجبهة" (٣): موضع السجود (٤)، وليست هي الجبين كما تظنه العامة، بل للإنسان جبينان إلى جانبي الجبهة يمينًا وشمالًا من الجانبين إلى قصاص الشعر (٥). "والذقن" بالذال المعجمة والقاف المفتوحتين: ملتقى اللحيين (٦). و"النزعتان": واحدتهما نزعة بفتح الزاء وهما محيطان بالناصية في جانبي الجبين، ينحسر شعر الرأس عنهما (٧)، وهما من الرأس؛ لكن استحب الشافعي غسلهما مع الوجه (٨). فقيل: إن من العلماء من (٩) جعلهما من الوجه فاستحب الخروج من الخلاف (١٠)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: في: فتح العزيز ١/ ٣٢١، روضة الطالبين ١/ ١٥٩.
(٢) سقط من (ب).
(٣) قال الغزالي: "إن حدَّ الوجه من مبتدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى ما يقبل من الذقن في الطول، ومن الأذن إلى الأذن في العرض. فلا يدخل في الحد: النزعتان إلى طرفي الجبين، ولا موضع الصلع من الرأس " الوسيط ١/ ٣٦٦.
(٤) انظر: لسان العرب ٢/ ١٧٢، القاموس المحيط ٤/ ٢٩٤، المصباح المنير ص: ٣٥.
(٥) انظر: لسان العرب الموضع السابق، القاموس المحيط ٤/ ١٩٣.
(٦) انظر: الصحاح ٥/ ٢١١٩، لسان العرب ٥/ ٤٠٧. واللحيان بفتح اللام وأحدهما لحي وهما عظما الفكين. انظر: المصباح المنير ص: ٢١٠، المجموع ١/ ٣٧٣.
(٧) انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٢/ ١٦٤، لسان العرب ١٤/ ١٠٨، القاموس المحيط ٣/ ١١٥.
(٨) انظر: الأم ١/ ٧٧.
(٩) في (ب): أن من.
(١٠) انظر: التنقيح ل ٤٢/ أ.
[ ١ / ١٣٤ ]
ربما توهم بعضهم أن (١) "المرفق" (٢) هو طرف الذراع المحدد الذي من عنده يذرع الذارع، وذلك خطأ، وإنما المرفق عبارة عن مجتمع العظمين المتداخلين، وهما طرف عظم الذراع وطرف عظم العضد، وذلك هو الموضع الذي يتكي عليه المرتفق المتكي (٣) إذا ألقم راحته رأسه متكئًا على ذراعه (٤) فاعلم ذلك، والله أعلم.
قوله: "وإن قطع من فوق المرفق استحب له (٥) إمساس الماء ما بقي من عضده؛ فإن تطويل الغرة (٦) مستحب" (٧) هذا غير مرضي؛ فإنه يوهم وجود تطويل الغرة في اليد، ومن المعلوم الشائع اختصاص الغرة بالوجه (٨)، وإن ما في اليدين والرجلين من ذلك هو التحجيل (٩)، ولعل هذا وقع له مما روي عنه - ﷺ -: (تأتي أمتي (١٠) يوم القيامة غرًَّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل) (١١). ولم يقل فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل،
_________________
(١) سقط من (أ).
(٢) قال الغزالي: "الفرض الثالث: غسل اليدين مع المرفقين". الوسيط ١/ ٣٦٨.
(٣) في (أ): والمتكي.
(٤) انظر: تهذيب اللغة ٩/ ١١٢، القاموس المحيط ٣/ ٣٢٠.
(٥) سقط من (أ) و(ب) وكذا المتن.
(٦) أصل الغرة بياض في جبهة الفرس فوق قدر الدرهم. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٣٥٤، تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٢/ ٥٨.
(٧) الوسيط ١/ ٣٦٨.
(٨) انظر: الفائق للزمخشري ٣/ ٦٢، المجموع ١/ ٤٢٨.
(٩) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٣٤٦، لسان العرب ٣/ ٦٥.
(١٠) سقط من (ب).
(١١) رواه البخاري في صحيحه - مع الفتح - كتاب الوضوء، باب فضل الوضوء ١/ ٢٨٣ رقم (١٣٦)، ومسلم في صحيحه - مع النووي - كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء ٣/ ١٣٥.
[ ١ / ١٣٥ ]
فتوهم أن الغرة شاملة لموضع التحجيل، وليس الأمر على ذلك، فإن ذلك من الإيجاز الذي يكتفى فيه بذكر أحد النظيرين كما في قوله ﵎ ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (١) ولم يذكر البرد (٢). على أنه قد ورد في بعض رواياته (فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله) (٣) فإن كان مراد المصنف: فإنَّ تطويل التحجيل مستحب، ونبَّه بذكر نظيره من الغرة عليه، فلا محذور فيه سوى ما فيه من الإيهام (٤)، والله أعلم.
قوله: "وإن قطع من المفصل" (٥) فالمفصل هو بفتح الميم، وكسر الصاد، ومن قاله بكسر الميم، وفتح الصاد فقد أحال المعنى؛ فإنه هكذا عبارة عن اللسان (٦).
قوله: "فيه قولان: أحدهما: لا يجب غسل عظم العضد؛ لأن المرفق عبارة عن عظم الساعد وقد زال، ولأن غسل العضد كان تابعًا وقد سقط المتبوع" (٧) تحقيق الفرق بين هاتين العلتين: أنه على العلة الأولى ليس (٨) المرفق عبارة عن
_________________
(١) سورة النحل الآية (٨١).
(٢) انظر: تفسير القرطبي ١٠/ ١٠٦، المجموع ١/ ٤٢٩، فتح الباري ١/ ٢٨٥.
(٣) رواها مسلم في صحيحه الموضع السابق.
(٤) والصحيح في مسألة تطويل الغرة والتحجيل هو عدم مجاوزة ما حدَّه الشارع - ﷺ -، قال ابن القيم: "والله ﷾ قد حدَّ المرفقين والكعبين فلا ينبغي تعديهما، ولأن رسول الله - ﷺ - لم ينقل من نقل عنه وضوءه أنه تعداهما الخ" إغاثة اللهفان ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨، وراجع: تيسير العلام للبسام ١/ ٤٦ - ٤٨.
(٥) الوسيط ١/ ٣٦٨. وبعده: فقولان الخ.
(٦) انظر: القاموس المحيط ٣/ ٥٩٠، المصباح المنير ص: ١٨١. والمراد بالمفصل بفتح الميم ههنا: مفصل الساعد من العضد. انظر: المطلب العالي ١/ ل ٢٠٢/ ب.
(٧) الوسيط ١/ ٣٧٠.
(٨) فى (ب): أنه ليس.
[ ١ / ١٣٦ ]
مجتمع الطرفين، وإنما هو عبارة عن طرف عظم الساعد فحسب، وإنما وجب غسل الطرف الآخر في حالة السلامة لتداخلهما. وأما على التعليل الثاني فيُسَلَّم أن المرفق عبارة عن مجتمع الطرفين، ولكن ليسا أصلًا في الغسل، بل طرف عظم العضد منهما إنما يغسل تابعًا لا أصلًا (١).
قوله: "ومنهم من قطع بالوجوب وغلَّط المزني في (٢) النقل أو تكلف تأويله" (٣) وجه تأويله أنه قال: "فإن كان أقطعهما من المرفقين فلا فرض عليه"، فيحمل على أنه أراد أقطعهما من فوق المرفق (٤) كما نقله الربيع؛ لأن (٥) ما بعد "من" قد يدخل في المذكور قبلها (٦)، والله أعلم.
قال: "وإن كشطت (٧) جلدة من الساعد" (٨) وذكر الحكم فيه، ثم قال: "وإن تدلت من العضد فلا يجب غسلها" (٩) فهذا ليس عائدًا إلى جلدة الساعد المذكورة، وإنما معناه: وإن تدلت من العضد جلدة تقلعت من العضد (١٠).
_________________
(١) انظر: الإبانة ل ٩/ ب، المطلب العالي ١/ ل ٢٠٣/ أ.
(٢) سقط من (ب).
(٣) الوسيط ١/ ٣٧٠. وقبله: كان قطع من المفصل فقولان: أحدهما: لا يجب غسل عظم العضد وهذا القول نقله المزني. والثاني: نقله الربيع، وهو أنه يجب ومن الأصحاب من قطع بالوجوب الخ.
(٤) قوله: "فلا فرض المرفق" سقط من (أ). غير أن في (ب): (المرفقين)، بدل (المرفق).
(٥) في (ب): فإن.
(٦) انظر: المطلب العالي ١/ ل ٢٠٣/ ب. وقد أُوَّل كذلك بأن مراد المزني بقوله "من المرفقين" أي من فوق المرفقين، فحذف ذلك اختصارًا، واكتفى بفهم السامع، أو أن "من" بمعنى مع. انظر كذلك: الإبانة ل ٩/ ب، التنقيح ل ٤٣/ أ.
(٧) كشطت بمعنى: قلعت ونزعت ونحيت. انظر: لسان العرب ١٢/ ١٠١، المصباح المنير ص ٢٠٤.
(٨) الوسيط ١/ ٣٧٠. وبعده: وتدلت وجب استيعابها بالغسل.
(٩) الوسيط ١/ ٣٧١.
(١٠) انظر: المطلب العالي ١/ ل ٢٠٥/ ب.
[ ١ / ١٣٧ ]
ثم إن (١) قوله: "ويحتمل على رأي العراقيين أن يجب غسل ما يحاذي الساعد وإن لم يلتصق" (٢) تخريج من عنده، خرَّجه في هذا الكتاب لا وجود له في "البسيط". و"النهاية". ولا يصح على أصل العراقيين؛ فإن المحاذاة بمجردها غير معتبرة عندهم أيضًا (٣) ولكن خالف أكثرهم في مصيرهم إلى أن الاعتبار في الجلدة المنقطعة بالمحل الذي انتهت إليه، وتدلت منه، من غير نظر إلى أصلها (٤)، والجلدة التي فيها الكلام محلها الذي تدلت منه هو من العضد، وقد صرَّح شيخهم الشيخ أبو حامد الأسفراييني (٥) في الجلدة المنقلعة (٦) من الساعد إذا بلغ (٧) تقلعها (٨) إلى العضد وتدلت، بأنه لا يلزمه غسلها ولا غسل ما يحاذي منها محل الفرض، بخلاف ما يحاذيه من اليد الزائدة النابتة في العضد، حيث يجب غسل المحاذي منها على ما نصَّ عليه الشافعي - ﵀ - في "الأم" (٩)، فإذا
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) الوسيط الموضع السابق. وقبله وقال العراقيون: لا يجب غسل ما في حد العضد؛ لأنه صار في حد العضد. وإن تدلت من العضد فلا يجب غسلها، وإن التصق بالساعد وجب غسل ظاهر ما التصق بدلًا عما استتر من الساعد، ولا يجب غسل باقيه نظرًا إلى أصله، ويحتمل .. الخ.
