قوله: "فالجمادات أصلها على الطهارة إلا الخمر فإنها نجس" (١) لم يستثن الفضلات النجسة المنفصلة من باطن الحيوان (٢)؛ لكونه جعلها من قبيل أجزاء الحيوان، وذلك اصطلاح منه مع نفسه بعيد (٣). قوله (٤) "فإنها نجس" الأجود أن يقال: بفتح الجيم؛ فإنه مصدر يجوز أستعماله في المؤنث، ويجوز كسر الجيم على أن التقدير فيه (٥): فإنها شيء نجس (٦)، والله أعلم.
قوله في الآدمي الميت: "لأنه تُعُبَّد بغسله والصلاة عليه، فلا يليق بكرامته الحكم بنجاسته" (٧) إن أراد بغسله غسل الميت الشامل لبدنه فتأثيره من وجهين: أحدهما: دلالته على ما ذكره من كرامته المنافية لنجاسته. والثاني: أنه لا عهد لنا بعين نجسة تغسل ولا معنى لذلك. وإن أراد به غسله من نجاسة تقع عليه فإنه يجب إزالتها فوجه دلالته: أنه لا عهد لنا بنجاسة يجب إزالتها عن نجاسة (٨)، والله أعلم.
قوله: "قال رسول الله - ﷺ -: (أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: السمك
_________________
(١) الوسيط (١/ ٣٠٩). وقبله: والأعيان تنقسم إلى حيوانات وجمادات. والجمادات أصلها الخ.
(٢) سقط من (ب).
(٣) انظر: المطلب العالي (١/ ل ٣٩/ ب).
(٤) في (أ): وقوله.
(٥) في (ب): منه.
(٦) انظر: الصحاح (٣/ ٩٨١)، المصباح المنير (ص ٢٢٧)، التنقيح (ل ١٦/ ب).
(٧) الوسيط (١/ ٣١٠). وقبله: فإذا ماتت - أي الحيوانات - فأصلها على النجاسة إلا في أربعة أجناس: الأول: الآدمي فهو طاهر على المذهب الصحيح؛ لأنه تُعُبَّدَ الخ.
(٨) انظر: المطلب العالي (١/ ل ٤٣/ ب).
[ ١ / ٤١ ]
والجراد، والدمان: الكبد والطحال) (١) هذا هكذا حديث ضعيف عند أهل الحديث، غير أنه متماسك، رويناه في كتاب "السنن الكبير" (٢) للحافظ أبي بكر البيهقي (٣) بإسناده عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم (٤) عن أبيه (٥) عن ابن عمر عن رسول الله - ﷺ - قال البيهقي: "كذلك رواه عبد الرحمن وأخواه عن أبيهم (٦)، ورواه غيرهم موقوفًا على ابن عمر وهو الصحيح" (٧). قلت: أخواه هما عبد الله وأسامة، وإن كانوا (٨) قد ضعفوا
_________________
(١) الوسيط ١/ ٣١٠. وقبله: الثاني - أي من أن ميتته من المستثنيات من النجاسة - السمك والجراد قال رسول الله الحديث.
(٢) انظر: كتاب الضحايا، باب ما جاء في الكبد والطحال، (١٠/ ١٢) رقم (١٩٦٩٧).
(٣) العلامة الحافظ الفقيه أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، صاحب التصانيف المشهورة المفيدة، منها: السنن الكبرى، معرفة السنن والآثار، الترغيب والترهيب، شعب الإيمان، نصوص الشافعي، وغيرها توفي سنة (٤٥٨ هـ). انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (١/ ٧٥)، تذكرة الحفاظ (٢/ ١١٣٢)، طبقات السبكي (٤/ ٨)، طبقات الأسنوي (١/ ١٩٨)، البداية والنهاية (١٢/ ١٠٠).
(٤) هو العدوي مولاهم قال عنه الحافظ ابن حجر: ضعيف، روى له من أصحاب الكتب الستة الترمذي وابن ماجه، توفي سنة (١٨٢ هـ). انظر ترجمته في: الضعفاء الكبير للعقيلي (٢/ ٣٣١)، الجرح والتعديل (٥/ ٢٣٣)، ميزان الاعتدال (٢/ ٥٦٤)، تقريب التهذيب (ص ٣٤٠).
(٥) زيد بن أسلم العدوي مولى عمر بن الخطاب، أبو عبد الله وأبو أسامة، المدني، ثقة عالم وكان يرسل، روى له الجماعة، توفي سنة (١٣٦ هـ). انظر: الجرح والتعديل (٣/ ٥٥٥)، تهذيب الكمال (١٠/ ١٢)، ميزان الاعتدال (٢/ ٩٨)، تقريب التهذيب (ص ٢٢٢).
(٦) في (ب): عن أبيهم مرفوعًا.
(٧) السنن الكبرى (١٠/ ١٢).
(٨) في (ب): كان.
[ ١ / ٤٢ ]
ثلاثتهم (١)، فعبد الله منهم قد (٢) وثقه أحمد بن حنبل (٣) وعلي بن المديني (٤)، وفي اجتماعهم على رفعه ما يقويه قوة صالحة، وقد أخرجه أبو عبد الله ابن ماجه القزويني في "سننه" (٥)، لكن لم يخرِّجه أحد من أصحاب الكتب الخمسة التي هي أصول الحديث وهي: الصحيحان، وسنن أبي داود السجستاني،
_________________
(١) قال يحيى بن معين: "أسامة بن زيد بن أسلم ضعيف، وعبد الله بن زيد بن أسلم ضعيف، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف". أهـ، وقال إبراهيم بن عبد الله السعدي الجوزجاني: "أسامة وعبد الله وعبد الرحمن ضعفاء في الحديث من غير خِربة في دينهم، ولا زيغ عن الحقّ في بدعة ذكرت عنهم". اهـ انظر هذين النقلين في: تهذيب الكمال للمزي (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦)، الكامل لابن عدي (٤/ ١٠٥٢ - ١٠٥٣).
(٢) في (د): فقد، والمثبت من (أ) و(ب).
(٣) في كتاب العلل ومعرفة الرجال (١/ ١٣٢).
(٤) أمير المؤمنين في الحديث أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح بن بكر بن سعد السعدي مولاهم البصري المعروف بابن المديني إذ أصله من المدينة، شيخ البخاري، برع في الحديث وصنف وجمع وساد الحفاظ في معرفة العلل، بلغت تصانيفه مائتي مصنف منها: الأسماء والكنى، الضعفاء والمدلسون، غير أن جميعها إما مفقود أو منقرض، توفي سنة (٢٣٤ هـ). انظر ترجمته في: الجرح والتعديل (٦/ ١٩٣)، تهذيب الأسماء (١/ ٣٥٠)، السير (١٤/ ١٤)، البداية والنهاية (١٠/ ٢٢٦)، طبقات الحفاظ (ص ١٨٤). وانظر قوله في الكامل لابن عدي (٤/ ١٥٠٣).
(٥) في كتاب الأطعمة، باب الكبد والطحال (٢/ ١١٠٢)، رقم (٣٣١٤). وأخرجه كذلك الشافعي في مسنده (ص ٥٠٠)، أحمد في مسنده (٢/ ٩٧)، والدارقطني في سننه (٤/ ٢٧٢)، وقد صحح وقف الحديث الدارقطني، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبيهقي، والنووي، أما المرفوع فقال عنه النووي: "ضعيف جدًا"، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: "حديث منكر". انظر: المجموع (٩/ ٢٣ - ٢٤)، وقال في التنقيح (ل ١٧/ ب): "هو حديث ثابت، ومعناه مجمع عليه". وصحح الحديث الألباني في الإرواء (٨/ ١٦٤) رقم (٢٥٢٦)، وراجع نصب الراية (٤/ ٢٠١ - ٢٠٢)، تذكرة الأخيار (ل ٤ - ل ٥/ أ)، التلخيص الحبير (١/ ١٦٢ - ١٦٣).
[ ١ / ٤٣ ]
وجامع أبي عيسى الترمذي، وسنن أبي عبد الرحمن النسائي (١). ثم إن ثبوته عن ابن عمر كافٍ في صحة الاحتجاج به؛ لأن قوله "أحلت لنا ميتتان (٢) " بمنزلة قول الصحابي: أُمرنا بكذا ونُهينا عن كذا، في أنه عندنا وعند أصحاب الحديث وأكثر أهل العلم في حكم المرفوع إلى رسول الله - ﷺ -؛ لأن مطلق ذلك منصرف إلى من إليه الأمر والنهي والإحلال وهو رسول الله - ﷺ - (٣)، فثبت الحديث على الجملة، والله أعلم.
قوله فيما مات من دود الطعام: "يحلُّ أكله على أحد الوجهين" (٤) يعني مع الطعام (٥)، وعلَّله الدرس بوجهين: بأنه (٦) يصعب تكليف التفتيش وإخراجه منه، وبأنه كأنه جزء من الطعام. وذكر شيخه (٧) في أكله منفردًا عن الطعام وجهين. وهذا يكون مرتبًا على قول من قال: يحل مع الطعام، والله أعلم.
_________________
(١) في (د) و(أ): النسوي، وهو يصح في النسبة إلى نسا - انظر: معجم البلدان ٥/ ٣٢٥) -، لكن المشهور هو المثبت، وهو في (ب).
(٢) سقط من (أ) و(ب).
(٣) انظر: علوم الحديث للمصنف - مع شرحه التقييد والإيضاح - (ص ٥٢)، المجموع (١/ ٥٩)، (٩/ ٢٤)، التلخيص التحبير (١/ ١٦٣).
(٤) الوسيط (١/ ٣١١). ذكر النووي أنه على ثلاثة أوجه: يحل مطلقا، يحرم مطلقًا، يحل مع ما تولد منه ولا يحل منفردًا وقال: إنه الأصح. روضة الطالبين (١/ ١٢٤).
(٥) انظر: التنقيح (ل ١٧/ ب).
(٦) في (ب): لأنه.
(٧) نهاية المطلب (١/ ل ١١٠/ ب)، وذكر أن أصحهما التحريم.
[ ١ / ٤٤ ]
قوله: "الرابع: ما ليس له نفس سائلة" (١) بناه على قول القفال (٢) في أنه لا ينجس بالموت على القول بأنه لا ينجَّس الماء، وقول القفال هو الصحيح عنده (٣)، والأكثرون على خلافه، وقولهم هو الصحيح (٤)، والله أعلم.
قوله: "أما أجزاؤها (٥) فكل عضو أُبين من حيًّ فهو ميت إلا العظم والشعر ففيه خلاف سيأتي"، (٦) هذا إن حملته على ظاهر لفظه وهو عود الاستثناء إلى الموت فالحصر سالم على أن يكون المراد بالشعر: الشعر وما يلتحق به من
_________________
(١) الوسيط (١/ ٣١١). وبعده: كالذباب، والبعوض، والخنافس، والعقارب، ففي نجاسة الماء بموتها قولان: الجديد - وهو مذهب أبي حنيفة -: أن الماء لا ينجس به الخ. وقوله ما ليس له نفس سائلة يعني: ما ليس له دم يسيل، والنفس الدم. انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٢/ ١٧٠)، المجموع (١/ ١٢٨).
(٢) اشتهر بهذا اللقب عالمان من أكابر الشافعية وهما: محمَّد بن علي بن إسماعيل، وعبد الله ابن أحمد بن عبد الله، فالأول: القفال الشاشي الكبير والثاني: القفال المروزي الصغير. لكن إذا أطلق فالمراد به القفال الصغير، وهو أكثر ذكرًا في كتب الفقه، في حين أن القفال الكبير إذا ذكر قُيَّد بالشاشي وربما أطلق في طريقة العراقيين، وهو أكثر ذكرًا في الأصول، والتفسير، والحديث، والكلام، والجدل. قال النووي: "ولا ذكر له - أي الشاشي الكبير - في الوسيط". تهذيب الأسماء (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، التنقيح (ل ١٨/ ب). وانظر النقل عنه في: المجموع (١/ ١٣٠)، روضة الطالبين (١/ ١٢٣).
(٣) وممن صحح قول القفال الفوراني في الإبانة (ل ٣/ ب).
(٤) انظر: الحاوي (١/ ٣٢٠)، التنبيه (ص ١٣)، المهذَّب (١/ ٦)، المجموع (١/ ١٣٠)، الغاية القصوى (١/ ٢٢٨)، الإقناع في حلَّ ألفاظ أبي شجاع (١/ ٢٣).
(٥) أي أجزاء الحيوانات، وقد تقدم الكلام على الحيوانات في الوسيط راجعه (١/ ٣٠٩ - ٣١٣).
(٦) الوسيط (١/ ٣١٣).
[ ١ / ٤٥ ]
صوف، ووبر، وريش (١)، والخلاف في موتها هو الخلاف المعروف في أنها (٢) هل (٣) تحلُّها الحياة أو لا؟ (٤)، وإن حملته على ما يقتضيه سياقة (٥) الكلام كان المراد كل عضو أبين من حيًّ فهو نجس، ثم لا يسلم الحصر؛ فإن ما يبان من أعضاء الآدمي والسمك طاهر على الصحيح (٦).
وقولهم (٧): "ما أبين من حيًّ فهو ميت"، يذكرونه عن رسول الله - ﷺ -، والذي رويناه في ذلك في كتب الحديث حديث أبي واقد الليثي (٨) أن النبي - ﷺ - قال: (ما قطع من البهيمة وهي حيَّة فهو ميت (٩» أخرجه أبو داود في "سننه" (١٠)، وأخرجه
_________________
(١) الصوف للغنم، والوبر للإبل، والريش للطير، والشعر للمعز ويكون في الإنسان. انظر: القاموس المحيط (٢/ ١٢٦، ٢٤٧، ٤٢٥، ٣/ ٢٢١)، المصباح المنير (ص ١٢٠، ٩٤، ٢٤٧).
(٢) في (ب): أنه.
(٣) سقط من (أ) و(ب).
(٤) بمعنى هل فيه حياة فينجس بالموت أم لا؟ فمن قال: فيه حياة استدل: بأنه ينمو من الحيوان فينجس بموته كأعضائه. ومن قال: إنه لا حياة فيه استدل: بأنه لا يحس ولا يألم وهما دليل الحياة، ولأنه لو انفصل في الحياة كان طاهرًا ولو كان فيه حياة لنجس بفصله للحديث (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة) وسيأتي كلام المصنف على هذا الحديث قريبًا والذي عليه المذهب من القولين: أنها تحلها الحياة فتنجس بالموت. انظر: التعليقة للقاضي حسين (١/ ٢١٧)، فتح العزيز (١/ ٢٩٩)، المجموع (١/ ٢٣١)، المغني لابن قدامة (١/ ١٠٧).
(٥) في (ب): سياق.
(٦) انظر: فتح العزيز (١/ ١٧٢)، روضة الطالبين (١/ ١٢٤)، التنقيح (ل٢٠ / أ).
(٧) في (ب): وقوله.
(٨) هو الحارث بن عوف صاحب رسول الله - ﷺ -، وقيل: عوف بن الحارث، شهد بدرًا والفتح، روى حديثه الجماعة، توفي سنة (٦٨ هـ) وقيل: (٦٥ هـ). انظر ترجمته في: الاستيعاب (١٢/ ١٨٠)، السير (٢/ ٥٧٤)، الإصابة (١٢/ ٨٨).
(٩) في (أ) و(ب): فهو ميتة.
(١٠) انظر: كتاب الصيد، باب في الصيد قطع منه قطعة (٣/ ٢٧٧) رقم (٢٨٥٨).
[ ١ / ٤٦ ]
أبو عيسى الترمذي (١) بإسناده عن أبي واقد الليثي قال: "قدم النبي - ﷺ - المدينة وهم يجبُّون (٢) أسنمة الإبل، ويقطعون أليات (٣) الغنم، فقال: (ما يقطع من البهيمة وهي حيَّة فهي (٤) ميتة) قال أبو عيسى: "هذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم".
لفظ البهيمة غير مخصوص بالحمار (٥)، والله أعلم.
قوله: "كل مترشح ليس له مقر يستحيل فيه (٦) كالدمع، واللعاب، والعرق، فهو طاهر من كل حيوان طاهر. وما استحال في الباطن فأصله على النجاسة كالدم، والبول، والعذرة" (٧) فقوله "ليس له مقر يستحيل فيه" يصح تفسيره على وجهين: أحدهما: نفي الاستحالة رأسًا، أي ليس له مقر
_________________
(١) في جامعه، كتاب الأطعمة تابع الصيد، باب ما قطع من الحي فهو ميت (٤/ ٦٢) رقم (١٤٨٠) وقال: "وهذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث زيد بن أسلم "، والحديث رواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢١٨)، والدارمي في سننه (١/ ٥٢٥)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٢٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورواه ابن ماجه في سننه كتاب الصيد، باب ما قطع من البهيمة وهي حيَّة (٣/ ١٠٧٣) رقم (٣٢٣٦) ولكن عن ابن عمر - ﵁ -، وراجع التلخيص الحبير (١/ ١٧٠) وما بعدها.
(٢) الجب القطع. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٣٣).
(٣) في (أ): أعلم.
(٤) في (أ): فهو.
(٥) كذا في جميع النسخ، ولم يتضح لي وجه ذكر الحمار هنا. والبهيمة في اللغة: كل ذات أربع من دواب البحر والبر، وكل حيوان لا يميز فهو بهيمة، وجمعه بهائم. المصباح المنير (ص ٢٥). ولعل لفظ البهيمة خصَّ بالاستعمال في بعض الأماكن بالحمار لذلك نبَّه عليه، ولكن لم أجد ذلك منصوصًا في كتب اللغة مع شدة البحث.
