ما ذكره في تقدم (١) المأموم على الإمام وتأخره ومساواتهما من أن التعويل على الكعب (٢). شاذ، والمذكور في "نهاية المطلب" (٣)، و"التهذيب" (٤)، وغيرهما (٥) في ذلك العقب (٦)، والتعويل عليه أولى؛ فإن التقدم (٧) والمساواة فيه أحرى بأن يدرك ولا يخفى، والله أعلم.
قوله: "وإن كانا في مسجدين وبينهما باب لافظ" (٨) أي لاصق بالأرض نافذ من غير فاصل بينهما من طريق أو غيره، هذا ما أشعر به ما علقته من بعض
_________________
(١) في (د) و(أ): تقديم، والمثبت من (ب).
(٢) على الكعب: سقط من (أ). وقال الغزالي: "الأول: أن لا يتقدم في الموقف على الإمام، فإن فعل بطلت صلاته على الجديد ولو ساواه جاز، ولكن التخلف قليلًا أحبُّ، ثم التعويل على مساواة الكعب". أهـ الوسيط ٢/ ٧٠٥.
(٣) ٢/ ل ١٦١/ ب.
(٤) ص: ٦٢٥.
(٥) كالتعليقة للقاضي حسين ٢/ ١٠٤٨، وحلية العلماء للشاشي ٢/ ٢١٤.
(٦) العقب هو مؤخرة القدم. أما الكعب فقيل: هو العظم الناشز في جانب القدم عند ملتقى الساق والقدم، فيكون لكل قدم كعبان عن يمينها ويسرتها، وقيل: هو المفصل بين الساق والقدم. انظر: القاموس المحيط ١/ ١٤١، ١٦٥، المصباح المنير ص ١٥٩، ٢٠٤.
(٧) في (أ) و(ب): التقديم.
(٨) الوسيط ٢/ ٧٠٧. حيث قال: "الشرط الثاني: أن يجتمع الإمام والمأموم في مكان واحد فلا يبعد تخلفه، ولا يكون بينهما حائل ليحصل بسببه الاجتماع. والمواضع ثلاثة: موضع بني للصلاة فهو جامع وإن اختلف البناء، وبعد التخلف فهو كالمسجد، فلو وقف على سطح والإمام في بئر في المسجد صحَّ، ولو كانا في بيتين في المسجد، أو مسجدين متجاورين وبينهما باب لافظ مفتوح أو مردود صحَّ".
[ ٢ / ٢٤٦ ]
التعاليق الخراسانية، ولم أجد الكلمة في كتب اللغة، وكأنه مستعار من قولهم: لفَظ الشيء من فيهِ إذا نبذه ورماه (١)، وكأن الباب الموصوف لسهولة (٢) النفوذ منه يرمي من أحد المكانين إلى الآخر (٣)، والله أعلم.
"غلوة سهم" (٤): أي رمية سهم أبعد ما يقدر عليه الرامي، والغلوة غايتها (٥)، والله أعلم.
قوله: "نهر لا يخيض فيه غير السابح" (٦) وفي بعض النسخ بإسقاط كلمة "فيه" والأول أولى؛ يقال: أخاض القوم خيلهم الماء إذا خاضوا بها الماء، حكاه الأزهري في "تهذيب اللغة" (٧)، فيكون التقدير في هذا: نهر لا يخيض أحد الماء
_________________
(١) انظر: الصحاح ٣/ ١١٧٩، المصباح المنير ص: ٢١٢.
(٢) في (د): بسهولة، والمثبت من (أ) و(ب).
(٣) في (د): من إحدى المكانين إلى آخر، والمثبت من (أ) و(ب).
(٤) في (أ): قوله: غلوة سهم. قال الغزالي: "الموضع الثاني: الساحة التي لا يجمعها حائط فينبغي أن يكون المأموم فيها على حدِّ القرب: وهو غلوة سهم، ما بين مائتي ذراع إلى ثلاثماثة؛ لأن المكان إذا اتسع كان هذا اجتماعًا". أهـ، ذكر صاحب "المقادير الشرعية" ص: ٣٠٠ أن غلوة السهم تعادل ٤٠٠ ذراع أي ما يعادل ١٩٢ مترًا. أهـ، وعليه يكون مقدارها على ما ذكره الغزالي ما بين ٩٦ - ١٤٤ مترًا.
(٥) انظر: لسان العرب ١٠/ ١١٣، المصباح المنير ص: ١٧٢.