(٣) انظر: المطلب العالي ١/ ل ٢٠٦/ ب.
(٤) انظر: المجموع ١/ ٣٩٠.
(٥) انظر النقل عنه في: المجموع الموضع السابق.
(٦) في (أ): المنقطعة.
(٧) في (ب): بلغت.
(٨) في (أ): مبلغها.
(٩) لم أجده في الأم بعد البحث الشديد في مظانه منه، وقال ابن الرفعة بعد أن نقل قول الغزالي من أنه نص الشافعي في الأم: "ما عزاه إلى نصه في الأم لم أر له فيما ههنا ذكرًا مع الإتقان في طلبه، والجمهور نسبوه إلى اختيار أبي حامد وأتباعه " المطلب العالي ١/ ل ٢٠٧/ أ.
[ ١ / ١٣٨ ]
قطع بهذا في الجلدة المتقلعة من الساعد، فما الظن بالمتقلعة من العضد. والفرق بين اليد والجلدة المذكورتين: أنه اجتمع في اليد اسم اليد والحصول في محل اليد المعهودة (١)، بخلاف الجلدة. وقول صاحب الكتاب في اليد: "هذا احتمال" (٢) قاله شيخه (٣)، وذكر أنه لم ير فيه مخالفًا من الأصحاب للنص. قلت: فيه خلاف من بعض الأصحاب مذكور في "الحاوي" (٤)، و"الشامل"، و"التتمة" (٥)، والله أعلم.
قوله في قدر مسح الرأس: "ما ينطلق عليه الاسم، ولو على بعض شعرة" (٦) وكذا قول شيخه (٧): "قال الأئمة: لو مسح بعضًا من شعرة كفى لتحقق الاسم". فيه إشكال لم أرهم تعرضوا له وهو: أن الشعرة الواحدة المذكورة إن كانت حالة المسح عليها قارة على الرأس على العادة ففي المسح عليها مسح على ما (٨) حواليها، فلا يكون مقتصرًا على مسح شعرة، كان اجتذبها من بين شعر الرأس
_________________
(١) في (أ): المعهود.
(٢) الوسيط ١/ ٣٧١. وقبله: لو نبتت يد زائدة من الساعد وجب غسلها فإن دخل رأسها في حد الساعد نص الشافعي - ﵁ - في الأم على أنه يغسل منها ما يحاذي الساعد؛ لحصول اسم اليد، ومحاذاة محل الفرض، وهذا فيه احتمال.
(٣) في نهاية المطلب ١/ ل ٣١/ أ.
(٤) ١/ ١١٤
(٥) انظر النقل عنهما في: المجموع ١/ ٣٨٨، وممن نقل خلاف بعض الأصحاب فيها كذلك: الشاشي والروياني. انظر: حلية العلماء ١/ ١٤٦، فتح العزيز ١/ ٣٥٢، التنقيح ل ٤٤/ أ.
(٦) الوسيط ١/ ٣٧٢.
(٧) انظر نهاية المطلب ١/ ل ٣١/ ب.
(٨) في (أ): ما على، بالتقديم والتأخير.
[ ١ / ١٣٩ ]
ومسح عليها قائمة فلا يسمى بذلك ماسحًا للرأس. فليفرض إذًا ذلك فيما إذا كان شعر رأسه مطليًا بشيء وبعض شعره بارز فأمرَّ يده عليها مع ما حولها؛ فإنه يسمى ماسحًا للرأس، ولم يقع المسح في الحقيقة إلا على بعض شعره (١)، والله أعلم.
قطع هو (٢)، وشيخه (٣) بأن غسل الرأس يجزئ، وإن كان لا يسمى مسحًا، ولو وضع يده المبلولة على رأسه ولم يُمِرَّها فعلى وجه اختاره القفال: لا يجزئ؛ لأنّه لا يسمى مسحًا. والفرق: أن الغسل أجزأ لا لكونه مشتملًا على المسح، بل لكونه فوق المسح، فالتنصيص على المسح تنبيه على الغسل من طريق الأولى (٤). وأما مجرد البلل فليس بالمسح المنصوص (٥)، ولا ما هو أولى منه، وهذا فرق ظاهر، وعلى هذا يمنع كراهية الغسل، وقد حكى بعضهم في الغسل وجهًا: أنه لا يجزئ (٦)، والأكثرون ممن جوزوه كرهوه لكونه سرفًا (٧)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر هذا التأويل في: التنقيح ل ٤٤ ب، المطلب العالي ١/ ل ٢١٢/ أ. ومسح بعض الرأس قول مرجوح وإنما الواجب مسح جميع الرأس، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا القول - أي وجوب مسح جميع الرأس - هو الصحيح؛ فإن القرآن ليس فيه ما يدل على جواز مسح بعض الرأس إلى أن قال: ومن ظن أن من قال بإجزاء البعض لأن الباء للتبعيض أو دالة على القدر المشترك فهو خطأ أخطأه على الأئمة وعلى اللغة وعلى دلالة القرآن، والباء للإلصاق" مجموع الفتاوى ٢١/ ١٢٣.
(٢) انظر: الوسيط ١/ ٣٧٢.
(٣) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ٣١/ ب.
(٤) انظر: نهاية المطلب الموضع السابق.
(٥) في (ب): بمسح منصوص.
(٦) انظر: التعليقة للقاضي حسين ١/ ٢٧٤، التهذيب ص: ١٤٥.
(٧) في (ب): لأنه سرف. وانظر نهاية المطلب ١/ ل ٣٢/ أ، البسيط ١/ ل ٢٦/ أ، المجموع ١/ ٤١٠.
[ ١ / ١٤٠ ]
قوله: "الأظهر (١) الجواز لحصول الإبلال" (٢) كان ينبغي أن يقول: لحصول البلل؛ لأن الإبلال عبارة عن: الشفاء، من قولهم: أبلَّ من مرضه إذا شفي (٣)، والله أعلم.
قوله في المحدث المنغمس في الماء: "إن الماء يلاقي أعضاءه في لحظات متعاقبة" (٤) ليس المراد به التعاقب حسًا، بل التعاقب حكمًا، أي يعتبر ملاقاة الوجه أولًا، ولا يعتد بملاقاة الرأس، ثم يعتد بملاقاة اليدين، وهكذا هكذا لي لحظات معقولة غير محسوسة (٥)، والله أعلم.
قوله: "ولو حلق الشعر (٦) الذي مسح عليه، لم تلزمه الإعادة خلافًا لابن خيران" (٧) كذا قال بالخاء المعجمة في أوله، والنون في آخره، كذا وجدته فيما علِّق عنه في الدرس، ووجدته بخطه في أصله بالوسيط، وكذا قاله (٨) شيخه (٩) وذكر أن العراقيين نقلوه عن ابن خيران. وهذا تصحيف بلا إشكال (١٠)، وإنما هو عن ابن جرير بالجيم والراء المكررة (١١). وهو محمَّد بن جرير
_________________
(١) في (أ): "إلا في المحدث الأظهر"، وهي عبارة لا وجه لها هنا، والله أعلم.
(٢) الوسيط ١/ ٣٧٣. وهو الوجه الثاني في المسألة السابقة: لو وضع يده مبلولة على رأسه ولم يمرَّها.
(٣) انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١/ ٣١، لسان العرب ١/ ٤٦٠، المصباح المنير ص: ٢٤.
(٤) الوسيط ١/ ٣٧٥.
(٥) انظر تصوير المسألة في: الإبانة ل ١٠/ ب، فتح العزيز ١/ ٣٦١، المجموع ١/ ٤٤٨.
(٦) في (ب): شعره.
(٧) الوسيط ١/ ٣٧٣.
(٨) في (ب): قال.
(٩) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ٣٢/ أ.
(١٠) انظر: التنقيح ل ٤٤/ ب.
(١١) هكذا ذكره الإمام الغزالي في البسيط ١/ ل ٢٦/ أعلى الصواب.
[ ١ / ١٤١ ]
الطبري (١) صاحب اختيار ومذهب منفرد (٢)، والله أعلم.
ما اختاره فيما إذا خرج منه بلل، ولم يدر أنه مني أو مذي من أنه يتخير (٣)، تحقيقه: أن ذمته قد اشتغلت بموجب أحدهما يقينًا، فلم يمكنا (٤) العمل بأصل البراءة فيهما معًا لذلك، على نحو ما تقرر في الإناءين (٥). فإذا أتى بموجب أحدهما اتجه حينئذٍ الحكم ببراءة ذمته منهما؛ أما من الذي أتى به فقطعًا، وأما من الآخر فظاهرًا عملًا بأن الأصل عدمه (٦). واتجه العمل بالأصل الآن (٧) لكونه عملًا (٨) بالأصل في أحدهما خاصة فلا يعارضه يقين الشغل؛ لأنه لم تشتغل ذمته بهذا الواحد المعين يقينًا، وإنما اشتغلت بأحدهما على الجملة، وليس كما إذا نسي صلاة من صلاتين مفروضتين حيث أوجبنا عليه الإتيان بهما معًا؛ لأن ذمته كانت قد اشتغلت بهما معًا فالأصل في كل واحدة (٩) منهما بقاء اشتغال
_________________
(١) الإِمام المجتهد محمَّد بن جرير بن يزيد بن كثير أبو جعفر الطبري، صاحب التصانيف البديعة الكثيرة منها: التفسير، التاريخ، لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام - وهو عبارة عن مذهبه الذي اختاره وجوَّده واحتج له -، اختلاف علماء الأمصار، وكتاب التبصر، وغيرها، توفي سنة ٣١٠ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٤/ ١٩١، تهذيب الأسماء ١/ ٧٨، السير ١٤/ ٢٦٧، طبقات السبكي ٣/ ١٢٠، البداية والنهاية ١١/ ١٥٦.