(٦) يستحيل: أي يتغير عن طبعه ووصفه، يقال: استحال الشيء إذا تغير عن طبعه ووصفه. انظر: القاموس المحيط (٣/ ٤٩٧)، المصباح المنير (ص ٦٠).
(٧) الوسيط (١/ ٣١٣ - ٣١٤).
[ ١ / ٤٧ ]
يستحيل فيه فلا يستحيل، لعدم المقر الذي تتوقف عليه الاستحالة، وهذا الظاهر من سياقة كلامه (١)، وأضاف إليه في الدرس: وإنما تترشح غير مستحيلة. وهذا تصريح بهذا الوجه، ثم إنه يحمل على نفي الاستحالة إلى فساد. والثاني: نفي استحالته بقيد وهو: الاستحالة في مقرَّ يجتمع فيه، وعلى هذا معنى (٢) قوله في القسم الثاني: "وما استحال في الباطن" أي في مقرِّ يجتمع فيه (٣)، والله أعلم.
قوله: "إلا ما هو مادة الحيوان كاللبن والمني (٤) والبيض" (٥) مادة الشيء: أصله وعمدته وما يستمد منه (٦)؛ فاللبن مادته في بقائه، والمني أو البيض مادته في وجوده (٧)، والله أعلم.
قوله: "لما روي أن أبا طيبة الحاجم شرب دمه - ﷺ - فقال: إذًا لا يتجع بطنك أبدًا" (٨) هو أبو (٩) طيبة بطاء مهملة (١٠) مفتوحة ثم ياء مثناة من
_________________
(١) انظر: فتح العزيز (١/ ١٨٥).
(٢) في (ب): في معنى.
(٣) يجتمع فيه: سقط من (أ).
(٤) سقط من (أ).
(٥) الوسيط (١/ ٣١٤). وقبله: وما استحال في الباطن فأصله على النجاسة إلا ما هو مادة الحيوان الخ.
(٦) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (١٤/ ٨٤)، التنقيح (ل ٢٠/ ب).
(٧) انظر: التنقيح الموضع السابق.
(٨) الوسيط (١/ ٣١٤). وقبله: والنظر في فضلات خمس: الأولى: الدم والقيح: فهو نجس من كل حيوان إلا من رسول الله - ﷺ - ففيه وجهان الثاني: أنه طاهر، لما روي أن أبا طيبة الحديث.
(٩) في (ب): أبا.
(١٠) في (ب): بالطاء المهملة.
[ ١ / ٤٨ ]
تحت ساكنة، واسمه نافع، وقيل: غير ذلك (١). وقوله (يتجع) هو بفتح الجيم، وفيه وجهان: أحدهما: (يتجع) بالياء المثناة من تحت في أوله، وبالرفع في (بطنك)، على أن يكون الفعل لبطنه. والثاني: تتجع بالتاء المثناة من فوق في أوله، وبنصب قوله بطنك، على أن يكون الفعل لأبي طيبة. ثم النصب فيه (هل هو) (٢) على التمييز أو على نزع الخافض؟ فيه من الخلاف ما في قوله ﵎: ﴿إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (٣) حققت ذلك من معنى ما ذكره الأزهري في تهذيب اللغة (٤) من أصل عليه خطه. وهذا الحديث غريب عند أهل الحديث لم أجد له ما يثبت به (٥)،
_________________
(١) قيل: اسمه نافع ورجحه الحافظ ابن حجر، وقيل: ميسرة، وقيل: دينار، كان عبدًا لبني بياضة أو لبني حارثة من الأنصار. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء (٢/ ٢٤٦)، الإصابة (١١/ ٢١٧).
(٢) ما بين القوسين زيادة من (أ) و(ب).
(٣) سورة البقرة، الآية [١٣٠].
(٤) (٣/ ٥٢) مادة وجع. وراجع إعراب الآية في: معاني القرآن للفرَّاء (١/ ٧٨)، إعراب القرآن لأبي جعفر النَّحاس ١/ ٢١٤، كتاب إعراب القرآن وبيانه لمحي الدين الدرويش (١/ ١٨٨).
(٥) قال الحافظ ابن حجر: "والذي وقع لي فيه - أي حديث أبي طيبة - أنه صدر من مولى لبعض قريش، ولا يصح أيضًا، فروى ابن حبان في الضعفاء من حديث نافع أبي هرمز عن عطاء عن ابن عباس قال: حجم النبي - ﷺ - غلام لبعض قريش، فلما فرغ من حجامته أخذ الدم فذهب به من وراء الحائط فنظر يمينًا وشمالًا فلم ير أحدًا تحسَّ دمه حتى فرغ ثم أقبل فنظر النبي - ﷺ - في وجهه فقال: ويحك ما صنعت بالدم؟ قلت: غيبته من وراء الحائط. قال: أين غيبته؟ قلت: يا رسول الله نفست على دمك أن أهريق في الأرض فهو في بطني، قال: اذهب فقد احرزت نفسك من النار) ونافع قال ابن حبان: روى عن عطاء نسخة موضوعة، وذكر منها هذا الحديث. وقال يحيى بن معين: "كذاب" - وللحديث رواية أخرى - قال الحافظ: "وأما الرواية الثانية فلم أر فيها ذكرًا لأبي طيبة أيضًا بل ورد في حق أبي هند، رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة وفي إسناده أبو الجحاف وفيه مقال". أهـ التلخيص الحبير (١/ ١٧٩) وما بعدها، وراجع كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين لابن حبان (٣/ ٥٩). وقال النووى: "وحديث أبي طيبة ضعيف، وقد أحسن المصنف بقوله: روي، بصيغة التمريض". أهـ التنقيح (ل ٢٠/ ب)، وراجع تذكرة الأخيار (ل ٥/أ - ب).
[ ١ / ٤٩ ]
ولا لما (١) روي أن ابن الزبير شرب دمه (٢)، والله أعلم.
قوله: "لما روي أن أم أيمن (٣) شربت بوله ولم (٤) ينكر عليها وقال: إذًا لا تلج النار بطنك" (٥) فقوله (لا تلج النار بطنك) يجوز في قوله (النار) النصب، مع الرفع في قوله (بطنك) ويجوز بالعكس.
وهذا حديث قد ورد متلونًا ألوانًا، ولم يخرَّج في الكتب الأصول، فروي بإسناد جيد عن أميمة بنت رقيقة - إحدى الصحابيات، واسمها واسم أبيها
_________________
(١) في (د) و(ب): ما، والمثبت من (أ).
(٢) رواه عنه البزار في مسنده - انظر كشف الأستار عن زوائد البزار (٣/ ١٤٥) - وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٣٠)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٥٤)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٤٨٢) وقال: رواه الطبراني والبزار باختصار، ورجال البزار رجال الصحيح غير هنيد بن القاسم وهو ثقة. أهـ وقال الحافظ ابن حجر: "وفي إسناده الهنيد بن القاسم ولا بأس به، لكنه ليس بالمشهور بالعلم". التلخيص الحبير (١/ ١٨٠).
(٣) في (أ): أم أمين. وهي حاضنة رسول الله - ﷺ -، واسمها بركة - بفتح الباء الموحدة والراء - بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن، كنيت بابنها أيمن، وهي مولاة رسول الله - ﷺ - وحاضنته، أعتقها وزوجها مولاه زيد بن حارثة فولدت له أسامة، أسلمت قديمًا وهاجرت إلى الحبشة والمدينة، وبايعت الرسول - ﷺ -، توفيت بعد وفاة رسول الله - ﷺ - بخمسة أشهر وقيل: بستة. انظر ترجمتها في: تهذيب الأسماء (٢/ ٣٥٧)، الإصابة (١٣/ ١٧٧).
(٤) في (ب): فلم.
(٥) الوسيط (١/ ٣١٥). وقبله: الثانية: - أي من الفضلات - البول والعذرة نجس من كل حيوان، ويستثنى عنه موضعان: الأول: بول رسول الله - ﷺ - ففيه وجهان: وجه الطهارة: ما روي أن أم أيمن الحديث.
[ ١ / ٥٠ ]
مضموم - (١): الأول: (أن النبي - ﷺ - كان يبول في قدح من عيدان (٢) ويوضع تحت سريره (٣)، فبال في ليلةً فوضع تحت سريره، فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء فقال: لامرأة يقال لها: بركة (٤) - كانت تخدمه، لأم حبيبة جاءت معها
_________________
(١) هي أميمة بنت رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بق عبد مناف أخت مخرمة بن نوفل لأمه على ما رجحه الحافظ ابن حجر في التفريق بينها وبين أميمة بنت رقيقة التي أمها رقيقة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى أخت خديجة زوج النبي - ﷺ - وهي أميمة بنت عبد بن بجاد بن عمير بن الحارث بن سعد بن تميم بن مرة، ولم يفرق بينهما الحافظ ابن عبد البر وابن الأثير. انظر: الاستيعاب (١٢/ ٢١٦)، أسد الغابة (٧/ ٢٧)، الإصابة (١٢/ ١٣٥ - ١٣٦) وقول المؤلف: "اسمها واسم أبيها" يقتضي أن رقيقة علم لرجل، وهو خلاف ما عليه أهل التراجم من أن رقيقة أمٌّ لأميمة. انظر بالإضافة إلى مصادر ترجمتها السابقة، تهذيب الكمال في ترجمة حكيمة بنتها (٣٥/ ١٥٦).
(٢) قال الإمام السندي: "اختلف في ضبطه أهو بالكسر والسكون جمع عود، أو بالفتح والسكون جمع عيدانة بالفتح وهي النخلة المتجردة من السقف من أعلاه إلى أسفله؟ وقيل بالكسر أشهر رواية، وردَّ بأنه خطأ معنى؛ لأنه جمع عود، وإذا اجتمعت الأعواد لا يتأتى منها قدح لحفظ الماء، بخلاف من فتح العين فإن الراد حينئذٍ قدح من خشب هذه صفته ينقر ليحفظ ما يجعل فيه" أهـ حاشية السندي على النسائي (١/ ٣٥)، وانظر: حاشية السيوطي (زهرة الربى) على النسائي (١/ ٣٤ - ٣٥)، القاموس المحيط (١/ ٤٤١).
(٣) إلى هنا رواه أبو داود في سننه كتاب الطهارة، باب في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يوضع عنده (١/ ٢٨) رقم (٢٤)، والنسائي في سننه كتاب الطهارة، باب البول في الإناء (١/ ٣٤) رقم (٣٢)، وابن حبان في صحيحه - انظر الإحسان (٤/ ٢٧٤) - والحاكم في المستدرك (١/ ١٦٧) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وسنة غريبة ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة (١/ ١٦١) رقم (٤٨١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٨) رقم (١٩)، وصحيح سنن النسائي (١/ ٩) رقم (٣٢).
(٤) يأتي تمييزها عند المصنف قريبًا.
[ ١ / ٥١ ]
من أرض الحبشة (١) -: البول الذي كان في القدح ما فعل؟ قالت: شربته يا رسول الله). وبعض رواته يزيد (٢) على بعض، وزاد بعضهم: (فقالت: قمت وأنا عطشانة فشربته وأنا لا أعلم). (٣) وفي رواية أبي عبد الله ابن مندة الحافظ (٤) فقال: (لقد احتظرت (٥) من النار بحظار). (قلت: هذا القدر منه قد اتفقت عليه
_________________
(١) أرض واسعة، تقع في شرق أفريقيا، تشمل ما يعرف الآن بإرتريا وإثيوبيا وما جاورهما، وهي مهاجر الصحابة قبل المدينة، ومنها النجاشي الذي كان في عهد الرسول - ﷺ - واسمه أصحمة. انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٣٢١)، آثار البلاد وأخبار العباد (ص ٢٠).
(٢) في (أ): تزيد.
(٣) الحديث بزيادته رواه الطبراني في معجمه الكبير (٢٤/ ١٨٩)، وابن عبد البر في الاستيعاب (١٢/ ٢٢٣)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٤٨٤) وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن حنبل وحكيمة وكلاهما ثقة. وتُكلم في حكيمة هذه فقال الحافظ ابن حجر: "لا تعرف". تقريب التهذيب (ص ٧٤٥)، وكذا قاله ابن الملقن في تذكرة الأخيار (ل ٦/ أ).
(٤) هو أبو عبد الله محمَّد بن إسحاق بن محمَّد بن يحيى بن مندة، صاحب التصانيف البديعة، والرحلة الواسعة، من تصانيفه: كتاب الإيمان، والتوحيد، والصفات، والتاريخ، ومعرفة الصحابة، والكنى، توفي سنة ٣٩٥ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة (٢/ ١٦٧)، السير (١٧/ ٢٨)، البداية والنهاية (١١/ ٣٥)، طبقات الحفاظ (ص ٤٠٨). وهذه الرواية أثبتها عنه ابن الأثير في أسد الغابة (٧/ ٨).
(٥) الحظر: المنع والحجر. انظر: لسان العرب (٣/ ٢٢٩)، مختار الصحاح (ص ١٤٣)، القاموس المحيط (٢/ ٦٣).
[ ١ / ٥٢ ]
هذه الروايات، وأما ما اضطربت فيه منه فالاضطراب مانع من تصحيحه.
ذكر (١) الدارقطني (٢) أن (حديث المرأة التي شربت بوله - ﷺ - (٣) صحيح (٤» (٥).
_________________
(١) في (أ): وذكر. وقوله: "ذكر الدارقطني" إلى قوله: "صحيح" مقدم في (أ) و(ب) على قوله: "قلت".
(٢) أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود البغدادي المقرئ المحدث، انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله، مع التقدم في القراءات، من مصنفاته: السنن، العلل، الأفراد، الإلزامات والتتبع توفي سنة ٣٨٥ هـ، والدارقطني نسبة إلى دار القطن وهي محلة كبيرة ببغداد. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٣/ ٢٩٧)، السير (١٦/ ٤٤٩)، تذكرة الحفَّاظ (٣/ ٩٩١)، البداية والنهاية (١١/ ٣٣٨)، طبقات الحفَّاظ (ص ٣٩٣).
(٣) سقط من (ب).
(٤) لم أقف على قوله هذا، ونقله كذلك عنه النووي في التنقيح (ل ٢١/ أ)، ولعله تبع في ذلك الحافظ ابن الصلاح - ﵀ -، وقد ذكر ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام الواقعين في أحكام عبد الحقّ - في نقل عبد الحقّ ذلك عن الدارقطني - بأنه خطأ عن الدارقطني. وقد نقل ابن الملقن عن الدارقطني أنه قال عن الحديث: إنه مضطرب. انظر: بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام (٥/ ٥١٤)، تذكرة الأخيار (ل٦ / أ)، ثم وجدت مصداق نقل ابن الملقَّن في كتاب العلل للدارقطني (٥/ ل ٢٢٥/ ب - ل ٢٢٦/ أ) إذ قال عن حديث أم سليم هذا: "يرويه أبو مالك النخعي، واسمه عبد الملك بن حسين، واختلف عنه؛ فرواه شهاب عن أبي مالك عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن أم أيمن، وخالفه سالم بن قتيبة وقرَّة ابن سليمان فروياه عن أبي مالك عن معلَّى بن عطيَّة عن الوليد بن عبد الرحمن عن أم أيمن، وأبو مالك ضعيف، والاضطراب فيه من جهته". أهـ
(٥) تأخر ما بين القوسين في (أ) و(ب) إلى ما بعد حديث أبي نعيم الآتي بعده، وما أثبته موافق لنقل ابن الرفعة عن ابن الصلاح. انظر: المطلب العالي (١/ ل ٥١/ أ - ب).
[ ١ / ٥٣ ]
وروى أبو نعيم الحافظ (١) في كتابه: في (٢) "حلية الأولياء" (٣) من حديث الحسن بن سفيان صاحب المسند (٤) بإسناده عن أم أيمن قالت: (بات رسول الله - ﷺ - في البيت، فقام من الليل فبال في فخارة فقمت وأنا عطشى لم أشعر بما في الفخارة فشربت ما فيها، فلما أصبحنا قال لي (٥): يا أم أيمن أهريقي ما في (٦) الفخارة (٧)، قلت: والذي بعثك بالحق شربت ما فيها. فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجذه، ثم قال: (أما) (٨) أنه لا يتجعنَّ (٩) بطنك بعده أبدًا). قلت:
_________________
(١) هو أحمد بن عبد الله بن إسحاق، العالم الحافظ العلامة أبو نعيم المهراني الأصبهاني، صاحب التصانيف المشهورة والتي منها: حلية الأولياء، ومعجم شيوخه، والمستخرج على الصحيحين، ودلائل النبوة، وذكر أخبار أصبهان، توفي سنة ٤٣٠ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (١/ ٩١)، تذكرة الحفَّاظ (٣/ ١٠٩٢)، طبقات السبكي (٤/ ١٨)، البداية والنهاية (١٢/ ٤٨).
(٢) سقط من (أ). وكأنه هو الظاهر.
(٣) (٢/ ٦٧)، ورواه كذلك الطبراني في المعجم الكبير (٢٥/ ٨٩ - ٩٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٦٣ - ٦٤)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٤٨٤)، وقال: "فيه أبو مالك النخعي وهو ضعيف". أهـ، وراجع التلخيص الحبير (١/ ١٨٢).
(٤) هو الحسن بن سفيان بن عامر بن عبد العزيز بن النعمان، الإمام الحافظ أبو العباس الشيباني النسوي، محدث خراسان، رحل إلى الآفاق، تفقه على أبي ثور، وكان يفتي بمذهبه، من تصانيفه: المسند وهو مشهور به، توفي سنة ٣٠٣ هـ. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (٢/ ٧٠٣)، طبقات السبكي (٣/ ٢٦٣)، البداية والنهاية (١١/ ١٣٣)، طبقات الحفاظ (ص ٣٠٥).
