قوله: "وللاجتهاد شرائط ستٌ: الأول" (١) هذا يستدعي أن يقول: الأولى، على التأنيث؛ لأن الشرائط جمع شريطة، لكنه حاد عن اللفظ إلى المعنى، والتقدير: الشرط الأول (٢)، والله أعلم.
قوله فيما لا مجال للعلامة فيه: "لو اشتبه (مذكاة بميتة فلا اجتهاد أيضًا على الأصح) " (٣) هذا يتعين تصويره فيما لو اشتبه) (٤) لحم مذكاة بلحم ميتة، وإن كان في لفظتي الميتة والمذكاة بعض النَّبوِّ عن (٥) هذا؛ وذلك لأن تصويره فيما إذا كانت الميتة والمذكاة بحالهما (٦) لم يفصلا، محوج (٧) إلى تصويره فيما إذا كانت الميتة (٨) ذبيحة مجوسي أو نحو ذلك، ثم لا يحصل حينئذٍ الغرض من ادعاء كونهما (٩) مما لا مجال للعلامة فيه؛ لأن ما يكون بحيث يتكلف في تصوير الاشتباه فيه، ويتمحل لكون الأمارات المميزة المانعة من الاشتباه غالبة عليه، لا
_________________
(١) الوسيط ١/ ٣٤٣ - ٣٤٤.
(٢) انظر: فتح العزيز ١/ ٢٧٩، التنقيح ل ٣٤/ أ، المطلب العالي ١/ ١١٥/ أ.
(٣) الوسيط ١/ ٣٤٤. وقوله على الأصح أي أصح الوجهين، وجزم به العراقيون. انظر: التعليقة للقاضي حسين ١/ ٥٠٠، الإبانة ل ٥/ أ، فتح العزيز ١/ ٢٨٠، التنقيح ل ٣٤/ أ.
(٤) ما بين القوسين زيادة من (أ) و(ب).
(٥) في (أ): النوعين. بدل "النبوَّ عن"
(٦) في (أ): بحالها.
(٧) يفصلا محوج: سقط من (أ).
(٨) قوله: "فيما إذا كانت الميتة" سقط من (أ).
(٩) في (د): كونها، المثبت من (أ) و(ب).
[ ١ / ١٠٠ ]
يستقيم أن (١) يُدَّعي فيه أنه (٢) لا مجال للعلامات فيه، بل يصلح مثالًا لما يذكره في الشرط السادس وهو أن يكون للعلامات مجال في المجتهد فيه ثم تقع منه (٣) صورة لا تلوح فيها علامة (٤). ووجه تجويز الاجتهاد فيهما أنهما لا يخلوان من أمارة من حيث الثقل والخفة؛ فإن لحم الميتة ثقيل يرسب في الماء أولًا، بخلاف لحم المذكاة، والله أعلم.
ما ذكره صاحب الكتاب في غلبة الظن بالنجاسة (٥)، محصوله أن ظن النجاسة إذا كان مرسلا غير مستند إلى سبب معين، ففي ثبوت النجاسة به قولان (٦)، أما إذا استند إلى سبب معين كبول الظبية في الماء الكثير في المسألة المذكورة (٧)، فإنه يحكم بالنجاسة قطعًا (٨)، وهذا صحيح بدلالة خبر العدل؛ فإنه يوجب الحكم بالنجاسة قطعًا (٩) ولا يبالى بأن الأصل عدمها، وإثبات النجاسة بالظن المرسل
_________________
(١) في (أ): بأن.
(٢) في (أ): بأن.
(٣) سقط من (ب).
(٤) انظر: الوسيط ١/ ٣٤٦.
(٥) قال الغزالي: "وإن كانت النجاسة غالبة على الظن فيلحق بمحل الشك أو اليقين، فعلى وجهين ". الوسيط ١/ ٣٤٥.
(٦) أصحهما يلتحق بالشك فيجوز استعمال الماء بغير اجتهاد عملًا بالأصل. التنقيح ل ٣٤/ ب.
(٧) قال الغزالي: "وقد نص الشافعي - ﵁ - على أنه لو رأى ظبية تبول في ماء فانتهى إلى الماء وهو متغير فلا يدرى أنه من طول المكث أو البول أخذ بنجاسته إحالةً على السبب الظاهر". الوسيط ١/ ٣٤٦. وانظر الأم ١/ ٥٩.