(٢) سقط من (ب).
(٣) انظر الوسيط ١/ ٣٧٦.
(٤) في (ب): يمكننا.
(٥) فيما إذا تيقنا النجاسة في أحدهما لا بعينه
(٦) انظر: فتح العزيز ١/ ٣٦٣.
(٧) تقدم كلام المؤلف على مسألة: تعارض الأصل والظاهر ١/ ١٠٣.
(٨) في (ب): عمِل.
(٩) في (د): واحد، والمثبت من (أ) و(ب).
[ ١ / ١٤٢ ]
ذمته بها. وبان بهذا أن ما اختاره صاحب "المهذب" (١) من وجوب الجمع بين حكميهما، ليس بصحيح وإن كنا نظنه الصحيح، والله أعلم.
استدل على أن السواك من سنن الوضوء بقوله - ﷺ - "السواك مطهرة للفمِّ، مرضاة للربِّ" (٢) وهو حديث ثابت روته عائشة - ﵂ - أخرجه ابن خزيمة (٣) في "صحيحه" (٤)، والنسائي (٥)، وغيرهما (٦). قوله (٧) "مطهرة" يجوز بفتح الميم وكسرها (٨). ولكنه لا يدل على كونه من سنن الوضوء، وإنما يدل على أصل (٩) كونه سنة. والدليل على كونه من سنن الوضوء حديث أبي هريرة - ﵁ -
_________________
(١) انظر: المهذب ١/ ٣٠.
(٢) انظر: الوسيط ١/ ٣٧٧.
(٣) هو الحافظ الفقيه إمام الأئمة محمَّد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة السلمي النيسابوري أبو بكر الشافعي، صاحب التصانيف، حدَّث عنه البخاري ومسلم في غير صحيحيهما، من تصانيفه: الصحيح، وكتاب التوحيد، توفي سنة ٣١١ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٧/ ١٩٦، تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٢٠، طبقات السبكي ٣/ ١٠٩، شذرات الذهب ٢/ ٢٦٢، وغيرها.
(٤) في كتاب الوضوء، باب فضل السواك وتطهير الفم به ١/ ٧٠ برقم (١٣٥).
(٥) في سننه كتاب الطهارة، باب الترغيب في السواك ١/ ١٧ رقم (٥).
(٦) وممن أخرجه كذلك: ابن أي شيبة في المصنَّف ١/ ١٦٩، وأحمد في المسند ٦/ ٤٧، الدارمي في سننه ١/ ١٤٠، وابن حبَّان في صحيحه - انظر الإحسان ٣/ ٣٤٨ رقم ١٠٦٧ - وأبو نعيم في حلية الأولياء ٧/ ١٥٩، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الطهارة ١/ ٥٤ رقم (١٣٦)، والبغوي في شرح السنَّة ١/ ٢٩٤ رقم (١٩٩) وقال: "هذا حديث حسن"، وقد ذكره البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم، في كتاب الصوم، باب سواك الرطب واليابس للصائم ٤/ ١٨٧، وقال النووي: صحيح. المجموع ١/ ٢٦٧.
(٧) في (أ) و(ب): وقوله.
(٨) انظر: لسان العرب ٨/ ٢١١ وقال: الفتح أعلى، المجموع ١/ ٢٦٨.
(٩) سقط من (أ) و(ب).
[ ١ / ١٤٣ ]
- ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء) أخرجه ابن خزيمة، والحاكم أبو عبد الله في "صحيحيهما" (١)، ورويناه في كتاب "السنن الكبير" (٢) بأسانيد حسنة من حديث مالك (٣)، وحماد بن زيد (٤)، وغيرهما (٥).
قوله: "كل خشن يزيل القَلَح" (٦) تمامه: ولا يجرح اللثة (٧). والقلح هو: بفتح القاف واللام، وهو صفرة ووسخ في الأسنان (٨)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: صحيح ابن خزيمة كتاب الوضوء ١/ ٧٣ رقم (١٤٠)، والمستدرك ١/ ١٤٦ وقال: "صحيح على شرطهما". ووافقه الذهبي. وممن رواه كذلك: الإمام أحمد في المسند ٢/ ٤٦٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٣، وصحَّحه الألباني في إرواء الغليل ١/ ١٠٩ رقم (٧٠).
(٢) انظر: كتاب الطهارة ١/ ٥٨ رقم (١٤٧، ١٤٨).
(٣) هو ابن أنس إمام دار الهجرة، وحديثه رقم (١٤٧) في الموضع السابق من السنن الكبرى، وهو في موطئه، انظر:- مع الزرقاني - ١/ ١٩٣ رقم (١٤٢).
(٤) حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري، الحافظ، الثقة، الثبت، الفقيه، روى حديثه الجماعة، توفي سنة ١٧٩ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء ١/ ١٦٧، تذكرة الحفاظ ١/ ٢٢٨، تقريب التهذيب ص: ١٧٨. وحديثه رقم (١٤٨) في الموضع السابق من السنن الكبرى.
(٥) كحماد بن مسعدة التميمي، وهو ثقة، روى حديثه الجماعة، توفي سنة ٢٠٢ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٣/ ١٤٨، الثقات لابن حبَّان ٦/ ٢٢٢، تقريب التهذيب ص: ١٧٨. وحديثه رقم (١٤٩) من الموضع السابق من السنن الكبرى، ومحمد بن إسحاق إمام المغازي - ستأتي ترجمته قريبًا - وحديثه برقم (١٥٠) من السنن الكبرى.
(٦) الوسيط ١/ ٣٧٧. وقبله: ثم آلته: قضبان الأشجار، وكل خشن الخ.
(٧) انظر: المهذب ١/ ١٤، فتح العزيز ١/ ٣٧٠. واللثة: ما حول الأسنان من اللحم. انظر: المصباح المنير ص: ٢٠٩.
(٨) انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٢/ ١٠٠، القاموس المحيط ١/ ٣٣٤.
[ ١ / ١٤٤ ]
قوله: "ولا يكفي السواك بالإصبع؛ لعدم الاسم" (١) تقريره: أنه جزء منه، ولا يسمى سواكًا ما هو جزء منه، وبهذا خالف الأشنان (٢)، والخرقة الخشنة (٣)، ونحوهما مما ليس (٤) جزءًا منه، ولا يسمى سواكًا، ولكنه في الحقيقة مساو لما يسمى سواكًا. واختار القاضي الروياني (٥)، وصاحب "التهذيب" (٦) جوازه بالإصبع الخشنة، وهو خلاف المشهور في الطريقتين، والله أعلم.
قوله: "ووقته عند الصلاة كان لم يتوضأ؛ لقوله - ﷺ -: (صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك) " (٧) هذا يروى من حديث عائشة - ﵂ - وهو غير قوي، ولذلك لم يخرج في كتب الحديث الأصول، وقد رويناه في كتاب "السنن الكبير" للبيهقي (٨) من حديث أحمد ابن حنبل وغيره (٩)، بأسانيد لا تقوى (١٠)، وأخرجه الحاكم (١١)
_________________
(١) الوسيط ١/ ٣٧٧.
(٢) قال ابن منظور: "الأُشنان والإشنان من الحمض: معروف الذي يغسل به الأيدي" لسان العرب ١/ ١٥١.
(٣) في (أ): والخشنة.
(٤) في (ب): مما لا ليس، وهي مقحمة.
(٥) النقل عنه في: المجموع ١/ ٢٨٢، المطلب العالي ١/ ل ٢٣٥/ ب.
(٦) انظر: التهذيب ص: ١١٥. وممن قطع به القاضي حسين في التعليقة ١/ ٢٤٥.
(٧) الوسيط ١/ ٣٧٧.
(٨) في كتاب الطهارة ١/ ٦١ رقم (١٥٩).
(٩) رواه البيهقي كذلك من حديث الواقدي، وفرح بن فضالة انظر: السنن الكبرى ١/ ٦٢.
(١٠) قال النووي: "ضعيف، رواه البيهقي من طرق وضعفها كلها، وكذا ضعفه غيره". أهـ المجموع ١/ ٢٦٨، وانظر: السنن الكبرى ١/ ٦٢، تذكرة الاخيار ل ١٢/ أ - ل ١٣/ ب.
(١١) في (أ): الحاكم أبو عبد الله.
[ ١ / ١٤٥ ]
في "صحيحه" (١) وادَّعى أنه صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه، ولا (٢) يسلم له ذلك؛ فإن الاعتماد فيه على رواية محمَّد ابن إسحاق بن يسار (٣) وهو مدلَّس ولم يذكر فيه سماعه. ويغني عنه حديث أبي هريرة - ﵁ - عنه - ﷺ - (لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) رواه مسلم (٤)، وغيره (٥)، والله أعلم.
قوله: "عند تغير النكهة" (٦) بفتح النون وإسكان الكاف أي رائحة الفم (٧).
قوله: "أو طول الأزم" (٨) هو بهمزة مفتوحة وزاي ساكنة، وهو ترك الأكل، والشرب، وترك الكلام أيضًا، وأصل الأزم في اللغة: الإمساك (٩)، والله أعلم.
_________________
(١) في كتاب الطهارة ١/ ١٤٦.
(٢) في (أ) و(ب): ولم.
(٣) إمام المغازي محمَّد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق، صاحب السيرة النبوية، قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق يدلس، ورمي بالتشيع والقدر" مات سنة ١٥٠ هـ وقيل بعدها، روى حديثه البخاري تعليقًا ومسلم والأربعة. انظر ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري ١/ ٤٠، الضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٣، الجرح والتعديل ٧/ ١٩١، الثقات لابن حبَّان ٧/ ٣٨٠، ميزان الاعتدال للذهبي ٣/ ٤٦٨، تقريب التهذيب ص: ٤٦٧.
(٤) في صحيحه، كتاب الطهارة، باب السواك ٣/ ١٤٢ - ١٤٣.