(٥) سقط من (أ).
(٦) سقط من (أ).
(٧) في (ب): الفخار.
(٨) زيادة من (أ) و(ب).
(٩) في (أ) و(ب): يتجع.
[ ١ / ٥٤ ]
فالاستدلال بذلك (١) يحتاج إلى أن يقال فيه: لم يأمرها - ﷺ - بغسل فم ولا نهاها عن عودةٍ (٢).
وكون المرأة أم أيمن مولاة رسول الله - ﷺ - قد يظن من حيث إن اسمها بركة، وفي الحديث تسمية المرأة الشاربة بركة، ولا يثبت ذلك بذلك؛ فإن في الصحابيات أخرى اسمها بركة بنت يسار مولاة لأبي سفيان بن حرب، هاجرت إلى أرض الحبشة (٣)، وما في الحديث من نسبتها إلى أم حبيبة بنت أبي سفيان يدل على أنها بنت يسار (٤)، والله أعلم.
قوله: "البول (٥) والعذرة نجس (٦)، ويستثنى عنه موضعان: الأول: بول رسول الله - ﷺ -" (٧) وفي بعض النسخ: الأول: من رسول الله - ﷺ -. وعلى هذا يكون الاستثناء شاملًا (٨) للعذرة، وفي طرده في العذرة
_________________
(١) في (أ) و(ب): بذلك إذًا.
(٢) في (ب): عود.
(٣) وذلك مع زوجها قيس بن عبد الله الأسدي. انظر ترجمتها في: الاستيعاب (١٢/ ٢٢٤)، أسد الغابة (٧/ ٣٧)، وذكرها ابن هشام في السيرة النبوية (١/ ٣٢٤) فيمن هاجر من بني أسد إلى الحبشة.
(٤) وهذا يفيد أن حادثة شرب بول النبي - ﷺ - تكرر لامرأتين وهما بركة أم أيمن مولاة رسول الله - ﷺ -، وبركة بنت يسار مولاة أبي سفيان. وانظر التلخيص الحبير (١/ ١٨٣).
(٥) في (ب): والبول.
(٦) في (ب): نجسة.
(٧) الوسيط (١/ ٣١٥).
(٨) في (أ): متناولًا.
[ ١ / ٥٥ ]
بُعْد (١)، وكلام من لا أحصيه من المصنفين مخصوص بالبول (٢)، غير أن الإمام أبا المعالي قال في فضلات بدنه - ﷺ - كبوله، ودمه، وغيرهما: وجهان (٣)، والله أعلم.
حديث شرب أبوال الإبل (٤) هو (٥) حديث أنس المخرج في الصحيح (٦) في قوم من عُريْنة (٧) استوخموا (٨) المدينة، فسقمت أجسامهم فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يخرجوا إلى الإبل ويشربوا من ألبانها وأبوالها (٩)، والله أعلم.
_________________
(١) قال النووي: "وقد أنكر بعضهم على الغزالي طرده الوجهين في العذرة، وأشار إلى تفرده به، وهذا الإنكار غلط فاحش وعجب من هذا المنكر إنكاره مع شهرة المسألة في الكتب التي ذكرتها - ذكره عن القفال، والقاضي حسين، وصاحبي العدة والبيان، وغيرهم - وقد بسطت إيضاحه في شرح المهذب، وأما ما يقع في بعض نسخ الوسيط: الأول: بول رسول الله - ﷺ -، فلا اعتماد عليه، ولا اغترار به، بل صوابه: من رسول الله - ﷺ - ". التنقيح (ل ٢١/ أ)، وانظر: المجموع (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، المطلب العالي (١/ ل ٥١/ أ).
(٢) انظر مثلًا: التعليقة للقاضي حسين (١/ ٢٢١)، الإبانة (ل ٦/ ب).
(٣) نهاية المطلب (١/ ل ١٣/ أ - ب).
(٤) قال الغزالي: "فأما بول ما يؤكل لحمه فنجس خلافًا لأحمد. وما روي عنه - ﷺ - أنه قال لجماعة اصفرت وجوههم: "لو خرجتم إلى إبلنا فشربتم من أبوالها وألبانها لرجوت لكم الشفاء، ففعلوا ذلك فصحوا". محمول على التداوي، وهو جائز بجميع النجاسات إلا الخمر". أهـ "الوسيط" (١/ ٣١٦ - ٣١٧).
(٥) سقط من (أ).
(٦) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الوضوء، باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها (١/ ٤٠٠) رقم (٢٣٣)، صحيح مسلم - مع النووي - كتاب القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين (١١/ ١٥٣).
(٧) قال الحافظ ابن حجر: "عرينة بالعين والراء المهملتين والنون مصغرًا حيٌّ من قضاعة، وحيٌّ من بجيلة، والمراد هنا الثاني" أهـ فتح الباري (١/ ٤٠٢).
(٨) استوخموا البلد: أي استثقلوها ولم يوافق هواؤها أبدانهم. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٦٤)، لسان العرب (١٥/ ٢٤٥)، القاموس المحيط (٤/ ١٦٢).
(٩) في (ب): أبوالها وألبانها، بالتقديم والتأخير.
[ ١ / ٥٦ ]
حديث (سئل رسول الله - ﷺ - عن التداوي بالخمر فقال: إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) (١) رويناه في كتاب "السنن الكبير" (٢) عن أم سلمة - ﵂ - قالت: (نبذت نبيذًا في كوز، فدخل رسول الله - ﷺ - وهو يغلي فقال: ما هذا؟ قلت: اشتكت ابنة لي فَنُعِت لها هذا، فقال رسول الله - ﷺ -: إن إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم). ولم يخرَّج في الكتب الخمسة المعتمدة، ولا في "سنن ابن ماجة"، ويغني عنه ما هو (٣) أصح، وأولى، وأدلُّ، وهو حديث وائل بن حجر الكندي (٤): أن طارق بن سويد الجعفي (٥) سأل النبي - ﷺ - عن
_________________
(١) الوسيط (١/ ٣١٧). وذكر الحديث بعد قوله السابق: " محمول على التداوي، وهو جائز بجميع النجاسات إلا الخمر".
(٢) انظر: كتاب الضحايا (١٠/ ٨) رقم (١٩٦٧٩). وأخرجه كذلك أبو يعلى في مسنده (١٢/ ٤٠٢) برقم (٦٩٦٦)، وابن حبان في صحيحه - انظر الإحسان ٤/ ٢٣٣ رقم (١٣٩١) -، والطبراني في معجمه الكبير (٢٣/ ٣٢٦)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٤٠) برقم (٨٢٨٧) وقال: "رواه أبو يعلى والطبراني ورجال أبي يعلى رجال الصحيح خلا حسَّان ابن مخارق، وقد وثَّقه ابن حبَّان". أهـ وذكره البخاري تعليقًا من قول ابن مسعود في كتاب الأشربة، باب شراب الحلواء والعسل (١٠/ ٧٨)، وأورده الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (٥/ ٢٩ - ٣٠) من طرق إليه صحيحة كما ذكر ذلك الحافظ نفسه.
(٣) سقط من (ب).
(٤) أبو هنيدة وائل بن حجر الكندي الحضرمي، سكن الكوفة، كان من ملوك حمير، وفد على رسول الله - ﷺ -، روي له عن رسول الله - ﷺ - (٧١) حديثًا، وروي حديثه مسلم والأربعة، عاش إلى أيام معاوية. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل (٩/ ٤٢)، تهذيب الأسماء (٢/ ١٤٣)، الإصابة (١٠/ ٢٩٤).
(٥) ويقال: الحضرمي، ويقال: سويد بن طارق، قال ابن عبد البر: له صحبة، حديثه في الشراب، حديث صحيح الإسناد. انظر ترجمته في: الاستيعاب (٥/ ٢١٢)، طبقات ابن سعد (٦/ ٦٤)، أسد الغابة (٣/ ٦٩)، الإصابة (٥/ ٢١٢).
[ ١ / ٥٧ ]
الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء) أخرجه مسلم في "صحيحه" (١)، ومعنى الحديث الذي ذكره: أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم التداوي به أو ما يشبه (٢) هذا من المعنى، وفي ذلك إعلام بأن الخمر المسئول عنها يحرم التداوي بها، ولا يشمل (٣) ذلك التداوي بسائر النجاسات؛ فإنها غير محرمة في حالة التداوي بدلالة ما سبق من قصة العرنيين (٤)، والله أعلم.
"غصَّ بلقمة" (٥) هو بفتح الغين لا بضمها (٦)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: صحيح مسلم - مع النووي - كتاب الأشربة، باب تحريم التداوي بالخمر وبيان أنها ليست بدواء (١٣/ ١٥٢).
(٢) في (أ): يشبهه.
(٣) في (د) و(ب): يشتمل، والمثبت من (أ).
(٤) حديث العرنيين دليل على عدم نجاسة بول ما يؤكل لحمه وروثه، وقول الغزالي وتبعه فيه ابن الصلاح: إنها أبيحت للتداوي وللضرورة، لا يصح؛ إذ لو كان كذلك لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة، وكان النبي - ﷺ - يصلي في مرابض الغنم كما في الصحيحين، ومرابض الغنم لا تخلوا من روثها وأبوالها. والله أعلم. انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الصلاة، باب الصلاة في مرابض الغنم (١/ ٦٢٧) رقم (٤٢٩)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبي - ﷺ - (٥/ ٨)، المغني لابن قدامة (٢/ ٤٩٢).
(٥) الوسيط (١/ ٣١٨). حيث قال الغزالي: "ونصَّ الشافعي - ﵁ - على أن من غص بلقمة له أن يسيغها بخمر إن لم يجد غيرها".
(٦) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١/ ٦٠)، والغصة: الشجى. انظر: مختار الصحاح (ص ٤٧٥).
[ ١ / ٥٨ ]
قوله: "الإنفحة لبن يستحيل في جوف الخروف" (١) هي الإنفحة يكسر الهمزة، وبعدها نون ساكنة، ثم فاء مفتوحة، ثم حاء مهملة مخففة، هذه (٢) اللغة الجيدة فيها، ويجوز بتشديد الحاء (٣)، وتكون في جوف الجدي (٤) أيضًا، والصحيح أنها طاهرة (٥) لأن استحالتها لا إلى فساد، وهذا قبل تناوله غير اللبن فإذا أكل غير اللبن فقد ذُّكر أنها نجسة بلا خلاف (٦). قلت: هذا لازم من اسمها، فإنها الإنفحة وبعد الأكل ليست إنفحة، وذكر صاحب "الصحاح" (٧) أنها إنفحة ما لم يأكل، فإذا أكل فهو كرش، والله أعلم.
_________________
(١) الوسيط (١/ ٣١٨). وقبله: الألبان: وهي طاهرة من الآدمي وكل حيوان مأكول، والمذهب نجاستها من كل حيوان لا يؤكل؛ لأنها من بين فرث ودم، وإنما طهارتها لحل التناول. واختلفوا في الإنفحة وهي الخ.
(٢) في (أ): هذا.
(٣) انظر: الصحاح (١/ ٤١٣)، القاموس المحيط (١/ ٣٤٨)، والإنفحة ويقال: المنفحة: شيء يستخرج من بطن الجدي الرضيع، أصفر فيعصر في صوفه فيغلظ كالجبن، فإذا أكل الجدي فهو كرش، وهو لا يستعمل إلا لذي كرش. انظر: القاموس المحيط الموضع السابق، المصباح المنير (ص ٢٣٥).
(٤) وهو ولد المعز، وقيَّده البعض بما كان دون السنة. انظر: الصحاح (٥/ ٢٢٩٩)، المصباح المنير (ص ٣٦).
(٥) انظر: فتح العزيز (١/ ١٨٧)، روضة الطالبين (١/ ١٢٧)، الغاية القصوى (١/ ٢٣٠)، مغني المحتاج (١/ ٨٠).
(٦) انظر: فتح العزيز الموضع السابق، المطلب العالي (/ ل ٥٤/ ب).
(٧) (١/ ٤١٣)، مادة: نفح.
[ ١ / ٥٩ ]
قوله: "مني المرأة فيه خلاف مبني على أن رطوبة باطن فرجها طاهر أو نجس (١)؟ " (٢) ليس هذا خلافًا في نجاسة نفس منيِّها من أصله، وإنما هو خلاف في نجاسة منيِّها بالمجاورة عند انفصاله منها (٣)، والله أعلم.
قوله في البيضة: "إذا (٤) استحالت مذرة فتخرَّج على الوجهين في المني إذا استحال علقة" (٥) المذرة (٦): هي الفاسدة، وليس مراده مطلق المذر بل ما إذا استحالت دمًا، ووقع في كثير من النسخ: في المني إذا استحال مضغة (٧) وصوابه علقة (٨)، والله أعلم.
قوله: "إذا ماتت دجاجة وفي بطنها (٩) بيض هل ينجس؟ فعلى وجهين: أحديث: نعم كاللبن" (١٠) صورة المسألة: ما إذا تصلب قشرها، فتنجس بالموت
_________________
(١) في (ب): طاهرة أو نجسة.
(٢) الوسيط (١/ ٣٢٠). وقبله: الرابعة: المني: فهو طاهر من الآدمي وأما مني المرأة الخ.
(٣) انظر: التعليقة للقاضي أبي الطيب (١/ ل ٧٠/ ب)، المجموع (٢/ ٥٥٣)، المطلب العالي (١/ ل ٥٦/ أ - ب). والصحيح أن رطوبة فرجها طاهرة. انظر: التهذيب (ص ٨٠)، تصحيح التنبيه للنووي (١/ ١٠١).
(٤) في (أ) و(ب): فإذا.
(٥) الوسيط (١/ ٣٢٠). وبعده: ففي وجه تستدام الطهارة. وفي وجه يحكم بنجاسته؛ لأنه استحال دمًا. أهـ
(٦) انظر: القاموس المحيط (٢/ ١٣٧)، وهي بفتح الميم وكسر الذال.
(٧) انظر: الوسيط (١/ ٣٢٠).
(٨) أجرى الأصحاب كذلك الخلاف في المضغة، فلا وجه لإنكاره، والصحيح من الوجهين فيهما هو الطهارة. انظر: المجموع (٢/ ٥٥٩)، التنقيح (ل ٢٢/ ب)، المطلب العالي (١/ ل ٥٨/ ب - ل ٥٩/ أ).
(٩) في (أ) و(ب): جوفها.
(١٠) الوسيط (١/ ٣٢٠).
[ ١ / ٦٠ ]
على (١) أحد الوجهين كاللبن في ضرع الشاة الميتة، فإن نجاسته كانت بالموت تنزيلًا له منزلة أجزائها، لا بنجاسة الوعاء؛ فإنها تقع عفوًا كما في نجاسة الدَّنَّ فيما يتخلل من الخمر (٢)، فاعرف ذلك فإنه مشكل، والله أعلم.
وجه الوجه الذي ذكره في نجاسة العضو المبان من الآدمي والسمكة (٣) أنه صار فضلة لبقائه حيًَّا بدونه، فتنجس نجاسة الفضلات، والله أعلم.
قوله في دود القز "وفي روثه وبزره (٤) من الخلاف ما في بيض الحيوان الذي لا يؤكل" (٥) يعني وما في روث مالا نفس له سائلة (٦)، والله أعلم.
_________________
(١) في (ب): في.
(٢) المشهور في كتب الشافعية أن اللبن في ضرع الشاة الميتة إنما ينجس بالمجاورة، والمنقول في البيضة ثلاثة أوجه: أصحها: إن تصلبت فطاهرة وإلا فنجسة انظر: المهذب (١/ ١١)، التهذيب (ص ٨١ - ٨٢)، المجموع ١/ ٢٤٤، المطلب العالي (١/ ل ٥٩/ أ)، مغني المحتاج (١/ ٨٠)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ٧٦).
(٣) في (د) و(ب): السمكة والآدمي، بالتقديم والتأخير، والمثبت من (أ) وهو موافق لما في الوسيط وانظر: (١/ ٣٢١)، والأظهر أنه طاهر كما قال الغزالي، انظر: الغاية القصوى (١/ ٢٢٨).
(٤) البزر بكسر الباء والفتح لغة: الحب الذي يلقى في الأرض للزراعة، وعند الخليل البذر بالذال والزاي بمعنىً، حيث نقل عنه: كل حب يبذر فهو بذر وبزر. وفرق البعض بينهما بأن البذر بالذال للحبوب، والبزر بالزاي للرياحين والبقل وهو المشهور في الاستعمال، ويقال: بزر القز أي بيضه مجازًا على التشبيه ببزرالبقل؛ لأنه ينبت كالبقل. انظر: لسان العرب (١/ ٣٥١، ٣٩٧)، القاموس المحيط (٢/ ١٦)، المصباح المنير (ص ١٦، ١٩) مادة بذر بالذال والزاي.
(٥) الوسيط (١/ ٣٢١). وقال الغزالي في البيض: "وهو طاهر من كل حيوان مأكول، ومما لا يؤكل وجهان". والأظهر من الوجهين النجاسة انظر: الوسيط (١/ ٣٢٠)، وراجع: الإبانة (ل ٣/ ب)، فتح العزيز (١/ ١٩١)، التنقيح (ل ٢٣/ أ)، والأصح في البزر الطهارة وفي الروث النجاسة انظر: التنقيح الموضع السابق، نهاية المحتاج (١/ ٢٤٤)، الإقناع (١/ ٧٦)، مغني المحتاج (١/ ٨٠).