(٨) انظر: المهذب ١/ ٨، التهذيب ص ٥٦، فتح العزيز ١/ ٢٧٧، المجموع ١/ ٢٠٥.
(٩) انظر: حلية العلماء ١/ ١٠٢، التهذيب ص: ٥٦، المجموع ١/ ١٧٦.
[ ١ / ١٠١ ]
ضعيف، وهو خلاف ظاهر المذهب (١)، وقد (٢) قيل: إنه قول مخرَّج من أحد القولين في المقبرة القديمة التي لا يتحقق نبشها (٣)، وذكر المحاملي (٤) أنه ليس بشيء، وإن بقي التنجيس منصوص (٥) عليه في "الأم" (٦)، و"حرملة" (٧)، والله أعلم.
قوله: "اليقين لا يرفع بالشك" (٨) هذا قد أنكره بعض الأصوليين (٩) على من يقوله من الفقهاء، من حيث إن الشك إذا طرأ على اليقين رفعه لا محالة. وليس
_________________
(١) انظر: التهذيب ص: ٥٢، روضة الطالبين ١/ ١٤٨.
(٢) سقط من (ب).
(٣) انظر: المطلب العالي ١/ ل ١٢١/ أ - ب.
(٤) الإمام الجليل احمد بن محمَّد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبي البغدادي المعروف بالمحاملي، ويعرف أيضًا بابن المحاملي، وهذه النسبة لأن بعض أجداده كان يبيع المحامل التي يركب عليها في الأسفار، توفي سنة ٤١٥ هـ، ومن مصنفاته: المجموع، والمقنع، اللباب، وغيرها. انظر ترجمته في: السير ٣/ ٤٠٣، طبقات السبكي ٤/ ٤٨، طبقات الأسنوي ٢/ ٣٨١. ولم أقف على قوله هذا فيما بين يدي من مصادر.
(٥) كذا في جميع النسخ بالرفع (منصوص)، ولعل الصواب (منصوصًا) بالنصب على أنه حال من التنجيس، وليس صفة له.
(٦) ١/ ٥٩.
(٧) أي مختصر حرملة، وهو حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة التجيبي، نسبة إلى تجيب بضم التاء وهي قبيلة، روى عن الشافعي وابن وهب وهو راويته، توفي سنة ٢٤٣ هـ، ومن تصانيفه: المبسوط، والمختصر. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء ١/ ١٥٥، طبقات السبكي ٢/ ١٢٧، طبقات الأسنوى ١/ ٢٨. لم أقف على النقل عنه فيما بين يدي من مصادر.
(٨) الوسيط ١/ ٣٤٥.
(٩) نقله الزركشي في المنثور في القواعد ٢/ ٢٨٦ عن إمام الحرمين.
[ ١ / ١٠٢ ]
الأمر على ما قال؛ لأن المراد من ذلك أن حكم اليقين لا يرفع بالشك، لا نفس اليقين (١)، والله أعلم.
والحاجة ماسَّة جدًا في هذا المقام إلى ذكر مهمات كنت حققتها وأوضحتها فيما سبق لي من "شرح مشكل المهذب"، وأنا أعيد (٢) ذكرها ههنا (٣) إن شاء الله تعالى على وجهها؛ فإن تغييرها مع استقامتها تكلف. فأقول أولًا: إنه يتردد على ألسنة الفقهاء أن الأصل والظاهر إذا تعارضا في مسألةٍ كان فيها خلاف (٤)، وممن أطلق ذلك من (٥) المذكورين القاضي أبو سعيد الهروي (٦) مصنف كتاب "الإشراف على غوامض الحكومات" فإنه قال فيه (٧): "كل مسألة تقابل فيها أصلان، أو أصل وظاهر، ففيها قولان". وهذا الإطلاق غير مرضي، والتحقيق الأصولي قاضٍ في ذلك بالتفصيل، فأقول (٨): إذا تعارضا فالواجب
_________________
(١) انظر: التنقيح ل ٣٤/ ب.
(٢) في (أ): أعتمد.
(٣) في (أ): هنا.
(٤) انظر: التعلقة للقاضي حسين ١/ ٢٣٧، فتح العزيز ١/ ٢٧٦، ونقله النووي عن صاحب التتمة انظر المجموع ١/ ٢٠٦.
(٥) في (أ): في.