(٦) الوسيط ٢/ ٧٠٨. وقبله: فرع: إذا كان بين الإمام والمأموم شارع مطروق أو نهر لا يخوض فيه غير السابح، فقط انقطاع الاجتماع به وجهان. أهـ وقول ابن الصلاح: يخيض، وفي المتن: يخوض كلاهما صحيح؛ فإنه من قولهم خضت الماء أخوضه خوضًا وخِياضًا، والموضع مخاضة وهو ما جاز الناس فيها مشاة وركبانًا والله أعلم انظر: تهذيب اللغة ٧/ ٤٦٧، الصحاح ٣/ ١٠٧٥.
(٧) انظره الموضع السابق.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
فيه دابة ولا غيرها لكثرته إلا السابح الذي يخيض نفسه فيه بسباحته وعلى هذا فغير السابح مرفوع بالفاعلية، وإذا حذفنا منه كلمة "فيه" نصبنا غيرًا، وجعلنا النهر والماء فاعلًا، فيكون مجازًا لا بأس (١) به إن ساعده نقل، على أن في توقف المجاز على النقل خلافًا (٢)، وهذا الوجه هو مراد صاحب الكتاب؛ بدلالة قوله في البحر: "فإن كان ما بينهما يخيض السفينة" (٣)، والله أعلم.
قوله في الإمام والمأموم إذا كانا في أبنية مملوكة: "فإذا وقفا في بنائين (لم) (٤) يصح إلا باتصال (٥) محسوس" (٦) فقوله في بناء (٧) فيه (٨) احتراز مما إذا كانا في بيت واحد و(٩) نحوه فإنه لا يعتبر فيهما إلا القرب المعتبر في الساحة كما سبق. قوله (١٠) "إلا باتصال محسوس كما إذا تواصلت المناكب" يعني به في الصف الواقف خلف الإمام في البناء الذي هو فيه إذا امتدَّ طولًا إلى بناء آخر، إما على
_________________
(١) لا بأس: سقط من (ب).
(٢) هذه المسألة تعرف بمسألة: هل المجاز يتوقف على السمع ويشترط فيه الوضع أم لا؟ انظرها في: البحر المحيط ٢/ ١٩٢ - ١٩٣، شرح التلويح على التوضيح للتفتازاني مع متنه ١/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٣) الوسيط ٢/ ٧٠٩.
(٤) زيادة من (أ) و(ب).
(٥) في (د) و(ب): إلا يصال، وهو خطأ، والمثبت من (أ).
(٦) الوسيط ٢/ ٧٠٨. وبعده: كما إذا تواصلت المناكب على الباب المفتوح بين البنائين.
(٧) هذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: بنائين، كما هو في المتن، والله أعلم.
(٨) سقط من (أ) و(ب).
(٩) في (أ): أو.
(١٠) في (أ) و(ب): وقوله.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
اليمين، وإما على اليسار، وهذا الصف (١) هو المذكور في قوله "ولو تقدم على (٢) الصف المتصل في البناء الذي ليس فيه الإمام لم تصح صلاته" (٣). وفيه احتراز عما إذا تقدم على الصف المذكور مأموم في البناء الذي فيه الإمام فإنه تصح صلاته؛ لكونه مع الإمام، والله أعلم.
ذكر أن الإمام والمأموم إذا كانا في البحر في سفينتين مكشوفتين جاز إذا كان بينهما أقل من غلوة سهم، وقال "فهو كالذي على الأرض لا كالنهر على الأرض" (٤) أراد أن ما يتخلل السفينتين من البحر وإن كان لا يخوضه غير السابح فلا (٥) يقطع الاتصال، بخلاف ما (٦) إذا كانا على الأرض وبينهما نهر لا يخوضه غير السابح فإنه يقطع الاتصال على أحد الوجهين (٧) والفرق ما أشار إليه من أنهما ههنا في سفينتين (٨)، وما بينهما من البحر يخاض بالسفينة، والله أعلم.
قوله (٩): "في سفينتين مكشوفتين" فيه احتراز مما إذا كانتا مسقفتين فيهما أبنية؛ فإنهما كالدارين (١٠)، والله أعلم.
_________________
(١) في (د): الوصف، وهو تصحيف، والمثبت من (أ) و(ب).
(٢) تكررت في (ب).
(٣) الوسيط ٢/ ٧٠٩.