(٦) انظر: التنقيح الموضع السابق، المطلب العالي (١/ ل ٦٠/ أ).
[ ١ / ٦١ ]
من أحسن ما يوجه به القول بطهارة فأرة المسك (١) - على تقدير أنها جزء بان من حيًّ -: ما عَلِقَ بحفظي من مدة متقادمة عن القفال الكبير أبي بكر الشاشي - ﵀ - وهو أنها تندبغ بما فيها من المسك فتطهر طهارة المدبوغات، وهذا فيه عمل بدليلي نجاستها وطهارتها (٢)، وقد أنكر بعضهم كونها بائنة من حيًّ (٣)، وسنذكر ذلك في الموضع الذي تكرر ذكرها فيه من كتاب البيع إن شاء الله ﵎ (٤).
قوله بعد حكاية الخلاف فيما لا يدركه الطرف "ولعل الصحيح أن ما انتهت قلته إلى حدًّ لا يدركه الطرف مع مخالفة لونه للون ما اتصل به فهو معفو عنه، وأن كان بحيث يدركه الطرف على تقدير اختلاف اللون فلا يعفى عنه" (٥) هذا كلام موهم مُعْتَرَضٌ عليه فيه؛ لأنه يوهم أن ما سبق من الخلاف ليس فيما لا يدركه الطرف لقلته مع مخالفة اللون، بل في مطلق ما لا
_________________
(١) قال الغزالي: "المسك طاهر، وفي فأرته وجهان: أصحهما الطهارة". أهـ الوسيط (١/ ٣٢١). وفأرة المسك: نافجته أي وعاء المسك، يعني الجلدة التي يتجمع فيها، قال صاحب القاموس: "الصواب إيراد فأرة المسك في (ف ور) لفوران رائحتها، أو يجوز همزها؛ لأنها على هيئة الفأرة". أهـ القاموس المحيط (١/ ٢٨٧، ٢/ ١٨٨)، مختار الصحاح (ص ٤٨٨).
(٢) دليل نجاستها أنها جزء انفصل من حيًّ ودليل طهارتها أنها تنفصل بالطبع كالجنين، ولأن المسك فيها طاهر ولو كانت نجسة لكان المظروف نجسًا. والوجهان فيما لو انفصلت في الحياة، أما لو انفصلت منها بعد موتها فهي نجسة. انظر: الإبانة ل/٣ ب، البسيط للغزالي ١/ ل ٩/ أ، فتح العزيز ١/ ١٩٣.
(٣) انظر: المطلب العالي ١/ ل ٦٠/ ب.
(٤) راجع شرح مشكل الوسيط ٢/ ل ٥١/ ب.
(٥) الوسيط ١/ ٣٢٣.
[ ١ / ٦٢ ]
يدركه الطرف: إما لقلته، وإما لاتفاق اللون، وليس كذلك، فإنه لا يخفى أن الخلاف من أصله إنما هو فيما لا يدركه الطرف لقلته، لا لاتفاق اللون، وقد صرح في الدرس بتصوير أصل المسألة فيما لا يدركه الطرف لقلته (١).
فأقول: ليس ما ذكره طريقة أخرى، وحاصله أنه اختار مما سبق ذكره من الخلاف القول بالعفو في الماء والثوب (٢)، ولم يحقق صورة المسألة من الابتداء فذكر ذلك عند ذكره ما هو المختار عنده، وأعاد ذكر القسم الآخر الذي لا يعفى عنه وهو ما يدركه الطرف؛ من أجل أنه الآن حقَّق صورة المسألة، فاعلم ذلك (٣)، والله أعلم.
قوله - ﷺ -: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" (٤) رواه ابن عمر - ﵄ -، وفي رواية قوية أخرجها أبو داود (٥) وغيره (٦) "فإنه لا ينجس" وهذا
_________________
(١) كذا ذكره في الوسيط ١/ ٣٢٢.
(٢) قال الغزالي في الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة: "أما القليل فينجس وإن لم يتغير مهما وقعت فيه نجاسة يدركها الطرف، فإن كان لا يدركها فنص الشافعي - ﵁ - فيه مختلف: فمنهم من قال: قولان: أحدهما: أنه يجتنب في الماء والثوب؛ لتحقق وصول النجاسة والثاني: أنه يعفى عنه؛ لتعذر الاحتراز منه. ومنهم من قال: يعفى عنه في الماء ولا يعفى عنه في الثوب وهو الأصح". الوسيط (١/ ٣٢٢).
(٣) انظر: التنقيح (ل ٢٣/ أ - ب)، المطلب العالي (١/ ل ٦٤/ أ).
(٤) الوسيط (١/ ٣٢٣) حيث قال الغزالي: "قال مالك: الماء لا ينجسه شيء إلا ما غيَّر طعمه أو لونه أو ريحه. وفرق الشافعي - ﵁ - بين القليل والكثير؛ لقوله - ﵇ -: إذا بلغ الماء قلتي الحديث".
(٥) في سننه كتاب الطهارة، باب ما ينجس الماء ١/ ٥٢ رقم (٦٥).
(٦) أخرجها كذلك أحمد في المسند ٢/ ١٠٧، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة (١/ ٣٩٦) رقم (١٢٤٣)، وأخرجها ابن ماجه في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٧٢) رقم (٥١٧) بلفظ: "لا ينجسه شيء"، وابن حبان في صحيحه - انظر الإحسان ٤/ ٥٧ رقم (١٢٤٩) -، والدارقطني في السنن (١/ ٢٩ - ٣٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٣٢).
[ ١ / ٦٣ ]
الحديث حسن ثابت رواه الشافعي، وأحمد بن حنبل (١)، وعملا به (٢)، وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم (٣)، وأورده الحاكم أبو عبد الله الحافظ (٤) في "صحيحه المستدرك" (٥) وذكر أنه صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم (٦) ولم يخرجاه، ومطاعن المخالفين فيه (٧) مندفعة عند من أحاط بعلمي الحديث والفقه.
_________________
(١) انظر: مسند الشافعي (ص ٣٣٥)، والأم (١/ ٤٣)، ومسند أحمد (٢/ ٢٧).
(٢) انظر: الأم الموضع السابق، مختصر المزني (ص ١١)، كتاب المسائل عن أبي عبد الله أحمد ابن محمَّد بن حنبل وأبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (ص ١٢٠)، المغني (١/ ٣٦)، الإنصاف للمرداوي (١/ ٥٩).
(٣) انظر: سنن أبي داود كتاب الطهارة، باب ما ينجس الماء (١/ ٥١) رقم (٦٣)، وجامع الترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء (١/ ٩٧) رقم (٥٢)، وسنن النسائي كتاب الطهارة، باب التوقيت في الماء (١/ ٤٩ - ٥٠) رقم (٥٢)، وممن رواه كذلك ابن خزيمة في صحيحه (١/ ٤٩) رقم (٩٢)، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الطهارة (١/ ٣٩٣) رقم (١٢٣١).
(٤) هو محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن حمدويه، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، الحافظ، إمام أهل الحديث في عصره، واسع المعرفة، صاحب التصانيف، والتي منها: المستدرك على الصحيحين، معرفة الحديث، تاريخ علماء نيسابور، وغيرها، توفي سنة ٤٠٥ هـ بنيسابور. انظر ترجمته في: تذكرة الحفَّاظ (٣/ ١٠٣٩)، طبقات السبكي (٤/ ١٥٥)، البداية والنهاية (١١/ ٣٧٩).
(٥) (١/ ١٣٢ - ١٣٣)، والحديث حسنه النووي في المجموع (١/ ١١٢)، والتنقيح (ل ٢٣/ ب)، وراجع التلخيص الحبير (١/ ١٢٢) وما بعدها.
(٦) في (ب): على شرط الصحيحين.
(٧) قد وُجَّه إلى الحديث عدة مطاعن من حيث إنه مضطرب الإسناد، والمتن، والمعنى. وقد أجاب عنها العلماء راجع في ذلك: نصب الراية للزيلعي (١/ ١٠٤ - ١١٢)، المجموع (١/ ١١٢ - ١١٦)، التلخيص الحبير (١/ ٩٠ - ٩٢، ١/ ١١٢) وما بعدها، إرواء الغليل للألباني (١/ ٤٥ - ٤٦).
[ ١ / ٦٤ ]
ونصر صاحب الكتاب في "الإحياء" (١) مذهب مالك: أن الماء لا ينجس إلا بالتغيُّر (٢)، واحتج بأشياء عنها أجوبة صحيحة. وقد قيل: إن ذلك قول قديم للشافعي (٣) ولا يثبت ذلك، والله أعلم.
قوله: "ولو زال بوقوع الزعفران والمسك فلا؛ لأنه استتار، لا زوال" (٤) لا تناقض بين قوله أولًا "زال" وبين قوله آخرًا "لا زوال"؛ لأن المراد الأول: كونه صار بحيث لا يشمُّ رائحته، ولا يدرك (٥) مع بقاء التغيُّر في نفسه حقيقة.
قوله: "ولو زال بوقوع التراب فقولان منشؤهما التردد في أنه ساتر أو مزيل" (٦) كنت قد (٧) حققت صورة هذه المسألة فيما أمليته من "شرح مشكل المهذب" وقلت: هذا تحقيق لو عرض على الأئمة لقبلوه - إن شاء الله تعالى - فذكرت أنه لا بد في تصويرها من شرطين: أن يكون تغير الماء بالرائحة، وأن
_________________
(١) انظر: (١/ ١١٩).
(٢) وهي رواية المدنيين عن مالك انظر: التمهيد (١/ ٣٢٧)، الكافي لابن عبدي البر (١/ ١٢٨)، التلقين للقاضي عبد الوهاب (ص ٥٥)، قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص ٣٢)، عقد الجواهر الثمينة لابن شاس (١/ ٨)، حاشية الدسوقي (١/ ٦٥).
(٣) قال ابن الرفعة: "قال بعض الشارحين: إنه قول قديم للشافعي، ولم أره منقولًا، وابن الصلاح قال: إنه لا يثبت ذلك". أهـ المطلب العالي (١/ ل ٦٢/ ب).
(٤) الوسيط (١/ ٣٢٤). وقبله: فإذا بلغ - أي الماء - قلتين فينجس إذا تغير بالنجاسة وإن كان تغيرًا يسيرًا، ثم يعود طاهرًا مهما زال التغير بهبوب الريح أو طول المكث. ولو زال بوقوع زعفران الخ
(٥) في (أ): تدرك.
(٦) الوسيط الموضع السابق.
(٧) سقط من (ب).
[ ١ / ٦٥ ]
يكون الماء متكدَّرًا لم يَصْفُ بعد؛ وذلك لأنه إذا صفا الماء ولم يصادف تغيُّرًا فلا وجه للخلاف، بل يجب القطع بزوال التغيُّر سواء كان بالطعم أو اللون أو الرائحة؛ لأن التراب قد انفصل عن الماء فلن يكون ساترًا لتغيره، فعلم اختصاص الخلاف بحالة التكدُّر. ثمَّ إن تكدُّرَه يستر التغيُّر الكائن في الطعم أو اللون لا محالة، فتعين أن يكون محل الخلاف ما إذا كان التغيُّر بالرائحة والماء متكدر بالتراب (١)، فإذا لم تدرك الرائحة فهل يقضى بزوالها ثم بطهارته؟ لأن الظاهر زوالها، أو لا يقضى بزوالها؛ لجواز بقائها واستتارها برائحة التراب؟ لأن له رائحة، والأصل بقاؤها، فهذا الذي فيه القولان المذكوران. وإنما لم يجر (٢) القولان فيما إذا صفا الماء؛ لأن رائحة التراب لا تبلغ إلى أن (٣) تستر (٤) بعد انفصاله عن الماء فاعلم ذلك، والله أعلم.
قوله في مقدار القلتين: "و(٥) الأقصد (٦) ما ارتضاه (٧) القفال وصاحب الكافي:
_________________
(١) انظر: فتح العزيز (١/ ٢٠٥)، التنقيح (ل ٢٤/ أ)، المطلب العالي (١/ ل ٦٥/ ب). وممن أجرى الخلاف في اللون والطعم القاضي حسين في التعليقة (١/ ٤٨٩)، والفوراني في الإبانة (ل ٤/ ب)، ونقله النووي في الموضع السابق عن المحاملي والمتولي. ثم إن الصحيح من القولين: أنه لا يطهر. انظر: روضة الطالبين (١/ ١٣١)، المنهاج (١/ ٢٢)، مغني المحتاج (١/ ٢٢).
(٢) في (أ): تجر.
(٣) سقط من (أ).
(٤) في (د): تستتر، والمثبت من (أ)، (ب).
(٥) سقط من (أ).
(٦) كذا في جميع النسخ بالصاد والدال، وفي متن الوسيط "الأقسط" بالسين والطاء، والأقصد بمعنى الأوسط، والأقسط بمعنى الأعدل، وكلاهما يؤدي المعنى، والله أعلم. انظر: المصباح المنير (ص ١٩٢).
(٧) في (ب): ما اختاره.
[ ١ / ٦٦ ]
أنه ثلاثمائة منًا (١)؛ لأنه مأخوذ من استقلال البعير، وبعير العرب يكون ضعيفًا لا يحمل أكثر من مائة وستين منًا، فتحطُّ عنه عشرة أمناء للراوية والحبال" (٢) هذا كلام غير مرضي ولا يصح قوله "إن ذلك مأخوذ من استقلال البعير"، بل من المعلوم أن القلة سميت قلة لأنها تقل بالأيدي ونحو ذلك (٣)، أي تحمل من غير تخصيص للبعير، وهي عند العرب عبارة عن الجرَّة الكبيرة أو شبهها نحو الجُب (٤) وقد فسرها الثقة (٥) من رواة هذا الحديث (٦) بقلال كبار كانت بالمدينة تسمى قلال هجر، وهجر ههنا قرية بقرب المدينة لا هجر المعروفة عند البحرين (٧)، وتفسير الحديث من راويه يقبل وإن لم يسنده إلى رسول الله - ﷺ -، وكانت معلومة المقدار عندهم كالمكايل، ولولا ذلك لم يقدر بها الشارع - ﷺ -. ثم
_________________
(١) منا على وزن عصا: هو رطل، وتثنيته منوان وجمعه أمناء، وفي لغة قليلة: منّا بتشديد النون. انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٢/ ١٤٥).
(٢) الوسيط (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥).
(٣) انظر: معالم السنن للخطابي (١/ ٥٣)، المصباح المنير (ص ١٩٦)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٦).
(٤) انظر: القاموس المحيط (٣/ ٦٠٢)، مختار الصحاح (ص ٥٤٩)، المصباح المنير (ص ١٩٦). والجُب: المزادة يخيط بعضها إلى بعض. انظر: القاموس المحيط (١/ ٥٧).
(٥) في (د): الثقاة، والمثيت من (أ) و(ب).
(٦) وهو يحيى بن عُقيل كما رواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة (١/ ٣٩٩) رقم (١٢٥٢) حيث قال: " عن ابن جريج قال: أخبرني محمد - أي ابن يحيى - فذكره - أي حديث القلتين - قال محمَّد ليحيى بن عقيل: أي القلال؟ قال: قلال هجر". ويحيى بن عقيل قال عنه ابن معين: "ليس به بأس"، وقال الحافظ ابن حجر: "صدوق". انظر: الجرح والتعديل (٩/ ١٧٦)، تقريب التهذيب (ص ٥٩٤).
(٧) انظر: معجم البلدان (٥/ ٤٥٢)، تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٢/ ١٨٨).
[ ١ / ٦٧ ]
إنه احتيج (١) إلى التقدير بغيرها لفنائها، أو غير ذلك، فقدَّرت بقرب الحجاز، وهي كبار معروفة عندهم، فذكر ابن جريج (٢) - وهو أحد أكابر المتقدمين من علماء الحجاز - أن القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئا (٣)، فاحتاط الشافعي - ﵁ - وعنهم - وقدر القلتين بخمس قرب منها، وجعل الشيء فيه نصفًا؛ ليستوعب جميع ما يحتمله لفظ الشيء في مثله (٤)، ثم احتاج من تباعد من الحجاز إلى تقدير تلك القرب بالأرطال، فاتفق أصحاب الشافعي، وأصحاب أحمد على تقدير كل قربة منها بمائة رطل بالرطل العراقي (٥)، وفي
_________________
(١) في (أ): ثم إنه إن احتيج.
(٢) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أبو الوليد القرشي الأموي مولاهم المكي، ويقال: أبو خالد، وهو من كبار تابعي التابعين، وأول من دون العلم بمكة، قال عنه الحافظ ابن حجر ثقة، فقيه، فاضل، كان يدلس ويرسل، روى حديثه الجماعة. توفي سنة ١٥٠ وقيل: ١٥١ هـ. انظر ترجمته في: الثقات لابن حبَّان (٧/ ٩٣)، الجرح والتعديل (٥/ ٣٥٦)، تهذيب الكمال (١٨/ ٣٣٨)، تقريب التهذيب (ص ٣٦٢).
(٣) انظر: الأم (١/ ٤٣)، مختصر المزني (ص ١١)، السنن الكبرى كتاب الطهارة (١/ ٣٩٨) رقم (١٢٥٠).
(٤) انظر: الحاوي (١/ ٣٣٤)، التعليقة للقاضي حسين (١/ ٤٨٤)، التهذيب (ص ٣٠).