(٦) القاضي محمَّد بن أحمد بن يوسف الهروي، وقال السبكي: أبو سعيد بن أحمد بن أبي يوسف الهروي، أخذ عن أبي عاصم العبادي وشرح تصنيفه في أدب القضاء، وهو شرح مشهور سماه الإشراف على غوامض الحكومات، توفي سنة ٥١٨ هـ انظر ترجمته في: طبقات السبكي ٥/ ٥١٣، طبقات الأسنوي ٢/ ٥١٩، طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٩١، ذيل طبقات ابن الصلاح ٢/ ٨٤٢.
(٧) انظر النقل عنه في: المجموع ١/ ٢٠٦.
(٨) نقل هذا التفصيل النووي واستصوبه في المجموع ١/ ٢٠٦، والسيوطي في الأشباه والنظائر ص: ٦٤.
[ ١ / ١٠٣ ]
النظر في الترجيح كما في سائر صور تعارض (١) الدليلين، فتارة يتردد في الراجح، فيرجح الظاهر مرة، ويرجح الأصل أخرى، فيُجْعل في المسألة قولان كما في الصورة (٢) التي تقدم ذكرها (٣)، وتارة يترجَّح الدليل المقتضي للعمل بالظاهر قطعًا، فيحكم بالظاهر قطعًا كما فيما ذكرناه من إخبار العدل بوقوع النجاسة، ومن صور ذلك ما إذا رأى ظبية تبول في ماء كثير ثم وجده متغيرًا، فالطريقة الصحيحة أنَّا نحكم بنجاسته (٤) قولًا واحدًا، وتارة يترجح الدليل المقتضي لاستصحاب الأصل فيقضى به قولًا واحدًا، و(٥) مثال ذلك فيما نحن بصدده أن يظهر احتمال النجاسة وتعم البلوى بحيث تقضي عاطفة الشرع باستصحاب الطهارة قطعًا، فمن أصاب (٦) ثوبه شيء من لعاب الخيل، أو (٧) البغال، أو (٨) الحمير، أو عرقها، جازت صلاته فيه، قطع الشيخ أبو محمَّد الجويني - ﵀ - بذلك في كتاب "التبصرة في الوسوسة" (٩) وذكر أنها وإن كانت لا تزال تتمرغ في الأمكنة النجسة، وتحك بأفواهها قوائمها التي لا تخلوا من النجاسة، فإنا لا نتيقن نجاسة عرقها ولعابها؛ لأنها (١٠) تخوض الماء
_________________
(١) في (أ): تعارض صور، بالتقديم والتأخير.
(٢) في (د): الصور، والمثبت من (أ) و(ب).
(٣) راجع (١/ ١٠١).
(٤) في (ب): بنجاستها.
(٥) سقط من (أ).
(٦) فمن أصاب: مكررة في (ب).
(٧) في (أ) و(ب): و.
(٨) نفسه.
(٩) انظر: ص: ٥٤٢ - ٥٤٥.
(١٠) في (ب): فإنها. وهي سقط من (أ).
[ ١ / ١٠٤ ]
الغمر (١)، وتغسل أبدانها، وتكرع (٢) في الماء الكثير كثيرًا، فغلَّبْنا أصل الطهارة في لعابها وعرقها، ولم يزل رسول الله - ﷺ -، وأصحابه، والمسلمون بعدهم، يركبون الخيل (٣) والبغال والحمير في الجهاد، والحج، وسائر الأسفار، ولا يكاد ينفك الراكب في مثل ذلك عن أن يصيب ثوبه شيء من عرقها أو (٤) لعابها، ثم كانوا يصلون في ثيابهم التي ركبوا فيها وما كانوا يُعِدُّون ثوبين: ثوبًا للركوب، وثوبًا للصلاة، والله أعلم.
فصل:- ينتفع به إن شاء الله تعالى في الميز بين موقع الوسواس المذموم، وموقع الاحتياط المحمود، في باب الطهارة والنجاسة - وفيه مسائل:
الأولى: ذكر صاحب "نهاية المطلب في دراية المذهب" (٥) أن ما يتردد في طهارته ونجاسته مما الأصل طهارته ثلاثة أقسام: أحدها: ما يغلب على الظنَّ طهارته: فالوجه الأخذ بطهارته، ولو أراد الإنسان أن يطلب يقين الطهارة فلا حرج عليه، بشرط أن لا ينتهي إلى الوساوس (٦) التي تنكِّد (٧) عيشه، وتكدر عليه وظائف العبادات، فإنَّ المنتهي إلى ذلك خارج عن مسالك السلف
_________________
(١) أي الكثير. انظر: مختار الصحاح ص: ٤٨٠، القاموس المحيط ٢/ ١٨٥.