(٥) رواه البخاري في صحيحه - مع الفتح - كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة ٢/ ٤٣٥ رقم (٨٨٧) بلفظ ( مع كل صلاة)، وأبو داود في سننه، كتاب الطهارة ١/ ٤٠ رقم (٤٧) من حديث زيد بن خالد الجهني، والترمذي في جامعه كتاب الطهارة ١/ ٣٤ رقم (٢٢)، والنسائي في سننه كتاب الطهارة ١/ ١٨ رقم (٧)، وابن ماجه في سننه كتاب الطهارة ١/ ١٠٥ رقم (٢٨٧).
(٦) الوسيط ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨. وقبله: ووقته عند الصلاة وإن لم يتوضأ وعند الوضوء وإن لم يصلَّ، وعند تغير الخ.
(٧) انظر: الصحاح ٦/ ٢٢٥٣، لسان العرب ١٤/ ٢٨٨.
(٨) الوسيط ١/ ٣٧٨. وهو بعد قوله السابق: وعند تغير النكهة بالنوم.
(٩) انظر: لسان العرب ١/ ١٣٦، القاموس المحيط ٤/ ٥، المصباح المنير ص: ٥.
[ ١ / ١٤٦ ]
قوله: "لقوله - ﷺ -: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) (١) هذا ثابت من حديث أبى هريرة، متفق على صحته (٢)، والخلوف: تغير رائحة الفم، وهو بضم الخاء لا غير (٣)، وكثير من المحدثين يفتحون الخاء، وهو غلط، والمعنى يفسد به، فإن الخلوف بفتح الخاء هو الشخص الذي يكثر خلفه في وعده، ذكر ذلك الإِمام أبو سليمان الخطابي - ﵀ - (٤).
قوله (٥) (أطيب عند الله من ريح المسك) أي أفضل عند الله، وأقرب إلى رضاه، وأرجح في الميزان من ريح المسك، الذي يستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبًا لرضا الله ﵎، حيث يؤمر بمجانبة الرائحة الكريهة، وملابسة (٦) الرائحة الطيبة كما في المساجد، وفي الصلوات وغيرها (٧)، والله أعلم.
_________________
(١) الوسيط ١/ ٣٧٨. وقبله: ولا يكره إلا بعد الزوال للصائم لقوله - ﷺ - الحديث.
(٢) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الصوم باب فضل الصوم ٤/ ١٢٥ رقم (١٨٩٤)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الصيام، باب فضل الصيام ٨/ ٣٠ - ٣١.
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٦٧، مختار الصحاح ص: ١٨٦، المصباح المنير ص: ٦٨.
(٤) العلامة الحافظ اللغوي أبو سليمان حمد بن محمَّد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي، ويقال اسمه: أحمد، وصوب الذهبي الأول، أحد المشاهير الأعيان، صاحب المصنفات الجليلة منها: معالم السنن، شرح البخاري، غريب الحديث، العزلة، إصلاح غلط المحدثين، بيان إعجاز القرآن، وغيرها، توفي سنة ٣٨٨ هـ. انظر ترجمته في: السير ١٧/ ٢٣، طبقات السبكي ٣/ ٢٨٢، البداية والنهاية ١١/ ٤٣٦، طبقات الحفاظ ص: ٤٠٣. وانظر قوله في إصلاح الأخطاء الحديثيَّة التي يرويها أكثر الناس محرَّفة أو ملحونة (إصلاح غلظ المحدثين) ص: ٥٤ - ٥٥.
(٥) في (أ): وقوله.
(٦) في (أ): وملابس.
(٧) انظر: شرح النووي على مسلم ٨/ ٣٠، المطلب العالي ٢/ ل ١٠/ ب، فتح الباري ٤/ ١٢٧.
[ ١ / ١٤٧ ]
قوله: "وكيفيته: أن يستاك عوضًا وطولًا، وإن اقتصر على أحدهما فعرضًا، كذلك كان يستاك رسول الله - ﷺ - " (١) ليس بثابت في الحديث (٢)، ولا في المذهب (٣). والمعروف في الطريقتين استحباب الاستياك عرضًا فحسب (٤)،
_________________
(١) الوسيط ١/ ٣٧٨.
(٢) في (أ) و(ب): في الحديث عن رسول الله - ﷺ - وهذا الحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير ٢/ ٤٧ - ٤٨ برقم (١٢٤٢)، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الطهارة ١/ ٦٦ عن سعيد بن المسيب عن بهز، قال البيهقي: "وقد روي في الاستياك عرضًا حديثًا لا أحتج بمثله". أهـ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٢٦٧ برقم (٢٥٧٣) وقال: "وفيه ثبيت بن كثير وهو ضعيف". وقال الحافظ ابن حجر - بعد أن ساق سند الحديث -: "وفي إسناده ثبيت بن كثير وهو ضعيف، واليمان بن عدي وهو أضعف منه". ورواه البيهقي من طريق آخر عن ابن المسيب عن ربيعة بن أكثم ثم قال بعده: "فأما ربيعة بن أكثم فإنه استشهد بخيبر". أهـ وهذا معناه أن ابن المسيب لم يدركه؛ لأنه ولد في خلافة عمر بن الخطاب. راجع تهذيب الأسماء ١/ ٢١٩، وممن رواه من هذا الطريق أبو بكر الشافعي في الفوائد المنتخبة "الغيلانيَّات" ٢/ ٤١٨ برقم (١٠١٦)، والعقيلي في الضعفاء ٣/ ٢٢٩ وقال: "لا يصحُّ". وقال الحافظ ابن حجر عن هذا الطريق: "إسناده ضعيف جدًا". وأورد الحديث كذلك أبو داود في المراسيل ص: ٧٤ رقم (٥) من طريق عطاء بن أبي رباح بلفظ: (إذا شربتم فاشربوا مصًا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضًا). قال الحافظ ابن حجر: "وفيه محمَّد بن خالد القرشي قال ابن القطان: لا يعرف. قلت: - أي الحافظ - وثقه ابن معين وابن حبان". راجع التلخيص الحبير ١/ ٣٧٢ - ٣٧٤، وممن أشار إلى ضعف الحديث النووي في التنقيح ل ٤٥/ ب، وابن الملقَّن في تذكرة الأخيار ل ١٣/ ب، والسيوطي في الجامع الصغير ١/ ٤٩ رقم (٧١١)، والألباني في السلسلة الضعيفة برقم (٩٤٠ - ٩٤٢) وضعيف الجامع الصغير وزيادته برقم (٥٦٢).
(٣) انظر: المجموع ١/ ٢٨٠ - ٢٨١، التنقيح ل ٤٦/ أ.
(٤) انظر: الحاوي ١/ ٨٥، التعليقة للقاضي حسين ١/ ٢٤٥، المجموع الموضع السابق.
[ ١ / ١٤٨ ]
إذ يخشى في الاستياك طولًا إدماء اللثة، وإفساد عمور الأسنان: وهو اللحم الذي يتخللها (١)، والله أعلم.
حديث (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) (٢) روي من حديث سعيد بن زيد (٣)، وأبي سعيد الخدري (٤)، وأبي هريرة (٥) - ﵃ - من وجوه في كل واحد منها نظر (٦)، لكنها غير مُطَّرحة، وهي من قبيل ما يثبت باجتماعه الحديث، ثبوت الحديث الموسوم بالحسن (٧) وقد أخرجه الترمذي،
_________________
(١) انظر: أدب الكاتب لابن قتيبة ص: ٦٤، القاموس المحيط ٢/ ١٧٣، وعُمور مفرده عَمْر بفتح العين وسكون الميم. انظر: المجموع ١/ ٢٨٢.
(٢) الوسيط ١/ ٣٧٨ - ٣٧٩. وقبله: التسمية: وهي مستحبة في ابتداء الوضوء لقوله - ﵇ - الحديث.
(٣) في (أ): سعد بن زيد. وهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي أبو الأعور، وقيل: أبو ثور، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو من السابقين الأولين البدريين، توفي سنة ٥٠ أو ٥١ هـ، وروى حديثه الجماعة. انظر ترجمته في: الاستيعاب ٤/ ١٨٦، أسد الغابة ٢/ ٣٧٨، الإصابة ٤/ ١٨٨. وحديثه رواه الترمذي في جامعه كتاب الطهارة، باب ما جاء في التسمية عند الوضوء ١/ ٣٧ رقم (٢٥)، وابن ماجه في سننه كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في التسمية في الوضوء ١/ ١٤٠ رقم (٣٩٨)، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الطهارة ١/ ٧١ رقم (١٩٣)، وغيرهم.
(٤) انظر حديثه في المصادر المتقدمة في حديث سعيد بن زيد.
(٥) روى حديثه بالإضافة إلى من تقدم الإمام أحمد في المسند ٢/ ٤١٨، وأبو داود في سننه كتاب الطهارة، باب التسمية في الوضوء ١/ ٧٥ رقم (١٠١).
(٦) انظر: نصب الراية للزيلعي ١/ ٣ - ٨، التلخيص الحبير ١/ ٣٨٦ - ٣٩١.
(٧) وكذا حكم عليه ابن الملقن في تذكر الأخيار ل ١٣/ ب، والألباني في إرواء الغليل ١/ ١٢٢ وانظر المصادر المتقدمة.
[ ١ / ١٤٩ ]
وابن ماجه، ولا يمنع من الحكم بهذا (١) ما ثبت عن أحمد بن حنبل أنه قال في التسمية في الوضوء: "لا أعلم فيه حديثًا ثابتًا" (٢). ولا يستشهد على ثبوته بكون الحاكم حكم بصحة إسناده (٣)؛ لأنه ابتنى تصحيحه له على روايته إياه من حديث أبي هريرة، ونظرنا فيه فوجدنا إسناده قد انقلب (٤) عليه، والله أعلم.
حديث (إذا استيقظ أحدكم من نومه) (٥) حديث ثابت في الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁ - (٦) غير أن ذكر التكرار ثلاثًا انفرد به مسلم عن البخاري. وقوله (فإنه لا يدري أين باتت يده) (٧) سببه على ما ذكره الشافعي - ﵁ - (٨)، وغيره (٩): أن أهل الحجاز كانوا يقتصرون على الاستنجاء بالحجارة،
_________________
(١) في (أ): أنه بهذا، في (ب): له بهذا.