(٥) انظر: الحاوي (١/ ٣٣٥)، حلية العلماء (١/ ٨١)، المجموع (١/ ١٢٠)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٧)، قال ابن قدامة: "واتفق القائلون بتحديد الماء بالقرب على تقدير كل قربة بمائة رطل بالعراقي، لا أعلم بينهم في ذلك خلافًا". أهـ والرطل: بكسر الراء وفتحها لغتان والكسر أفصح. واختلف في مقدار رطل بغداد: فقيل: (١٢٨ درهمًا وأربعة أسباع الدرهم)، وقيل: (١٢٨ درهمًا فقط)، وقيل: (١٣٠ درهمًا). فيكون الرطل بالجرام الحالي على القول الأول: (٦٩٥، ٤٠٧)، وعلى القول الثاني: (٨٨، ٤٠٥)، وعلى القول الأخير: (٢٣، ٤١٢). انظر تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١/ ١٢٣)، المجموع (١/ ١٢٢)، تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١١٠). معجم لغة الفقهاء (ص ٤١٣)، تحقيق اللباب للدكتور عبد الكريم العمري (ص ٥٦).
[ ١ / ٦٨ ]
"الشامل" (١) لابن الصباغ (٢) نسبة تقدير القربة بمائة رطل إلى الشافعي نفسه، ولم أجد ذلك في كلام الشافعي (٣) ومنصوصاته، وغيره صرح بأن ذلك كان من أصحابه (٤). فالقلتان إذًا على مذهب الشافعي وأصحابه خمسمائة رطل بالعراقي سوى من شذَّ منهم فقال: إنهما (٥) ألف رطل (٦)، أو (قال) (٧): ستمائة رطل (٨)، وذكر القاضي حسين في (٩) طريقته عن المهندسين أن مقدار القلتين من
_________________
(١) لم أقف على النقل عنه فيما بين يدي من مصادر، وقد نقل هذا التقدير عن الشافعي البندنيجي، وقال المحاملي: "حكى أبو إسحاق أن الشافعي قال في بعض كتبه: إنه شاهد القرب وأن القربة تسع مائة رطل". وقال إمام الحرمين: "ظاهر كلام الشافعي أن القربة تسع مائة رطل". نهاية المطلب (١/ ل ١١١/ ب)، المجموع (١/ ١٢٠ - ١٢١).
(٢) هو أبو نصر عبد السيد بن محمَّد بن عبد الواحد بن محمَّد بن أحمد بن جعفر البغدادي المعروف بابن الصباغ، شيخ الشافعية، من مصنفاته: الشامل، والكامل، وتذكرة العالم والطريق السالم، توفي سنة ٤٧٧ هـ انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٣/ ٢١٧)، تهذيب الأسماء (٢/ ٢٩٩)، السير (١٨/ ٤٦٤)، طبقات السبكي (٥/ ١٢٢)، طبقات الأسنوي (٢/ ١٣٠).
(٣) في (ب): الشافعي نفسه.
(٤) كالماوردي في الحاوي (١/ ٣٣٥)، والقاضي حسين في التعليقة (١/ ٤٨٣)، وراجع المجموع (١/ ١٢٠).
(٥) في (ب): إنها.
(٦) محكي عن الشيخ أبي زيد محمَّد بن أحمد بن عبد الله بن محمَّد المروزي شيخ القفال المروزي. انظر. المجموع ١/ ١٢٠.
(٧) زيادة من (أ) و(ب).
(٨) وهو اختيار أبي عبد الله الزبيري والقفال، قال الفوراني: "هو الأصح وعليه الفتوى". وقال الغزالي: "والأقسط ما ارتضاه القفال وصاحب الكافي". انظر: الإبانة (ل٤ / أ)، الوسيط (١/ ٣٢٤)، المجموع (١/ ١٢٠).
(٩) في (أ): من.
[ ١ / ٦٩ ]
الماء على الأرض المتساوية: ذراع وربع في ذراع وربع في عمق ذراع وربع (١)، فاعلم ذلك؛ فإن فيه من تحقيق أمر القلتين رغائب عزيزة مهمة، والله أعلم.
قوله: "ويعبر العرب" كذا وقع بلفظ الواحد في البعير (٢) ولفظ الجمع في العرب وفيه عجمة (٣). وقوله: "للراوية والحِبَال" يتضمن كون الراوية قلة، وذلك غير صحيح ولا يعرف ذلك في اللغة أصلًا. ثم إن الراوية في لسان العرب عبارة عن الدابة التي تحمل الماء، واستعمالها فيما تحمل فيه الماء منسوب إلى العامة، وهو محتمل على وجه الاستعارة (٤)، والله أعلم.
والمنا (٥) بالتخفيف على وزن العصا أفصح من المنِّ (٦)، والله أعلم.
وصاحب "الكافي" المذكور هو أبو عبد الله الزبيري (٧) من قدماء الأصحاب العراقيين في الطبقة الثالثة. والقفال ههنا وحيث يذكر في "الوسيط" ونحوه هو
_________________
(١) التعليقة (١/ ٤٨٤).
(٢) في البعير: سقط من (ب).
(٣) جاء في نسخة أخرى للوسيط (إبل العرب) وقد أثبتها محقق الوسيط فتزول المعجمة. انظر: الوسيط (١/ ٣٢٤).
(٤) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣٦٤)، تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١/١٣٠ - ١٣١)، لسان العرب (٥/ ٣٨٠).
(٥) في (ب): وقوله: والمنا الخ.
(٦) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٢/ ١٤٥).
(٧) هو الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام الأسدي أبو عبد الله، وهو من أصحاب الوجوه المتقدمين، له كتب كثيرة منها: الكافي، النية، ستر العورة، الهداية، الاستشارة والاستخارة، رياض المتعلم، الإمارة، وغيرها، توفي سنة ٣١٧ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الشيرازي (ص ١٠٨)، وفيات الأعيان (٢/ ٦٩)، تهذيب الأسماء (٢/ ٢٥٦)، طبقات السبكي (٣/ ٢٩٥).
[ ١ / ٧٠ ]
أبو بكر عبد الله بن أحمد القفَّال المروزي إمام المراوزة في الطبقة الخامسة أو السادسة، وهو القفال الصغير، والقفال الكبير هو: أبو بكر محمَّد بن علي الشاشي، وقلَّ ما يأتي ذكره في هذه الكتب، وإذا ذكر قيِّد بالشاشي (١)، والله أعلم.
وصاحب "التقريب" المذكور هو ابن القفال الشاشي، واسمه القاسم أبو الحسن (٢)، جليل القدر صاحب طريقة في المذهب، وكتابه "التقريب" كبير شروح "مختصر المزني" (٣)، وربما أُعتقد أنه كتاب "التقريب" للإمام سليم بن أيوب الرازي (٤) وليس به، والله أعلم.
قول (٥) ابن جريج: "رأيت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئًا" (٦) تحتمل "أو" فيه التردد والشك كما ذكره في الكتاب، وتحتمل التقسيم كما في "أو" من
_________________
(١) تقدم التمييز بينهما.
(٢) في (ب): أبو الحسين. وكان ﵀ صاحب إتقان وتحقيق وضبط وتوثيق، توفي في حدود الأربعمائة. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء (٢/ ٢٧٨)، طبقات السبكي (٣/ ٤٧٢)، طبقات الأسنوي (١/ ٣٠٣).
(٣) في (ب): المختصر، بدلًا عن مختصر المزني.
(٤) أبو الفتح سليم بن أيوب بن سليم الرازي الشافعي، تفقه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني حتى برع في المذهب وصار إمامًا لا يشق له غبار، من تصانيفه: ضياء القلوب في التفسير، والتقريب والمحرر والإشارة في الفقه، وغيرها، توفي غرقًا سنة ٤٤٧ هـ وهو قافل من الحج. انظر ترجمته في: طبقات الشيرازي (ص ١٣٢)، تهذيب الأسماء (١/ ٢٣١)، السير (١٧/ ٦٤٥)، طبقات السبكي (٤/ ٣٨٨).
(٥) في (أ): وقول.
(٦) قال الغزالي: "وقال صاحب التقريب: لا يضر نقصان نصف القربة، وهو الذي تردد فيه ابن جريج إذ قال: لقد رأيت قلال هجر فكانت القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا". الوسيط (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦).
[ ١ / ٧١ ]
آية المحاربة (١)، أي أنها كانت منقسمة فمنها ما تسع قربتين، ومنها ما تسع قربتين وشيئًا، والله أعلم. تقدير النقصان على قول القائل بالتقريب بأرطال معلومة تَشَوُّف إلى التحديد كما ذكره (٢)، ولكنه تحديد آخر غير التحديد الذي نفاه القائل بالتقريب، فإن الذي نفاه هو التحديد بخمسمائة رطل، والعبارة المفصحة عما اختاره في ضبط النقصان أن نقول: إذا كان الناقص بحيث يغيِّره من الزعفران أو غيره ما لا يغيِّر مثله (٣) القدر الكامل فهو (٤) دون القلتين، وإذا كان الناقص بحيث لا يغيِّره إلا ما يغيِّر مثله القدر الكامل فليس دون القلتين المعتبرتين، والله أعلم.
قوله في النجاسة الجامدة الواقعة في قلتين: "القول الجديد: أنه لا يجوز الاغتراف إلا مما بعد عنها بقلتين" (٥) كان ينبغي أن لا يقتصر في تصوير المسألة على قلتين، بل يقول أكثر من قلتين؛ حتى يتصور الاغتراف مما بعد عنها بقلتين، فكأنه أراد في قلتين فصاعدًا، غير أن في العبارة كزازة (٦). ثم إن القلتين المجتنبتين نجستان على هذا القول فيما ذكره صاحب "التهذيب" (٧)، وصاحب
_________________
(١) وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣].
(٢) قال الغزالي: "ولعل الأقرب أن يقال: إذا نقص قدر لو طرح عليه من الزعفران مثل ما طرح على الكامل لظهر التفاوت للحسِّ فهو مؤثر. وهذا الضبط أولى من التقدير بالأرطال؛ فإن ذلك تشوف إلى التحديد". ا. هـ الوسيط (١/ ٣٢٦).
(٣) في (ب): مثله من، و"من" هنا مقحمة.
(٤) في (أ): فهو في ضبط النقصان أن نقول: إذا كان الناقص دون القلتين، وإذا كان الناقص بحيث يغيره من الزعفران أو غيره ما لا يغير مثله القدر الكامل فليس الخ. وهذا لا معنى له.
(٥) الوسيط (١/ ٣٢٦).
(٦) الكزازة: اليُبس والانقباض. انظر: القاموس المحيط (٢/ ٣٠١)، مختار الصحاح (ص ٥٦٩).
(٧) انظر التهذيب (ص ٣٦).
[ ١ / ٧٢ ]
الكتاب في درسه له، وصرح به شيخه وقال: "لو كان الماء قلتين بلا مزيد كان (١) نجسًا على هذا القول" (٢). وكلام صاحب "الحاوي" (٣)، وصاحب "المهذب" (٤)، وغيرهما (٥) وكأنهم الأكثرون يقتضي أن ذلك طاهر مُنِعَ من استعماله لقربه من النجاسة، وعن بعض المعلقين عن الشيخ أبي محمَّد الجويني أن الخلاف إنما هو في جواز الاستعمال ولا خلاف في الطهارة (٦). والوجهان كلاهما ضعيفان، والقول بالتنجيس أضعفهما لمصادمته قوله - ﷺ -: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا) (٧)، والله أعلم.
والقول القديم: أنه لا يجب التباعد عن النجاسة (٨)، وذكر الشيخ أبو علي السنجي (٩) في "شرحه للتلخيص" أنه قوله في "اختلاف الأحاديث". فعلى هذا
_________________
(١) في (ب): كان الكل.
(٢) نهاية المطلب (١/ ل ١١٤/ أ).
(٣) انظر الحاوي (١/ ٣٣٦).
(٤) انظر المهذب (١/ ٧).
(٥) كالقاضي أبي الطيب في التعليقة (١/ ل ١٠١/ أ)، ونقله النووي عن: المحاملي وصاحب الشامل والبيان وغيرهم من العراقيين وجماعة من الخرسانيين. انظر: المجموع (١/ ١٤٠)، روضة الطالبين (١/ ١٣٤).
(٦) انظر النقل عنه في: روضة الطالبين (١/ ١٣٣ - ١٣٤).
(٧) تقدم تخريجه انظر (١/ ٦٣ - ٦٤).
(٨) انظر: الوسيط (١/ ٣٢٦)، فتح العزيز (١/ ٢١٤)، المجموع (١/ ١٣٩).
(٩) سقط من (أ). وهو الحسين بن شعيب المروزي السنجي، منسوب إلى سنج قرية من قرى مرو، إمام زمانه في الفقه، شرح التلخيص وفروع ابن الحداد والمختصر، وهو أول من جمع في تصانيفه بين طريقة العراقيين والخراسانيين، توفي سنة ٤٢٧ هـ وقيل غيرها. انظر ترجمته في: طبقات العبادي (ص ٦٥)، طبقات الشيرازي (ص ١٣٢)، تهذيب الأسماء (٢/ ٢٦١)، طبقات الأسنوي (٢/ ٢٨). وانظر النقل عنه في: المجموع ١/ ١٣٩.
[ ١ / ٧٣ ]
هو أيضًا أحد القولين في الجديد؛ فإن كتاب "اختلاف الحديث (١) " من كتبه الجديدة.
ثم إن فيما عُلِّق عن صاحب الكتاب في تدريسه له أنه على هذا القول لا يجب التباعد إلا عن حريم (٢) النجاسة وما تغير شكله بسبب النجاسة، وذلك هو المذكور في متن الكتاب في فصل الماء الجاري حيث يقول: "وهذا الحريم مجتنب (٣) في الماء الراكد أيضًا" (٤) وهذا غير معدود من المذهب (٥)، وإنما هو شيء جرَّ إليه جري الخاطر السريع حالة (٦) التأليف والتفريع، أو نحو هذا، والذي ذكره أئمة المذهب ومنهم الشيخ أبو محمَّد الجويني في كتابه "المحيط" (٧)، وولده في كتابه "النهاية" (٨)، والشيخ أبو علي السنجي (٩)، وصاحب "التتمة" (١٠)، وصاحب
_________________
(١) في (ب): الأحاديث.
(٢) حريم الشيء: ما حوله من حقوقه ومرافقه. انظر: مختار الصحاح (ص ١٣٢)، المصباح المنير (ص ٥١).
(٣) في (أ): يجتنب.
(٤) الوسيط ١/ ٣٣١.
(٥) قال النووي - بعد أن ساق قول الغزالي باجتناب حريم النجاسة -: "وهذا الذي قاله شاذ متروك، مخالف لما اتفق عليه الأصحاب". أهـ المجموع (١/ ١٤٠)، وراجع المطلب العالي (١/ ل ٧٢/ أ- ب).
(٦) سقط من (أ).
(٧) لم أقف على كتابه هذا، وقد نقل قوله هذا ابن الرفعة عن ابن الصلاح انظر: المطلب العالي (١/ ل ٧٢/ ب).
(٨) (١/ ل ١١٧/ ب).
(٩) انظر: المطلب العالي الموضع السابق.
(١٠) انظر المرجع السابق.
[ ١ / ٧٤ ]
"التهذيب" (١)، وصاحب "الحاوي" (٢)، وصاحب "الشامل" (٣)، ومن لا تحصيه من الخراسانيين والعراقيين، على اختلاف عباراتهم: أنه (٤) على القول بعدم وجوب التباعد، لا يجتنب شيء منه، بل له الاغتراف من أي موضع شاء منه (٥)، وهكذا ذكره (٦) هو في "البسيط" (٧) فقطع فيه بأن الراكد (٨) لا حريم له يجتنب، وأن الجاري يجتنب حريمه على المذهب، وفرق بينهما بأن الراكد لا حركة له حتى ينفصل البعض (٩) عن البعض في الحكم، والله أعلم.
قوله في كيفية التباعد: "ينبغي أن يتباعد قدرًا لو حسب مثله في العمق وسائر الجوانب كان قلتين" (١٠) (فقوله: "وسائر الجوانب") (١١) كلام موهم، وإنما هو جانب العرض فحسب، إذ المعتبر في ذلك الطول والعرض والعمق فحسب من
_________________
(١) انظر التهذيب (ص ٣٦).
(٢) انظر الحاوي (١/ ٣٣٧).
(٣) انظر النقل عنه في: المطلب العالي (١/ ل ٧٢/ ب).
(٤) في (ب): أن.
(٥) سقط من (ب). وانظر: التنقيح (ل ٢٦/ أ)، المجموع (١/ ١٤٠)، المطلب العالي (١/ ل ٧٠/ ب)، نهاية المحتاج (١/ ٧٥).
(٦) في (أ) و(ب): ذكر.
(٧) (١/ ل ١٣/ أ).
(٨) في (أ): الذي.
(٩) في (أ): بعضه.
(١٠) الوسيط (١/ ٣٢٧).
(١١) ما بين القوسين زيادة من (أ).
[ ١ / ٧٥ ]
صوب المغترف، وذلك مصرح به في "البسيط" (١)، و"النهاية" (٢)، وغيرهما (٣)، وليس لك أن تجعل ذلك مصيرًا منه إلى وجه ليس في هذه الطريقة - ذكره صاحب "التتمة" (٤) - وهو أنه لا يعتبر القلتان من صوب المغترف فحسب، بل من جميع جوانب النجاسة، فإن هذا الكلام إنما هو في جوانب الماء وأبعاده لا في جوانب النجاسة، وبيان كيفية التباعد واعتبار الأبعاد الثلاثة فيه كما (٥) سبق بكشف إشكاله الإمام القفال قرأت (٦) ذلك بخط تلميذه أبي محمَّد الجويني عنه (٧)، وذكر أنه سأل عن تحقيق ذلك جماعة منهم الشيخ أبو بكر الأودني (٨)، والشيخ أبو عبد الله الخضري وجارا فيه أبا يعقوب الأبيوردي (٩)، فما استقرت آراؤهم فيه على شيء (١٠).