(٢) كرع في الماء كرعًا وكروعًا: شرب بفيه من موضعه، من غير أن يشرب بكفه، ولا بإناء، وذلك كما تشرب البهائم؛ لأنها تدخل في أكراعها. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ١٦٤، مختار الصحاح ص: ٥٦٧، القاموس المحيط ٣/ ١٠٢.
(٣) في (ب): الخيال.
(٤) في (أ) و.
(٥) انظر: ١/ ل ١٧/ ب.
(٦) في (أ): الوسواس.
(٧) في (أ): ينكد.
[ ١ / ١٠٥ ]
الصالحين، والوسوسة مصدرها الجهل بمسالك الشريعة، أو نقصان في غريزة العقل. الثاني: ما يستوي في طهارته ونجاسته التقديران: فيجوز الأخذ بطهارته، ولو انكفَّ المرء عنه كان محتاطًا. الثالث: ما يغلب على الظن نجاسته: فللشافعي فيه (١) قولان: أحدهما: أنه يجب الأخذ بنجاسته. والثاني: يجوز (٢) الأخذ بطهارته (٣).
المسألة (٤) الثانية: اشتد نكير الشيخ أبي محمَّد الجويني - ﵀ - في كتابه "في الوسوسة" (٥) على من لا يلبس ثوبًا جديدًا حتى يغسله، لما يقع ممن (٦) يعاني قصر (٧) الثياب ودقها، وتجفيفها، من إلقائها وهي رطبة على الأراضى (٨) النجسة، ومباشرتها بما يغلب على القلوب نجاسته، من غير أن تغسل بعد ذلك، وذكر أن هذه الطريقة بعينها هي طريقة الخوارج
_________________
(١) في (أ): في ذلك.
(٢) سقط من (أ).
(٣) في (ب): بالطهارة. قال النووي: هذا الذي أطلقه من القولين ليس على إطلاقه، بل هو على ما سبق تفصيله. - يريد مسألة تعارض الظاهر والأصل السابقة. المجموع ١/ ٢٠٧.
(٤) سقط من (ب).
(٥) ص: ٥٢٢ - ٥٢٦.
(٦) في (أ): مما.
(٧) قصر الثوب: دقه، ومنه القصَّار الذي هو المحوَّر للثياب؛ لأنه يدقها بالقَصَرة التي هي القطعة من الخشب، وحرفته: القِصارة بالكسر. انظر: مختار الصحاح ص: ٥٣٧، القاموس المحيط ٢/ ٢٠٣، المصباح المنير ص: ١٩٣.
(٨) في (أ): الأرض.
[ ١ / ١٠٦ ]
الحروريَّة (١) أبلاهم الله تعالى بالغلوِّ في غير موضع الغلوِّ، وبالتهاون في موضع الاحتياط. ومن سلك ذلك فكأنه يعترض (٢) على أفعال رسول الله - ﷺ - والصحابة (٣)، والتابعين، وسائر المسلمين، فإنَّهم كانوا يلبسون الجدد من الثياب قبل غسلها، وحال الثياب في أعصارهم كحالها في عصرنا، ولو أمر رسول الله - ﷺ - بغسلها لما خفي ذلك؛ فإنه مما تعم به البلوى، أرأيت لو أمرت بغسلها أكنت (٤) تأمن من أن يصيبها في هذا الغسل ما يتوهم من النجاسة؟! فإن قلت: أباشر غسلها بنفسي. فهل سمعت أحدًا يروي في ذلك خبرًا عن رسول الله - ﷺ -، أو عن أحد من الصحابة (٥)، أنهم كانوا يوجهون (٦) على الإنسان من طريق اللزوم أو طريق الاحتياط أن يباشر بنفسه غسل ثيابه حتى يأمن عليها أوهام النجاسة؟!، والله أعلم.
_________________
(١) الخوارج: هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في صفين، وانحازوا إلى قرية حروراء، وهي قرية بظاهر الكوفة، وقيل موضع على بعد ميلين منها، فنسبوا إليها، وهي فرقة مشهورة، لها أراء مشهورة، راجع في التعريف بها: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري ١/ ١٦٧، الملل والنحل للشهرستاني ١/ ١٠٦، الفصل لابن حزم ٢/ ١١٣، فرق معاصرة لغالب العواجي ١/ ٦٦ وما بعدها. وراجع في التعريف ببلدة حروراء: معجم البلدان ٢/ ٢٨٣.