(٢) انظر: كتاب المسائل عن أبي عبد الله أحمد بن محمَّد بن حنبل وأبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ١/ ٨٣، وجامع الترمذي ١/ ٣٨.
(٣) انظر: المستدرك ١/ ١٤٦.
(٤) في (أ): اقلبت. وذلك أنه رواه من طريق يعقوب بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة، فظنه الماجشون وصححه لذلك، والصواب أنه الليثي، وهو لا يعرف له سماع من أبيه ولا لأبيه عن أبي هريرة. انظر: تلخيص المستدرك للذهبي ١/ ١٤٦، والتلخيص الحبير ١/ ٣٨٦.
(٥) قال الغزالي: (غسل اليدين ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء لقوله - ﷺ - ). الوسيط ١/ ٣٧٩.
(٦) انظر صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الوضوء، باب الاستجمار وترًا ١/ ٣١٦ رقم (١٦٢)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ يده المشكوك في نجاستها في الإناء ٣/ ١٧٨ - ١٨١.
(٧) أي في الحديث المتقدم.
(٨) لم أقف عليه فيما بين يدي من كتبه، لكن نقله عنه النووي في شرح مسلم ٣/ ١٧٩، والمجموع ١/ ٣٤٨، وابن حجر في فتح الباري ١/ ٣١٨.
(٩) كابن عبد البر في التمهيد ١٨/ ٢٣٦، وراجع: التعليقة للقاضي حسين ١/ ٢٦٣، نهاية المطلب ١/ ل ٢٥/ ب، المغني لابن قدامة ١/ ١٤١.
[ ١ / ١٥٠ ]
فإذا ناموا عرقوا لما في بلادهم من الحرِّ، فتقع يد أحدهم على ذلك المكان فتتنجس. ويلتحق بذلك كل من شك في نجاسة يده وإن لم يقم من نوم (١)، وإن استيقن طهارة يده فاستحباب أصل غسل اليد ثلاثًا ثابت من غير خلاف نعرفه (٢)، وقد قال صاحب "نهاية المطلب" فيما وجدناه من "اختصاره للنهاية" (٣): "رأيت الأصحاب متفقين على استحباب الغسل". فإذًا قول تلميذه في "الوسيط": "فإن تيقن طهارة يده ففي بقاء الاستحباب وجهان" (٤) لا يستفاد منه أن في استحباب أصل الغسل عند التيقن وجهين، وذلك أنه إن أراد به أن في بقاء استحباب أصل الغسل وجهين فهو غلط، وسهو، سبق إليه القلم أو (٥) الخاطر، وذلك أنا وجدناه في "البسيط" (٦) قد ذكر ذلك كذلك، ونسبه إلى حكاية شيخه، ونظرنا في كلام شيخه (٧) فإذا هو إنما حكاه في استحباب تقديم الغسل على الغمس، لا في أصل الغسل، وحكى استحباب أصل الغسل عن الأئمة مطلقًا، وإن أراد بذلك أن في بقاء استحباب تقديم الغسل على الغمس وجهين فلا يكون حاكيًا للخلاف في أصل الغسل، بل في تقديمه، فالوجهان في ذلك معروفان محكيان في
_________________
(١) انظر: فتح العزيز ١/ ٣٩٥، روضة الطالبين ١/ ١٦٨، المطلب العالي ٢/ ل ٢٤٤/ ب.
(٢) كذا قال النووي في: المجموع ١/ ٣٥٠.
(٣) لم أقف على مختصره هذا، ونقل عنه النووي في المجموع الموضع السابق، وقد نصَّ إمام الحرمين على ذلك في نهاية المطلب ١/ ل ٢٥/ ب حيث قال: " ثم قال الأئمة: هذه السنة قائمة وإن استيقن المرء طهارة بدنه".
(٤) الوسيط ١/ ٣٧٩.
(٥) في (أ): و.
(٦) ١/ ل ٢٨/ أ.
(٧) قوله: "ونظرنا شيخه" سقط من (أ).
[ ١ / ١٥١ ]
طريقتي العراق وخراسان (١). لكن لفظه لفظ مُغْلِط، كذلك وقع لفظه في متن الوسيط، وفيما عُلَّق من من تدريسه له، وفي "البسيط" أيضًا يوهم (٢) جدًا أن الخلاف في استحباب أصل الغسل. والظاهر أن صاحب "الذخائر" أبا المعالي مجلي بن جميع المصري (٣) في حكايته الوجهين في أصل الغسل غلط في ذلك من جهته؛ فإنه كثير النقل عنه، والله أعلم.
قوله في المضمضة والاستنشاق: "نقل المزني أنه يأخذ غرفة لفيه وأنفه و(٤) هكذا روى عبد الله بن زيد عن وضوء رسول الله - ﷺ - " (٥) فالأمر فيه على ما قال، ثبت في "الصحيحين" (٦) عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري (٧) - وهو
_________________
(١) فتح العزيز ١/ ٣٩٥، المجموع ١/ ٣٤٩، روضة الطالبين ١/ ١٦٨، والوجهان هما: الأول: أنه بالخيار إن شاء غسل ثم غمس، وإن شاء غمس ثم غسل، والثاني: استحباب تقديم الغسل، والأظهر منهما الأول.
(٢) في (د) و(ب): ويوهم، والواو هنا كأنها مقحمة، والمثبت من (أ).
(٣) أبو المعالي مجلَّى بن جُميع بن نجا المخزومي الأرسوقي ثم المصري، كان من أئمة أصحاب الشافعي، ترجع إليه الفتيا بديار مصر، توفي سنة ٥٥٠ هـ، من مصنفاته: كتاب الذخائر. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٣/ ٣٥، طبقات السبكي ٧/ ٢٧٧، البداية والنهاية ١٢/ ٢٥٥. وانظر النقل عنه في: المطلب العالي ١/ ل ٢٤٦/ ب.
(٤) سقط من (أ).
(٥) الوسيط ١/ ٣٨٠. وانظر مختصر المزني ص: ٤.
(٦) انظر صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الوضوء، باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة ١/ ٣٥٥ رقم (١٩١)، صحيح مسلم - مع النووي - كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء ٣/ ١٢١ - ١٢٢.
(٧) صحابي جليل من بني مازن ابن النجار بالمدينة، وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب بالسيف، قُتل يوم الحرة سنة ٦٣ هـ، روى حديثه الجماعة. انظر ترجمته في: الاستيعاب ٦/ ٢٥٩، أسد الغابة ٣/ ٢٥٠، الإصابة ٦/ ٩١، تقريب التهذيب ص: ٣٠٤.
[ ١ / ١٥٢ ]
غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري صاحب الأذان الذي يأتي ذكره في باب الأذان (١) - أنه وصف وضوء رسول الله - ﷺ - فتمضمض واستنشق من كف واحد، وفعل ذلك ثلاثًا. وأما قوله: "ونقل البويطي (٢): أنه يغرف لفيه غرنة ولأنفه غرفة، وهكذا روى عثمان وعلي عن وضوء رسول الله - ﷺ - " (٣) فهذا لا يعرف ولا يثبت عن عثمان وعلي - ﵄ -، بل روى أبو داود في "سننه" (٤) عن علي ضد ذلك، وهو القول الأول، وأنه وصف وضوء رسول الله - ﷺ - فتمضمض مع الاستنشاق بماء واحد. وإنما ل ٣٦/ أاحتج أهل العلم بهذا الشأن لهذا القول - وهو قول الفصل بين المضمضة والاستنشاق - بحديث طلحة بن مصرِّف (٥) عن أبيه (٦) عن جده (٧) (أنه رأى
_________________
(١) وهو من سادات الصحابة، شهد العقبة وبدرًا، توفي سنة ٣٢ هـ، وحديثه في السنن الأربعة. انظر ترجمته في: الاستيعاب ٦/ ٢٠٣، الإصابة ٦/ ٩٠، تقريب التهذيب ص: ٣٠٤.
(٢) أبو يعقوب يوسف بن يحيى المصري البويطي، صاحب الشافعي، وبويط قرية في صعيد مصر، وهو من أجل أصحاب الشافعي، توفي ببغداد مسجونًا سنة ٢٣١ هـ، من مصنفاته: المختصر. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٧/ ٦١، طبقات السبكي ٢/ ١٦٢، طبقات الأسنوي ١/ ٢٠٨.
(٣) الوسيط ١/ ٣٨٠. وانظر مختصر البوبطي ل ١/ أ.
(٤) كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء ١/ ٨٢ - ٨٣ رقم (١١١، ١١٣).
(٥) هو أبو عبد الله طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب اليامي الكوفي، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة قارئ فاضل"، توفي سنة ١١٢ هـ أو بعدها، روى حديثه الجماعة انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٤/ ٤٧٣، الثقات لابن حبَّان ٤/ ٣٩٣، تهذيب الكمال ١٣/ ٤٣٣، تقريب التهذيب ص: ٢٨٣.
(٦) مصرَّف بن عمرو اليامي الكوفي، قال عنه الحافظ ابن حجر: "روى عنه طلحة بن مصرف، مجهول"، روى حديثه أبو داود فقط. انظر ترجمته في: الثقات لابن حبَّان ٩/ ٢٠٧، تهذيب التهذيب ١٠/ ١٥٨، تقريب التهذيب ص: ٥٣٣.
(٧) عمرو بن كعب بن مصرَّف اليامي الهمذاني، ويقال: كعب بن عمرو، قال ابن عبد البر عنه: "سكن الكوفة، له صحبة، ومنهم من ينكرها، ولا وجه لإنكار من أنكر ذلك، روى حديثه أبو داود". انظر ترجمته في: الاستيعاب ٩/ ٢٤٩، أسد الغابة ٤/ ٢٦٥، الإصابة ٨/ ٣٠١.
[ ١ / ١٥٣ ]
رسول الله - ﷺ - يفصل بين المضمضة والاستنشاق). أخرجه أبو داود (١)، وليس إسناده بالقوي (٢)، وقد أنكره بعض أئمة الحديث، وجدُّ طلحة هو عمرو بن كعب اليامي الهمداني، وقيل بالعكس كعب بن عمرو، واختُلِف في أن له صحبة. ومصرِّف هو بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الراء المشددة وبعدها فاء. والقول الأول - وهو قول الجمع - أكثر في كلام الشافعي وهو رواية المزني (٣)، والربيع (٤)، وهو الصحيح في الحديث، وأبعد عن السرف في الماء.