_________________
(١) (١/ ل ١١/ ب).
(٢) (١/ ل ١١٣/ ب).
(٣) انظر: التعليقة للقاضي حسين (١/ ٤٩١، ٤٩٢)، الإبانة (ل ٤/ أ).
(٤) انظر النقل عنه في: المجموع (١/ ١٤٠).
(٥) في (د): مما، والمثبت من (أ).
(٦) في (ب): نقلت.
(٧) انظر النقل عنه في: المطلب العالي (١/ ل ٧٢/ ب - ل ٧٣/ أ).
(٨) محمَّد بن عبد الله بن بصير بن ورقة أبو بكر الأودني الجاري، من أصحاب الوجوه، توفي سنة ٣٨٥ هـ ببخارى، وأودن من قرى بخارى، قيل بضم أوله، وقيل بالفتح. انظر ترجمته في: طبقات ابن الصلاح (١/ ١٩٥ - ١٩٦)، طبقات الأسنوي (١/ ٥٤).
(٩) هو يوسف بن محمَّد الأبيوردي من أقران القفال، وتفقه عليه الشيخ أبو محمَّد الجويني، صنف التصانيف السائرة منها: كتاب المسائل في الفقه. انظر ترجمته في: طبقات السبكي (٥/ ٣٦٢)، ذيل طبقات ابن الصلاح (٢/ ٩٠٥).
(١٠) من قوله "قوله في كيفيَّة التباعد إلى نهاية هذه الفقرة سقط من (ب). وقد نقل ابن الرفعة هذا عن ابن الصلاح انظر: المطلب العالي (١/ ل ٧٣/أ).
[ ١ / ٧٦ ]
قوله في البئر التي يقع فيها فأرة ويتمعط (١) شعرها: "فالطريق أن يستقى الماء (٢) بدلاء على الولاء إلى أن ينزف (٣) مثل جمَّة البئر مرة، أو مرتين، أو مرات استظهارًا" (٤) جمَّة البئر: بفتح الجيم وتشديد الميم: ما اجتمع فيها (٥) من الماء (٦)، والولاء بكسر الواو والمد: التوالي والتواصل (٧)، وفسره صاحب "النهاية" (٨): بأن تتابع الدلاء بحيث لا تسكن جمَّة البئر عن تحركها (٩) بالدلو الأولى حتى تلحقها الثانية ثم هكذا فهكذا حتى ينزح مثل جمَّة البئر، قال: "والاستظهار عندي أن ينزح مثل "ماء" (١٠) البئر مرارًا". فإذا قوله في "الوسيط": "مرة" بيان للمشروط، وقوله: "أو مرات استظهارًا" بيان للمستحب، وقوله "استظهارًا" يتعلق بالمرتين والمرات، وصرَّح في "البسيط" (١١) بما فسرناه، وقد اقتصر في بعض النسخ على ذكر "مرة"، وفي بعضها "مرة أو مرتين" دون مرات، وفي بعضها جميعهن (١٢). وهذا الماء
_________________
(١) يتمعط: بمعنى يتساقط. انظر: القاموس المحيط (٢/ ٥٨٥)، المصباح المنير (ص ٢٢٠).
(٢) في (د): من الماء، والمثبت من (أ) و(ب)، وهو موافق لما في متن الوسيط.
(٣) يُنْزَف بالزي والفاء: يُخْرَج. انظر: المصباح المنير (ص ٢٢٩)، التنقيح (ل ٢٧/ أ).
(٤) الوسيط (١/ ٣٢٨).
(٥) في (ب): فيه.
(٦) انظر: لسان العرب (٢/ ٣٦٥)، القاموس المحيط (٤/ ٢٩)، التنقيح (ل ٢٧/ أ).
(٧) انظر: مختار الصحاح (ص ٧٣٦)، القاموس المحيط (٤/ ٤٦٥).
(٨) (١/ ل ١١٥/ أ)
(٩) في (ب): تحريكها.
(١٠) زيادة من (أ) و(ب).
(١١) (١/ ل ١٢/ ب).
(١٢) راجع التنقيح (ل ٢٧/ أ).
[ ١ / ٧٧ ]
عند كثرته وعدم تغيره طاهر يمتنع استعماله (١)، فلو استقى منه في دلو، ونظر فلم يجد فيه شيئًا من المتنجس جاز له استعماله. ثم إن الظاهر أنَّا إذا قلنا بطهارة الشعر فلا منع، ولكن ذكر عنه فيما عُلِّق عنه في تدريسه "للوسيط" طرده ذلك وإن قلنا بطهارة الشعر، وعلَّل: بأنَّ الشعر يتمعط ملتصقًا به شيء من جلد الفأرة ولحمها، وذلك نجس لا محالة (٢). وقال في الدرس: "وأما جدران البئر (٣) وأطرافها فإنها تتنجس (٤) بما في الدلاء حالة النزح فلتغسل". ثمَّ إن قلنا: الغسالة (٥) طاهرة (٦) فلا بأس، وإن قلنا: نجسة فلتنزح تلك الغسالة، وإن شاءَ شاءٍ بحث جدران البئر وأخرج ذلك التراب، والله أعلم.
الجريات جمع جرية بكسر الجيم (٧)، وهي ههنا اسم لقطعة جارية من الماء (٨).
_________________
(١) لأنه لا ينزح منه دلو إلا وفيه شيء من أجزاء النجاسة. انظر: فتح العزيز (١/ ٢٢٢) روضة الطالبين (١/ ١٣٥)، مغني المحتاج (١/ ٢٣).
(٢) راجع: المجموع (١/ ١٤٩)، التنقيح (ل ٢٧/ ب).
(٣) سقط من (ب).
(٤) في (أ): تنجس.
(٥) في (ب): إن الغسالة.
(٦) غسالة النجاسة إن انفصلت متغيرة الطعم أو اللون أو الريح بالنجاسة فهي نجسة بالإجماع، وإن لم تتغير فإن كانت قلتين فطاهرة بلا خلاف، ومطهرة على المذهب، وإن كانت دون القلتين فثلاثة أوجه، وقيل: أقوال، أصحها: إن انفصلت وقد طهر المحل فطاهرة وإلا فنجسة انظر: التعليقة للقاضي أبي الطيب (١/ ل ٩٢/ ب)، الإبانة (ل ٤/ ب)، المهذب (١/ ٨)، التهذيب (ص ٩٦)، المجموع (١/ ١٥٩).
(٧) قال الغزالي في فصل الماء الجاري: "وطبيعة الماء الجاري التفاصل في الجريات". الوسيط (١/ ٣٢٩).
(٨) انظر: التنقيح (ل ٢٨/ أ).
[ ١ / ٧٨ ]
قوله (١): "وما على يمينها وشمالها وسمتها إلى العمق فيه طريقان: منهم من قطع بالطهارة، ومنهم من خرَّج على قولي التباعد" (٢) هذا (٣) ليس على إطلاقه، وشرحه: أن حريم النجاسة - وهو ما يلامس النجاسة، وينعطف عليها، ويلتف بها، ويتغير شكل جريانه (٤) بها - نجس قطعًا على المذهب (٥)، وما زاد على ذلك مما على يمينها وشمالها إلى حافتي النهر (٦) وما في سَمْتِها إلى (٧) العمق فذلك الذي فيه الطريقان: منهم (٨) من قطع بطهارته؛ لأنه متفاصل عنها كتفاصل ما فوقها وما أمامها، ومنهم من جعل جميع ذلك ماء واحدًا كالراكد، فإن كان دون القلتين فهو نجس، وإن كان أكثر من قلتين خُرِّج على قولي التباعد (٩)، والله أعلم.
_________________
(١) في (أ) و(ب): وقوله.
(٢) الوسيط (١/ ٣٢٩). وقبله: فإذا وقعت نجاسة فإن كانت جامدة تجري بجري الماء فما فوقها طاهر؛ إذ لم يتصل بالنجاسة، فإن الجريات متفاصلة، وما تحتها طاهر؛ إذ النجاسة لم يتصل بها، وما على يمينها الخ.
(٣) سقط من (ب).
(٤) في (أ): جرايته.
(٥) انظر: البسيط (١/ ل ١٣/ أ)، التهذيب (ص ٣٨، ٣٩)، فتح العزيز (١/ ٢٢٨)، التنقيح (ل ٢٨/ ب).
(٦) في (أ): البئر.
(٧) في (ب): من.
(٨) سقط من (ب).
(٩) انظر: البسيط (١/ ل ١٣/ أ)، فتح العزيز (١/ ٢٢٦)، التنقيح (ل ٢٧/ ب).
[ ١ / ٧٩ ]
الجدول (١): النهر الصغير (٢)، والله أعلم.
قطع في النجاسة المائعة الواقعة في الماء الجاري من غير تغيير (٣) بأنها لا تنجسه كان كان قليلًا؛ لأن الأولين كانوا يتوضؤون من الأنهار الصغيرة أسفل من المستنجين منها (٤)، واحتج به في الدرس على صحة أختياره لمذهب مالك في أن الماء مطلقًا (٥) لا ينجس إلا بالتغير (٦)، وادعى أنه نقض على مذهبنا، وأنه بالمصير إلى مذهب مالك يتخلص من مناقضات وتخبيطات تلزمنا في مذهبنا. ولما ارتقى - ﵀ وإيانا - في ذلك مرتقى لم يكن له ارتقاؤه، لم تستقر قدمه عليه، ولم يستقم نقله ولا دليله، فالذي عليه جمهور أئمة المذهب ونقلته (٧) التسوية بين الجاري والراكد في الفرق بين القليل والكثير عملًا بعموم الخبر (٨). ونقل صاحب "التلخيص" (٩)
_________________
(١) في (ب): والجدول. قال الغزالي: "فإن كانت النجاسة واقفة فالحكم ما سبق إلا ما أمام النجاسة؛ فإن الماء يجري عليها وينفصل عنها، فهو نجس فيما دون القلتين، فإذا انتهى إلى حد القلتين فوجهان: وقال ابن سريج: هو نجس وإن امتدَّ الجدول فراسخ إلى أن يجتمع في حوض قدر قلتين". أهـ الوسيط (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠).
(٢) انظر: الصحاح (٤/ ١٦٥٤)، القاموس المحيط (٣/ ٤٧٤).
(٣) في (أ) و(ب): تغير
(٤) سقط من (ب). وانظر: الوسيط (١/ ٣٣٠ - ٣٣١).
(٥) في (أ): المطلق.
(٦) تقدم هذا، انظر: (١/ ٦٥).
(٧) انظر: الحاوي (١/ ٣٤٠)، التعليقة للقاضي حسين (١/ ٤٩٠، ٤٩٢)، التهذيب (ص ٢٨)، وراجع فتح العزيز (١/ ٢٣١)، المجموع (١/ ١٤٤).
(٨) أي (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا) المتقدم (١/ ٦٣).
(٩) انظر التلخيص (ص ١٠٩).
[ ١ / ٨٠ ]
وغيره (١) قولًا قديمًا أن الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير، ولكن من غير فرق بين النجاسة المائعة والجامدة، واختاره بعض الأصحاب (٢) احتجاجًا بأن الماء الجاري وارد على النجاسة فلم ينجس المزال به النجاسة، وما احتج به من أمر الأولين لا يسلَّم له (٣)؛ فإنه (٤) تخمين لا يعضده نقل يعتمد، والله أعلم.
الفرق الذي ذكره هو (٥) وشيخه (٦) بين الأنهار المعتدلة والأنهار العظيمة، بعيد لم يذكره الأكثرون (٧)، والله أعلم.
قوله: "وهذا الحريم مجتنب في الماء الراكد" (٨) غير صحيح على المذهب، وقد بينت ذلك في فصل الراكد (٩)، وإنما الحريم المذكور المجتنب مخصوص
_________________
(١) كالشيرازي في التنبيه (ص ١٣)، والبغوي في التهذيب (ص ٣٨).
(٢) نقله ابن الرفعة عن صاحب التتمة المتولي انظر المطلب العالي (١/ ل ٨٠/ أ)، وراجع فتح العزيز (١/ ٢٣١).
(٣) قال النووي: "وأما ما ذكره من وضوء الأولين فلم يثبت أنهم كانوا يتوضؤون تحت المستنجين، ولا أنهم كانوا يستنجون في نفس الماء". أهـ المجموع (١/ ١٤٤)، وراجع التنقيح (ل ٢٨/ ب).
(٤) في (ب): لأنه.
(٥) قال الغزالي: "وإن انمحقت - أي النجاسة - لم ينجس الماء وإن كان قليلًا؛ لأن الأولين ما زالوا يتوضؤون ويستنجون من الأنهار الصغيرة، وهذا في الأنهار المعتدلة. وأما النهر العظيم الذي يمكن التباعد فيه عن جميع جوانب النجاسة بقدر قلتين فصاعدًا فالذي قطع به معظم الأئمة أنه لا يجتنب فيه إلا حريم النجاسة. ا. هـ الوسيط (١/ ٣٣١).
(٦) انظر نهاية المطلب (١/ ل ١١٩/ أ).
(٧) انظر: التنقيح (ل ٢٨/ ب)، المطلب العالي (١/ ل ٨٢/ ب).
(٨) الوسيط (١/ ٣٣١).
(٩) انظر (١/ ٧٤).
[ ١ / ٨١ ]
بالجاري (١)؛ لأنه متفاصل الأجزاء (٢) فينجس حريم النجاسة منه (٣) لملاقاته إياها من غير أن يحصل فيه كثرة دافعة لتفاصله، وأما الراكد فليس فيه إلا التباعد بقلتين على قول، وجواز الاغتراف من أي موضع شاء على القول الآخر الصحيح (٤)، والله أعلم.
فرع (٥): الحوض الذي ينصبُّ في وسطه ماء يجري فيه ويمر، وطرفاه (٦) راكدان، إذا وقعت نحاسة في الجاري منه، فحكمه على ما سبق: فينجس من الجاري حريمها، ولا ينجس الراكد على طريقة من لم يوجب التباعد منها، بل قطع بطهارة ما وراء حريمها؛ إذ الراكد مما وراء حريمها.
وقوله: "إذا لم نوجب التباعد (٧) وإن كان الجاري قليلًا" (٨) محمول على هذه الطريقة، وهي الطريقة الأولى، وينبغي على الطريقة الثانية الجاعلة ما على (٩) يمين النجاسة وشمالها إلى حافتي النهر وإلى العمق شيئًا واحدًا كماء راكد، أن تعتبر الجرية التي فيها النجاسة مع ما يحاذيها من الراكدين إلى حافتي الحوض
_________________
(١) راجع البسيط ١/ ل ١٣/ أ، التهذيب ص ٣٨.
(٢) سقط من (ب).
(٣) في (ب): المذكور منه.
(٤) انظر تفاصيل ذلك في: فتح العزيز ١/ ٢١٤، المجموع ١/ ١٣٩.
(٥) انظر: في الوسيط ١/ ٣٣١.
(٦) في (ب): فطرفاه.
(٧) في (أ): التباعد منها.
(٨) الوسيط ١/ ٣٣١. وقبله: فلو وقعت نجاسة في الجاري فلا ينجس الراكد إذا لم نوجب الخ.
(٩) في (د): على ما، بالتقديم والتأخير، والمثبت من (أ) و(ب).
[ ١ / ٨٢ ]
وإلى العمق، فإن لم يبلغ الجميع قلتين فالجميع نجس، وإن كان أكثر من قلتين فعلى الخلاف كما سبق (١). وأما إذا وقعت النجاسة في الراكد وهو أقل من القلتين فهو نجس، و(٢) الماء الجاري يلاقي في جريانه ماءً نجسًا فهو كنجاسة واقفة يلاصقها الماء الجاري منحدرًا، فقياس ما تمهد من القاعدة أن يحكم بنجاسة ما يماسُّ الراكد ويلاقيه من الجاري وهو الحريم، وما زاد على ذلك فهو على (٣) الطريقة الأولى طاهر، وعلى الطريقة الثانية إن كان قليلًا فنجس، وإن كان كثيرًا فعلى قولي التباعد. وأما قول صاحب الكتاب: "فإن كان يختلط به ما يغيّره لو خالف (٤) لونه فينجِّسه" (٥) فلا أراه يستقيم، وهو منفلت عن رابطة القاعدة؛ فإنه فرضه مختلطًا به فيجب أن يعتبر بنفسه ولا يقدر بغيره؛ لأن المانع من نجاسة الجاري تفاصله وعدم اختلاطه، فإذا كان مختلطًا به نجس إن كان دون القلتين كماء نجس وقع في ماء قليل، وأيضًا فالماء النجس إذا وقع فيما لا يتنجَّس إلا بالتغير كالماء الكثير فليس كالبول الموافق للماء في صفائه في أنه يعتبر بغيره، ويقدر فيه أنه لو خالفه هل كان يغيره؟ فتأمل ذلك (٦)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر (١/ ٧٢ - ٧٣).
(٢) في (ب): وأما.
(٣) في (أ) و(ب): ذلك فعلى.
(٤) في (أ) و(ب): خالفه.
(٥) الوسيط (١/ ٣٣٢). وقبله: وإن وقعت - أي النجاسة - في الراكد وهو أقل من القلتين فهو نجس، والجاري يلاقي في جريانه ماءً نجسًا، فإن كان يختلط به الخ.
(٦) راجع: المطلب العالي (١/ ل ٨٣ / أ - ب).