(٢) في (أ): يعرض.
(٣) في (أ): أصحابه.
(٤) في (أ): كنت.
(٥) في (أ): أصحابه.
(٦) كذا في جميع النسخ، وفى التبصرة: يوجبون.
[ ١ / ١٠٧ ]
الثالثة: قال الشيخ أبو محمَّد (١): "نبغ أقوام يغسلون أفواههم إذا أكلوا خبزًا، ويزعمون أن الحنطة تداس (٢) بالثيران، وهي تبول وتروِّث في المداسة أيامًا طويلة، ولا يكاد يخلوا طحين (٣) تلك الحنطة وخبزها عن النجاسة، ثم ذكر أن هذا من مذهب الغلوَّ والخروج عن عادة السلف؛ فإنَّا نعلم أن (٤) الناس في الأعصار السالفة ما زالوا يدوسون (٥) بالحيوانات، كما يفعل أهل هذا (٦) العصر، وما روي عن النبي - ﷺ -، ولا عن أحد من الصحابة، والتابعين، وكل ذي تقوى وورع، أنهم رأوا غسل الفم (٧) من ذلك". قلت: والفقه في ذلك أن ما في أيدي الناس من القمح المتنجس بذلك ونحوه يسير جدًا بالنسبة إلى القمح السالم من النجاسة، فقد اشتبه إذًا واختلط قمح نجس قليل بما لا يحصر من القمح الطاهر، فلا منع (٨)، بل يجوز التناول من جانب، كما إذا اشتبهت أخته من الرضاع واختلطت بنساء أهل بلد (٩) لا يحصرن، فإنه يجوز له التزوج من
_________________
(١) انظر التبصرة ص: ٥٨١ - ٥٨٢.
(٢) داس الشيء برجله يدوسه دوسًا: وطئه، وداس الطعام يدوسه دياسة فانداس، والموضع: مداسة، والمِدْوس ما يداس به. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ١٤٠، لسان العرب ٤/ ٤٤٢، القاموس المحيط ٢/ ٣٤٣، المصباح المنير ص: ٧٧.
(٣) في (أ): طين.
(٤) سقط من (أ).
(٥) في (أ): يدرسون.
(٦) في (أ): هذه.
(٧) في (أ): أفواهم.
(٨) في (أ): يمنع.
(٩) في (أ): بلدة.
[ ١ / ١٠٨ ]
جانبا (١)، وهذا بالجواز أولى (٢)، وفي كلام الأستاذ أبي منصور البغدادي (٣) في "شرحه للمفتاح" إشارة إلى أنه وإن تعين ما سقط عليه الروث في حالة الدياسة فهو في محل العفو لعسر (٤) الاحتراز منه (٥)، والله أعلم.
المسألة (٦) الرابعة: مهما لم يكن الشك في النجاسة واقعًا فيما تعم به البلوى، وكان لا يلزم من (٧) الاحتراز عنه مثل ما سبق من التشديد، والغلو، والتعمق فالاحتراز (٨) عنه معدود من الورع، والاحتياط المحمود (٩)، وذلك كالاحتراز من أواني المشركين التي لا يغلب على الظن طهارتها، وكسائر الشكوك في الصور الخاصة، وما في معنى هذا (١٠)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: التعليقة للقاضي حسين ١/ ٥٠٠، التهذيب ص: ٥٤، المجموع ١/ ٢٠٨.
(٢) في (ب): أولى بالجواز، بالتقديم والتأخير
(٣) هو عبد القاهر بن طاهر بن محمَّد التميمي، إمام عظيم القدر، كثير العلم، كان يدرس في سبعة عشر فنًا، من مصنفاته: التفسير، الفرق بين الفرق، التحصيل، الملل والنحل، نفي خلق القرآن، شرح المفتاح لابن القاص، العماد في مواريث العباد، وغيرها، توفي سنة ٤٢٩ هـ انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٣/ ٢٠٣، طبقات السبكي ٥/ ١٣٦، طبقات الأسنوي ١/ ١٩٤، البداية والنهاية ١٢/ ٤٨. نقل النووي قوله هذا عن ابن الصلاح في المجموع ١/ ٢٠٨.