_________________
(١) في سننه كتاب الطهارة، باب في الفرق بين المضمضة والاستنشاق ١/ ٩٦ رقم (١٣٩).
(٢) انظر المجموع ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣، وقال في ١/ ٣٦٠: وأما الفصل فلم يثبت فيه حديث أصلًا، وإنما جاء فيه حديث طلحة بن مصرف وهو ضعيف كما سبق. أهـ وقال في التنقيح ل ٤٦/ ب: هذا منكر لا أصل له. لكن روى الإمام أحمد في المسند ١/ ١٥٨ عن علي - ﵁ - أنه دعا بكوز من ماء، فغسل كفيه ووجهه ثلاثًا، وتمضمض ثلاثًا فأدخل بعض أصعابعه في فيه واستنشق ثلاثًا- ثم قال في آخره: هكذا كان وضوء نبي الله - ﷺ -. وروى أبو داود في سننه كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي - ﷺ - ١/ ٨٠ رقم (١٠٨) عن ابن أبي مليكة قال: (رأيت عثمان بن عفان سئل عن الوضوء فدعا بماء فأتي بميضأة فأصغاها على يده اليمنى ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا ثم قال هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ). وحكم الألباني على هذا الحديث بأنه حسن صحيح وذلك في صحيح سنن أبي داود ١/ ٢٣ رقم (٩٩)، ونقل ابن الملقن في تذكرة الأخيار ل ١٤/ ب عن صحيح ابن السكن عن شقيق بن سلمة قال: (شهدت علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان - ﵄ - توضأ ثلاثًا ثلاثًا وأفردا المضمضة من الاستنشاق ثم قالا: هكذا توضأ رسول الله - ﷺ -). ثم قال: "روى عنهما من وجوه". أهـ وانظر شرح السنة للبغوي ١/ ٣١٨، قال الحافظ ابن حجر - بعد أن ساق حديث شقيق السابق -: "فهذا صريح في الفصل، فبطل إنكار ابن الصلاح". التلخيص الحبير ١/ ٤٠١.
(٣) انظر: المختصر ص: ٤.
(٤) انظر: الأم ١/ ٧٧.
[ ١ / ١٥٤ ]
ثم الأصح في تفسيره قول من قال: إنّه بثلاث غرفات؛ إذ في حديث عبد الله ابن زيد في رواية من الصحيح (١) (تمضمض واستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات). وخفي ما ذكرناه على طائفة من أئمتنا ذهبوا إلى أن قول الفصل أصح منهم المحاملي (٢)، والروياني (٣)، وما خفي من ذلك على صاحب الكتاب أكثر؛ فإن المعروف بين نَقَلَةِ المذهب أن في المسألة قولين: أحدهما: أن الجمع أفضل. والثاني: أن الفصل أفضل (٤). فلم يذكر هو هذا أصلًا، وقطع بأنه لم يختلف قول الشافعي في المسألة؛ إذ لم يذكر إلا طريقين: أولهما: القطع بأن الفصل هو المستحب لا غير. والثاني: أن الفصل والجمع (٥) مستحبان غير أن الجمع هو الأقل (٦)، والفصل هو الأكمل (٧). وهذا الثاني قد نقله شيخه في "النهاية" (٨)، وأما الأول فلم نجده بعد البحث لأحدٍ (٩)، ولا وجود له في "بسيطه" و"النهاية" أيضًا، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الوضوء، باب مسح الرأس مرة ١/ ٣٥٦ رقم (١٩٢)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء ٣/ ١٢٣ - ١٢٤ بلفظ: من ثلاث غرفات.
(٢) انظر النقل عنه في: المجموع ١/ ٣٦٠.
(٣) انظر النقل عنه في الموضع السابق من المجموع.
(٤) انظر: الحاوي ١/ ١٠٦، التعليقة للقاضي حسين ١/ ٢٦٤، المهذب ١/ ١٥ - ١٦، التنبيه ص: ١٥، حلية العلماء ١/ ١٣٩.
(٥) في (ب): الجمع والفصل، بالتقديم والتأخير.
(٦) في (ب): أقل.
(٧) انظر: الوسيط ١/ ٣٨١ - ٣٨٢.
(٨) ١/ ل ٢٦/ ب.
(٩) انظر: التنقيح ل ٤٦/ ب.
[ ١ / ١٥٥ ]
و(١) قوله: "يغرف غرفة" يجوز في غرفة منه ضم الغين وهو الشيء المغروف، ويجوز فتح الغين وهي فعل الاغتراف والمصدر (٢). وأما قوله قبل (٣) ذلك "يأخذ غرفة" فيتعين فيه ضم الغين، فإن الذي يوصف بالأخذ هو المغروف لا فعل الاغتراف، والمصدر قد يقام مقام المفعول، لكن ما فرِّق فيه بين المصدر والمفعول بحركة فردة لا يساوي ما ليس كذلك، والله أعلم.
قوله في تقديم المضمضة على الاستنشاق: "هذا التقديم مستحق أو مستحب؟ فيه وجهان" (٤) هذا يتشبث بذيل مسألة لطيفة ابتكرناها وهي أنه هل يطلق على شروط النوافل وأركانها أنها مفترضة؟ فهذا الكلام وهو كلام شيخه (٥) يتضمن أنه لا بأس بإطلاق ذلك عليها، وفيما نقل عن القاضي حسين في فتاويه (٦) أنه سئل عن قراءة الفاتحة في النوافل (٧) هل يقال: إنها فرض؟ فقال: "لا أقول إنها فرض ولكن أقول هي (٨) شرط كالطهارة والاستقبال". فيخرج أركان النوافل إذًا (٩) على وجهين: أحدهما: أنها توصف (١٠)
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) انظر: القاموس المحيط ٣/ ٢٤٢، المصباح المنير ص: ١٦٩.
(٣) في (أ): بعد.
(٤) الوسيط ١/ ٣٨٢. وقبله: إن أخذ لكل واحد غرفة قدم المضمضة على الاستنشاق وهذا التقديم الخ. وأصحُّ الوجهين أنه شرط مستحق. انظر: التنقيح ل ٤٦/ ب، الغاية القصوى ١/ ٢١٢.
(٥) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ٢٦/ ب.
(٦) لم أقف على هذه الفتاوى أو النقل عنها فيما بين يدي من مصادر، والله أعلم.
(٧) في (أ): النافلة.
(٨) في (ب): إنها.
(٩) في (د): أيضًا، والمثبت من (أ) و(ب).
(١٠) في (ب): أنه يوصف.
[ ١ / ١٥٦ ]
بالشرطية؛ إذ (١) يلزم من انتفائها انتفاء صحتها كما في الشروط، ولا توصف بالفرضية لجواز تركها بترك أصلها. والثاني: أنها توصف بالفرضية (٢) من حيث إنه لو أتى بالنافلة مخلًا بركن منها لكان قالبًا صورتها (٣) الشرعية، ولكان كما لو زاد فيها ركوعًا أو سجودًا فيأثم بتغييره موضوع الشرع فيها، فقد عصى إذًا بترك ركنها على الجملة. وحدُّ الواجب ما يلام شرعًا تاركه بوجه ما، وهذا اختيار (٤) القاضي أبي بكر الباقلاني (٥)، والإمام الغزالي (٦) في حد الواجب. ويرد على الوجه الأول: أن الشرط من شأنه أن ينشأ قبل المشروط، ويتقدم عليه، كما في الطهارة، والاستقبال، وغيرهما، وهذا منتف في هذه الأركان. وأما الثاني فيرد عليه أن التأثيم المذكور ليس على تركه ركن النافلة، بل على تغييره موضوع الشرع، على أن الحدَّ المشهور للواجب ليس فيه قولنا: بوجه ما، وذلك (٧) لعله الصواب؛ لأن الحامل على زيادة ذلك: الواجب المخير، والواجب الموسع (٨)، أما المخير فليس واحدًا (٩) من خصاله (١٠) يوصف بعينه
_________________
(١) في (أ): لا.
(٢) قوله: "لجواز بالفرضيَّة" سقط من (أ).
(٣) في (أ): لصورتها.
(٤) في (أ): اختاره.
(٥) انظر النقل عنه في: المستصفى ص: ٥٣، البحر المحيط ١/ ١٧٧.
(٦) انظر المستصفى الموضع السابق.
(٧) في (أ): كذلك.
(٨) قال الغزالي: "وقوله "بوجه ما" قصد أن يشمل الواجب المخير: فإنه يلام على تركه مع بدله، والواجب الموسع: فإنه يلام على تركه مع ترك العزم على امتثاله". أهـ المستصفى ص: ٥٣.
(٩) في (د): بواحد، وفي (ب): واحد، والمثبت من (أ).
(١٠) كخصال: الكفارة، وجزاء الصيد، وفدية الأذى.
[ ١ / ١٥٧ ]
بالوجوب حتى يحتاج إلى أن يزيد من أجله في الحد "بوجه ما" نظرًا إلي أن كل واحد من الخصال يعصى بتركه على تقدير ترك بدله، وإنما الموصوف بالوجوب واحد منها (١) لا بعينه، فلا يتصور تركه إلا بترك الجميع، وترك الجميع (٢) يوجب الذم على كل وجه لا بوجه ما.
وأما الموسع (٣) فالجائز فيه التأخير لا الترك، وهذا (٤) غير هذا، فالصواب في ذلك - والله أعلم - أن لا يقال فيها: شروط ولا فروض، ويقتصر على وصفها بالأركان؛ فإنها عبارة سالمة عن الإشكال، والله أعلم.
ذكر أنه يستحب المبالغة فيهما بتصعيد الماء إلى الخياشيم ورده إلى الغلصمة (٥). فالخياشيم جمع خيشوم، واختلف فيها اللغويون فقيل: هي أقصى الأنف، وقيل: هي عظام رقاق ليَّنة (٦) في أقصى الأنف بينه وبين الدماغ، وقيل غير ذلك، وقد يسمى الأنف كله خيشومًا (٧). والغلصمة: هي رأس الحلقوم (٨).