[ ١ / ٨٣ ]
ثم إنه قسَّم النجاسة إلى حكمية وعينية (١)، أما الحكمية فهي: التي لا يشاهد لها عين، ولا يُحَسُّ لها طعم، ولا لون، ولا رائحة. والعينية نقيض ذلك (٢)، وهذا أجود وأليق بكلام (٣) صاحب الكتاب، من قول صاحب "النهاية" (٤): "العينية: التي يشاهد عينها، والحكمية: التي لا يشاهد عينها"، والله أعلم.
قوله: "وإن بقي اللون بعد الحتِّ والقرص، فمعفو عنه" (٥) فالحتُّ هو الحكُّ، والقرص هو تقطيعه وقلعه بالظفر (٦). ثم إن ظاهر كلامه مشعر (٧) بأن ذلك شرط، وقد قاله غيره (٨) وهو الصحيح (٩)، والله أعلم.
_________________
(١) حيث قال: "والنجاسة لا تخلو إن كانت حكمية فيكفي إجراء الماء على جميع موارد النجاسة، وإن كانت عينية فلا بد من إزالة عينها". الوسيط (١/ ٣٣٣).
(٢) انظر: فتح العزيز (١/ ٢٣٥)، التنقيح (ل ٢٩/ أ)، المطلب العالي (١/ ل ٨٥/ أ).
(٣) في (ب): كلام.
(٤) انظر: نهاية المطلب (١/ ل ١٠٢/ ب - ل ١٠٣/ أ، ٢/ ل ١١٤/ ب).
(٥) الوسيط (١/ ٣٣٣) وقبله: وإن كانت - أي النجاسة - عينية فلا بدَّ من إزالة عينها، فإن بقي طعم النجاسة لم يطهر؛ فإنه يدل على بقاء العين، وإن بقي اللون الخ.
(٦) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٣٧، ٤/ ٤٠)، تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١/ ٦٣).
(٧) في (ب): يشعر.
(٨) كالبغوي في التهذيب ص: ٩٤، وراجع: فتح العزيز ١/ ٢٤٢، روضة الطالبين ١/ ١٣٨، المطلب العالي (١/ ل ٨٥/ ب).
(٩) وصححه إمام الحرمين في نهاية المطلب (٢/ ل ١١٤/ ب). وعند جمهور الأصحاب أنه مستحب وليس بشرط انظر: فتح العزيز وروضة الطالبين في الموضعين سابقين.
[ ١ / ٨٤ ]
ثم إن المحل يحكم بطهارته أو يبقى نجسًا ويعفى عنه كدم البراغيث؟ فيه وجهان ذكرهما صاحب التتمة (١) وغيره (٢)، والله أعلم.
قوله: "وإن بقيت الرائحة فوجهان" (٣) وإنما هما قولان معروفان (٤)، والله أعلم.
قوله: "ويستحب الاستظهار بغسلة ثانية وثالثة" (٥) فالاستظهار بالظاء المعجمة وهو الاستعانة (٦)، وقد أبعد من قال: تجوز قراءته بالطاء المهملة ومعناه طلب الطهارة (٧)، والله أعلم.
قوله في الوجهين في وجوب عصر الثوب: "يبتنيان على أن الغسالة طاهرة أو نجسة" (٨) فيه إشكال من جهة أن طهارة الغسالة مقطوع بها ما دامت مترددة على
_________________
(١) انظر النقل عنه في: التنقيح (ل٢٩ / أ).
(٢) قال النووى في الموضع السابق: "قوله (عفي عنه) يحتمل أنه أراد أنه نجس ويعفى عنه، ويحتمل أنه أراد طاهر عفي عن الحكم بنجاسته، وهذان الاحتمالان وجهان حكاهما المتولي وغيره، والصحيح منهما - وبه قطع الجمهور - تطهير حقيقة". أهـ
(٣) الوسيط (١/ ٣٣٣).
(٤) انظر: حلية العلماء (١/ ٣٢٢)، التهذيب (ص ٩٥)، وأظهرهما أنه يطهر وانظر: فتح العزيز (١/ ٢٤٠)، روضة الطالبين (١/ ١٣٨).
(٥) الوسيط (١/ ٣٣٣). حيث قال: "ثم يستحب الاستظهار في العينية والحكمية بعد حصول الطهارة بغسلة ثانية وثالثة" ا. هـ.
(٦) انظر: القاموس المحيط (٢/ ١٥٦)، المصباح المنير (ص ١٤٧).
(٧) وعلى القراءة بالطاء المهملة سار محقق الوسيط، وجوَّز أن يقرأ بهما الرافعي في فتح العزيز (١/ ٢٤٣).
(٨) الوسيط ١/ ٣٣٤.
[ ١ / ٨٥ ]
المحل غير متغيرة (١)، وإنما الخلاف بعد انفصالها (٢)، وفي "نهاية المطلب" (٣) هذا البناء محكي عن الشيخ أبي علي السنجي موجهًا: بأنَّا إذا حكمنا بنجاسة الغسالة بعد الانفصال فهي نجسة ما دامت على المحل، فإن عصرت فالبلل الباقي بعد العصر المعتاد طاهرٌ. قلت: وهذا بعيد يأباه النقل والدليل؛ فإن الغسالة قبل انفصالها طاهرة وفاقًا، مقطوع بذلك في طريقتي العراق وخراسان (٤)، وفي "الحاوي" (٥) نقل الوفاق فيه، وفي "التهذيب" (٦) وغيره (٧) القطع به، وقد وجدته منصوصًا عليه للشافعي في كتابه "كتاب اختلاف
_________________
(١) انظر: الحاوي (١/ ٣٠٢)، التهذيب (ص ٩٦).
(٢) أي انفصال الغسالة عن المحل وهي غير متغيرة ففيها ثلاثة أوجه، وقيل: أقوال، انظر (ص ٢١٧)، وانظر المراجع السابقة، وكذا المجموع (١/ ١٥٩)، التنقيح (ل ٢٩/ أ).
(٣) انظر: (١/ ل ١٠٣/ ب).
(٤) الطرق: هي اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب؛ فيقول بعضهم مثلًا: في المسألة قولان أو وجهان، ويقول الآخر: لا يجوز وجهًا واحدًا أو قولًا واحدًا، وهكذا، وقد اشتهر في نقل المذهب الشافعي طريقتان: طريقة العراقيين، وطريقة الخراسانيين، فالعراقيون هم فقهاء الشافعية الذين سكنوا بغداد وما حولها. والخراسانيون: هم الذين سكنوا مدن خراسان. قال النووي: واعلم أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي، وقواعد مذهبه، ووجوه متقدمي أصحابنا أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالبًا، والخراسانيون أحسن تصرفًا، وبحثًا، وتفريعًا، وترتيبًا غالبًا. المجموع (١/ ٦٥، ٦٩)، طبقات السبكي (١/ ٣٢٤ - ٣٢٦).
(٥) انظر: (١/ ٣٠٢).
(٦) انظر: (ص ٩٦).
(٧) كالإبانة (ل ٤/ ب)، وراجع: التنقيح (ل ٢٩/ أ)، المطلب العالي (١/ ل ٨٧/ أ).
[ ١ / ٨٦ ]
الحديث" (١) قال فيه: "إذا ورد الماء على النجاسة لم (٢) ينجس؛ لأنا لو قلنا: ينجس. لم يطهر الثوب". ثم إنه يمكن أن يوجه هذا البناء بأن المقصود من الغسل إهدار النجاسة عن المحل، وإنما يحصل ذلك بالعصر فوجب، ثم لا يتوجه ذلك على الحكم بطهارة الغسالة؛ فإنه لو أعادها إلى المحل بعد انفصالها لم يمتنع (٣)، فيتعين ابتناؤه على الحكم بنجاستها، والله أعلم.
ابن سريج (٤) قضى بأن الثوب النجس إذا أورده على الماء القليل على قصد غسله أجزأ؛ لأن الأصل نجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة، واستثنى للحاجة ما إذا كانت ملاقاته إياها على جهة الغسل، وكما تنصرف الملاقاة إلى جهة الغسل بكونها على هيئة الغسل بأن يكون الماء واردًا، فكذلك تنصرف إلى جهة الغسل بقصد الغسل مع كون الماء مورودًا، والمقصود من الغسل إزالة أثرها واستهلاكها، وذلك حاصل في هذه الصورة أيضًا. فتوسَّع ابن سريج في الطرق المحصِّلة لهذا المقصود بزيادته (٥) هذا الطريق، وزاد عليه طريقًا آخر ليس
_________________
(١) انظر: ص: ٥٦٠.
(٢) في (أ): لا.
(٣) في (أ): يمنع.
(٤) الإمام أحمد بن عمر بن سريج البغدادي أبو العباس، شيخ الشافعية في عصره، وعنه انتشر فقه الشافعي في أكثر الآفاق، توفي سنة ٣٠٦ هـ، يقال: إن مصنفاته بلغت أربعمائة مصنف منها: الرد على ابن داود في القياس، والرد عليه في مسائل اعترض فيها على الشافعي، وكتاب الخصال. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء (٢/ ٢٥١)، طبقات السبكي (٣/ ٢١)، طبقات الأسنوي (٢/ ٢٠)، وغيرها. وراجع المسألة في: الوسيط (١/ ٣٣٤).
(٥) في (أ): زيادة.
[ ١ / ٨٧ ]
معتادًا في الغسل فأنزله منزلة الغسل، وهو مكاثرة الماء النجس بما يُصَبُّ عليه من الماء الطهور فجعله كالغسل له وحكم بطهارته (١)، فهذا وجه قول صاحب الكتاب فيه. "وزاد" (٢)، وأيضًا ففي "النهاية" (٣) عن ابن سريج أنه قال: "يطهر الماءان إذا قصد به الغسل". فإذًا ذلك زيادة منه في القول بتأثير القصد في ذلك، وأما قول المصنف: "إن ذلك منه بناءً على أن غسالة النجاسة طاهرة" فإنما هو بناء على أن العصر لا يجب بناء على أن الغسالة طاهرة على الوجه الذي سبق إيضاحه (٤)، والله أعلم.
وأما قضاء ابن سريج بأنه لو وقع الثوب النجس في ماء قليل نجس الماء ولم يطهر الثوب (٥)؛ فلأنه معترف بالفرق بين الوارد والمورود، وإنما ألحق المورود بالوارد حيث يوجد القصد ولم يوجد ههنا، ومن ظن به من هذا كونه اشترط النية في إزالة النجاسة فقد غلط عليه، وإنما اعتبر القصد فيما إذا كان الماء
_________________
(١) انظر: التنقيح (ل ٢٩/ ب).
(٢) الوسيط (١/ ٣٣٤). حيث قال: "فإن أورد الثوب النجس على ماء قليل نجس الماء ولم يطهر الثوب. وقال ابن سريج: يطهر؛ لأن الملاقاة لا تختلف بأن يكون الثوب مورودًا للماء أو ورادًا عليه، وزاد عليه فقال: لو كان في إجانة ماء نجس فكوثر بصب ماء قليل عليه صار الكل طاهرًا بناء على أن غسالة النجاسة طاهرة". أهـ
(٣) انظر: (١/ ١٠٤/ ب).
(٤) انظر: (١/ ٨٧).
(٥) قال الغزالي: "ثم مضى - أي ابن سريج - بأن الثوب لو وقع في ماء قليل بتحريك الريح نجس الماء". ا. هـ الوسيط (١/ ٣٣٤)، وانظر: نهاية المطلب (١/ ل ١٠٤/ ب)، البسيط (١/ ل ١٤/ ب - ل ١٥/ أ).
[ ١ / ٨٨ ]
مورودًا لتنصرف الملاقاة بالقصد إلى جهة الغسل، وليس في ذلك اعتبار منه للقصد إذا كان الماء واردًا (١)، والله أعلم.
قوله في نجاسة الأرض: "فإن كانت جامدة فطهارتها برفع عينها" (٢) كان ينبغي أن يقول يابسة؛ فإن الجامدة قد تكون رطبة فلا يكفي رفع عينها (٣)، والله أعلم.
قوله - ﷺ -: (صبُّوا عليه) (٤) ذنوبًا من ماء) (٥) حديث (٦) ثابت في "الصحيحين" (٧) رواه أنس بن مالك وغيره (٨). والذَنوب بفتح الذال: الدلو العظيمة (٩) الملأى ماءً (١٠).
_________________
(١) انظر: التنقيح (ل ٣٠/ أ)، المطلب العالي (١/ ل ٨٩/ أ).
(٢) الوسيط (١/ ٣٣٥).
(٣) بل يجب غسل موضعها مع ذلك. انظر: التنقيح (ل٣٠/ أ).
(٤) ما بين القوسين زيادة من (أ) و(ب).
(٥) استدل به الغزالي على قوله في النجاسة المائعة الواقعة على الأرض كالبول: يفاض الماء عليها بحيث تحصل به الغلبة على النجاسة. ثم ذكر قول أبي حنيفة: أن هذا زيادة في النجاسة، فقال الغزالي: وهو مخالف لقوله - ﷺ - ثم ساق الحديث. الوسيط (١/ ٣٣٥).
(٦) في (ب): حديث صحيح ثابت.
(٧) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الوضوء، باب صبَّ الماء على البول في المسجد (١/ ٣٨٥) رقم (٢١٩)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الطهارة، باب وجوب إزالة النجاسات إذا حصلت في المسجد (٣/ ١٩٠).
(٨) رواه البخاري في الموضع السابق عن أبي هريرة - ﵁ - برقم (٢٢٠).
(٩) في (أ) و(ب): العظيم.
(١٠) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٧١)، شرح النووي على مسلم (٣/ ١٩٠)، فتح البارى (١/ ٣٨٧).
[ ١ / ٨٩ ]
وقال ابن السكيت (١): "هي التي فيها ماء قريب من الملء، ولا يقال لها وهي فارغة ذَنوب"، والله أعلم.
قوله: "ولا تفريع على هذا القول" (٢) ثم إنه فرَّع عليه عقيبه (٣)، ففهم منه أنه أراد بقوله "لا تفريع عليه" أنه لا ينبني عليه حكم ولا عمل به (٤)، والله أعلم.
ذكر حديث لبابة بنت الحارث (٥) عن رسول الله - ﷺ -: (إنما يغسل من بول الصبية ويرش على (٦) بول الغلام) (٧) ولبابة هذه بضم اللام وبباء موحدة
_________________
(١) شيخ العربية أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن السكيت البغدادي النحوي المؤدب، مات سنة ٢٤٤ هـ، له كتاب إصلاح المنطق قال عنه الذهبي: كتاب مشكور في اللغة، وله غيره من التصانيف نحوًا من عشرين كتابًا. انظر ترجمته في: طبقات النحويين واللغويين للزبيدي الأندلسي ص: ٢٠٢، السير ١٢/ ١٦، البداية والنهاية ١٠/ ٣٦٠، مراتب النحويين لأبي الطيَّب اللغوي ص: ١٥١. انظر قوله في إصلاح المنطق ص: ٣٦١.
(٢) الوسيط ١/ ٣٣٥. قبله: وللشافعي - ﵁ - قول قديم في أن الأرض إذا جفت عن البول بالشمس عادت طاهرة. ثم قال: ولا تفريع الخ.
(٣) حيث قال: "إلا الآجر الذي عجن بماء نجس؛ فإنه طاهر على القديم؛ لأن تأثير النار أكثر من تأثير الشمس" أهـ الوسيط ١/ ٣٣٥ - ٣٣٦.
(٤) انظر: التنقيح ل ٣١/ أ.
(٥) هي لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية أخت ميمونة أم المؤمنين، زوجة العباس بن عبد المطلب وأم أولاده الستة: الفضل، وعبد الله، ومعبد، وعبيد الله، وقثم، وعبد الرحمن، أسلمت قديمًا، توفيت في خلافة عثمان قبل زوجها العباس، روي لها عن رسول الله - ﷺ - ثلاثون حديثًا. انظر ترجمتها في: أسد الغابة ٧/ ٢٥٣، تهذيب الأسماء ٢/ ٣٥٤، الإصابة ١٢/ ٢٧٦.
(٦) في (ب): من.
(٧) الوسيط ١/ ٣٣٧. وقبله: أما المخففة - أي النجاسة - فبول الصبي قبل أن يطعم، يكفي فيه رش الماء بحيث يصيب جميع موارد النجاسة، ولا يشترط الإجزاء ولا الغسل بخلاف الصغيرة، ثم ساق الحديث.
[ ١ / ٩٠ ]
مكررة، وهي أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب. وهذا الفرق بين البولين قد رويناه (١) في "سنن أبي داود السجستاني" (٢)، و"السنن الكبير" للبيهقي (٣)، وغيرهما (٤)، وبعضها يزيد على بعض، فرويناه من حديث لبابة، وأبي السمح مولى النبي - ﷺ - وخادمه (٥)، وعلي ابن أبي طالب (٦)، وأم سلمة (٧) رضي الله
_________________
(١) في (ب): روينا.
(٢) في كتاب الطهارة، باب بول الصبي يصيب الثوب ١/ ٢٦١ رقم (٣٧٥).
(٣) في كتاب الصلاة ٢/ ٥٨١ رقم (٤١٥٤).
(٤) وممن رواه كذلك ابن ماجه في سننه كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم ١/ ١٧٤ رقم (٥٢٢)، وأحمد في المسند ٦/ ٣٣٩، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ١٤٣ رقم (٢٨٢)، والحاكم في المستدرك ١/ ١٦٦ وقد صحَّح الحديث ووافقه على ذلك الذهبي، والبغوي في شرح السنة ١/ ٣٨٥ برقم (٢٩٥)، وقال ابن الملقن في تذكرة الأخيار ل ٩/ ب: "صحيح". وراجع التلخيص الحبير ١/ ٢٥٤ وما بعدها.
