قوله في أول الأهلة: "إنه مبادئ أحكام الشرع" (٢) ليس بمقبول (٣)، وشيخه إنما قال فيه: "فإن المواقيت الشرعية هي الأهلة" (٤)، والله أعلم.
ذكر أنها تؤمر بالاحتياط والأخذ بأسوأ الاحتمالات في أمور، وجعل الثالث منها (٥) ما لا تؤمر فيه بالاحتياط والأخذ بأسوأ الاحتمالات وهو: اعتدادها بثلاثة أشهر إذا طُلِّقت (٦). وهذا لا وجه له من حيث نظم الكلام، وإن لم يلزم منه تغليط في الحكم والله أعلم. قلت: يمكن أن يقال: إن اعتدادها بثلاثة أشهر فيه احتياط من حيث إن عدتها بالأقراء، وقد تكون ثلاثة أقراء أقل من ثلاثة أشهر، بل الغالب أن تكون أقل، وأما كون ذلك أسوأ الاحتمالات فهو أسوأها باعتبار أحوال الأقراء في حق من لم تخرج في حيضها وطهرها عن غالب عادات النساء في مجموع زمن الطهر والحيض، والكلام فيمن لم يعلم من عادتها أنها خرجت في مجموع الزمنين عن شهر، فإن علم من عادتها ذلك فلا تعتدُّ بثلاثة أشهر، وأما إن لم يعلم ذلك ولا ضده فيحمل الأمر على الغالب
_________________
(١) في (ب): في المستحاضة المتحيرة، وهي هذا في المتن. قال الغزالي: وهي التي نسيت عادتها قدرًا ووقتًا. الوسيط ١/ ٤٨٨.
(٢) الوسيط الموضع السابق.
(٣) في (أ): بمنقول. وسبب عدم قبوله أن الزكوات، والعدد، والديات، والكفارات، وغيرها لا تختص بأول الأهلة، والله أعلم. وانظر: التنقيح ل ٧٤/ ب.
(٤) نهاية المطلب ١/ ل ١٦٠/ أ - ب.
(٥) سقط من (ب).
(٦) انظر: الوسيط ١/ ٤٨٩.
[ ١ / ٢٨٤ ]
فيه؛ لاطِّراده دائمًا إلا في النادر، بخلاف مقادير الحيض والطهر فإنها غير مطردة على حال واحدة كاطراده، والله سبحانه أعلم (١).
قوله في إيجاب قضاء ستة عشر يومًا إذا صامت جميع شهر رمضان: "قال الشافعي - ﵁ -: تقضي خمسة عشر يومًا. وكأنه لم يخطر له تقدير الطرآن وسط النهار" (٢) هذا كما تراه! فيقال له: فقد خطر ذلك لغيره من أئمة أصحابه، ولم يوجبوا إلا قضاء خمسة عشر يومًا (٣)، وسببه ما نذكره إن شاء الله تعالى. ومن العجب أنه مع قولهه هذا، قد (٤) قال هو في الباب الذي بعد هذا فيما إذا كان حيضها خمسة أضلتها في الشهر فصامت شهر رمضان: "إنها تقضي خمسة" (٥). ولم يقل: تقضي ستة لاحتمال الطرآن. ولا يتهيأ له من العذر ما يتهيأ للإمام الشافعي - ﵁ -، لا هذا العذر القاصر الذي اعتذر هو به، إذ قد خطر له ههنا تقدير الطرآن، وتلك المسألة في الذكر قريبة (٦) من هذه (غير) (٧) بعيدة، ولا
_________________
(١) قوله: (قلت: يمكن إلخ سقط من (أ) و(ب). قال ابن الرفعة: وقد رأيت حاشية على كتاب ابن الصلاح ثم ساق هذا الكلام. المطلب العالي ٢/ ل ٢٣٠/ ب. وهذا يفيد أن هذا الجواب ليس من كلام ابن الصلاح، بل من وضع بعض من حشَّى على كتابه والله أعلم.
(٢) الوسيط ١/ ٤٨٩. وراجع مختصر البويطي ل ٤/ أ.
(٣) قال النووي: "هذا الذي قاله الشافعي قال به جمهور أصحابنا المتقدمين". أهـ التنقيح ل ٧٥ /أ، وانظر: الإبانة ل ٢٢/ ب، حلية العلماء ١/ ٢٩٠ ونقله عن: أبي علي السنجي، والشيخ أبي حامد.
(٤) في (ب): فقد.
(٥) انظر: الوسيط ١/ ٤٩٦.
(٦) في (ب): قريبة في الذكر، بالتقديم والتأخير.
(٧) زيادة من (أ) و(ب).
[ ١ / ٢٨٥ ]
ما اعتذر به الأصحاب وذكروه من المستند كذلك؛ إذ منهم من قال: إن (١) كلام الإِمام مفروض فيمن علمت من عادتها أن حيضها لم يكن يطرأ وسط النهار (٢). وهذا منتف فيما ذكره لما ننبِّه عليه إن شاء الله تعالى من كلامه هناك.