وقوله: "إلا أن يكون صائمًا فيرفق كما ورد في الحديث" (٩) هو حديث لقيط
_________________
(١) في (أ) و(ب). منهما.
(٢) في (أ): الجميع بوجه.
(٣) كقضاء صوم رمضان.
(٤) في (أ) و(ب): وفي هذا، وهي هنا مقحمة.
(٥) الوسيط ١/ ٣٨٢.
(٦) سقط من (ب).
(٧) انظر: لسان العرب ٤/ ١٠٣، المصباح المنير ص: ٦٥، المجموع ١/ ٣٥٣.
(٨) انظر: الصحاح ٥/ ١٩٩٧.
(٩) الوسيط ١/ ٣٨٢ - ٣٨٣.
[ ١ / ١٥٨ ]
ابن صبرة (١) أن رسول الله - ﷺ - قال له: (وإذا استنشقت فبالغ إلا أن تكون صائمًا) أخرجه أبو داود (٢)، وغيره (٣)، وهو حديث حسن الإسناد. وصبرة بفتح الصاد المهملة وكسر الباء، والله أعلم.
قوله: "الثامنة: تقديم اليمين على اليسار" (٤) استثني صاحب "الحاوي" (٥) من ذلك الأذنين فإنه يمسحهما معًا، قال: "وليس في أعضاء الطهارة عضوان لا
_________________
(١) هو أبو رزين، ويقال: أبو عاصم لقيط بن عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل العقيلي الحجازي الطائفي، وهو وافد بني المنتفق إلى رسول الله - ﷺ -. انظر ترجمته في: الاستيعاب ٩/ ٢٨٧، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٧٢، الإصابة ٩/ ١٤.
(٢) في سننه كتاب الطهارة، باب في الاستنثار ١/ ٩٧ رقم (١٤٢) بلفظ: وبالغ في الاستنشاق الحديث.
(٣) رواه كذلك الترمذي في جامعه كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم ٣/ ١٥٥ رقم (٧٨٨) وقال: "حديث حسن صحيح"، والنسائي في سننه كتاب الطهارة، باب المبالغة في الاستنشاق ١/ ٧٠ رقم (٨٧)، وابن ماجه في سننه كتاب الطهارة، باب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار ١/ ١٤٢ رقم (٤٠٧)، والشافعي في مسنده ص: ٣٥٧، وعبد الرزاق في المصنَّف ١/ ٢٦ رقم (٧٩)، وأحمد في المسند ٤/ ٣٣، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الوضوء ١/ ٧٨ رقم (١٥٠)، وابن حبّان في صحيحه - انظر الإحسان ٣/ ٣٣٢ رقم (١٠٥٤)، والطبراني في معجمه الكبير ١٩/ ٤٧٩ والحاكم في المستدرك ١/ ١٤٧ - ١٤٨ وقال: "هذا حديث صحيح ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الطهارة ١/ ٨٣ رقم (٢٢٨)، وحكم عليه بالصحة ابن القطان في الوهم والإيهام ٥/ ٥٩٢ رقم (٢٨١٠)، وابن الملقَّن في تذكرة الأخيار ل ١٤/ ب، والألباني في الإرواء ٤/ ٨٥ رقم (٩٣٥)، وراجع: نصب الراية ١/ ١٦، البدر المنير لابن الملقن ٣/ ٣٠٨ وما بعدها، التلخيص الحبير ١/ ٤٠٥.
(٤) الوسيط ١/ ٣٨٣.
(٥) انظر: الحاوي ١/ ١٢٢.
[ ١ / ١٥٩ ]
تقدم اليمنى منهما على اليسرى غير الأذنين". وذكر الروياني صاحب "بحر المذهب" (١) أيضًا أنه لا يستحب التيامن فيهما لإمكان الجمع بينهما بمرة، وهكذا الخدان من الوجه. فلو كان أقطع اليد استحب له أن يبدأ بأذنه اليمنى؛ لأنه لا يمكنه مسحهما معًا، والله أعلم.
قوله في استيعاب الرأس بالمسح: "فإن عسر تنحية العمامة كمَّل المسح بالمسح على العمامة" (٢) قلت: لم أجد أحدًا من أصحابنا تعرض لأنه يشترط من وضع العمامة (٣) على الطهارة ما يشترط في المسح على الخفين، فيحتمل إلحاقه (٤) في ذلك بذلك، ويحتمل أن لا يلتحق به، فإن هذا نوع آخر؛ لأنه مسح وقع بدلًا عن مسح، وذلك مسح وقع بدلًا عن غسل، وههنا يجمع بمسحه على الناصية والعمامة بين الأصل والبدل، ولا يجوز مثل ذلك في المسح على الخف. وقد اشترط أحمد بن حنبل - ﵁ - فيها وضعها على الطهارة (٥)، غير أن من مذهبه جواز الاقتصار على مسح العمامة (٦)، والله أعلم.
ذكر مسح الرقبة في السنن وقال: "لقوله - ﷺ - مسح الرقبة أمان من الغل" (٧) و(٨) هذا غير صحيح عند أهل الحديث عن رسول الله - ﷺ -، وهو من قول بعض
_________________
(١) انظر النقل عنه في: فتح العزيز ١/ ٤٢١.
(٢) الوسيط ١/ ٣٨٤.
(٣) كذا في جمع النسخ، ولعل الصواب: لم أجد أحدًا من أصحابنا تعرض لاشتراط وضع العمامة الخ، وهكذا نقلها عن ابن الصلاح ابن الرفعة في المطلب العالي ١/ ل ٢٥٦/أ.
(٤) في (أ): التحاقه.
(٥) انظر: المغني ١/ ٣٦٣، الروض المربع ١/ ٣٧، الإنصاف ١/ ١٧٢.
(٦) انظر: كتاب المسائل ١/ ١٠٤ - ١٠٥، المغني ١/ ٣٧٩، كشَّاف القناع ١/ ١٣٥
(٧) الوسيط ١/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
(٨) سقط من (ب).
[ ١ / ١٦٠ ]
السلف (١)، وروى أبو عبيد القاسم بن سلاَّم (٢) عن موسى بن طلحة (٣) قال: (من مسح قفاه مع رأسه وقى الغل يوم القيامة) (٤). والشافعي لم يذكره في كتبه، والله أعلم.
(وقد روينا في "السنن الكبير) (٥) عن طلحة بن مصرِّف عن أبيه عن جده (أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على سالفته). وفي رواية: على قفاه. قلت:
_________________
(١) قال النووي - بعد أن ساق حديث مسح الرقبة السابق -: "هذا حديث باطل، بل موضوع، إنما هو من كلام بعض السلف، ولم يصح عن النبي - ﷺ - في مسح الرقبة شيء، وليس هو سنة، بل هو بدعة " التنقيح ل ٤٧/ ب، وقد حكم بضعفه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١/ ٤٣٣.
(٢) الإمام الجليل ذو الفنون أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله البغدادي، صاحب التصانيف الكثيرة البديعة في القراءات، والفقه، واللغة، والشعر، توفي بمكة سنة ٢٢٤ هـ، من تصانيفه: غريب الحديث، الأموال، فضائل القرآن، الطهور، الناسخ والمنسوخ، المواعظ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٤/ ٦٠، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٥٧، طبقات السبكي ٢/ ١٥٣، البداية والنهاية ١٠/ ٣٠٤.
(٣) هو موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، أبو عيسى وأبو محمَّد المدني، نزيل الكوفة، ثقة جليل، يقال: إنه ولد في عهد رسول الله - ﷺ -، توفي سنة١٠٣ هـ، روى حديثه الجماعة. انظر ترجمته في: التاريخ الكبير للإمام البخاري ٧/ ٢٨٦، حلية الأولياء ٤/ ٣٧١، السير ٤/ ٣٦٤، تقريب التهذيب ص: ٥٥١.
(٤) انظر: كتاب الطهور لأبي عبيد ص: ٢٥٠ - ٢٥١، قال الحافظ ابن حجر: "فيحتمل أن يقال: هذا لأن كان موقوفًا فله حكم الرفع؛ لأن هذا لا يقال من قبل الرأي، فهو على هذا مرسل". أهـ التلخيص الحبير ١/ ٤٣٣، وأورده الكتَّاني في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة ٢/ ٧٥.
(٥) في كتاب الطهارة، باب إمرار الماء على القفا ١/ ٤٩ رقم (٢٧٧، ٢٧٨) قال البيهقي: "والمسند إسناده ضعيف". ورواه أبو داود في سننه كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي - ﷺ - ١/ ٩٢ رقم (١٣٢)، والإمام أحمد في المسند ٣/ ٤٨١ ولفظه: (أنه رأى النبي - ﷺ - يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدَّم العنق مرة). وضعفه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١/ ٤٣٣، والألباني في ضعيف سنن أبي داود ص: ١٢ رقم (١٩).
[ ١ / ١٦١ ]
والسالفة: هي جانب العنق من أعلاه من معلق القُرْط من الأذن إلى نقرة الترقوة (١). وفي جميع ذلك ضعف، لكنه يتقوى بعضه ببعض بعض القوة، والله أعلم" (٢).
قوله: "قد استعان رسول الله - ﷺ - مرة ركان عليه جُبَّة كمُّها ضيَّق، فعسر عليه الإسباغ منفردًا" (٣) وهكذا ذكره شيخه (٤)، ذكر أنه استعان مرة بالمغيرة للسبب المذكور. وحديث المغيرة بن شعبة ثابت بروايات كثيرة (٥)، في بعضها ذكر السبب الذي ذكره في الاستعانة مشعرًا بوجودها منه - ﷺ - لا لضيق الكم نفسه فحسب، فإنه استعان في غسل وجهه به، فلما انتهى إلى غسل يديه ضاقت كماه فلم يستطع أن يخرج يديه منهما فأخرجهما من أسفل الجبة وغسلهما. وقد استعان - ﷺ - مرارًا في وضوءات متعددة: استعان بأسامة بن زيد - ﵁ - في حجته، عشية دَفَع من عرفة، رواه صاحبا "الصحيحين" (٦)، واستعان
_________________
(١) انظر: الصحاح ٤/ ١٣٧٧.
