قوله: "و(١) من صحت صلاته في نفسه صحَّ الإقتداء به إلا المقتدي، والمرأة، والأمي" (٢) هذا الحصر غير سالم؛ إذ ليس المراد بقوله "صحَّ الإقتداء به (٣) " صحة الإقتداء به على الجملة، بل صحة الإقتداء به مطلقًا؛ بدلالة استثنائه المرأة، والأمي اللذين يصح إقتداء مثلهما بهما (٤)، وعند هذا يرد عليه ما إذا اختلف اجتهاد شخصين في القبلة، وفي (٥) الأواني، وأشباه ذلك؛ فإنه لا يصح إقتداء أحدهما بالآخر مع صحة صلاته في نفسه (٦)، والله أعلم.
ما ذكره في إقتداء القارئ بالأمي من أن الجديد أنه لا يصح، والقديم أنه يصح، والقول المخرَّج أنه يصح في الصلاة السرِّية ولا يصح في الجهرية (٧). مخالف للنقل الصحيح المعروف في التصانيف: إنما القديم هو ما جعله مخرَّجًا وهو الفرق بين السرِّية والجهرية، والمخرَّج هو ما جعله القديم، وهو أنه يصح مطلقًا (٨)، والله أعلم.
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) الوسيط ٢/ ٦٩٩. وقبله: وكل من لا تجزيء صلاته عن وجوب القضاء فلا يصح الإقتداء به كمن لم يجد ماء ولا ترابًا، ولو اقتدى به مثله ففيه تردد. ومن صحت إلخ
(٣) سقط من (ب).
(٤) انظر: الإبانة ل ٤٢/ أ، حلية العلماء ٢/ ١٩٩، ٢٠٤، روضة الطالبين ١/ ٤٥٥.
(٥) سقط من (ب).
(٦) راجع: الحاوي ٢/ ٧٢، التعليقة للقاضي حسين ٢/ ٦٨٧.
(٧) انظر: الوسيط ٢/ ٧٠١.
(٨) انظر: الحاوي ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١، التعليقة للقاضي حسين ٢/ ١٠٣٣، وقد نسب هذا النقل الرافعي والنووي إلى الجمهور انظر: فتح العزيز ٤/ ٣١٨، المجموع ٤/ ٢٦٧.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
قوله: "قال - ﷺ -: يؤمكم أقرؤكم، فإن لم يكن فأعلمكم بالسنة، فإن لم يكن، فأقدمكم سنًَّا" (١) هذا حديث رواه أبو مسعود عقبة (٢) بن عمرو البدري الأنصاري أخرجه مسلم في "صحيحه" (٣) ولفظه (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنَّة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًَّا) وهذا بظاهره يحتج به لأبي حنيفة وأحمد في تقديمهما الأقرأ على الأفقه (٤)، وجوابه ما ذكره في (٥) الكتاب من أن أقرأهم في ذلك العصر كان أفقههم (٦). ولو قال: كان أقرؤهم فقيهًا لكان أسلم (٧). وقد قال الشافعي - ﵁ -: (كانوا يسلمون كبارًا فيتفقهون (٨) قبل أن يقرأوا) (٩). قلت: فإذًا في قوله (يؤم القوم أقرؤهم) تقديم الأقرأ الأفقه،
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٧٠٣. وقبله: الفصل الثاني: فيمن هو أولى بالإمامة: - ثم ذكر الحديث -.
(٢) في (أ): أبو مسعود بن عقبة، و(ابن) هنا مقحمة.
(٣) انظره - مع النووي - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة ٥/ ١٧٢ - ١٧٣.
(٤) الموجود في كتب الحنفية تقديم الأفقه على الأقرأ، وهكذا نقله عنهم النووي في المجموع ٤/ ٢٨٢، وانظر: شرح فتح القدير لابن الهمام ١/ ٣٤٧ - ٣٤٨، بدائع الصنائع ١/ ١٥٧ - ١٥٨، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين عليه ٢/ ٢٩٤. أما مذهب أحمد فهو كما قال ابن الصلاح تقديم الأقرأ على الأفقه انظر: المغني ٣/ ١١ وقد نسبه إلى أصحاب الرأي، الفروع لابن مفلح ٢/ ٤، شرح الزركشي على مختصر الخرقي ٢/ ٨٠.
(٥) في (ب): ما ذكر إلى.
(٦) انظر: الوسيط ٢/ ٧٠٣.
(٧) من حيث إنه قد يكون أكثرهم قراءة، ولكن ليس أكثرهم فقهًا رغم أنه فقيه، والله أعلم.
(٨) في (ب): فيفقهون.
(٩) الأم ١/ ٢٨٣.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
أو الأقرأ الفقيه، أو القارئ الفقيه، على الفقيه الذي ليس بقارئ إلا أنه يحسن الفاتحة وما يكفي المصلي. وفي قوله (فإن كانوا في القراءة (١) سواء فأعلمهم بالسنة) تقديم الأفقه من القارئَين المتساويَيَن (٢) في القراءة على الآخر. ونحن قائلون بكل ذلك فاعلم ذلك فإنه من المشكل على المذهب، والله أعلم.
قوله: "فأحق الخصال الفقه، ثم ظهور الورع، ثم السنُّ، والنسب" (٣) ترك القراءة وهي من (٤) آكدها فهي خمس، ومن الأصحاب من ضمَّ إليها الهجرة فجعلها ستًا (٥)، والله أعلم.
ما ذكره من الاحتجاج لتقديم النسب بقوله - ﷺ -: (قدموا قريشًا). ولتقديم (٦) السنِّ بقوله: (فأقدمهم سنًَّا) (٧) فهذا صحيح الإسناد صحيح (٨). و(قدموا (٩)
_________________
(١) في (ب): بالقراءة.
(٢) في (أ): المتساوين.
(٣) الوسيط ٢/ ٧٠٣.
(٤) سقط من (ب).
(٥) انظر: التهذيب ص: ٦٣٦.
(٦) في (د): ولتقدم، والمثبت من (أ) و(ب).
(٧) انظر: الوسيط ٢/ ٧٠٣.
(٨) هو جزء من حديث أبي مسعود البدري المتقدم الذي رواه مسلم، وروى أيضًا عن مالك بن الحويرث قال: قال رسول الله - ﷺ -: ( فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم) انظر: صحيح مسلم - مع النووي - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة ٥/ ١٧٤، والحديث رواه كذلك البخاري في صحيحه - مع الفتح - كتاب الأذان، باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد ١/ ١٣٠ رقم (٦٢٨).
(٩) في (أ): وحديث قدموا إلخ.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
قريشًا) إسناده مرسل (١)، وهو وإن كان مرسلًا جيِّدًا لا يبلغ درجة الصحيح، والله أعلم.
_________________
(١) رواه الإمام الشافعي في الأم ١/ ٢٨٧، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٣/ ١٧٢ رقم (٥٢٩٧) وقال: "هذا مرسل، وروي موصولًا وليس بالقوي". وراجع التلخيص الحبير ٤/ ٣٣٤، المقاصد الحسنة ص: ٣٠٤، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته ٢/ ٨٠٨ رقم (٤٣٨٣)، وفي إرواء الغليل ٢/ ٢٩٥ رقم (٥١٩).
[ ٢ / ٢٤٥ ]