وفيما علقته بنيسابور - صانها الله تعالى وسائر بلاد الإِسلام وأهله - من كتاب "المحيط بمذهب الشافعي - ﵁ - " تأليف الشيخ أبي محمد الجويني (٣): "أن عامة مشايخهم لم يوجبوا عليها إلا قضاء خمسة عشر يومًا"، وحكى عن شيخه القفال عن شيخه أبي زيد (٤) قوله: "إن الواجب عليها قضاء ستة عشر يومًا لاحتمال الطرآن". ثم قال: "وهذا (٥) الذي قاله محتمل ظاهر، غير أن الذي أجمع عليه أصحابنا (٦): سلوك سبيل التخفيف والترفيه (٧) في بعض الأحوال". قلت: وممن (٨) قال بالخمسة عشر من العراقيين: أبو علي صاحب "الإفصاح"، والشيخ أبو حامد الأسفراييني، والمحاملي - ﵃ - (٩). قلت: وما
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ١٦٧/ ب، فتح العزيز ٢/ ٥٠٨، روضة الطالبين ١/ ٢٦٨.
(٣) انظر النقل عنه في: المجموع ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨.
(٤) هو أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد المروزي الفاشاني - نسبة إلى فاشان إحدى قرى مرو - من أئمة أصحاب الشافعي الخراسانيين، من أصحاب الوجوه، الإِمام المدقق، الزاهد، العابد، أقام بمكة سبع سنين وحدث بها، توفي بمرو سنة ٣٧١ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء ٢/ ٢٣٤، طبقات السبكي ٣/ ٧١، طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٤٤.
(٥) سقط من (ب).
(٦) في (أ): أصحاب.
(٧) في (أ): التحقيقة.
(٨) في (د): ومن، والمثبت من (أ) و(ب).
(٩) انظر النقل عنهم في: حلية العلماء ١/ ٢٩٠، المجموع ٢/ ٤٤٧.
[ ١ / ٢٨٦ ]
ذكره الشيخ أبو محمد من التخفيف يحتاج إلى تمام؛ فما بالتحكم يخصُّ بالتخفيف شيئًا دون شيء. فأقول: أما الاقتصار في قضاء الصوم على خمسة عشر (١) فلأن تقدير الطرآن في وسط النهار تقدير أمر مفسد للصوم بعد انعقاده، والأصل عدمه، وليس كذلك طرآنه ليلًا، فإنه حينئذٍ لا ينعقد من أصله. وأما التخفيف في قضاء الصلوات بعد أدائها، وفي اعتدادها بثلاثة أشهر؛ فلأن ذلك حرج شديد، والأصل انتفاؤه في الشريعة السمحة، والله أعلم.
قوله في قضاء الصوم: "تُقَدِّرُ الشهر نصفين، وهو الدور بكماله في تقديرنا" (٢) يعني تقديرنا أكثر الحيض خمسة عشر يومًا (٣)، فإن المراد بالشهر ثلاثون (٤) يومًا، فإذا كان الحيض خمسة عشر (٥)، والطهر خمسة عشر فقد كمل بهما الثلاثون يومًا. وما ذكره من الضابط في صوم يومين فما زاد من الأضعاف، وزيادة يومين (٦)، مطرد في صوم (يوم) (٧) واحد؛ فيكون المجموع أربعة أيام (٨)، فتصوم
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) الوسيط ١/ ٤٩٠.
(٣) انظر: التنقيح ل ٧٥ / أ.
(٤) في (ب): ثلاثين.
(٥) في (أ): خمسة عشر يومًا.
(٦) قال الغزالي: "فإن كان عليها قضاء يومين: فتضعِّف فيصير أربعة، وتزيد يومين فيصير ستة، وتصوم ثلاثة ولاءً من أول الشهر، وثلاثة ولاءً من أول النصف الثاني، فيقع اثنان لا محالة في الطهر". أهـ الوسيط ١/ ٤٩٠ - ٤٩١.
(٧) زيادة من (أ) و(ب).
(٨) وذلك بتضعيف اليوم وزيادة يومين.
[ ١ / ٢٨٧ ]
يومين ولاءً من أول الشهر، ويومين (١) ولاءً من أول (٢) النصف. لكن لم يذكر ذلك اختيارًا لما هو الأقل (٣)، وهو الثلاثة المذكورة (٤)، والله أعلم.
قوله في قضائها الصلوات الفائتة: "فإن كان (٥) عليها مائة ظهر (٦): فتضعِّف وتريد صلاتين، فتأتي بالنصف وهو: مائة صلاة وصلاة في أول الثلاثين في أي وقت شاءت" (٧) أي تجعل الثلاثين في أي وقت شاءت، ولا يتعيَّن أول الشهر (٨). ثم قال: "وإنما استغنينا في الصلاة بزيادة صلاتين على الضعف؛ لأن الانقطاع في واحدة لا يفسد ما مضى من الصلوات" (٩) فقوله "استغنينا" أي عما تقرر في صوم اليوم الواحد (١٠)، والصلاة الواحدة من فعلهما (١١) ثلاث مرات: مرتين في أول الثلاثين مع التخليل بينهما بما يسعهما، ومرة ثالثة في أول السادس عشر مع تأخيرها عن أوله بمقدار ما خللت به أولًا بين الأوليين (١٢). وطرد ذلك غير واحد
_________________
(١) قوله: (ولاءً من ويومين) سقط من (أ).