(٢) ما بين القوسين زيادة من (أ).
(٣) الوسيط ١/ ٣٨٦. وقبله: الخامسة عشرة: أن لا يستعين في وضوئه بغيره؛ فالأجر على قدر النصب، وقد استعان الخ.
(٤) في نهاية المطلب ١/ ل ٣٨/ ب.
(٥) رواه البخاري في صحيحه - مع الفتح - كتاب الصلاة، باب الصلاة في الجبة الشامية ١/ ٥٦٤ رقم (٣٦٣) وأطرافه في: ١٨٢، ٢٠٣، ٢٠٦، وغيرها، ومسلم في صحيحه - مع النووي - كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين ٣/ ١٦٩.
(٦) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الوضوء، باب الرجل يوضئ صاحبه ١/ ٣٤٢ رقم (١٨١)، ومسلم في صحيحه - مع النووي - كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة ٩/ ٣٢.
[ ١ / ١٦٢ ]
أيضًا بالرُبيِّع بنت معوِّذ بن عفراء (١) مرة أخرى، وحديثها لم يخرِّج في الصحيح، لكنه حديث حسن رواه الشافعي - ﵁ - (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، وغيرهم (٥). والرُبيَّع هي (٦) بضم الراء على التصغير، والله أعلم.
قوله: "السابعة عشرة: أن لا ينفض يديه لقوله - ﷺ -: (إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم) (٧) هذا مذكور في طريقتي خراسان والعراق (٨)، ونسبه صاحب "الشامل" إلى أبي علي الطبري (٩) صاحب كتاب "الإفصاح"، ثم قال: (وقد
_________________
(١) هي الربيَّع بنت معوَّذ بن عفراء الأنصارية من بني النجار، وهي بضم الراء، وفتح الباء الموحدة، وكسر الياء المشددة، ومعوَّذ هو بضم الميم، وفتح العين، وكسر الواو وهو ممن قتلوا أبا جهل، والربيَّع ممن بايع رسول الله - ﷺ - تحت الشجرة بيعة الرضوان، روى حديثها الجماعة، توفيت في خلافة عبد الملك سنة بضع وسبعين. انظر ترجمتها في: تهذيب الأسماء ٢/ ٣٤٣، السير ٣/ ١٩٨، الإصابة ١٢/ ٢٥١.
(٢) لم أهتد إليه فيما بين يدي من كتب الشافعي، والله أعلم.
(٣) في سننه كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي - ﷺ - ١/ ٨٩ رقم (١٢٦).
(٤) في جامعه كتاب الطهارة، باب ما جاء أنه يبدأ بمؤخر رأسه ١/ ٤٨ رقم (٣٣). وقال: هذا حديث حسن.
(٥) كابن ماجه في سننه كتاب الطهارة وسننها، باب الرجل يستعين على وضوئه فيصب عليه ١/ ١٣٨ رقم (٣٩٠)، والإمام أحمد في المسند ٦/ ٣٥٨. وقد صحح الحديث أحمد شاكر في تحقيقه لجامع الترمذي ١/ ٤٨، وراجع البدر المنير لابن الملقن ٣/ ٣٦٧ - ٣٧٣.
(٦) سقط من (أ).
(٧) الوسيط ١/ ٣٨٧ - ٣٨٨.
(٨) انظر: المطلب العالي ١/ ل ٢٧٢/ أ.
(٩) شيخ الشافعية الحسن بن القاسم تلميذ أبي علي بن أبي هريرة، من مصنفاته: المحرر في النظر وهو أول كتاب صنف في الخلاف المجرد، الإفصاح وهو في المذهب، وألف في الجدل، توفي سنة ٣٥٠ هـ انظر ترجمته في: طبقات العبادي ص: ٨٤، طبقات الشيرازي ص: ١١٥، السير ١٦/ ٦٢، طبقات السبكي ٣/ ٢٨٠.
[ ١ / ١٦٣ ]
روت ميمونة أن النبي - ﷺ - اغتسل وجعل ينفض يديه) (١). قلت: حديث لا تنفضوا أيديكم لا صحة له، ولم أجد له أنا في جماعة اعتنوا بالبحث أصلًا (٢)، وزاد بعض الفقهاء في آخره: (فإنها مراوح الشيطان) (٣). وحديث ميمونة حديث صحيح معروف (٤) فليعتمد عليه، والله أعلم.
قوله بعد ذكر (٥) الدعاء على أعضاء الوضوء، والذكر عند الفراغ منه: "فقد وردت فيها (٦) الأخبار الدالة على كثرة فضلها (٧) قلت: أما الأدعية على
_________________
(١) انظر النقل عنه والنسبة إليه في: المجموع ١/ ٤٥٨.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في كتابه علل الحديث ١/ ٣٦ رقم (٧٣) من حديث البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة، وقال: "فقال أبي: هذا حديث منكر، والبختري ضعيف الحديث وأبوه مجهول". ورواه ابن حبان في ترجمة البحتري بن عبيد الطائي، وقال: "يروي عن أبيه عن أبي هريرة نسخة فيها عجائب، لا يحل الاحتجاج به إذا انفرد؛ لمخالفته الأثبات في الروايات مع عدم تقدم عدالته" ثم ساق الحديث. انظر: كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣، وقال النووي: "هذا حديث باطل لا أصل له". أهـ التنقيح ل ٤٨/ أ، وراجع المجموع الموضع السابق، تذكرة الأخيار ل ١٧/ أ، التلخيص الحبير ١/ ٤٤٩.
(٣) انظر: الحاوي ١/ ١٣٤، فتح العزيز ١/ ٤٤٩.
(٤) رواه البخاري في صحيحه - مع الفتح - كتاب الغسل، باب نفض اليدين من الغسل عن الجنابة ١/ ٤٥٧ رقم (٢٧٦)، ومسلم في صحيحه - مع النووي - كتاب الحيض، باب استحباب ترك تنشيف الأعضاء من الغسل والوضوء ٣/ ٢٣٢.
(٥) سقط من (أ).
(٦) في (د): فيه، والمثبت من (أ) و(ب).
(٧) الوسيط ١/ ٣٨٨.
[ ١ / ١٦٤ ]
الأعضاء فلا يصح فيها حديث (١). وأما الذكر الذي ذكره للفَرَاغ من الوضوء فهو ملفَّق من حديثين، فقوله "أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله" (٢) وارد (٣) في حديث ثابت عن عمر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (من توضأ فأحسن وضوءه، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، فتح الله له (٤) ثمانية أبواب الجنة يدخلها من أي باب شاء) رواه مسلم في "صحيحه" (٥)، وأبو داود (٦)،
_________________
(١) قال ابن العربي: "وقد رويت فيها أذكار تقال في أثنائها ولم تصح، ولا شيء في الباب يعوَّل عليه". أهـ عارضة الأحوذي ١/ ٦٥، قال النووي - بعد أن ساق حديث الأدعية على الأعضاء: "هذا الدعاء لا أصل له، ولم يذكره الشافعي والجمهور". أهـ روضة الطالبين ١/ ١٧٣، وقال ابن القيِّم: "ولم يحفظ عنه - أي - ﷺ - أنه كان يقول على وضوئه شيئًا غير التسمية، وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق ". زاد المعاد ١/ ١٩٥، وقال الحافظ ابن حجر - بعد أن ذكر كلام ابن الصلاح السابق -: "روي فيه عن علي من طرق ضعيفة جدًا أوردها المستغفري في الدعوات، وابن عساكر في أماليه ". التلخيص الحبير ١/ ٤٥٠، وراجع تذكرة الأخيار ل ١٧/ ب وما بعدها.
(٢) الوسيط ١/ ٣٨٨.
(٣) في (أ) و(ب): وزاد.
(٤) (ب): له الله، بالتقديم والتأخير.
(٥) انظر: - مع النووي - كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء ٣/ ١١٨ بلفظ في آخره: إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.
(٦) في سننه كتاب الطهارة، باب ما يقول الرجل إذا توضأ ١/ ١١٨ رقم (١٦٩).
[ ١ / ١٦٥ ]
والنسائي (١)، وابن ماجه (٢)، وغيرهم (٣).
وقوله "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك" (٤) ورد به حديث آخر، ليس كالأول في الصحة، وهو ما روي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: (من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رَقٍّ ثم طُبع بطَابَع، فلم يكسر إلى يوم القيامة) وهو حديث غريب ليس بالقوي، أخرجه أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب "اليوم والليلة" (٥)، والله أعلم.
_________________
(١) في سننه كتاب الطهارة، باب القول بعد الفراغ من الوضوء ١/ ١٠٠ رقم (١٤٨).
(٢) في سننه كتاب الطهارة وسننها، باب ما يقال بعد الوضوء ١/ ١٥٩ رقم (٤٧٠).
(٣) وممن رواه كذلك عبد الرزاق في المصنف ١/ ٤٥ - ٤٦ رقم (١٤٢)، وأحمد في المسند ٤/ ١٤٥، والدارمي في سننه ١/ ١٩٦، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الوضوء ١/ ١١٠ - ١١١ رقم (٢٢٢)، وابن حبَّان في صحيحه - انظر الإحسان ٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦ رقم (١٠٥٠) -، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الطهارة ١/ ١٢٦ رقم (٣٦٨، ٣٦٩).
(٤) الوسيط ١/ ٣٨٨.
(٥) انظر: في السنن الكبرى للنسائي، كتاب عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا فرغ من وضوئه ٦/ ٢٥ رقم (٩٩٠٩)، وقال بعده: "هذا خطأ والصواب وقفه". وأخرجه كذلك الطبراني في الأوسط ٢/ ٢٧١ رقم (١٤٧٨)، والحاكم في المستدرك ١/ ٥٦٤ وقال: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي، قال الألباني معقبًا: "بل هو على شرط الشيخين؛ فإن رجاله كلهم ثقات من رجالهما"، ثم قال في الخلاصة: "إن الحديث صحيح بمجموع طرقه المرفوعة، والموقوف لا يخالفه؛ لأنه لا يقال بمجرد الرأي". سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥/ ٤٣٩ - ٤٤٠. وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٥٤٧ ثم قال: "رجاله رجال الصحيح".
[ ١ / ١٦٦ ]