(٤) في (أ): لتعذر. وهو موافق لنقل النووي عنه.
(٥) في (ب): عنه.
(٦) سقط من (ب).
(٧) في (أ): عن.
(٨) في (أ): والاحتراز.
(٩) انظر: التبصرة للجويني ص: ٢٣٧.
(١٠) مثل: الاحتراز عن ثياب مدمني الخمر وأوانيهم، والاحتراز عن المقبرة التي شك في نبشها، وغير ذلك.
[ ١ / ١٠٩ ]
قول صاحب الكتاب: "السادس: أن تلوح (١) له علامة في اجتهاده: فإن تأمل فلم (٢) يظهر له علامة تيمم" (٣) يعترض فيه عليه بأن يقال (٤): ظهور العلامة من ثمرات الاجتهاد، فهو متأخر عنه، فلا يصح جعله شرطًا للاجتهاد؛ لأن شرط الشيء يتقدم عليه، ولا يتأخر (٥). وكنا نجيب عنه بأنه لم يود بقوله أولًا "للاجتهاد شرائط ست" نفس الاجتهاد بل الاجتهاد المعمول به، ثم فهمت مما عُلِّق عنه في الدرس أنه ليس مراده: أن تلوح له علامة يعمل بها، بل علامة ينظر فيها، وهذا يتقدم الاجتهاد، وهو من شروطه؛ فإنه لا يمكن الاجتهاد إلا بذلك (٦)، والله أعلم.
قوله: "ولم يبق من الأول شيء" (٧) هذا ليس شرطًا في الحكم المذكور عقيبه (٨)؛ فإنَّه إذا كانت قد بقيت من الأول بقيَّة فالحكم في ذلك كالحكم، وإنما تأثيره في أنه لا يجيء فيه الخلاف المذكور في قضاء الصلاة الثانية، بل يجب
_________________
(١) في (د): تلون، وهو تصحيف، والمثبت من (أ) و(ب).
(٢) في (ب): ولم.
(٣) الوسيط ١/ ٣٤٦.
(٤) في (ب): يقول.
(٥) انظر: التنقيح ل ٣٥/ أ.
(٦) قد تقدم في الشرط الأول: أن يكون للعلامة مجال في المجتهد فيه، فلو حمل الشرط السادس على ما فهمه ابن الصلاح لكان فيه تكرار. والله أعلم. وانظر في ذلك التنقيح ل ٣٥/ ب.
(٧) الوسيط ١/ ٣٤٧. وقبله: الثاني - أي الفرع الثاني -: إذا أدى اجتهاده إلى أحد الإناءين فصلى به الصبح، نادى اجتهاده عند الظهر إلى الثاني، ولم يبق من الأول الخ.
(٨) وهو قوله: "نصَّ الشافعي - ﵁ - على أنه يتيمم ولا يستعمل الآخر ".
[ ١ / ١١٠ ]
قضاؤها (١) على ما قطع به فيما إذا تحيَّر ولم يجتهد (٢)؛ لأن معه ماء طاهرًا بيقين، والله تعالى أعلم.
المراد بصاحب "التلخيص" أينما ذكره: أبو العباس أحمد بن أبي أحمد بن القاص (٣) الطبري (٤) صاحب أبي العباس أحمد بن عمر بن سريج (٥)، رحمهما الله تعالى وإيانا آمين.
_________________
(١) انظر: البسيط ١/ ل ١٧/ أ. وذكر الشيرازي أن فيها خلافًا كذلك وهو أن فيها ثلاثة أوجه: يعيد، لا يعيد، إن بقي من الأول بقية أعاد وإلا فلا. انظر: المهذب ١/ ٩، وكذا التنقيح ل ٣٦/ أ.
(٢) انظر الوسيط ١/ ٣٤٨.
(٣) في (أ): القاضي.
(٤) تقدم التعريف به ١/ ١٧، وقد ذكره الغزالي في الفرع الثالث إذ قال: "ثلاثة أواني: واحد منها نجس، اجتهد فيها ثلاثة، واستعمل كل واحد واحدًا وصلوا ثلاث صلوات جماعة، كل واحد إمام في واحدة. قال صاحب التلخيص: لا يصح لكل واحد ما كان مقتديًا فيه الخ الوسيط ١/ ٣٤٨.
(٥) تقدم التعريف به ١/ ٨٧.
[ ١ / ١١١ ]