(٢) في (د): آخر، والمثبت من (أ) و(ب).
(٣) في (د) و(ب): أقل، والمثبت من (أ).
(٤) انظر: الوسيط ١/ ٤٩٠.
(٥) سقط من (أ).
(٦) في (ب): ظهر مثلًا.
(٧) الوسيط ١/ ٤٩١.
(٨) في (أ): في أول الشهر. وانظر: التنقيح ل ٧٥/ ب.
(٩) الوسيط ١/ ٤٩١.
(١٠) سقط من (أ) و(ب).
(١١) في (أ): فعلها.
(١٢) انظر: الإبانة ل ٢٣/ أ، الوسيط ١/ ٤٩٠.
[ ١ / ٢٨٨ ]
من الأصحاب في الصلوات المتعددة (١) فقال: تصليها أولًا على الولاء، ثم تصبر حتى يمضي مثل الأوقات التي صلتها فيها، ثم تعيدها جميعها مرة أخرى، ولها الفسحة إلى آخر الخمسة عشر، ثم تصبر حتى يمضي (٢) من أول السادس عشر مقدار الوقت المتخلل بين المرتين الأوليين، ثم تعيدها مرة أخرى. وهذا وإن كانت تخرج به (عن) (٣) العهدة فقد استغنينا عنه بما دون ذلك وهو: التضعيف مع زيادة صلاتين، وفعل النصف أولًا على الولاء والاتصال من غير فصل وتخليل؛ لأنا في الصلاة الواحدة خشينا من انقطاع الحيض أو طرآنه المفسد لها، فتحرَّزنا عن ذلك بتكريرها ثلاث مرات مع الفصل والتخليل. وأما الصلوات فهي عبادات متعددة، (و) (٤) إنما يؤثِّر الطرآن والانقطاع بإفساد قضاء واحدة دون غيرها، ويحصل الاحتراز عن ذلك بزيادة صلاتين؛ لأن طرآن الحيض في وسط واحدة، وانقطاعه في أخرى إنما يفسد صلاتين، والكلام مفروض فيما إذا كان الجميع من جنس واحد، فتسلم مائة لا محالة (٥). وذلك ما عليها. وعلى الجملة فاستقصاء (٦) التقديرات في الصورتين شاهد بهذا الفرق بينهما.
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ١٦٩/ ب، التهذيب ص: ٣٢٨ - ٣٢٩، وراجع فتح العزيز ٢/ ١١.
(٢) قوله: (مثل الأوقات يمضي) سقط من (ب).
(٣) زيادة من (أ) و(ب).
(٤) زيادة من (أ).
(٥) انظر: المطلب العالي ٢/ ل ٢٤٥/ ب - ل ٢٤٦/ أ.
(٦) في (ب): استقصاء.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وأما قوله: "لأن (١) الانقطاع في واحدة لا يفسد ما مضى من الصلوات" فعقدة من العقد، وكان ينبغي أن يقول: لأن الطرآن (٢)؛ فإن (٣) ما ذكره شأن الطرآن دون (٤) الانقطاع الذي يتقدمه لا محالة الحيض المفسد لما مضى قبله. وقد تأولناه له بعد الجهد الجهيد، والأمد الطويل، على أنه ليس المراد (٥): لأن الانقطاع في (٦) واحدة لا يفسد ما مضى من الصلوات بما يتقدم الانقطاع من الحيض. بل المراد أن الانقطاع لا يفسد ذلك بما يتقدمه من طرآن الحيض الذي هو مما احترزنا عنه في الصلاة الواحدة بما ذكرناه وقلنا: يحتمل أن يطرأ الحيض في واحدة، وينقطع في أخرى على ما شرحناه (٧)، والله أعلم.
ومما أخلَّ به في ذلك مما لا بد منه، ما ذكره الإِمام (٨): من أنه يجب أن يُراعى أن تكون أزمنة الصلوات واغتسالاتها في أول السادس عشر مثل أزمنتها أولًا؛ كيلا يفسد النظام إذ يمكن أن يقع ما يزيد على مثل (٩) الأزمنة الأولى في (١٠) حيض جديد من السادس عشر والله أعلم.
_________________
(١) في (ب): فإن.
(٢) انظر: التنقيح ل ٧٦/ أ، المطلب العالي ٢/ ل ٢٤٦/ أ.
(٣) في (ب): لأن.
(٤) في (ب): لا.
(٥) في (أ): المراد به.
(٦) سقط من (ب).
(٧) وانظر: المطلب العالي ٢/ ل ٢٤٦/ أ - ب.
(٨) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ١٧٠/ ب.
(٩) سقط من (ب).
(١٠) في (د): من، وهو خطأ، والمثبت من (أ) و(ب).
[ ١ / ٢٩٠ ]