(٤) الوسيط ٢/ ٧٠٩.
(٥) في (ب): لا.
(٦) سقط من (أ).
(٧) وهو الوجه المرجوح منهما. انظر: فتح العزيز ٤/ ٣٤٧، روضة الطالبين ١/ ٤٦٦.
(٨) في (ب): سفينة.
(٩) في (أ) و(ب): وقوله.
(١٠) انظر: الحاوي ٢/ ٣٤٧، التعليقة للقاضي حسين ٢/ ١٠٦٣، التهذيب ص: ٦٣٢.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
قوله: "إذا اختلف موقف الصف الواقف خلف الإمام ارتفاعًا وانخفاضًا" فشرح ما ذكره فيه (١): أنه يشترط الاتصال بين المستفل وبين المعتلي (٢) الواقف إلى جانبه، بأن يكون المستفل بحيث يلقى رأسه ركبة المعتلي، فلو كان المستفل قصيرًا، والمعتلي طويلًا نظر فإن كان موقف المستفل بحيث يلقى رأسه ركبة المعتلي لو كان لكل واحد منهما قامة معتدلة كفى ذلك (٣)، وصاحب "التقريب" لم يعتبر الركبة في كل (٤) ذلك وقال: "يكفي أن يلقى قدمه" (٥)، والله أعلم.
قوله: "كما إذا قال: بعت هذه الرمكة فإذا هي نعجة" (٦) هكذا وقع في كلامه، والرمكة هي الأنثى من البراذين (٧)، ولا تشتبه (٨) بالنعجة، وصوابه: فإذا هي بغلة، والله أعلم.
_________________
(١) قال الغزالي: "إذا اختلف الموقف ارتفاعًا وانخفاضًا فهو كاختلاف البناء، فلا بدَّ من اتصال محسوس، وهو أن يلقى رأس المستفل ركبة العالي تقديرًا، لو قدِّر لكل واحد منهما قامة معتدلة). الوسيط ٢/ ٧٠٩.
(٢) في (أ): المستعلي.
(٣) انظر: فتح العزيز ٤/ ٣٥٢، المجموع ٤/ ٣٠٧، روضة الطالبين ١/ ٤٦٧.
(٤) سقط من (ب).
(٥) انظر النقل عنه في: نهاية المطلب ٢/ ل ١٦٧/ أ، وقوله هو الذي قطع به الجمهور. انظر: المراجع السابقة.
(٦) الوسيط ٢/ ٧١٠. وقبله: ولو نوى المقتدي نيته بالحاضر، وقال: نويت الإقتداء بزيد الحاضر، فإذا هو عمرو ففي الصحة وجهان، كما إذا قال: بعت هذه الرمكة إلخ
(٧) انظر: الصحاح ٤/ ١٥٨٨، المصباح المنير ص: ٩١. والبراذين: جمع برذون بكسر الموحدة، وسكون الراء، وفتح المعجمة، والمراد الجفاة الخلقة من الخيل، وأكثر ما تجلب من بلاد الروم، ولها جَلَد على السير في الشعاب والجبال والوعر بخلاف الخيل العربية. انظر: فتح الباري ٦/ ٧٩.
(٨) في (أ): تشبيه.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
قال: "الشرط الخامس: الموافقة. ثم قال: الشرط السادس: المتابعة (١) وكل واحد من هذين اللفظين يصلح لأَن يكون في موضع الآخر، لكن اصطلح مع نفسه فعبَّر بالموافقة عن مجانبة مخالفة الإمام في ترك سجدة التلاوة ونحوها، وبالمتابعة عن مجانبة مخالفته في وقت الفعل تقدمًا وتأخرًا، لا (٢) في أصل الفعل، والله أعلم.
قوله في "المسبوق إذا أدرك بعض الفاتحة فثلاثة أوجه: أحدها: يترك القراءة ويركع. والثاني: يتمم؛ لأنه التزم بالخوض. والثالث: إذا اشتغل بدعاء الاستفتاح فقد قصَّر فليتدارك وإلا فليركع. فإن قلنا (٣): يتدارك فرفع الإمام رأسه من الركوع قبل ركوعه فقد فاتته هذه الركعة، وتبطل صلاته على أحد الوجهين؛ لأن هذا الركوع قائم مقام ركعة فكأنه سبقه بركعة، وهو بعيد" (٤) يعني: لأنه ركن واحد والسبق بركن غير مبطل (٥). هذا مشكل من حيث إنه أطلق قوله في التفريع "فإن قلنا: يتدارك" فأوهم أنه على الوجه الثاني المقول (٦) فيه: بوجوب تدارك ما بقي من الفاتحة لكونه التزم ذلك بالشروع فيها: تفوته تلك الركعة إذا رفع الإمام رأسه من الركوع قبل فراغه من التدارك، ومن
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٧١١.