(٥) يقال: إن اسمه إياد، قال ابن عبد البر: "يقال إنه ضلَّ ولا يدرى أين مات". انظر ترجمته في: الاستيعاب ١١/ ٣١١، الإصابة ١١/ ١٧٩. وحديثه في سنن أبي داود، كتاب الطهارة ١/ ٢٦٢ رقم (٣٧٦)، وسنن النسائي كتاب الطهارة ١/ ١٧٤ رقم (٣٠٣)، وسنن ابن ماجه كتاب الطهارة وسننها ١/ ١٧٥ رقم (٥٢٦)، وصحيح ابن خزيمة ١/ ١٤٣ برقم (٢٨٣)، والمستدرك للحاكم ١/ ١٦٦ وصحَّحه ووافقه الذهبي على ذلك، وغيرها.
(٦) حديثه رواه أبو داود في الموضع السابق برقم (٣٧٨)، والترمذي في جامعه أبواب الصلاة، باب ما ذكر في نضح بول الغلام الرضيع ٢/ ٥٠٩ رقم (٦١٠) وقال: "هذا حسن صحيح"، وابن ماجه في الموضع الساق برقم (٥٢٥)، وعبد الرزاق في مصنَّفه ١/ ٣٨١ برقم (١٤٨٨)، والإمام أحمد في المسند ١/ ٩٧، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ١٤٣ رقم (٢٨٤)، وابن حبَّان في صحيحه - انظر الإحسان ٤/ ٢١٢ رقم (١٣٧٥)، والحاكم في المستدرك ١/ ١٦٥ وقال: "وهو صحيح على شرطهما ولم يخرَّجاه"، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٥٨٢ رقم (٤١٥٨)، والبغوي في شرح السنة ١/ ٣٨٦ رقم (٢٩٦)، وغيرهم.
(٧) حديثها رواه أبو داود في الموضع السابق برقم (٣٧٩)، وابن أي شيبة في مصنَّفه ١/ ١٢١، والبيهقي في الموضع السابق برقم (٤١٦٢)، وغيرهم.
[ ١ / ٩١ ]
عنهم - وفي بعضها (ما لم يطعم) لكن موقوفًا على علي وأم سلمة (١)، فهو حديث حسن يحتج به، وإن لم يلتحق بدرجة الحديث الموسوم بالصحيح. إلا أن التردد المذكور في "الوسيط" بين الحسن والحسين (٢) ليس في حديث لبابة، بل فيه الجزم بالحسين بلفظ التصغير، والترديد بينهما هو في حديث أبي السمح. وقد ثبت في "الصحيحين" (٣) في بول الغلام خاصة حديث أم قيس بنت محصن (٤) (أنها جاءت النبي - ﷺ - بابن لها صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه رسول الله - ﷺ - في حجره فبال عليه، فدعا رسول الله - ﷺ - بماء فنضحه عليه ولم يغسله).
قوله (٥) في "الوسيط": "ومنهم من قاس الصبية عليه. وهو غلط لمخالفة النص" (٦) هذا غير مرضي من جهتين: إحداهما (٧): إيراده إياه وجهًا لبعض
_________________
(١) انظر: عن علي في سنن أبي داود الموضع السابق برقم (٣٧٧)، والسنن الكبرى برقم (٤١٦٠)، وعن أم سلمة عند أبي داود برقم (٣٧٩) والسنن الكبرى برقم (٤١٦٣).
(٢) قال الغزالي: "لما روي أن الحسن أو الحسين - ﵄ - بال في حجر رسول الله - ﷺ - فقالت لبابة بنت الحارث أأغسل إزارك؟ فقال رسول الله - ﷺ - ". الوسيط ١/ ٣٣٧.
(٣) انظر صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الوضوء، باب بول الصبيان ١/ ٣٩٠ رقم (٢٢٣) وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الطهارة، باب حكم بول الطفل الرضيع ١/ ١٩٣ - ١٩٤، واللفظ المذكور للبخاري.
(٤) هي أم قيس بنت مِحْصَن بن حُرثان الأسدية، أخت عكاشة بن محصن، أسلمت بمكة قديمًا وبايعت وهاجرت إلى المدينة، يقال: إن اسمها أميمة، روى عنها من الصحابة وابصة بن معبد، كما روى عنها عبيد الله بن عبد الله، ونافع مولى حمنة. انظر ترجمتها في: الاستيعاب ١٣/ ٢٦٧، الإصابة ١٣/ ٢٦٩.
(٥) في (أ) و(ب): وقوله.
(٦) الوسيط ١/ ٣٣٨.
(٧) في (أ): أحدهما.
[ ١ / ٩٢ ]
الأصحاب، وهو القول المنصوص عليه للشافعي (١). والثانية: إنزاله إياه بمنزلة الغلط، وهو يرتفع عن (٢) ذلك ارتفاعًا، وذلك أن الشافعي - ﵁ - نصَّ على جواز الرش على بول الغلام مستدلًا بالسنة فيه، ثم قال: "ولا يتبين لي فرق بينه وبين بول الصبية". هذا ما نقله المزني في "مختصره" (٣)، ونقل صاحب "جمع الجوامع من كتب الشافعي ومنصوصاته" (٤) نصَّه على جواز الرش على بول الصبي قبل أن يطعم، وأنه احتج فيه بحديث أم قيس بنت محصن، ثم قال: "ولا يتبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثابتة، ولو غسل بول الجارية أكلت الطعام أو لم تأكل كان أحب إليَّ احتياطًا، وإن رشَّ ما لم تأكل الطعام أجزأ إن شاء الله تعالى". ولم ينقل عنه غير هذا، فذكر الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي أن أحاديث الفرق بينهما كأنها لم تثبت عند الشافعي - ﵁ - وإلى مثل ذلك ذهب البخاري ومسلم حيث لم يودعا شيئًا منها كتابيهما، إلا أن البخاري استحسن حديث أبو السمح. (٥) قلت: فالفرق بينهما إذًا كأنه قول مخرَّج لا منصوص، ومع ذلك لا يذكر كثير من المصنفين غيره، ولا يقوى ما يذكر من (٦) الفروق بينهما من حيث المعنى، ومن أجودها: أن بول الذكر أرق، وبول الأنثى أثخن، وألصق بالمحل. وللمسوي بينهما أن يقول: الاجتزاء
_________________
(١) انظر مختصر المزني ص: ٢٢.
(٢) في (أ): عند.
(٣) في الموضع السابق.
(٤) انظر النقل عنه في: التنقيح ل ٣١/ ب.
(٥) السنن الكبرى ٢/ ٥٨٣.
(٦) في (ب): في.
[ ١ / ٩٣ ]
بالنضح في بول الغلام إنما كان ترخيصًا لكثرة البلوى، وعسر التصون من بوله، والصغير والصغيرة سواء في ذلك (١). ولمَّا ذكر القاضي حسين نص الشافعي في (٢) أنه لا يتبين له فرق فيهما قال: "وأصحابنا يجعلون في بول الصبية قولين: أقيسهما: أنه كبول الصبي. والثاني: أنه يغسل" (٣)، قلت: ومع ما ذكرناه من رجحان التسوية فيما يرجع إلى نصَّ الشافعي - ﵁ -، فالصحيح الفرق لورود الحديث من وجوه تعاضدت بحيث قامت الحجة (به) (٤)، والفرق بينهما من حيث المعنى: أن الاعتناء بحمل الصبي أكثر والابتلاء ببوله أعظم، والله أعلم.
ثم إن في تحقيق الفرق بين هذا النضح والغسل الواجب في سائر النجاسات غموضًا، واضطرابًا من الصائرين إليه، فذهب الشيخ أبو محمَّد الجويني (٥)، والقاضي حسين (٦)، وصاحبه - صاحب "التهذيب" - (٧) إلى أنه يجب أن يُغْمَر ويكاثر بالماء كسائر النجاسات، وافتراقهما (٨) إنما هو في أنه لا يجب العصر فيه، وفي غيره وجهان، واحتج بذلك صاحب "التهذيب" (٩) على أن الأصح وجوب
_________________
(١) في (ب): في ذلك سواء، بالتقديم والتأخير
(٢) سقط من (ب).
(٣) التعليقة ٢/ ٩٣٦.
(٤) زيادة من (أ) و(ب).
(٥) انظر النقل عنه في: المطلب العالي ١/ ل ٩٥/ ب.
(٦) سقط من (أ). وانظر التعليقة ٢/ ٩٣٦.
(٧) انظر: التهذيب ص: ١٠٢ - ١٠٣.
(٨) في (أ): وافتراقها.
(٩) انظر التهذيب ص: ٩٩.
[ ١ / ٩٤ ]
العصر في غيره، خلافًا لمن ذهب إلى أن الأصح عدم وجوبه ومنهم صاحب "النهاية" (١)، والمختار ما ذكره صاحب "النهاية" من أن المعتبر فيه: أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره من المحل، بخلاف المكاثرة في غيره فإنه يشترط فيها أن تكون بحيث يجري بعض الماء من المحل ويتقاطر منه وإن لم يشترط عصره. ولقد حققت في هذه المسألة أشياء ذكرت على غير وجهها، ولله الحمد ومنه التوفيق (٢)، وهو أعلم.
وقوله: "ويغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، وفي معنى لعابه عرقه" (٣) إنما قال هذا لأن الولوغ يلازمه حصول لعابه فيما ولغ فيه؛ لأن ولوغه في اللغة: عبارة عن شربه بأطراف لسانه (٤)، والله أعلم.
قوله: "ثم خاصية هذه النجاسة العدد، والتعفير، أما العدد فلا يسقط إلا إذا غمس الإناء في ماء كثير ففيه وجهان" (٥) هذا يوهم أن (٦) الوجه المذكور في سقوط العدد غير جارٍ في التعفير، وهو جارٍ فيه (٧)، وتعليله بأنه "عاد إلى حالة لو كان عليها ابتداءً لم ينجس" (٨) يدل على سقوط التعفير عنده أيضًا، والله أعلم.
_________________
(١) انظرها: ١/ ل ١٠٣/ ب.
(٢) نقل هذا التحقيق الإمام النووي في التنقيح ل ٣١/ ب - ل ٣٢/ أ.
(٣) الوسيط ١/ ٣٣٨. وبعده: وروثه وسائر أجزائه.
(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/ ٢٢٦، القاموس المحيط ٣/ ١٥٤.
(٥) الوسيط ١/ ٣٣٩.
(٦) في (أ): بأن.
(٧) انظر: التنقيح ل ٣٢/ أ. والصحيح من الوجهين أنه لا يسقط. وانظر: فتح العزيز ١/ ٢٦٤، روضة الطالبين ١/ ١٤٢.
(٨) الوسيط ١/ ٣٣٩. وهو تعليل الوجه الثاني القائل بسقوط العدد إذا غمس في ماء كثير.
[ ١ / ٩٥ ]
قوله: "وأما التعفير فاختلفوا في معناه: فمنهم من قال: هو تعبد لا يعلل" (١) لقائل أن يقول: "التعبد ليس بمعنىً فكيف يدخل في الاختلاف في المعنى؟ وجوابه: أن الاختلاف في المعنى قد يكون في أصله، وقد يكون في تفصيله، فالقائل بالتعبد مخالف في أصله بنفيه له، والقائلان الآخران اختلافهما في تفصيله، والله أعلم.
قوله في الصابون: "وعلى قول التعبد اختلفوا عند عدم التراب، فمنهم من جوَّز؛ لأن الاستظهار أيضًا مقصود" (٢) لقائل أن يقول: هذا مناقض لكونه تعبدًا؟ وجوابه (٣) أن التعبد يتحقق بأن لا يدرك العلة، وإذا لم يدرك بعضها فلم يدركها؛ لأن الشيء ينتفي بانتفاء بعض أجزائه؛ لأن حقيقته لا تتحقق إلا بمجموعها والله أعلم.
قوله: "إذا مزج التراب بالخلَّ" (٤) صورته: ما إذا غسله سبعًا بالماء وحده، ثم أوصل التراب مرة ثامنة إلى المحل بالخلِّ (٥)، أما إذا مزج التراب بالخلِّ (٦) ثم
_________________
(١) الوسيط الموضع السابق. والمعنيان الآخران هما: الأول: معلل بالاستطهار بغير الماء ليكون فيه مزيد كلفة وتغليظ. والثاني: معلل بالجمع بين نوعي الطهور. وهذا الذي صححه النووي في التنقيح ل٣٢/ ب. وتجدر الإشارة إلى أنه ثبت بالطب الحديث أن في لعاب الكلب جراثيم لا يزيلها ولا يقتلها إلا التراب، وهذا يفيد أن الأمر فيه تعبدي والله أعلم.
(٢) الوسيط ١/ ٣٤٠.
(٣) وجوابه: مكررة في (ب).
(٤) الوسيط الموضع السابق. وبعده: فهو جائز عند من يعلل بالاستطهار، أو بالجمع بين نوعي الطهور، وهو ممتنع عند من يميل إلى التعبد.
(٥) سقط من (أ).
(٦) سقط من (أ).
[ ١ / ٩٦ ]
استعمله مع الماء فذلك جائز قطعًا، ولا يتجه فيه خلاف، إلا وجه ضعيف في أن ذلك يخرج التراب عن كونه طهورًا (١)، وليس ذلك مراد المصنف؛ فإنه إنما منع منه (٢) على وجه التعبد، والله أعلم.
قوله: "الغسلة الثامنة لا تقوم مقام التعفير إلا على وجه بعيد في أن الماء أولى بالتطهير من التراب" (٣) هذا يتجه على القول بالاستطهار، ولكن أبى ذلك فيما عُلَّق عنه في الدرس فقال: "إن عللنا بالتعبد فلا، وإن عللنا بالاستطهار بشيء آخر فلا؛ لأنه لا بد من شيء آخر ليكون فيه مزيد كلفة وتغليظ، فيتمُّ الزجر عن موالفة الكلاب، وإن عللنا بالجمع بين نوعي الطهور فيحتمل أن يقال (٤): يقوم مقامه؛ لأنهما (٥) نوعا طهور، وإن كان الطهور متحدًا، ويمكن أن يقال: أريد نوعا طهور متعدد". قلت: فإذًا ليس المراد بالاستطهار المذكور الاستطهار (٦) في قطع (٧) النجاسة بل في مقصود الزجر عن مقاربة الكلاب فطامًا (٨) لهم عمَّا (٩) اعتادوه من موالفتها والله أعلم.
_________________
(١) انظر: الإبانة ل ٣/ ب، التهذيب ص: ٩٢، فتح العزيز ١/ ٢٦٦.
(٢) سقط من (أ).
(٣) الوسيط ١/ ٣٤٠.
(٤) في (ب): يقول.
(٥) في (أ): لأنها.
(٦) سقط من (أ).
(٧) في (أ): قلع.
(٨) في (ب): فطما.
(٩) في (أ): على ما.
[ ١ / ٩٧ ]
علل في الدرس القول بأن الماء القليل لا ينجس إذا خرجت الفأرة منه حيَّة (١): بأنه ﷾ خلق الحيوانات خلقة تنقلب معها منافذها حالة بروز الخارج منها، ثم يعود المنفذ إلى ما كان، من غير أن تلاقي النجاسة البشرة (٢) الظاهرة، حتى لو رؤيت النجاسة على منفذها حكمنا بنجاسة الماء، قال: والوجهان في غير الآدمي من الحيوانات والطيور (٣)، والله أعلم.
قوله: "الجديدَ أنه إن طهر المحل فهو طاهر ما لم يتغير" (٤) فقوله في هذا القول "ما لم يتغير" يفهم (٥) منه أنه قد يطهر المحل مع تغير الغسالة فيه، وهذا غير متصور إلا على وجه ضعيف ذكره صاحب "التتمة" (٦): أنه يطهر إذا انفصل الماء غير (٧) متغير، والنجاسة غير باقية (فيه) (٨). فإذًا ينبغي أن نتأوله (٩) ونحمل على
_________________
(١) قال الغزالي في الوسيط ١/ ٣٤١: "وأما الفأرة إذا وقعت في ماء قليل وخرجت حية فلا يحكم بنجاسة الماء على الأظهر، ولا مبالاة بتقدير النجاسة على محل النجو منها الخ".
(٢) في (أ): البشرية.
(٣) انظر: المطلب العالي ١/ ل ١٠٨/ أ.
(٤) الوسيط ١/ ٣٤٢. وهو أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرها الغزالي في حكم غسالة النجاسة.
(٥) في (ب): لا يفهم.
(٦) انظر النقل عنه في: التنقيح ل ٣٣/ ب، المطلب العالي ١/ ل ١٠٩/ أ - ب.
(٧) هكذا مثبتة في جميع النسخ، ولعل الصواب حذفها حتى يستقيم الكلام. قال النووى: "وحكى المتولي وجهًا ضعيفًا أن في الغسالة إذا انفصلت متغيرة وقد زالت النجاسة عن المحل يكون المحل طاهرًا". أهـ التنقيح ل ٣٣/ ب.
(٨) زيادة من (أ) و(ب).
(٩) أي حتى يوافق الأصحاب والمذهب على أن الغسالة ما دامت متغيرة فالمحل نجس. انظر: الحاوي ١/ ٣٠٢، التعليقة للقاضي أبي الطيب ١/ ل ٩٢/ ب، التعليقة للقاضي حسين ١/ ٤٧١، المهذب ١/ ٨.
[ ١ / ٩٨ ]
تغير يحدث فيها بعد انفصالها عن المحل، فإن المغيِّر للماء ربما تأخر (١) تأثيره عن حالة وقوعه فاعلم ذلك، والله أعلم.
_________________
(١) في (أ): تغير.
[ ١ / ٩٩ ]