(٢) في (أ): إلا، وفي (ب): ولا.
(٣) سقط من (ب).
(٤) الوسيط ٢/ ٧١٣.
(٥) انظر: التعليقة للقاضي حسين ٢/ ١٠٥١، المهذَّب ١/ ٩٦، حلية العلماء ٢/ ١٩٤، التهذيب ص: ٦١٩.
(٦) في (أ): القول.
[ ٢ / ٢٥١ ]
المعلوم المسطور أنه ليس كذلك، وأنه يكون مدركًا للركعة وإن لم يلحق الإمام إلا بعد أركان، فلا يضره ذلك لكونه معذورًا غير مقصِّر في (١) التخلف (٢). وأحسب هذا الإيهام تعدى إليه - ﵀ وإيانا - لما ذكره في درسه بعد طول العهد فإني رأيت هناك بخراسان في "الوسيط" الذي علَّقه عنه من الدرس ضابط يقظ من تلامذته: هذا مذكور (٣) على أنه وجه زيَّفه، وذكر فيه أنه قد قيل: إن هذه الركعة قد فاتته؛ لأن المسبوق إنما يدرك الركعة إذا أدرك الإمام في الركوع، ثم قال: وليس بشيء، بل الأصح أنه يكون مدركًا للركعة، فإن قلنا: فاتته الركعة ففي بطلان صلاته وجهان (٤). وهذا التزييف إنما يتأتي (٥) على تقدير حمل ذلك على إطلاقه بحيث يندرج فيه الوجه الثاني. أما إذا خصصناه بالوجه الثالث القول فيه بالتدارك بناءً على تقصيره (٦) كما سنبينه إن شاء الله تعالى، فلا وجه لتزييفه، وقد حدثني بعض أصحابنا الطوسيين غير مرة أنه أرسله من استشكل ذلك بطوس (٧) إلى من كان عنده أصل (٨) الإمام الغزالي بخطه من ذريَّة
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) انظر: حلية العلماء ٢/ ١٩٣، التهذيب ص: ٦٢٠.
(٣) في (أ): مذكورًا، بالنصب.
(٤) أصحهما عدم البطلان. انظر: فتح العزيز ٤/ ٣٩٢، روضة الطالبين ١/ ٤٧٦.
(٥) في (د): يأتي، والمثبت من (أ) و(ب).
(٦) وذلك لاشتغاله بدعاء الاستفتاح عن قراءة الفاتحة الواجبة.
(٧) من مدن خراسان المشهورة، بينها وبين نيسابور قدر عشرة فراسخ، وهي تشتمل على بلدتين: الطابران، ونوقان، فتحت في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفَّان - ﵁ -. انظر: معجم البلدان ٤/ ٥٥.
(٨) في (أ): أصلي.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
ابنته فأخرج له الأصل، وإذا فيه: فإن (قلنا) (١): لا يتدارك. و"لا" فيه ملحقة، وليس الأمر في ذلك على ذلك، وإنما هو في "الوسيط": "فإن قلنا: يتدارك" من غير "لا" (٢)، ووجهه: أنه مخصوص بالتدارك المقول به في الوجه الثالث؛ فإنه مبني فيه على التقصير، دون التدارك المقول به في الوجه الثاني؛ فإنه غير مبني على تقصيره بل على أن الشروع (٣) مُلْزم. وهذا التخصيص مصرَّح به في "البسيط" (٤)، وكذلك صرَّح في "النهاية" (٥) بأن الحكم بفوات الركعة وما تفرَّع عليه جار على الوجه الثالث نحو جريانه على الوجه الأول المقول فيه بوجوب الركوع، إذا خالف ولم يركع بل قرأ حتى فاته الركوع، والله أعلم.
_________________
(١) زيادة من (أ) و(ب).
(٢) في (د): من غيره، والمثبت من (أ) و(ب).
(٣) في (ب): الشرع.
(٤) ١/ ل ١٣٢/ أ.
(٥) ٢/ ل ١٥٧/ ب.
[ ٢ / ٢٥٣ ]